الإهداءات |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
|||
|
|||
|
تفريغ خطبة الجمعة 11 من شوال 1432 هـ بعنوان (( الأرجوحة )) لشيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة 11 شوال 1432 هـ الأرجوحة ![]() إِنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [ الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة> هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة. ثم أما بعد: العبدُ في سيره إلى الله -عز وجل- يمر بمراحل, يمر بمراحل في سيره في هذه الحياة حتى يصل به المنتهى إلى الموت, ثم ما بعد الموت إما جنة وإما نار. وحينما يمضي العبدُ في طريقه إلى الموت حتى يصل إما إلى جنة وإما إلى نار, الطريقُ شاق وفيه صعوبة، وربما يرى في سيره معوقات, قد ينطلقُ سريعًا وقد يتباطئ, وربما يقف, بل ربما يرجع من حيث بدأ. والعاقلُ هو الذي يعرف طريقه وكيف يتغلب على الصعاب, كلما وقف لا يرجع بل يتقدم, وكلما تقدم لابد أن يُسرع الخطى حتى يصل إلى الله -عز وجل- فيحل في جنةٍ عرضها السماوات والأرض. والناسُ ينقسمون دائمًا إلى قسمين لا ثالث لهما : فريقٌ في الجنة, وفريقٌ في السعير. وينقسمون إلى قسمين : تقي, وشقي, مؤمن, وفاجر. ولكن في حال السير تتنوع الأسباب على العبد, فقد يتردد تارة بين الفريقين, والأعمال بالخواتيم, ومن ثم؛ كان لزامًا على العبد أن يُصحح سيره في كل لحظه, وأن ينظر مكانه في أي الموضعين {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}. [الشورى:7]. أين موضع القدم؟ ربما لو زلت به القدم هلك. وحينما أقول القدم إنما على سبيل التشبيه والتمثيل, إنما الذي يَزِلُّ في العبدِ القلب, فإذا سقط القلب, سقطت في العبد كل جارحة. روى الإمامُ مسلم عن حذيفة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال {تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا}. <مسلم 144) >, وهذا حال السير, تتنازعك أسباب, إما أسباب هداية, وإما أسباب ضلالة, تحتوشك فتن, إما أن تنجح، وإما أن تسقط, والعاقل من أدرك حال نفسه وأدرك حال قلبه وعرف كيف يسير بلا أخطاء, وإن أخطأ كيف يصحح أخطائه, أما من غلب عليه عُسر السفر ومشقته، ورأى فيه طُوَل فقعد أو تراجع, فهذا هالكٌ لا محالة إن لم تدركه الرحمة.{تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا} وقلَّ أن تجد شخصًا يسقط مرة, عندما يرى هناك أشياء تحتوشه وتحيط به وتحيل بينه وبين السير, لابد أن يقف, ولابد أن يفكر, فإن غلبه أمر الإيمان والتقى انطلق وسار, وإن غلب عليه الهوى انحرف وضل. وهكذا تتدافع النفس مع الخير ومع الشر, مع الهوى ومع الحق, وأيهما يغلب يتحرك العبد, إما قدام وإما إلى الخلف. والتغيير قد يكون بسيطًا طفيفًا ضئيلًا لا يلاحظه العبد, فلن ترى أبدًا شخصًا في لحظة انتقل من طاعة إلى معصية، يستحيل، سلوا من شرب الخمر أول مرة، أو من دخن أول سيجارة، أو من تعلق بامرأة وهام بها، سلوه عن أول مرة كم تردد؟ كم وقف على الأبواب تنازعه نفسه؟ ويحركه ضميره وهو يقول لا، فلما خست نفسه، ونزوت ونزلت به في درجات التدني مازال ينزل وينزل حتى قارف المعصية. حتى الكفر لن ترى أمة من الأمم سقطت في الكفر إلا بالتدرج، وظلت البشرية بعد آدم عليه السلام على التوحيد إلى أن وقع انحراف تدريجي، إلى أن سقطت البشرية جميعًا في أوحال الشرك. فمن ثم لآبد للعبد أن يلاحظ خطاه، هل يسير سيرًا سليمًا صحيحًا؟ هل يمضي إلى ما أراد الله عز وجل منه أم كا زال يتخبط ولا يدري أين السبيل أو أين الطريق؟. تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وهذا دلالة على أن القلب لا تكفيه الفطرة، فإن الفطرة هي أصل موجود في نفس العبد، ما لم يأتي مغير، فيغير هذه الفطرة، كما في الحديث « مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ،-فيأتي المغير- فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ . < البخاري (1359)، مسلم (2658) >. وفي الحديث الآخر يقول الرب عز وجل "وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ -على الفطرة- كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ -أي أبعدتهم- عَنْ دِينِهِمْ" < مسلم (2865)، أحمد (4/162) عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِىِّ >. فوقع الانحراف. «حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا -أي مقلوب- لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ » < مسلم (144) >. والصنف الأول كما ذكرت يتدافع ويترابط ويتشابه ولا ينفصل عن الإيمان طرفة عين، وإن وقع فيه نوع خلل سرعان ما يرجع وسرعان ما يعود. الذي يتأمل حال الأنبياء يرى الثبات، ويرى ثباتًا عجيبًا، نوح عليه السلام مكث في قومه يدعو إلى الله عز وجل ثابتًا شامخًا رافع الرأس، ما لانت له شكيمة قط، وهو يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، ظل قرابة ألف عام {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ}. [هود: 38]. كانوا يضعون أصابعهم في أذانهم ويستغشون ثيابهم، قرابة ألف، أي نفس هذا الذي يصبر على إيذاء قومه لا أقول هناك مسالمة ليست هناك مسالمة قط، عداء مستمر، مكر الليل والنهار، ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى. وتابعه الأنبياء على نفس المحنة، على إذاء القوم، على انحراف الخلق عن الطريق إلى الله عز وجل وهم ماضون، بل ربما نرى أن بعض البشر زين له سوء عمله فقتلوا أنبيائهم بلا وازع من ضمير، فضلًا عن دين، قتل يحيي بن زكريا، كان في زمانه ملك فاسق، ملك فاجر، تكلف بامرأة وعشقها وكانت بغي، فكان لها أمنية، قال لها سليني ما شئتي، قالت لي أمنية واحدة، قال ما هي؟ قالت أن تأتني برأس يحيي بن زكريا. نبي ويقتله قومه بإيحاء من بغي، هذا هو الطريق حتى لا يتعثر عليك الأمر وحتى لا تسل نفسك إن كنت على الطريق لما وكيف، طريق كله صعاب، فجاء برأس يحيي بن زكريا على طبق من ذهب، وقربه إلى بغي، ولا زال الأمر يعظم ويشتد مع جميع الأنبياء، إلى نبينا محمد صلي الله عليه وسلم حينما طرده قومه وقد استبشع هو هذه المسألة، لما قال له ورقة بن نوفل ليتني حيًا إذ يخرجك قومك، حينما تطرد وتخرج من بين أهلك وعشيرتك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم « أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ - ماذا جنيت؟- قَالَ نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ» < البخاري (3) > الحق معادى من غالب الخلق، ومن ثم كان هذا هو أول أسباب الثبات، أن يكون لك استعداد، أن تعلم أن طريق الجنة شاق {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)}. [البقرة]. تربى أصحاب النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم على الأثرة {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. [الحشر: 9]. تربى أصحاب النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم على وضوح المنهج وسلامة الطريق، ما كان في طريقهم غبش، الفتن قد تصب عليهم صبًا وهم ماضون، بلا تكعكع ولا تأخر ولا تخلف، كانوا أصحاب عقول، عقول راجحة. النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم يرسل سريتين إلى حدود الشام لرد القبائل التي أبت الإسلام، ومنها من خرجت عن دين الله عز وجل، فحدد للسريتين حدد أميرين، أولهما أبو عبيدة بن الجراح، والثاني عمرو بن العاص، وهما ينطلقان ويسيران قال لهما: تطاوعا ولا تتعاصيا، لا تختلفا ولا يعصى أحدكم الآخر، تطاوعا ولا تتعاصيا، فلما خرجا على مشارف المدينة قال أبو عبيدة وكان في سرية أبي عبيدة أبو بكر وعمر، فقال أبو عبيد لعمرو بن العاص أخشى أن نتعاصى ونختلف، فإما أن أكون أنا أميرك، وإما أن تكون أنت أميري، فقال عمرو بن العاص بل أنا أميرك، قال نعم، سمع عمر هذا الكلام تعجب وأسرع إلى أبي عبيدة، قال يا أبا عبيدة كيف تأمِّر عمرو بن العاص وأنت فينا وأبو بكر فينا، كيف تتجرأ أن تفعل هذا؟ هو له سرية وأنت لك سرية، إما أن تمضي وإما ان تكون أنت الأصل، فقال له أبو عبيدة يا ابن أمي والله لقد سمعت قول رسول الله صلي الله عليه وسلم تطاوعا ولا تتعاصيا وما كنت أعصي أمره قط، حدد لي المنهج، كلاكما أمير، ولكن لا تتعاصيا، فلما لآزم الطرف الآخر الإمرة قال له نعم. يقول العلماء ما علم عن سرية وقع فيها من الخير الكثير كسرية ذات السلاسل، التي خرج فيها الفريقان، فريق أبي عبيدة وفريق عمرو بن العاص، سُبِىَ وأُسرى من العبيد وجيئ بأموال لا تعد ولا تحصى، وما كان هذا بفضل قوة الجيشين فحسب، بل بسبب التطاوع وعدم الاختلاف. أيها الأحباب إن من أعظم أسباب تأخر الأمة الخلاف، والخلاف شر، إن من أعظم أسباب تخلف الأمة وخاصة الصفوة حب الذات، أن أرى نفسي في مكانة ربما لا يراها غيري، وأقول أنا، وكانوا لا يحبون قول أنا، ربما أرى نفسي أنني أصلح لكل شيء، وغيري تافه عاجز أن يفعل أي شيء، هذا هو حال الأمة. أما أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم كانوا دائما لا يتنافسون على الدنيا أبدًا، ولكن إن وضعوا فيها كانوا هو الرجال، وقع خلاف بين عثمان وبين عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وموطن الخلاف أن عثمان لما كان بمنى صلى أربع، بدلًا من القصر، صلى الظهر والعصر والعشاء أربع، فعاتبه ابن مسعود، وقال صليت خلف رسول الله صلي الله عليه وسلم ركعتين، وخلف أبي بكر ركعتين، وخلف عمر ركعتين، فلما زدت؟ فجاء عثمان بحجج ما اقتنع بها عبد الله بن مسعود، خالفه، ثم رئى فيما بعد يصلي خلف عثمان أربع أربع، يصلي أربعًا أربعًا، فتعجب غالب الصحابة، لما خالفته وتصلي خلفه؟ فوضع لنا جميعًا مقولة، إن حفظنها وقمنا بها سلمت قلوبنا ونجونا في الدنيا والآخرة، قال الخلاف شر. ومن ثم كان الخلاف ينقسم إلى قسمين، خلاف شخصي يقع بين الأخيار بين الأفاضل، هذا يختلف مع هذا، ووقع هذا بين كثير من الصحابة، روى البخاري عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا - أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضى الله عنهما - رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِى تَمِيمٍ ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِى بَنِى مُجَاشِعٍ ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ - قَالَ نَافِعٌ لاَ أَحْفَظُ اسْمَهُ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ مَا أَرَدْتَ إِلاَّ خِلاَفِى . قَالَ مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ . فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِى ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ) الآيَةَ . قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. < البخاري (4845) > كلاهما رفع صوته حتى قال الصديق لعمر ما أردت إلا خلافي، فقد اختلفا في رجلين، عيينة بن حصن وآخر، فاختار الصديق واحد، واختار عمر الآخر، فقال الصديق ما أردت إلا خلافي، فقال له ما أردت خلافك، وارتفعت الأصوات، فقام النبي صلي الله عليه وسلم يسكتهما، فسكتا، حتى نزلت الآيات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)}. [الحجرات]. فزع الصحابيان، فزع أبو بكر وفزع عمر، وكانا بعد - هذا منهج حينما ترى الخطأ لابد أن تتركه، ولابد أن تغيره، وحينما ترى الصواب لابد أن ترجع إليه -تواطأت نفوس الصحابة على حب الخير، وعلى كراهية الشر، فكان الصديق لا يتكلم إلا إذا أذن له، يقول له النبي صلي الله عليه وسلم تكلم يا أبا بكر، وكان عمر إذا كلم النبي صلي الله عليه وسلم كلمه كأخي السرار -كصاحب السر- لا يرفع صوته أبدًا بعد نزول الآية. فأصحاب النبي صلي الله عليه وسلم وقع بينهم خلاف، بل وصل الحال بالبعض إلى الردة، قد ارتد الأشعث بن قيس، وعاد للإسلام، وزوجه الصديق بأخته، وارتد طليحة الأسدي، ورجع للإسلام، ولكن الصديق أمر ألا يُأَمَّر لخبيئة عنده، جعلته يرتد. وهكذا نرى أن أصحاب النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم عرفوا كيف يضعون القلب في سيره إلى الله عز وجل الموضع الصحيح، حتى لا يتأخروا ولا يتكعكعوا، إلى أن وقعت الفتنة، والفتن كثيرة، وأعظم هذه الفتن ما وقع بين الصحابة في زمن على رضي الله عنه وكان هو الخليفة الشرعي، كان أميرًا للمؤمنين، وبين فريق الجمل كطلحة والزبير، والجميع من العشرة المبشرين بالجنة. فريقان قوتان وصفها طلحة بن عبيد الله قال كنا كجبل على عدونا ننتصر، ثم بعد ذلك صرنا جبلين يزحف أحدنا على الآخر، تطايرت الرؤوس، وانقطعت الأيدي والأرجل، وعلى الرغم من هذا كان الخلاف يدور على فهم خاطئ، في هذا الخلاف الحق الواضح الجلي مع علي رضي الله عنه، هو الخليفة الشرعي، وهو أمير المؤمنين، ولكن طلحة والزبير نبذاه وخالفاه وقاتلاه، وهذا خطأ. وهناك فريق ثالث اعتزل الخليفة الشرعي، واعتزل الفريق الآخر، كسعد بن أبي وقاص من العشرة المبشرين بالجنة، وكعبد الله بن عمر وجماعة، منهم سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وما أعلم أحدًا خطَّأ الطوائف الثلاثة، ما أعلم أحدّا أبدًا قال هذا مجرم، أو هذا فاسق، أو هذا فاسد، من خرج على الخليفة أو الخليفة أو من اعتزل الفتنة. فأيها الأحباب دائمًا قلبك قلبك، لآبد أن تراعي أمر القلب هل يسير إلى الله عز وجل أم يقف؟ حينما تعتريك الذنوب وهي من أعظم الفتن، وتهجم عليك الشهوات وهي من أعظم الفتن، حينما ترى قلبك نعتريه الأهواء فتراه في مهب الريح كريشة، تطير أعلى وأسفل، ولا تستطيع أن تقدر على قلبك، لا تدري قلب أين يسير، بالأمس كنت كذا واليوم كنت كذا وغدًا ستصير كذا، لا ترى لقلبك مكانًا ولا زمانًا ولا تستطيع أن تقف على أمر بل ربما تنسى أمر الأمس وما كنت عليه، وتقاتل في أمر اليوم، وربما يأتي الغد فتستنكر أمر الأمر وما قبل الأمس، وهذه هي الفتن، الفتن ألا ترى قلبك مستقرًا. كان أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم هم أصحاب ثبات، يدخل أعرابي على النبي صلي الله عليه وسلم وهو معه أصحابه ثم يقول أيكم ابن عبد المطلب، فيقول له النبي صلي الله عليه وسلم ها أنا ذا، فيقول له من خلق السموات؟ فيقول الله، ومن خلق الأراضين؟ فيقول الله، ومن خلق الشجر والدواب؟ فيقول الله، فيقول هذا الرجل فبالذي خلق السموات والأرض والشجر والدواب آالله بعثك للناس كافة؟ فقال له النبي صلي الله عليه وسلم أللهم نعم، فبالذي خلق السموات والأرض والجبال والشجر آالله أمرك بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ وما زال هذا الرجل يسأل والنبي صلي الله عليه وسلم يقول له نعم، فقال له أنا ضمام بن ثعلبة وافد قومي إليك، ثم عاد ضمام إلى قومه، لما رأوه قالوا ما بك يا ضمام فإذا به يصرخ فيهم تبًا للآت وهي ألهة تعبد، تبًا للآت تبًا للعزى لا لآت بعد اليوم ولا عزى، يا ضمام أبك جنون؟ إحذر أن تصيبك الألهة، أن تصاب بلعنة الألهة فتصاب بجنون، قال يا قوم جئتكم من عند رسول الله، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ما بات ضمام ليلة إلا وقبيلته جميعًا دخلوا في الإسلام. الإسلام لا يعرف إلا الرجال، الإسلام هذا الدين عزيرًا، لا يعرف إلا الرجال، حينما يتميع العبد يرى قلبه يتأرجح بين دنيا دنية وبين آخرة، يرى قلبه يتأرجح بين أمر لله عز وجل وبين أمر للنفس والهوى، هذه أبواب الهلكة لن يصل إن الله عز وجل عزيز، لا يرضى من عبده إلا التقي النقي الخفي، أعلى قدر أنبيائه، رغم أنهم ذاقوا من الدنيا الذل، ذل العيش وما ذلوا إلا لله عز وجل، قلة في المعاش، قلة في الثياب، قلة من أمر الدنيا، وخرجوا من الدنيا وهم راضون، وما تكعكعو ولا تراجعوا ولا اهتزوا عن أمر الله عز وجل أبدًا. حينما يأتي النبي ومعه الرهط والرهيط والجماعة، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، وما تراجع منهم أحد. عودوا إلى ربكم واستغفروه .... الخطبة الثانية ![]() الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله. عباد الله حتى تصير القلوب على قلبين، قلب أبيض وهذا بالمجاهدة إن لم تتغير الفطرة، قلب أبيض مثل الصفا، كالصخرة الصماء الملساء التى لا يؤثر فيها شيئًا البتة. وقلب أسود مربادًا كالكوز مجخيًا مقلوب، كيف قلبت قلوبهم؟ وكيف تغير حالهم؟ وكيف انتكس أمرهم؟ إن التغير والانتكاس له أسباب عدة. أولها: عدم توفيق الله للعبد، لما يرى خساسة نفسه وقلبه، ربنا كريم إن خلصت قلبك لله عز وجل أعانك، بل أعانك على شر نفسك، وإن تركت نفسك دنية، تتدنى لدنيا حقيرة وتعزف عن أمر الله عز وجل، فرب كريم لا يرضى لعباده إلا الإيمان، ولا يرضى لعباده الكفر، نرى على مدار التاريخ، نرى أقوامًا سقطوا بعد أن كانوا أهل فضل وأهل خير، سقطوا، سبب السقوط أنهم ما راعوا نعمة الله عز وجل فيهم، ما عرفوا قيمة هذا الدين، دين عزة، دين رفعة، دين علو، دين ثبات، حتى ولو كنت وحدك. يذكر أهل السير أن ملك غسان في زمن عمر لما رأى فتوحات المسلمين، ورأى أن الإسلام قد علا، وعلم أنه لا مكانة إلا للإسلام، فأراد أن يسلم وأعلن إسلامه وأرسل رسولًا إلى عمر، حتى أن عمر رضي الله عنه من شدة فرحه خرج على مسافة من المدينة ليلقاه، وقد جاء مسلمًا، فقابله عمر رضي الله عنه ورحب به، فأراد هذا الرجل أن يذهب إلى العمرة أولًا ثم يعود إلى عمر، وغالبًا العبد في أول طريقه يرى نفسه في نشوة وشوق، ولكن هذه النشوة وهذا الشوق إن لم يضبط بلذة ومحبة صادة لله عز وجل هلك. ذهب إلى مكة وطاف بالبيت ومعه حرسه وجنوده، فإذا بأعرابي مسلم يطوف بالبيت وكما تعرفون حال الأعراب ظل يتدافع ويزاحم حتى وقف على رداء هذا الملك، فكاد أن يسقط، هنا خرج ما بداخله ما زال القلب غضًا طريًا ما تمسك بأمر الله عز وجل حق تمسكه، فاستدار إلى هذا الأعرابي وبأصبعه فقأ عينه، الأعرابي صرخ، بلغ الخبر عمر رضي الله عنه، فقال للأعرابي دعه ولك فدية، فقال والله لا أفعل، لآبد أن تفقأ عينه، حالوا مع الأعرابي هذا ملك، قال والله لآبد أن تفقأ عينه، أنا مسلم وهو مسلم، بعدها قال عمر لآبد من القصاص، الرجل ما تنازل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)}. [البقرة]. من الملك إلى الصعلوق، فقال أتباع هذا الملك -ملك غسان- قالوا له لآبد من القصاص، قال ما الحل؟ قالوا فر من الليل، فخرج في طريق الجبال وفر إلى أرض الشام وعاد إلى مملكته وقد ارتد عن الإسلام. بعد هذا تمر الأطياف، وغالبًا من ذاق طعم الإيمان، من ذاق طعم الإسلام حتى وإن حارب بالباطل، حتى وإن صد الحق، مذاق هذا ما زال في قلبه غصة، يتمنى أن يعود، ولكن لا يستطيع يتمنى أن يرجع ولكن لا يستطيع، كان إذا رأى مسلمًا يسأله عن حال الإسلام، وحال المسلمين، ويسأل عن حال عمر، وكان هذا الملك حفظ بعض آيات من كتاب الله عز وجل، حتى أن أحد المسلمين جلس معه، قال له لما رجعت؟ فأنشد قائلًا: تنصرت الأشراف من عار لطمة.. وما كان فيها لو صبرت لها ضرر. تكنفني فيها اللجاج ونخوة .. وبعت بها العين السليمة بالعور. فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رضيت بالأمر الذي قاله عمر وظل يتحسر ويتألم على حاله إلى أن مات على كفر وعلى نصرانيته. أيها الأحباب الأمة الآن تمر بأطياف شتى، بأطياف من قبل أعدائها، وبأطياف من قبل أبنائها، وصار الكل في معمعة صراع، لا أقول صراعًا على قيام ليل وعلى حفظ كتاب الله عز وجل وعلى مسابقة في تقى لله عز وجل، بل مسابقة كيف ومتى سنتملك؟ متى سكيون الملك؟ حتى عاش البعض أحلامًا ما هي إلا أيام وسنرى الدولة الإسلامية رافعة الراية، نتمنى والله الذي لا إله غيره هذا، ولكن التمكين له مقدمات {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)}. [محمد]. قبل التمكين نرى خلافًا عظيمًا من الذي سيكون رئيسًا؟ ومن سيكون وزيرًا؟ ومن سيكون قائدًا، ومن الذي يتقدم؟ ومن الذي يتأخر؟ نرى خلافًا عظيمًا قبل التمكين، كيف لو مكن لنا؟ سنختار من؟ من الذي سنقدمه؟ ومن الذي سنأخره؟ حتى أن شباب الصحوة الأخيار يتنازعون فيما بينهم على المناصب، وما هناك مناصب. والله الذي لا إله غيره وستذكرون ما أقول لكم إنما هي أرجوحة في يد عدونا، تركب طائفة تصعد إلى السماء في الجانب الأيمن، ثم أرجوحة إلى الجانب الأيسر، ثم نزول، فيكون التصارع على من سيركب الأرجوحة. فأيها الأحباب لآبد أن نعود إلى أصلنا، إلى ديننا، التمكين أن تمكن لدين الله في قلبك، إن مكنت لدين الله في قلبك مكن لك. حينما عرض على النبي صلي الله عليه وسلم الملك في مكة وهو يطحن ومعه أصحابه، كل أنواع التعذيب، حتى أن قريشًا فشلت فرأت خطة أن تعرض على محمد إما السيادة، وإما الملك، لو لم يعجبه السيادة والمنصب قليل نعطيه منصب أعلى، الملك، فأبى ذلك النبي صلي الله عليه وسلم، وظل في مساره وفي طريقه ربما ظل الصراع مع قومه ما يقارب واحدًا وعشرين سنة، ولو اختصر الطريق لملك الدنيا، وقريش معه، ما وقع نصر وتمكين للمسلمين إلا بعد فتح مكة، بعد سقوط قريش، فلو اختصر الطريق من البداية لكان الأمر هين، فما الذي دفعه وهو رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حروب طاحنة، وإلى إراقة دماء، وإلى ثبات على أمره حتى قبل وفاته بعامين، قبل وفاته بعامين فتح مكة، فتحها ليس ملكًا ظالمًا غاشمًا، بل فتحها ساس الدنيا بدين الله عز وجل، بأمر النبوة. هؤلاء الذين عرضوا عليه الأمر من قبل ولكن من منطق جبروت، من منطق ظلم، لا راية للإسلام، لا راية لدين الله عز وجل، إن دخلت تدخل تحت أطياف علمانية وليبرالية وحداثية، وهؤلاء الألفاظ والأعراف والأطياف المتباينة، هو رفض دخل تحت راية لا إله إلا الله والكل منكس الرأس، يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ هم الآن أذلة، قالوا أخ كريم وابن أخ كريم، قال اذهبوا فأنتم الطلقاء، فصار عليهم ملكًا، وليس باختيارهم، إنما ملك الدنيا بدين الله عز وجل، ثم بعد ذلك غزوة حنين، ملك أموالا طائلة فقسمها بين مشيخة قريش، حتى يتألفهم على الإسلام. ليس معنى كلامي أنني أهاجم أحدًا، أو أن أن امر أحدًا بالتخاذل أو التراجع، لا والله، ولكني أمر نفسي وإياكم أن نصحح مسارنا مع الله عز وجل {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)}. [محمد]. لكن حينما نتنافس ونتصارع وتصير المساجد والأعراس والمجالس كلها سياسة هذه كارثة، ستصير مساجدنا وشوارعنا ومجالسنا أرجوحة، كل من أراد أن يركب يركب، يتأرجح ثم ينزل. أسأل الله الكريم المنان أن يغفر ذنوبنا وأن يرحم ضعفنا وأن يجبر كسرنا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل. وأقم الصلاة ..اهـ ![]() ![]() ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))
__________________
قال ابن مسعود رضى الله عنه : " من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوبا ، و أعمقها علما ، و أقلها تكلفا ، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ، و إقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، و اتبعوهم في آثارهم ، و تمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم و دينهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ." [ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة : إن لم تنفعه فلا تضره ، و إن لم تفرحه فلا تغمه ، و إن لم تمدحه فلا تذمه" |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| 1432, لشيخنا, الأرجوحة, الله, الجمعة, بعنوان, تفريغ, حفظه, خطبة, سؤال |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|