الإهداءات |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
|||
|
|||
|
خطبة الجمعة 21 شعبان 1432 هـ بعنوان (( ويبقى الدين )) لشيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة 21 شعبان 1432 هـ " ويبقى الدين " لفضيلة صلاح عبدالموجود حفظه الله تفريغ الأخ أبو ردينة بن غالي ![]() إِنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [ الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة.> هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأحباب: الناظرُ لحال المسلمين يرى أن الدين رق, وأن غالب أهل الإسلام ما أخذوا من الإسلامِ إلا الإسم, فنرى أن الأمة قد فقدت أصنافًا وأصولًا من هذا الدين, فهذا الدين ليس مجرد راية وليس مجرد إسم, إنما الدينُ هو تعبيدُ القلبِ قبل القالب لله -عز وجل-, وأن يكون ما فيك هو لربك -سبحانه وتعالى- {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ}.[الأنعام:162-163]. فلا ذرةَ فيك إلا ويجب أن تُعبَّد لله -سبحانه وتعالى-, كل حركاتك وكل سكناتك لابد أن تكون لله -سبحانه وتعالى-, إن تَفلَّت مرة عن عبوديتك الأبدية لله -عز وجل- هلكت. حياة قلبك أن يكون دائمًا مع الله -عز وجل-, وموت قلبك أن يقفَ لحظه بلا عبودية, وكما قيل "إن للقلب سجدة -أي لله عز وجل- إن سجدها لا يقوم منها أبدا". ولو أن عبدًا من العباد عبد الله -عز وجل- أربعين أو خمسين سنة خارًّا في طاعة الله -عز وجل- لا يعرفُ معصيةً قط, ثم غاب قلبه عن الله -عز وجل-, ما عَدَل بهذا الأربعين سنة. ربٌ كريم, جواد, رحيم, يمتنُ على خلقه بالنعم على الرغم من عصيانهم وكثرة ذنوبهم وخطاياهم, يتوددُ لخلقه ويتحبب إليهم بالنعم وبعظيم آياته, ولا يريد هذا من خلقه وعباده إلا أن يُقيموا أمره, وأن يكونوا على الأمر الذي خلقهم له, ما هو؟ العبودية المطلقة, أن تكون عبدًا لله -عز وجل- في سراءك وضراءك, أن تكون مُقيمًا لأمر الله -عز وجل- في منشطك ومكرهك, ولذلك هذه المهمة ليس لك مهمة سواها, العبودية, قال سبحانه وتعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}.[الذاريات:56-58]. إن من أعظم النعم على المسلمِ, أن نشأ مسلما, أن هداه الله -عز وجل- أن وُلد في بيئةٍ تُعينه على هذا الأمر الذي خلقه الله له, فمن أعظم النعم أن تستشعر أنك مسلمًا, من أعظم النعم أن ترى في قلبك وميض, ضوءٌ ولو خافت يدلك على الله -عز وجل-, ولكن عليك بهمةٍ عالية وبعزمةٍ صادقة أن تُقبلَ على ربك. أيها الأحباب: حالُ المسلمين الآن حالٌ فريد, ما عرفت الأمة قط هذا الغُثاء ولا هذه الإنهزامية ولا هذا البعد عن الله -عز وجل-, هو رزقهم فطلبوا الرزق من غيره, هو تكفل بحمايتهم ورعايتهم وكلائاتهم وهم غافلون مُعرضون. أمةٌ إن نظرت إليها رأيت غُثاءًا ثم غُثاءا, بل حتى لو نظرت إلى الخواص, مختلفون, متشاكسون, متنافرون, يطعن بعضهم في بعض, ويهتك بعضهم ستر بعض, ترى القلوب متنافرة, هذا يحب رئاسة, وهذا يريد منزلة, وهذا يقول أين موضعي وأين مكاني, على الرغم من أن هذه الأمة إن لاذت بالله -عز وجل- لا تعرف مكانا ولا زمانا ولا تعرفُ وجهةً قط إلا إلى الله -عز وجل-, فمن ثم؛ كان على العبدِ قبل أيام من دخول رمضان أن يُراجع نفسه, أين موضعك؟ أين مكانك؟ أين أنت ممن سبق من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وممن تابعهم؟ الأمةُ الآن وصلت إلى الإفلاس الكلي, حتى النماذج التي يُرجى أن يُحتذي بها, تتكعكع, في حالةِ من الإنهزامية, ترى أن الصلة بين الربِ وبين العبدِ فاترة في قلوب الغالب, ومن ثم كان لزامًا علينا أن نفيق, أن نفيق إفاقة قبل أن توافينا المنايا وقبل أن نخرج من الدنيا ببلايا وخطايا وقبل أن نقول {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}.[المؤمنون:99-100], فيأتيك جوابٌ هو معلوم أن الدنيا مرحلة وهي خُطة وهي مرةٌ واحدة, إن خرجت منها فليس لك مثناوية, بمعنى ليس لك عودٌ إليها أبدا, {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}.[يونس:49], وليس عود, {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}.[سبأ:52], أي بين الدنيا وبين الآخرة. فمن ثم, كان لزامًا على العبدِ أن يقف مع نفسه وقفه, أين مكاني وأين منزلي من الله -عز وجل-, لا تُخادع نفسك, هل أنت تسير بصدق؟ هل قلبك مع الله -عز وجل- ماض؟ أم أنك مُكبل, كبلتك شهوات وملذات, عطلتك آفات وبليات, ترى ما تُصبحُ فيه تُمسي, وما تُمسي تُصبح, ترى نفسك بليدًا فاترًا لا قيمة لك في هذه الحياة, قيمتك ليس بمالك وليس بجاهك وليس بمحبة الناس لك, قيمتك عند ربك بقدر طاعتك لله -عز وجل-, بقدر ما لك عند الله -سبحانه وتعالى-. لو نظرنا وتأملنا لأصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله سلم- الذين عاينوا شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- ولازموه وعاشوا في كنفه واستمعوا لكلامه, نرى أنهم مُتفاوتون, مُتفاوتون في السير, مُتفاوتون في المضي إلى الله -عز وجل-, من سبق أبا بكر؟ من وصل إلى أبي بكر؟ ماذا فعل أبو بكر؟ ماذا كان عند أبا بكر؟ كان عنده عدم إلتفات, أوقع قلبه على أعتاب العبودية والذل لله -عز وجل- فما التفت لحظه, فما وصل إليه أحد. على كل بابٍ من أبواب الطاعات سابق الصديق, على كل بابٍ إلى الله -عز وجل- كان في المقدمة, ما التفت قط, حينما يرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حث وحض على تجهيز جيش العسرة؛ ماذا فعل الصديق؟ سابق بماله كله, وفي يوم الهجرة لما خرج مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ ما في بيته كله وما ترك لبُنياته أو لأبنائه كسرة خبز, لماذا؟ هناك درجاتٌ من التوكل, وهناك هممٌ خسيسة فيها تواكل, فكان الصديقُ دوماً متوكلًا على الله -عز وجل-. ومن ثم؛ تصدق بماله كله وعلم أن الفضل من الله, ولما خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مهاجرًا, ما ترك لأهله شيء حتى أن أباه -أبو قحافة- نادى على أسماء وقال لها أخشى أن يكون رزأكم في نفسه وماله, أي خرج مُضحيًا بنفسه مع محمد وأيضًا أخذ المال, فأسرعت أسماء وأتت بأحجار وضعتها في كيس وكان أبو قحافة رجلًا ضريرا، فوضعت هذا الكيس الممتليء وقالت له ترك لنا هذا, فقال لها أبو قحافة إن ترك لكم هذا فقد كفاكم. لأن غالب الناس لا ينظرون إلا إلى المنفعةِ الظاهرة, إلا إلى المنفعةِ الحقيقة الواضحة, أما أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا, لا همَّ لهم إلا السيرُ إلى الله -سبحانه وتعالى-. أيها الأحباب: عاش الصديقُ -رضي الله عنه- عيشةً ليس له هدف إلا أن يُتابع النبي -صلى الله عليه وسلم-, ليس له هدف إلا أن تكون خطاه في الجنة, فمن ثم؛ بشره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة, بشره بالجنة, وكذلك عمر وعثمان وعلي والعشرة وهم فوق باقي الصحابة, كيف وصل هؤلاء؟ وصلوا بعدم الالتفات. الدنيا مرحلة, الدنيا قصيرة, {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.[المؤمنون:112-114], قضوا أعمارهم في المسارعةِ إلى رضي الله -عز وجل-, في المسارعةِ للوقوفِ على أعتاب العبودية فما تكعكعوا قط. ثم تابع الصحابة؛ تابعهم التابعون, وهم مَن بعد الصحابة, كانوا يضعون نصب أعينهم أنهم حُرموا من شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, ولكنهم الآن بين أيدي أصحابه, تفرقوا؛ بمعنى كلٌ أراد أن ينظر لنفسه بابًا يتشبثُ به، ويُكثر فيه من الطاعات والقربات على الرغم من أنهم على جميع الأبواب ماضون واقفون, ولكن رأوا أن هذا الجيل, جيل أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله سلم- رأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- جالسوه, استمعوا لكلامه, تابعوه في كل شيء, وهم حُرموا هذه المنزلة, فمن ثم؛ نرى منهم -أي من التابعين- من لم يذق نومًا قط. تقول زوجه حسان بن أبي سنان, كان يأتي إلى فراشي فيُلهيني كما تُلهي المرأة صبيها حتى أنام, أرقد, ثم ينسلُ من الفراش ويقوم بين يدي الله -عز وجل-, تقولُ والله لولا أعلم أنه يغضب لجذبته إلى الفراش من شدة ما يتعنى من طول القيام, صرخت في وجهه مرة, يا حسان لما تُهلك نفسك؟ ما أراك تذوق نومًا قط, فيقول حسان؛ اسكتي اسكتي يُوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها أبدا فتسكت. داوود بن أبي هند؛ كان من التابعين ويعملُ خزازا يبيع الخز -الحرير-, كان يخرج بصبوحه -بطعام إفطاره- يخرج به من البيت فيمر على أي سائلٍ فيعطيه الطعام ثم يعودُ من العشاء فيتعشى حتى لا يعلم به أحد أنه يصوم ومكث على هذا أربعين سنة. أيها الأحباب: لما تعنى هؤلاء؟ لما تعبوا؟ لما ما كان لهم حظٌ من الدنيا إلا قليل وحظُ الآخرة هو الحظُ الوافر، وقد أعلى الله ذكرهم، وشهَّر أمرهم وصاروا عند أهل الإسلامِ نجوما, لما؟ لأنهم ما التفتوا, وضعوا قلوبهم من البداية أنه لا هنأة عيش ولا راحة بال حتى يحطوا برحالهم في الجنة, لن يستروحوا في مكانٍ قط إلا بعد أن يكون باب الجنةِ خلفهم ويدخلون الجنة. أيها الأحباب: إن الأمةَ تمر بمراحل خطيرة, بكثرة الملهيات وانفتاح الدنيا, بكثرة الشواغل, بكثرة ما يُثبط ويُعطل, وعلى الرغم من هذا, وعلى الرغم من كثرة النعم إلا أن العباد وقوف, يومٌ ممل وليلٌ أشدُ مللًا وتمضي الأيام على العباد بلا هدف, ماذا سنأكل؟ ماذا سنلبس؟ أين سنسكن؟ أيها الأحباب: بعد الأتباع, تبع الأتباع, نظروا فرأوا بينهم وبين النبي -صلى الله عليه وعلى آله سلم- مسافة, وأي حسرة, أي حسرة على عبدٍ يتمنى أن يلقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يستطيع. وقد روى الإمام مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ {مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِى لِى حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِى يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِى بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ}. < مسلم (2832) >, بمعنى يتمنى أن يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يموت، بل يتمنى أن يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويفقد أهله، بل يتمنى أن يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويفقد كل شيء، لعظيم علمهم بفضل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ثم بعد ذلك فقدوا الصحابة, ما رأوا الصحابة الذين عايشوا ورأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وعاشوا في كنفه، فعظمت الحسرات, حتى رأوا الأتباع، فنظروا إلى الأتباع على ما هم عليه، فعظَّموا العمل، واجتهدوا وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل ملاحقة هؤلاء القوم، كان أمامهم {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}.[النساء:69], بذلوا كل شيء. أبو سليمان الداراني؛ لما أفاق إفاقة بعد غفلة, رأى أنه تعطل عن السير وكان جواده من البداية قد كبى, فأفاق، أقسم بالله ألا ينام إلا ساجدًا، أقسم بالله ألا ينام ليله قط، فكان ورده من بعد صلاة العشاء إلى قبيل الفجر، من صلاةٍ وتلاوةٍ لكتاب الله -عز وجل- ودعاءٍ وذكر، ونهاره كذلك، عاشوا على القليل لعلمهم أن الكثير ينتظرهم، لا كما هو حال غالب المسلمين، عاشوا على الكثير، أصابتهم تخمة، ونسوا ما ينتظرهم عند الله -عز وجل-. أبو سليمان الداراني في مرةٍ سجد وكان هذا من الليل في وقت لا ينام فيه، إلا أنه من شدة الجهد أخذته غفلة -نام- فإذا بامرأةٍ حوراء رأى هذا كما يرى النائم، ولكن نومهم ليس كنومنا وحياتهم ليست كحياتنا، رأى امرأةً حوراء تركضه برجلها وتقول له أتنام والملك يقظان يرصد أحوال المتهجدين، بئسًا لعين نامت عن الله، فانتفض فزعًا وأخبر أصحابه بعد صلاة الفجر، وهو يبكي ويقول لهم والله إن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي إلى الساعة. لما بلغ الرشيد -هارون- أن الروم نقضوا العهد وسبوا بعض نساء المسلمين فأقسم ليخرجن بنفسه إلى عظيم روما، وليلقننه درسًا بعد عهودٍ ومواثيق أنه سيعطي الجزية للمسلمين، وقيل أول غزوة خرجها الرشيد -رحمة الله عليه-، أعدَّ العدة، وجهز الجيوش، ثم دعا العلماء أن يحثوا الناس وأن يحضوهم على النفير، فبينما واعظٌ يعظ وينادي فإذا بطفل صغير يأتي بلفافةٍ من قماش -كيس- ويقول له أمي تعطيك هذا, ثم أسرع الصبي الصغير، فتح هذا الواعظ الكيس فإذا به ضفيرتان لامرأة، ضفيرتان قد قصتهما من شعرها، ومعها رسالة تقول فيها أقسم عليك بالله أن تجعل من ضفيرتي حبلان وتضعهما في سرج لفرسٍ من الخيل التي ستغزوا في سبيل الله -عز وجل-، عسى أن يطلع الله على حالي فينصر المسلمين. امرأةٌ حلقت شعرها تذللًا لله -عز وجل-، وإن كان هناك خلاف في جواز هذا أو لا، إلا أنها ما رأت أن تستذل لله -عز وجل- بنصرة الإسلام والمسلمين إلا بحلق شعرها، وأن تجعله ضفائر لأحبلٍ لفرس من خيل المسلمين. أيها الأحباب: الحال لا يحفى على أحد، ولا تقدم, وليس معنى هذا يأس، بل رحمة الله -عز وجل- وسعت كل شيء، ولكن علينا بإقدام، علينا بقومة، علينا أن نتجه إلى الله -عز وجل- بصدق، العلم كثير، بل نرى في كل نجعٍ وقرية، وكم من مدارسٍ وكم وكم، علم، والصدقات كثير، وكثيرٌ من ينفق، ونحن في حاجة إلى هذا كله, ولكن نريد أن نصدق مع الله -عز وجل- حتى يصدقنا الله. ما أعظم الصدق، وما أعظم القرب من الله -سبحانه وتعالى- حتى يُعز الفرد، وبعز الفرد قد تُعز أمة، والله الذي لا إله غيره إن الرب في كبريائه وعظمته أوشك أن يبيد من على ظهر الأرض ولكنه رحمهم، بماذا؟ بمبعث رجل، بمبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِىِّ ورواه مسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال {وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}. < مسلم (2865)، أحمد (4/162) >, ما فعلوا شيء في الصوامع والبيع، لا يقيمون لله أمرًا ولا ينهون نهيًا، فابتعث رسوله وجعله رحمةً مهداة لكل الخلق, للبشرية. حينما تصبح الأمة، أمة الدعوة, أمة الإجابة, أمة الجنة، الأمم فيمن مضى يدخلون خلفها، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- {نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ} < البخاري (238)، ومسلم (855) >. أي إلى الجنة، فإن اليهود قبلنا -أي أسلموا وتابعوا-، والنصارى قبلنا، ونحن بعدهم ولكن ندخل الجنة قبلهم، حتى أن اليهود والنصارى تنازعوا للربِ -عز وجل- كيف تُعطي لهذه الأمة أضعاف ما أعطينا؟ فشبه النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بأجير أو برجلٍ استأجر أجراء, عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ {مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ثُمَّ، قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلاً، وَأَقَلَّ عَطَاءً قَالَ هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لاَ, قَالَ فَذَلِكَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ} < البخاري (2268) >. أيها الأحباب: أقبل رمضان، أيام وندخل في بابٍ من الخير، بابٌ يحتاج إلى وقفة، وإلى استعداد قلبي، حتي إذا دخل رمضان كنت مستعدًا كيف تسير إلى الله -عز وجل-، كيف تحرك القلب؟ كيف تحرك الجوارح حتي تلين في طاعة الله -عز وجل-؟ عودوا إلى ربكم واستغفروه ............ الخطبة الثانية ![]() الحمد لله رب العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ...... عباد الله: إن على العبد أن يستحضر أمورًا، وأن يستحضر أصولًا، كيف أحرك في قلبي الخشية؟ وكيف أجلبُ إلى نفسي الخشوع؟ كيف أستشعر أنني عبيد فقير ضعيف مسكين لا حول لي ولا قوة إلا بالله، وأنه لولا الله ما كان لك وجود، لولا الله ما كان لك أصل، فكيف أستشعر الخشوع؟ كيف أجلبه إلى نفسي؟ كيف أستطيع أن أقف أمام نفسي قبل أن توافيني المنية؟ وقبل أن أخرج من الدنيا بلا زاد. أعود إلى تابع تابع الأتباع، كيف كانوا؟ سفيان الثوري -رحمة الله عليه- يقول أصحابه؛ كان إذا ذُكر أمامه الموت رأيناه تغير, وربما هام على وجهه ولا نراه، كان إذا تبول يتبولُ دمًا من خشية الله -عز وجل-، وهو رجل كباقي الرجال إلا أنه وضع الآخرة نصب عينيه، وأن باب للآخرة الموت فحقر نفسه وأذلها, كان أصحابه يقولون إذا رأينا سفيان رأينا الموت في عينيه، وكان يقول -رحمة الله عليه- لقد خفت خوفًا ما أظن إلا أنه مهلكي. كان له صاحب يتابعه فكان يراه بين الفينةِ والفينة يُخرج ورقة ينظر إليها فيتمعر وجهه ثم يعيدها إلى مكانها، قال فكنتُ حريصًا مدة من الزمان أن أعرف ما في الورقة، قال فبينما هو يتوضئ سقطت منه فأخذتها فإذا فيها يا سفيان اتقي الله، يا سفيان اتقي الله. والإمام أحمد كان إذا جلس مع أصحابه يرون عليه تغير فينصرف، فأراد أحد طلابه حاجة فسمعه من داخل البيت يصرخ، يُنادي بصوت عال، قومٌ علموا كيف يسيرون بلا تكعكع ولا تأخر، سمعه يقول: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعةً ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب لهونا لعمر الله حتى تتابعت ... ذنوب على آثارهن ذنوب. أحد الفضلاء جلس في مكانٍ فتابعه أحد طلابه فإذا هو يبكي ويندب نفسه بنحيب سمعه يقول: يظنون بي خيرًا وما بي من خير ولكني عبدٌ ظلوم كما تدري سترت عيوبي عن عيونهم وألبستني ثوبا جميلًا من الستر فصاروا يحبونني وما أنا بالذي يحب ولكن شبهوني بالغير -ذنوب الخلوات - فلا تفضحني في القيام بينهم وكن لي يا مولي في الحشر أيها الحبيب: اجعل لنفسك خطة نجاة، اجلب لقلبك الخشوع، اجعل لك مُخوِّف، رجل أعرابي أراد أن يتعلم القرآن، وأن يعرف الطريق، فاستمع إلى قارئ يقرأ {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُوَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.[الزلزلة], فقال الرجل كفى بها موعظة أن تعلم أنك ستقف بين رب سيُحاسبك على الصغير والحقير، القليل والكثير {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. احذر أيها الحبيب من الرياء، قد تأتي من الأعمال، فالناس على صنفين، صنفٌ خفي وصنفٌ ظاهر، والبلاء موكل بالصنفين إن لم تدركهما رحمة. صنفٌ ظاهر واعظٌ جيد، معلمٌ طيب، رجلٌ يُحفَّظ كتاب الله -عز وجل-، تُطنطن له الدنيا، ظاهر، ولكنه ما خلَّص القلب نظره إلى العمل، نظره إلى الأثر عند الناس، صنفٌ ظاهر. وصنف خفي مخفي لا وزن ولا ريح، زعمًا منه أنه يخشى الرأء، أو أنه لا وضع له ولا وجود له على هذه الأرض إلا أن يأكل ويشرب فقط، كالبهيمة, بل البهيمة والله الذي لا إله غيره أفضل {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}. [الأعراف:179], كالإنعام, كالبهيمة حظه من الدنيا أن يأكل وأن يشرب وأن يعيش، كما يقول البعض حياة، بئس هذه الحياة، البهائم لن تُعذب، لن تُعذب. أنت موكول بأمر من الله -عز وجل- أن تُقيمه، طاعات، أبوابٌ كثيرة لآبد أن تدخل منها، وأبوابٌ أُخر لآبد أن تُحجب عنها، طريقٌ صعب، يحتاج منك إلى وقفة، ويحتاج منك إلى جهد، والسعيد من عمل لله -عز وجل-، السعيد من انطلق وفك أسارى وقيود يديه ورجليه وبدنه وقلبه حتي يصل. والله الذي لا إله غيره إن هذه الأمة تحتاج إلى واحد فقط، ليس بكثرتها، حينما رأى أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته أن العرب قاطبة قد خرجت من الإسلام وأن الصحابة -رضي الله عنهم- يقولون نقعد في بيوتنا حتى توافينا المنية، خرج الأمر، فينبري الصديق -رضي الله عنه- ويصرخ فيهم ويقول والله لأقاتلن حتى تنفرد سالفتي، صرخ فيهم فأجابوه، وبعد سنواتٍ صارت الأرض يملؤها الإسلام. رجلٌ واحد لهذه الأمة، رجلٌ واحد، كن رجلًا مرة تلازمك الرجولة، كن رجلًا مع الله -عز وجل- يجعلك في عداد الرجال {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.[الأحزاب:23]. {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}.[النور:36-37], اجعل لنفسك خطة حتى تسير إلى الله -عز وجل- وإياك والالتفات. أسأل الله الكريم, المنان, أن يتقبل منا صالح الأعمال,
وأن يوفقنا إلى طاعته, وأن يأخـذ بأيدينـا إلى البر والرشد والهدى اللهم حبب إلينا الإيمان وزينـه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان , اللهم إنا نسألك الجنة, وما يقرب ليها من قولٍ أو عمل, ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل. وأقم الصلاة. .. اهـ ![]() ![]() ![]() ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))
__________________
قال ابن مسعود رضى الله عنه : " من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوبا ، و أعمقها علما ، و أقلها تكلفا ، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ، و إقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، و اتبعوهم في آثارهم ، و تمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم و دينهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ." [ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة : إن لم تنفعه فلا تضره ، و إن لم تفرحه فلا تغمه ، و إن لم تمدحه فلا تذمه" |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| 1432, لشيخنا, الله, الجمعة, الدين, بعنوان, حفظه, خطبة, شعبان, ويبقى |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|