|
#1
|
|||
|
|||
|
ليس في الناس احدا أحق بالحب والبر من الوالدين , فهما سبب وجود الإنسان في هذه الحياة , وهما اللذان قاما على رعايته وتربيته والاعتناء به حتى كبر , واشتد عودُة , وأصبح يعتمدُ على نفسه في تدبير شئونه .
الأم حملته في بطنها , وأرضعته من حليبها , وأطعمته بيدها , وسهرت عليه عند المرض . والأب تكفل بحاجاته , وتوجيهه , وتعليمه , وحمايته من كل خطر يمكن أن يصيبه . والوالدان يفعلان ذلك كله , وقلوبهما تفيض بالمحبه والحنان , لاينتظران أجراُ ولا شكوراً أليس من واجب الأبناء بعد ذلك كله , أن يكرموا آباءهم ويبرؤهم , اعترافا بالجميل , وورداُ للمعروف بمثله . لذلك أرشدنا ربنا سبحانه إلى بر الوالدين , بل أمر بذلك أمراً , فقال سبحانه (( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا )) وقال تعالى (( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهمها وقل لهما قولا كريما وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )) وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله : يارسول الله : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ (( قال أمك قال : ثم من ؟ قال : أمك قال: أمك , قال من ؟ قال : أبوك )) فبرُ الوالدين من أفضل الطاعات عند الله , وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر . ولاريب أن الإنسان المسلم هو أولى الناس ببر والديه , وطاعتهما , وأن يقول لهما القول الطيب الجميل , ويبتسم لهما , لاسيما إن أصبح هو في سن الرجولة , وأصبح والده في سن الشيخوخة . 0 بر الوالدين وصلة الرحم : ابن الجوزي البغدادي : غير خاف على عاقل حق المنعم ، ولا منعم بعد الحق تعالى على العبد كالوالدين ، فقد تحملت الأم بحمله أثقالاً كثيرة ، ولقيت وقت وضعه مزعجات مثيرة ، وبالغت في تربيته ، وسهرت في مداراته ، وأعرضت عن جميع شهواتها ، وقدمته على نفسها في كل حال . وقد ضم الأب إلى التسبب في إيجاده محبته بعد وجوده ، وشفقته وتربيته بالكسب له والإنفاق عليه . والعاقل يعرف حق المحسن ، ويجتهد في مكافأته ، وجهل الإنسان بحقوق المنعم من أخس صفاته ، لا سيما إذا أضاف إلى جحد الحق المقابلة بسوء المنقلب . وليعلم البار بالوالدين أنه مهما بالغ في برهما لم يف بشكرهما . أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه ، فقال : إن لي أماً بلغ بها الكبر ، وأنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها ، وأوضئها ، وأصرف وجهي عنها ، فهل أديت حقها ؟ قال : لا . قال : أليس قد حملتها على ظهري ، وحبست نفي عليها ؟ قال : ( إنها كانت تصنع ذلك بك ، وهي تتمنى بقاءك ، وأنت تتمنى فراقها ) . ورأى عمر - رضي الله عنه - رجلاً يحمل أمه ، وقد جعل لها مثل الحوية على ظهره ، يطوف بها حول البيت وهو يقول : أَحمِلُ أُمي وَهِيَ الحَمالَة ... تُرضِعُني الدِرَةَ وَالعَلالَة فقال عمر : ( الآن أكون أدركت أمي ، فوليت منها مثل ما وليت أحب إلي من حمر النعم ) . وقال رجل لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : حملت أمي على رقبتي من خراسان حتى قضيت بها المناسك ، أتراني جزيتها ؟ قال : ( لا ، ولا طلقة من طلقاتها ) . ذكر ما أمر الله به من بر الوالدين وصلة الرحم : قال الله تبارك وتعالى: (وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوَلِدَينِ إِحساناً إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولاً كَريماً وَاِخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحمَةِ وَقُل رَبِّ اِرحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيراً). قال أبو بكر بن الأنباري : ( هذا القضاء ليس من باب الحكم ، إنما هو من باب الأمر والفرض ) . وقوله : ( وَبِالوَلِدَينِ إِحساناً ) هو : البر والإكرام قال ابن عباس : ( لا تنفض ثوبك أمامهما فيصيبها الغبار ) . ذكر ما أمرت به السنة من بر الوالدين : عن معاذ بن جبل ، قال : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( لا تعق والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك ) . عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما – قال : ( كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها ، فقال : طلقها ، فأبيت . فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : أطع أباك ) . وعن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج منها ) . وعن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بروا آباءكم تبركم أبناؤكم ) . وقال زيد بن علي بن الحسين لابنه يحيى : ( إن الله تبارك وتعالى لم يرضك لي فأوصاك بي ، ورضيني لك فلم يوصيني بك ) . تقديم بر الوالدين على الجهاد والهجرة : عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما – قال : جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، فقال : ( أحي والداك ؟ ) قال : نعم . قال : ( ففيهما فجاهد ) . عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما – قال : جاء رجل إلى النبي يبايعه ، فقال : جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان ، قال : ( فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ) . وعن أبي سعيد الخدري ، قال : هاجر رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل باليمن أبواك ) . قال : نعم . قال : ( أأذنا لك ) ؟ قال : لا . قال : ( ارجع إلى أبويك فأستأذنهما فإن أذنا لك وإلا فبرهما ) . وعن ابن عباس ، قال : جاءت امرأة ومعها ابن لها ، وهو يريد الجهاد ، وهي تمنعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقم عندهما ، فإن لك من الأجر مثل الذي يريد ) . وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما – قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد ، فقال : ( هل من والديك أحد حي ؟ قال : أمي قال : انطلق فبرهما ) . فانطلق يحل الركاب . فقال : ( أن رضى الرب عز وجل في رضى الوالدين ) . البر يزيد في العمر : عن سهل بن معاذ ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من بر والديه طوبى له وزاد الله في عمره ) . وعن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يا بن آدم ، بر والديك ، وصل رحمك ، ييسر لك أمرك ، ويمد لك في عمرك ، وأطع ربك تسمى عاقلاً ، ولا تعصه تسمى جاهلاً ) . كيفية بر الوالدين : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أدركت والدي أو أحدهما وقد افتتحت الصلاة ، فقرأت فاتحد الكتاب ؛ فقال : يا محمد ، لقلت : لبيك ) . وعن أبي غسان الضبي أنه خرج يمشي بظهر الحرة وأبوه يمشي خلفه ، فلحقه أبو هريرة ، فقال : من هذا الذي يمشي خلفك ؟ قلت : أبي قال : ( أخطأت الحق ولم توافق السنة ، لا تمش بين يدي أبيك ، ولكن أمشي خلفه أو عن يمينه ، ولا تدع أحداً يقطع بينك وبينه ، ولا تأخذ عرقاً ( أي : لحماً مختلطاً بعظم ) نظر إليه أبوك ، فلعله قد اشتهاه ، ولا تحد النظر إلى أبيك ، ولا تقعد حتى يقعد ، ولا تنم حتى ينام ) . وعن أبي هريرة ، أنه أبصر رجلين ، فقال لأحدهما هذا منك ؟ قال : أبي قال : ( لا تسمه باسمه ، ولا تمشي أمامه ، ولا تجلس قبله ) . وعن طيلة ، قال : قلت لابن عمر : عندي أمي ، قال : ( والله لو ألفت لها الكلام ، وأطعمتها الطعام ، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر ) . وعن هشام بن عروة ، عن أبيه ، في قوله تعالى : ( وَاَخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحمَةِ ) . قال : لا تمتنع من شيء أحباه . وعن الحسن أنه سئل عن بر الوالدين فقال : ( أن تبذل لهما ما ملكت ، وتطيعهما ما لم يكن معصية ) . وعن عمر رضي الله عنه ، قال : ( إبكاء الوالدين من العقوق ) . وعن سلام بن مسكين ، قال : سألت الحسن ، قلت : الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر ؟ قال : ( إن قبلا ، وإن كرها فدعهما ) . تقديم الأم في البر : وعن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يوصيكم بأمهاتكم ، إن الله يوصيكم بأمهاتكم ، إن الله يوصيكم بأمهاتكم ، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب ) . وعن خداش بن سلامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوصي الرجل بأمه ، أوصي الرجل بأمه ، أوصي الرجل بأمه ، أوصي الرجل بأبيه ، وأوصيه بمولاه الذي يليه ) . وعن الأوزاعي ، عن مكحول ، قال : ( إذا دعتك والدتك وأنت في الصلاة فأجبها ، وإن دعاك أبوك فلا تجبه حتى تفرغ ) . وعن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : جاء رجل أبا الدرداء ، فقال : أن امرأتي بنت عمر وأنا أحبها ، وأن أمي تأمرني بطلاقها . فقال : ( لا آمرك أن تطلقها ولا آمرك أن تعصي أمك ، ولكن أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إن الوالدة أوسط أبواب الجنة ) . وعن جاهمة السلمي ، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن في الجهاد ، فقال : ( ألك والدة ؟ قال : نعم ، قال : فالزمها فإن عند رجليها الجنة ) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قبل عيني أمه كان له ستراً من النار ) . ثواب بر الوالدين : وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نمت فرأيتني في الجنة ، فسمعت قارئاً يقرأ ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان ) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كذلك البر ، فكان أبر الناس بأمه ) . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الوالدين, اهميه |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|