|
#1
|
||||
|
||||
|
إلى الدعاة إلى الله : فلنتجرد لدعوتنا
![]() إلى الدعاة إلى الله : فلنتجرد لدعوتنا ![]() عبدالعزيز رجب الحمد لله وكفى،وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى،وأصلي وأسلم على نبيه المجتبي ،وعلى آله وصحبه ومن ولى. وبعد فالدعوة الصادقة إلى الله-تعالى- هي سبيل كل داعية مخلص لتبليغ هذا الدين وتبصير الناس بأخلاقه وآدابه وأحكامه كما قال تعالى:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ }[يوسف : 108]. وكل دعوة تحتاج إلى دعاة يحملونها على أكتافهم ،ويبلغونها إلى الناس،لكن ثمار هذه الدعوة مع هؤلاء الدعاة لا تؤتى ثمارها إلا إذا تجردوا لها ،واخلصوا لله رب العالمين،بحيث لا يكون لأي شيء نصيب غيرها. فما هو التجرد؟، وما هي أهميته للدعوة؟،وما هي مظاهر وسمات المتجردين للدعوة؟ ثم كيف أصبح متجردا إلى الله –رب العالمين؟ الإجابة عن هذه التساؤلات فى هذا الموضوع: تعريف التجرد: لغة: مأخوذ من مادة ج ر د، وجَرَدَ الشيءَ يجرُدُهُ جَرْداً وجَرَّدَهُ قشَره... والجُرْدَةُ بالضم أَرض مسْتوية متجرِّدة... والسماءُ جَرْداءُ إِذا لم يكن فيها غَيْم .. والتجرُّدُ التعرِّي (1) وفى الاصطلاح:هو التجرد من الأهواء المذهبية أو العنصرية أو القومية أو السياسية،بأن يَخلص نفسه لله. ويعرفه الإمام البنا : أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص ، لأنها أسمى الفكر وأجمعها و أعلاها. (2) وبمعنى آخر: أن تجعل نفسك وقفًا لله . الفرق بين الإخلاص والتجرد: ربما يظن البعض أن الإخلاص هو التجرد لأنهما متقاربان فى المعنى والمضمون ،ومن الصعب كذلك التفريق بينهما،ولكن نقاط الفرق بينهما: 1-قيل : أن الإخلاص أشمل وأعم من التجرد , لأن الإخلاص هو عبارة عن مجموعة من التجردات ; فأنا أتجرد لله في العمل , وأتجرد لله في الفكرة , وأتجرد لله في القول 2-وقيل:الإخلاص حق الله ، والتجرد حق دعوته ودينه. 3-وقيل :الإخلاص يكون قبل العمل،والتجرد يكون إثناء العمل. أنواع الناس من حيث غايتهم من عمل الخير: يختلف الناس من حيث الغاية التي من أجلها يفعلون الخير،فمنهم من يريد الدنيا ،ومنهم من يريد الآخرة،ومنهم من يريد أن يجمع بينهما،فهل تكون النتيجة واحده؟ أم تختلف حسب الغاية من العمل؟ عن ذلك يقول الإمام البنا: \"الناس رجلان: رجل يعمل ما يعمل من الخير ، أو يقول ما يقول من الحق ، وهو يبتغى بذلك الأجر العاجل ، والمثوبة الحاضرة ، من مال يجمع ، أو ذكر يرفع ، أو جاه يعرض ويطول ، أو لقب ومظهر يصول به ويجول: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14]. ورجل يعمل ما يعمل ويقول ما يقول لأنه يحب الخير لذاته ، ويحترم الحق لذاته كذلك ، ويعلم أن الدنيا لا يستقيم أمرها إلا بالحق والخير ، وأن الإنسان لا تستقيم إنسانيته كذلك إلا إذا رصد نفسه للحق والخير: {وَالْعَصْرِ , إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ , إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3] ولأنه يحب الله ويخشاه ويرجوه ، ويقدر نعمته ـ عليه في الوجود والقدرة والإرادة والعلم وسائر ما منحه إياه ، ففضله بذلك على كثير ممن خلق تفضيلا ، وهو يعلم أن الله قد أمر بالخير فقال: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج:77] ، وأوصى بالثبات على الحق ، فقال: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل:79] ، فهو لهذا يرجو ما عند الله ، ويبتغى بقوله وعمله مرضاته وحده. وقد يرتقى به هذا الشعور فيرى أن كل ما سوى الله باطل ، وكل ما عداه زائل ، فمن وجده فقد وجد كل شيء ، ومن فقد شعوره بربه فقد فقد كل شيء: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3] , فهو لهذا لا يرى أحدا غيره حتى يولى إليه وجهه ، أو يصرف نحوه حقه وخيره: {فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الذاريات:50], {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [لنجم:42] , أو لأنه يعلم أن هذه الدنيا فانية زائلة ، وكل ما فيها عرض حقير ، وخطر يسير ، من ورائه حساب عسير ، وأن الآخرة هي دار القرار ، فهو يزهد كل الزهادة في الجزاء في هذه الدنيا ، ويرجوه في الأخرى. فالمال إلى ضياع وورثة ، والجاه إلى تقلص ونسيان ، والعمر إلى نفاد وانقضاء مهما طال: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ}[النحل:96] ، {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[الأعلى:17] ، وهو يرجو المثوبة نعيما في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا. ومن الناس قسم ثالث يود أن يأخذ من هذه وتلك ، وقلما يستقيم له الأمر ، فهما ضرتان إن أرضيت أحداهما أغضبت الأخرى ، وكفتا ميزان إن رجحت واحدة شالت واحدة. على أن المقطوع به أن من أراد الدنيا وحدها خسر الآخرة ، ومن أراد الآخرة حازهما معا ، وصح له النجاح فيهما جميعا ، ومن خلط بينهما كان على خطر عظيم: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً , وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً} [الإسراء:18-19]. ومن هنا آثر الصالحون من عباد الله في كل زمان ومكان أن يتجردوا للغايات العليا ، ويصرفوا نياتهم ومقاصدهم وأعمالهم وأقوالهم إلى الله جل وعلا ، متجردين لذلك من كل غاية ، متخلصين من كل شهوة: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5]. (3) التجرد لا تعني الانسحاب من الحياة: لأنه لو تجرد الداعية من جميع الشهوات، لأصبح ملكا من الملائكة، لأن المخلوقات الذين ليس عندهم شهوات هم الملائكة، وهذا مستحيل أن يصبح الإنسان ملكاً، كيف يريد الإنسان أن يصبح ملكاً؟ ولذلك حتى في المجتمع القدوة مجتمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- حدثت هناك بعض الأخطاء الناتجة عن شهوات، فمثلاً من الصحابة من وقع في الزنا مثل ماعز والغامدية ، ومن الصحابة من قبل امرأة ،فعن ابن مسعود-رضي الله عنه-أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخبره ، فأنزل الله-عز وجل : { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود : 114] فقال الرجل : يا رسول الله ، ألي هذا ؟ قال : لجميع أمتي كلهم\". (4) فإذاً ليس المطلوب هو إلغاء الشهوات بالكلية، لأن من الشهوة ما يكون مفيداً مثل: إتيان الرجل لزوجته من أجل النسل والذرية، لو لم يكن هناك شهوة عندهما لما حصل الإنجاب ولما حصلت الذرية. فالله عز وجل جعل هذه الأشياء لحكم فيها مصالح للعباد، فلذلك إلغاءها بالكلية أمر مستحيل أصلاً، لا نفكر في إلغائها بالكلية، ولكن المطلوب هو توجيه هذه الأشياء وجهةً سليمة؛ وهذا لا يتم إلا بالتربية، والتربية هي التي تساعد في تهذيبها وتوجيهها الوجهة السليمة. أهمية التجرد: ترجع أهمية التجرد إلى 1-خطورة المرحلة: إننا في منعطف خطير، يجب علينا أن نجرد فيه دعوتنا إلى الله، وأن نجرد فيه أعمالنا لله، أن نجرد أقوالنا وأفعالنا له -جل جلاله-،وأن نبتغي بدعوتنا وقولنا وعملنا وفعلنا وجه الله- سبحانه-. فعن أبى هريرة- رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:\" طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه فى سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان فى الحراسة كان فى الحراسة وإن كان فى الساقة كان فى الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع\".(5) 2-لتمحيص الصفوف من الدعاة المزيفين: فلا يعمل للإسلام بحق إلا من تجرد لها وعمل لها بإخلاص وبذل كل ما فى وسعه من أجلها،يقول الإمام البنا: دعوة الإسلام عامة تجمع و لا تفرق و لا ينهض بها و لا يعمل لها إلا من تجرد من كل ألوانه و صار لله خالصا. (6) 3- من أجل انتصار الدعوة: يقول صاحب الظلال فى قوله تعالى:{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة : 145] . . لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها وأكبر من حياتها . فكان من ثم يجردها من كل غاية ، ومن كل هدف ومن كل رغبة من الرغبات البشرية - حتى الرغبة في انتصار العقيدة - كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته . . كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلا رضي الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون . . هذا هو الهدف ، وهذه هي الغاية ، وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها . . فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم ، إنما هو لدعوة الله التي يحملونها ...هذه هي التربية التي أخذ الله بها الصف المسلم ليعده ذلك الإعداد العجيب ، وهذا هو المنهج الإلهي في التربية لمن يريد استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين . (7) 4-أقرب طريق للوصول للقلوب: يوم يتنزه الناصح والداعي عن المطامع وحطام الدنيا تعلو مكانته عند الناس، ويعظم قدره في عيونهم، ويرون صدق إخلاصه، فيكون لذلك أثره في القبول: { إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ } [هود:88]، ما لي عندكم من غرض، ولا فيكم من مآرب، إلا أن يجري الله الخير على يدي بما أقول، إبراء لذمتي، وبما أرقب من النفع استجابة لدعوتي. فالله الله في مثل هذا السلوك؛ لأنه هو الذي يقود بإذن الله إلى حصول الأثر. |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| لدعوتنا, الله, الدعاة, فلنتجرد, إلى |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|