الإهداءات |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
|||
|
|||
|
تفريغ خطبة الجمعة 18 من شوال 1432 هـ بعنوان (( الحرباء )) لشيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة 18 شوال 1432هـ الحرباء ![]() وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [ الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة> هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة. ثم أما بعد: في ظل المتغيرات التي تمر بها الأمة نرى أن الغالب من أبناء الإسلام قد جاروا وساروا على طريقة أعدائهم, فإن دائمًا المغلوب يتَّبعُ سنة الغالب. وربما وقعت هناك متغيرات, ولا أعني بالفروع, بل هناك متغيرات في الأصول حتى يُخشى أن يغير المسلمون هويتهم, أي الإسلام. بل ربما تغيرت عند البعض, حتى أنك لتسمع أن هناك مسلمٌ عَلْماني أو عَلَمَاني, وهناك مسلمٌ ليبرالي, وهناكٌ مسلمٌ إشتراكي, وهناك مسلمٌ ديمقراطي, وهناك مسلمٌ عقلاني, وهناك مسلمٌ حداثي, وأسماءٌ كثيرة, وما هي إلا ديانات معاصرة أراد أعدائنا أن يطمسوا بها الهوية وأن يمحوا عن هذه الأمة دينها. فعلمانية؛ بمعنى عالم وأنه لا دين على ظهر الأرض البتة, وإن كانوا يقرون بالديانة اليهودية والنصرانية لأنهما حرفتا, إلا أنهم لا يُقرون بالإسلام البتة. وهناك ليبرالية, وهي حريةٌ مطلقة, بمعنى التخلص من قيود الأديان فلا قيد لدين, وإن كانت الأديان السابقة ليس فيها أي قيود, فإن اليهود قد أطلقوا العنان في سب الرب فقالوا بأن {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}. [التوبة:30], وقالوا {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. [المائدة:64], وقالوا {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}. [آل عمران:181]. والنصارى قالوا بأن المسيح هو الله, وقالت طائفةٌ هو ابن الله, وقالت طائفةٌ هو ثالثُ ثلاثة الأب والأبن والروح القدس, ولكن الإسلام صار هو المُوجهة, أي الذي يُوجهون العداء له. وأعداء الإسلام على مر العصور والدهور كثر {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. [البقرة:120], وهذا خطابٌ للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما تابعهم ولا تبع ملتهم طرفة عين, بل ظل يبلِّغ عن الله -عز وجل- وكذلك أصحابه, وما وقع هناك خللٌ قط ولا مداهنة ولا موافقة, بل قال عز وجل {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}. [القلم:9], والمداهنة الموافقة والنزول على بعض الأصول الخلافية بينك وبين عدوك, ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- مضى في طريقه يدل على الله -عز وجل- بما أمره الله -سبحانه وتعالى- به. بل نرى أن أهل الباطل كانوا يحاولون وضع وسط, توسطٌ في الأمر بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, بعد أن يأسوا وكانوا هم الكثرة والنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هم القلة, بعد أن وجدوا أن العدواة وأن المحاربة وأن الضغط لا يُجدي مع محمدٍ صلي الله عليه وسلم وأصحابه, لجئوا إلى طريق المواطنة, أن نعيش في سلام وأن نعيش في أمان وعرضوا على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خُططًا كثيرة, منها؛ قالوا يا محمد نجعل بيننا وبينك أمرا أن نعبد إلهك يومًا وأن تعبد إلهنا يومًا, يكون هناك نوعٌ من التوازن والتقارب بين الفئتين, بين المسلمين وبين المشركين, قال لا. دارت الأيام وهم في غليان يريدون خطة وفاق بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, جاءوه فقالوا يا محمد نمنعك أن تسب ألهتنا, وما كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- سبابًا ولا شتامًا ولا عيابا, ما سب احدًا قط لا مشرك ولا مسلم, ولكن السب في عرف قريش هو غمز الباطل الذي هم عليه, وهو الطعن في ألهتهم, قال لا, وظل على أمره ومعه أصحابه وهم يُعذبون ويُنكل بهم وهم ماضون رغم أنهم قلة. كان يجهر مدويًا بلا مواربة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}. [الكافرون:1-5], ونرى أن هناك تكرار بكلمة الكفر, وغالبًا حينما يرى أهل الباطل هناك تقارب بينهم وبين الحق يعظم باطلهم, وهذا في عرف الأراء الأرضية, يعنى لو أن هناك مذاهب أرضية من صنع البشر دائمًا القوي هو الأعلى والضعيف هو الأدنى, فكيف لو كان هذا أمر الله -عز وجل- بأن الله أرسل رسولًا وأرسله إلى البشرية كافة يدعوهم إلى لا إله إلا الله وإلى نبذ ما دون الله -عز وجل-. فصرخت فيهم مدويًا {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} تثبيت وتكرار وتأكيد, {َلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ} هناك مفاصلة بين الحق وبين الباطل, لا يشترط أن تكون هناك عداوات ظاهرة أو أن هناك حروبٌ قائمة, إذ في العهد المكي ما أُذن لمسلمٍ قط برد فضلًا عن أن يقاوم ما يقع عليه من ظلمٍ وبغي, فضلًا عن أن يُباديء أحدًا بسبٍ أو بعراك, بل أذن الله لهم بالصبر والصمت والسكوت {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. [النساء:77] فكفوا أيديهم, عُذبوا ونُكل بهم, سحبوا في رمضاء مكة, حُرِّقوا بالنار, قُتل منهم البعض والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم صبرًا إن موعدكم الجنة. إن هذه التربية الذي تربى بها الجيل الأول صنعت منهم رجالًا ليس لهم وجهة ولا هدف إلا أن يسيروا إلى الله -عز وجل-, ليس لهم راية إلا الإسلام، ولا قول إلا لا إله إلا الله. طالت المدة وضغطة قريش قوية إلى أن جاءوه وقد رأوا أنه لا حل وأن السبيل مع هؤلاء أنهم يريدون الموت على أن يوفقوا أو يوائموا أهل الكفر, فعرضوا خطة واجتمع كبراء القوم وقالوا ما تقولون في محمد, ما رأينا منه إلا خيرًا وما نعلم عنه إلا خيرًا, إنه مكرم العشير, حسن الخلق, أمين, وإنه على أمرٍ لن يتركه أبدًا وهو ماضٍ فيه, فلو جعلنا هذا الشرف لنا وذهبنا إليه فعرضنا عليه خطة، شريطة أن يدع سب ألهتنا وأن نجعله في منصبٍ ومكان شارفًا عاليا, فاجتمعوا على هذا الرأي وذهب كبرائهم وقعدوا معه- صلى الله عليه وسلم- فتكلموا وعرضوا خططهم. إن كان أراد المال ليسكن عنهم, فالمال وفير وإن قريش كان فيهم المرابي وفيهم أصحاب التجارة والمال عندهم كثير, فإن أراد مالًا أعطيناه, وإن أراد زواجًا -وما تزوج بعد ما كان عنده ما يبلغ به أسباب الزواج- فإن أراد زواجًا يسرنا له الأمر وزوجناه أجمل نساء العرب, ثم قالوا يا محمد إن اردت ملكًا ملكناك, إن أردت بأمرك هذا أن تكون حاكمًا قويًا ذا شوكة جعلناك علينا ملكا وماضٍ فينا أمرك, إن أردت أن نميل على العرب قاطبة أو أن نتابعك فيما أردت فعلنا ملكناك, وكل هذه الخطط النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لا. ما معنى لا؟ ما معنى عدم موافقة أهل الباطل ولو قيد شعره؟ لأن هذا أمر الله -عز وجل- لا يعرف المثناوية, لا يعرف الترقيع, لا يعرف التمييع, أمر الله -عز وجل- إذا جاء وجب على العبد أن يثبت وأن يمضي كما أراد الله -عز وجل- لا أن يوافق الهوى ولا أن يتغير كتغير الليل والنهار، كم من أقوام كانوا في الصدارة فتراجعوا؟ كم من أقوام كانت لهم منزلة فسقطوا؟ وكم وكم وكم؟ والساقطون كثير، وإن أعظم المصاب هو أن المغلوب يرى أنه منكسر، ويرى أنه منهزم فيتابع الغالب، ويسير على نهجه وعلى طريقته. ظل أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم على حالهم، ما أذن لهم بشيء، وما رأوا شيء، إلى متى؟ لقد عظم الظلم وأشتد البغي بين العبيد والحرائر، بين العبد وبين الحر، وقامت قريش قومة من تعذيب وتنكيل وتضيق ومنع، حتى أن المسلمين حبسوا حبسًا إجباريًا في شعب أبي طالب، لا يصل إليهم الماء ولا الطعام، حوصروا لا يخرج منهم واحد ولا يدخل إليهم واحد، حتى أن خديجة رضي الله عنها كانت ترسل ابن أخيها ببعض الطعام أو الشراب، فبمجرد أن يصل إلى حدود الشعب يلقى الطعام ويسكب الماء، سنوات ثلاث والمسلمون ذاقوا فيها ويلات الصعاب والشدائد، لما لم يتنازلوا؟ لما لم يوافقوا قريش على خطة؟ وقد عرضت قريش الخطط، عندها خططًا كثيرة ولهم عقلاء، يفاوضون عنهم، ويتكلمون بلسانهم. ويأتون إلى النبي صلي الله عليه وسلم يا محمد ما رأينا سخلة أشأم على قومها منك، إن قومك عرضوا عليك كل شيء، وأنت مصر على ما أنت عليه تراجع، فيقول صلي الله عليه وعلى آله وسلم والله لا أدع ما أناعليه حتى ولو أتوا بشعلى من الشمس، وظل ماضيًا في طريقه طريق شوك وطريق صعاب، وضغطة قريش حتى أن سعد بن أبي وقاص يصف حاله كان أحدنا يبحث عن جلد البعير فيطحنه ويسفه، وينظر إلى بعض أوراق الشجر فيمصها، وإلى النواة فيضعها في فمه حتى يبرِّد فمه. قريش التي نادت بمكارم الأخلاق، وصرخت في العرب أنهم يطعمون الحجيج، وينصرون المظلوم، ما بالهم يروا أطفالًا المسلمين يتضغون جوعًا ولا يطعمونهم طعمة، ما بالهم يرون المسلمين يتقلبون في قلة عيش من نقص في الطعام والشراب وهم يضحكون ويمرحون، ويشتد الحصار ويعظموا الضغطة، وما بال نبينا صلي الله عليه وسلم ثابت ماض على ما هو عليه، حتى انكشفت وانقشعت الغمة، ولكن الغمم كثيرة. هذا الطريق كان نبينا صلي الله عليه وسلم يقول لأصحابه يقول لآل ياسر وهم في آخر رمق صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، إن الدنيا للمسلم ليست بدار قرار وليست بمغنم، إنما المغنم فيها أن تعمل لله عز وجل حتى تدخل الجنة، فلا مغنم لك إلا هذا، تتقلب على أقوام من خير وشر، من سعة وضيق، وليس لك فيها إلا بلغة، وليس المعنى البلغة النعل، إنما ما يبلغك، ما يبلغك في السير إلى أن تصل إلى الجنة. أيها الأحباب النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم ظل على أمره إلى أن مكن له، والتمكين كان أعسر وأصعب من هذا الوقت الذي قضاه في مكة، لأن الأعداء كثر، ولأن أمر التمكين أعظم، ولأن النفوس حال التمكين تختلف عن حال الاستضعاف، فإن العبد حال ضعفه أقرب ما يكون من الله، حينما يرى أنه لا حول ولا قوة له إلا بالله، ولكن حينما تفتح ثقاب الدنيا على عبد من مال ومنصب أو جاه سرعان ما يشمخ وسرعان ما يعلو، وسرعان ما ينسى وسرعان ما يسقط. ولذلك حينما تقف أمام عمر دعوة النبي صلي الله عليه وسلم ترى أنه ما سكن ولا استروح ولا هدء مع أعداء الإسلام إلا عامين فقط، ما يقارب الواحد والعشرين سنة في حرب ضروس مع قومه، لا أقول مع أعدائه، مع قومه، فلما سكن قومه بكسرهم وبوضع السيوف على رؤوسهم، وبقوله لهم ما تظنون يا معشر قريش أني فاعل بكم؟ ما نسي الماضي، ما نسي ظلم قريش، ولا ضغطتهم ولا حربهم لإطفاء نور الإسلام أبدًا، ولكنه طريق لا يعرف التشفي، ليس في الإسلام أحقاد ولا أضغان حتى مع أعداء الله عز وجل، حينما يسمع قول الله عز وجل {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}. [المائدة: 17]. وحينما قال عز وجل {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}. [المائدة: 73]. بعد ذلك قال عز وجل، قال الكريم المتعال {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)}. [المائدة]. أي رحمة من الملك، لمن ؟ لمن ادعى أن عيسى هو الله، لمن ادعى أن عزيز هو الله، لمن ادعى أن هناك شركاء مع الله عز وجل، يقول سبحانه {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)} وكيف السبيل لوصول هؤلاء لدعوتهم ولإخبارهم بأمر الله عز وجل، ولدعوتهم إلى الله عز وجل؟ كيف الوصول إليهم؟ وأنت ترى الأن الصراخ لإطفاء نور الإسلام. ترى من يقول أنا مسلم علماني، ما معنى هذا؟ كمن يقول أنا مسلم يهودي، ما الفرق بين هذا وهذا، بل إن اليهودي صاحب كتاب، وإن النصراني صاحب كتاب، هم أهل كتاب كما أراد الله عز وجل، أحل الله عز وجل الزواج من نسائهم، وأحل أن نأكل من ذبائحهم، فما بالكم بمن يقول أنا مسلم علماني، والعلمانية لا دين اليتة، إقصاء السماء عن الأرض، إلهكم قاعد في السماء لا علاقة لنا به قط، أما الدين هو أن نقرر نحن بعقولنا وأرائنا ما نسير به دنيانا، أما الله فلا. ومن ثم حينما ننظر إلى تاريخ العلمانية نرى ظلمًا وبغيًا، إن العلمانية كالحرباء، الحرباء تراها في الأخضر لونها أخضر، وفي الأحمر لونها أحمر، وفي الأسود لونها أسود، لونها أسود، حينما قامت العلمانية الشرقية قامت شيوعية، نعم أقصوا الدين عن الحياة بل قاموا قومة عجيبة حرقوا الكنائس على من فيها، وهدموا المساجد على من فيها، وقتلوا كل من يقول لا إله إلا الله، حتى أنني أذكر في أوئل السبعينات سمعت إحصائية أنه ما حج من الصين ومن روسيا إلا ثلاثة، بعد أن كان هناك فرجة ثلاثة، ومن ينظر في محاكم وفي التعذيب والتنكيل الذي وقع بمسلمي العلمانية الشرقية يرى أمورًا لا يتخيلها عاقل، أما العلمانية الغربية فهي علمانية رقيعة، تدعو إلى الإنحلال، إلى الانسلاخ من الأديان لا رب في السماء أنت رب نفسك، إفعل ما شئت كما شئت ولا أحد عليك رقيب. ومن ثم عظم التحلل في أوروبا مع تحلل مقابل في روسيا وفي الصين وغيره، وانقطعت الصلة بالله عز وجل، أبالله عليكم هؤلاء تريدون أن يطبقوا ما سمعتموه وما سمعناه وما رأيناه في بلاد الإسلام، إنهم يردون هذا، ولكنهم كالحرباء، كما أن العلمانية الشيوعية كانت حمراء وأن العلمانية الغربية كانت سوداء، يريدون في مصر لونًا آخر، أن تتلبس بلباس الإسلام، ويقول أنا مسلم علماني، والليبرالية هي بنت مولدة من العلمانية، الليبرالية الحرية المطلقة التي ليس لها ضابط قط. ومن ثم نرى أن الأمة في خطر، وحينما أقول لكم والله الذي لا إله غيره إن سفينة مصر هكذا، إن لم يتداركها ربنا برحمة هكذا، ومن ثم التهيص والصراخ وشد الأعصاب قد لا يجدي، فنحن في حاجة إلى لجئ، إلى لجئ صادق بالله عز وجل، إلى صدق مع النفس، أن تكون صاحب دين، دين متين، تثبت في مقابل الفتن والمحن التي تعصف بالقلوب عند زمن المتغيرات، لا أن تكون صاحب مواقف، صار الإسلام الأن عند المسلمين مواقف. في الدنمارك حينما يُسب النبي صلي الله عليه وسلم مظاهرات ثم تخبو، وتنخفض وتزول، حينما يطعن في الإسلام مظاهرات وهيجان وصراخ ثم تخبو، إن كثرة الطرق على الحديد يجعله لا ينثني - يجعله صلد- يثبت عند مرحلة معينة، فإن الطرق على القلوب بمشاعر وقتية يجعل القلب صلبًا لا يتحرك إلا بمأثر. كنا نسمع في الدنمارك وغيرها سب ورسوم وغيرها والدنمارك دولة تفعل ما شاءت لأنها دولة نصرانية، رأينا في بلادنا أسوء، وسيزيد السوء، وهناك طعن في الثوابت وتغير لما لا يتغير، واختلاف لا في الفروع بل في الأصول، وصارت هناك مذاهب، وأقوال يراد بها تغير أصول الإسلام، والمسلمون في شتات، لو رأينا لأن كم من المسلمين وأنا أقسم أننا لا نستطيع أن نجمع مائة على قلب واحد -مائة- نعم قد نجتمع على فكرة، وقد نجتمع على هوى، وقد نجتمع على طريقة، لكن لا نثبت عليها، هناك متغيرات مستمرة. فمن ثم نحن في حاجة إلى تثبيت القلب، أن نراجع أنفسنا، أن نخلو بأنفسنا لما النبي صلي الله عليه وسلم ما وفق قريش مرة -مرة واحدة- هو قومه وهم عشيرته، وكانوا يأتونه بذل، حينما يأتي سيد قريش ويقول له يا محمد ،سهيل بن عمرو كيف تكفر بملة أبيك عبد المطلب؟ يا محمد إن قومك فرقوا منك، يا محمد لما لا تجيب نداء قومك؟ ماذا تريد؟ ونحن معك، يقرب إليه مسائل وأمور، يا محمد ما رأينا سخلة أشأم على قومها منك، ماذا تريد؟ هي الكلمة قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. عودوا إلى ربكم واستغفروه .... الخطبة الثانية ![]() الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله. وعلى مدار التاريخ نرى أن أهل الحق قلة وأن أهل الباطل كثرة، وأنه لا مواربة لا اتصال لا فتح باب من الأبواب بين الحق والباطل البية، ليس هناك مقر استقرار أو توافق بين الحق وبين الباطل البتة، ومن ثم كان هذا هو الطريق الذي سار عليه من سبق. ومن ثم كان أتباع الأنبياء قلة، وكان أهل الباطل كثرة، وحينما أقف بكم إلى بعض المواقف إن فرعون لما تربى موسى في بلاطة وفي بيته وفي مكانه كان له بمثابة الأب، ولكنه ما تأثر بهدي موسى ولا بدله، ولا تابعه على ما هو عليه، كان يريد موسى من فرعون أن يترك له بنوا إسرائيل فأبى، ودل من في البيت على الله عز وجل، فإذا بملكة مصر تابعت موسى وكفرت بفرعون، وإذا بماشطة بنت فرعون تابعت موسى وكفرت بفرعون، وهذا في بيت فرعون، بلغ فرعون الأمر، شم رائحة أن زوجه خالفته، وأنها تعطيه الجسد أما روحها في مكان آخر، ولكنه ما أراد أن يقطع الخيط مرة بل أراد أن يريها من خالفه سيسام سوء العذاب، فبلغه أن ماشطة ابنته قد أسلمت وتابعت موسى عليه السلام. وقصتها بإيجاز أن المشط وهي تمشط ابنة فرعون سقط على الأرض فقالت بسم الله، فقالت ابتة فرعون تعنين أبي؟ قالت لا بل ربي وربك الله، وبلغ هذا فرعون فوجدها فرصة أن يخوف زوجه، وأن يختصر الطريق حتى لا يقع بينه وبين زوجه صراعًا قد يؤدي إلى عدم استقرار ملكه، فجيئ بها عذبت على أن ترجع فأبت، من ربك؟ تقول ربي وربك الله، ظل يدعوها فأبت، فجيئ بأبنائها فألقي بمرآ منها الأول ثم الثاني، حتى بقي لها رضيع، في رواية أحمد عن ابن عباس أنها خافت على رضيعها واهتزت أمام فرعون، فقال لها رضيعوها وقد أنطقه الله عز وجل، يا أماه إن نار الدنيا أهون من نار الآخرة، فدعيني فتركت ولدها جيئ بها فقالت لي إليك حاجة -لفرعون- أن تجمع عظامي مع عظام أبنائي ولن أدع ما أنا فيه. هذا الكلام حينما نسمعه نقول هذا أشبه بالخيال، نرى الأن أن الفكر الكافر ماكر، والمتغيرات فيها مهارة، حينما يراد من المسلمين أن يتركوا دينهم لا معنى أن تترك الاسم، ولا أن تدع الرزم والرسم، لا، إنما ترك الدين هو أن توافق الغالب وأن تدع الدين تدريجيًا من فكر أصولي كما يقولون، أي من توحيد صادق لله عز وجل إلى تميع، إلى ترك الأصول ثم الفروع، فعندها ألقي بها وجمعت عظامها مع عظام أبنائها. وحينما نرى أصحاب الأخدود نرى شيخًا كبيرًا هرمًا اعتزل في جبل وظل في هذا الجبل يدعو الله عز وجل حتى يموت، لأنه كان في ملك كان على النصرانية فجاء من بعده فغير، وتنكر لمن سبق،فخرج هذا الشيخ الكبير وعَبَدَ الله، وكان الملك يهيئ غلامًا ليكون خليفة له، والملوك دائمًا لآبد أن يكون لهم أعوان لمسح عقول الشعوب، وكان السحرة هم أصل في هذا، كما أن اليوم الإعلام أصل في هذا، فإن إعلام اليوم أشد من سحرة فرعون، ومن كان على شاكلتهم هم الآن يمسحون ويمسخون عقول عامة المسلمين تحت مسميات وتحت ألفاظ وتحت متابعات وأمور العقل يحار فيها لا يثبت إلا من ثبته الله عز وجل. فهيئ الملك هذا الغلام لتعلم السحر حتى يموه على قومه وشعبه، المهم أن هذا الغلام مر وهو في طريق إلى الساحر فمر على هذا العابد الراهب فتأثر به، وتعلم منه، ثم سرعان ما أحس الغلام أن هناك شيء لآمس قلبه، وأن هناك نور يضئ من قلبه وإن كان وميض، فكان متحير أيهما أفضل الساحر أما هذا العابد في الجبل، الساحر الذي هو معه الملك، وبإشارة من الساحر للملك الملك يفعل كل شيء، متحير بين دنيا وملك، وبين رجل في جبل تأثر به، مرت الأيام والغلام متأثر بهذا العابد الراهب، كان عند ازدواجية كحال كثير من المسلمين، أيهما أفضل هؤلاء أم هؤلاء، هؤلاء أم هؤلاء، ازدواجية. فمرة كان يسير في الطريق وقلبه مشغول أمر الساحر أم أمر الراهب، فرأى دابة عظيمة سدت على الناس الطريقهم فرح وقال الأن أعرف أأمر الساحر أو الراهب أحب إلى الله عز وجل، من هو الأفضل والأعلى، لأن هناك ازدواجية، عقله تشوش من ملك قوي رفعه وأرسله إلى أعلى سلطة في ذلكم الزمان -هذا الساحر- وبين رجل فقير ممزق الثياب جالس في مغارة، فأراد الغلام أن يبتر هذه الازدواجية وأن يجعلها أحادية مع من؟ فقال اليوم أعلم فأخذ حجرًا ثم قال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقضي على هذه الدابة ورمى بالحجر، فقتل الدابة وانزاحت عن الطريق، فعلم أن الأمر أحادي وأن أمر الله عز وجل الذي عليه الراهب أعظم من أمر الملك ومن أمر الساحر. بلغ الراهب بهذا الأمر، فقال له الراهب أنت يا بني ستبتلى -سيحدث لك بلاء عظيم- لآن الأحادية أن تكون مع الله عز وجل فقط أمر تستبشعه عقول العلمانيون والليبراليون والحداثيون إلى غير هؤلاء الغثاء والزخم الذي ملاء عقول المسلمين يستبشعون هذا جدًا. فعندها قال أنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علىَّ، إياك أن تبلغ عني، أنا رجل فقير مسكين منزوي في جبل فإياك أن تخبر عني، ولكن الغلام شمخ بتوحيده ورفع الهامة بإسلامة فذهب إلى جليس الملك وكان وزيرًا وكان أعمى، والملك كان يقربه رقم واحد، فقال له أرأيت إن دعوت الله أن يذهب عنك العمى تؤمن بالله؟ قال نعم، فدع له فبرء، فإذا بجليس الملك يصير مسلمًا ويتابع الغلام، قال له الملك كيت وكيت فقال له لا إله إلا الله، ربي وربك الله، من أخبرك بهذا؟ قال الغلام، جيئ بالغلام من أخبرك بهذا؟ ما استطاع أن يتكلم لآن هناك عهد بينه وبين الراهب ألا يتكلم، فعذبه عذابًا شديدًا حتى نطق الغلام وقال الذي أخبرني بهذا فلان في المكان كذا. ترك الآن جليس الملك -الوزير- والغلام، وجيئ بهذا الراهب المسيكين القاعد في مغارة، فجيئ به أمام الملك دع ما أنت عليه، قال لا ، دع ما أنت عليه، قال لا، قالوا نجعل الأمر مثنويًا بيننا وبينك، قال لا، فجيئ بمنشار وتخيلوا معي هذا المشهد، منشار قوف رأس هذا الرجل الكبير الذي جاوز المائة، أو ربما زاد عليها، المنشار في مفرق رأسه ويحز ويقال له دع ما أنت فيه، يقول لا، ظل ثابت القلب ثابت اللسان والجنان حتى نشر إلى قسمين، ولو أنه قال نعم لرفعه الملك وجعله من خواصه. إن أهل لا إله إلا الله يريدون الآخرة ويجعلون الدنيا مطية للآخرة، إن أهل لا إله إلا الله يثبتون على الحق لا يتميعون ولا يتلونون ولا يتغيرون أبدًا، والله الذي لا إله غيره لو أن عبدًا ذاق طعم الإيمان ذاق طعم القرب من الله عز وجل ما وجد أنيسًا ولا جليسًا ولا باب رحمة إلا من عند الله عز وجل، ولكن القلوب لما هامت وتشتت ووقع عندها ازدواجية بين الحق وبين الباطل، بين الحق وبين التميع مع الباطل، بين الحق وبين غيره، هامت القلوب، فترى العبد يقبض على الإسلام في جانب وعلى الباطل من جانب، ووالله الذي لا إله غيره لا يجتمعان أبدًا في قلب عبد، إما الإسلام وإما غير الإسلام. أسأل الله الكريم المنان أن يبصرنا بديننا وأن يثبتنا على الحق وأن يردنا إليه ردًا جميلًا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل وأقم الصلاة ..اهـ ![]() ![]() ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))
__________________
قال ابن مسعود رضى الله عنه : " من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوبا ، و أعمقها علما ، و أقلها تكلفا ، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ، و إقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، و اتبعوهم في آثارهم ، و تمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم و دينهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ." [ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة : إن لم تنفعه فلا تضره ، و إن لم تفرحه فلا تغمه ، و إن لم تمدحه فلا تذمه" |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| 1432, لشيخنا, الله, الجمعة, الحرباء, بعنوان, تفريغ, حفظه, خطبة, سؤال |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|