الإهداءات |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
|||
|
|||
|
تفريغ خطبة الجمعة 4 من شوال 1432 هـ بعنوان (( التفرد علامة المحبة )) لشيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة 4 شوال 1432 هـ التفرد علامة المحبة ![]() وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [ الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة> هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأحباب: إن العبادةَ والطاعةَ عند المزاحمة مندوبٌ إليها وهي ممدوحة, ولكن التفرد له مذاقٌ وطعمٌ آخر. نعم؛ قد تستأنس بإخوانٍ لك وبأقوامٍ مزاحمون معك في الطاعة, فترى كلما نزلت نفسك, ترى من حولك يسير فسرت معهم, وهذا شيءٌ طيب, ولزامًا على العباد جميعًا أن يفعلوا هذا, إذ أن المتأخر والمتخلف عن سير الركب؛ لابد أن تحتوشه الآفات، وتعتريه البلايا والمصائب, لكن كلما كان مع هؤلاء الذين يُزاحمونه -وأعني في الخير- كلما كان هذا مندوبًا إليه. ولكن التفرد عند قلة المعين، وغياب الرفيق، وعند قلة الناصح، وعندما ترى أن الأصوات جميعًا تدعوك إلى التثبيط, فإن تفردت في سيرك إلى الله ترى مذاقًا وترى طعمًا آخر. ألا ترون حال موسى -عليه السلام- لما خرج إلى ميقات ربه ومعه كوكبة, فانطلق بهم حتى سار مرحلة, ولكن حذاه الشوق، وعلا وسما وتفرد على من معه فتركهم وأسرع وسبق جميع من معه حتى وصل إلى الميقات الذي عاهده ربه -عز وجل- أن يُكلمه فيه. لما وصل موسى -عليه السلام- عاتبه ربه, عتاب محب لعلمه أنه ما تعجَّل إليه إلا لحاجه, فقال له ربه {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى}, كنت معهم في طريق, فلما سبقتهم؟ فقال موسى -عليه السلام- {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} ما تخلفوا, ولوا تخلفوا لعاد إليهم ودفعهم إلى الله -عز وجل- دفعًا, {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} ولكن للسبق مذاق, ولسرعة السير إلى الله -عز وجل- طعم, {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}.[طه:84,83], فأبى موسى أن يسبقه إلى الله -عز وجل- أحد, بل ما تساوى ولا تسامى معه أحد. {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}, في زمن الطاعات يشترك الكل, ترى أن الكل يهجم معك فترى نفسك كلما قصَّرت؛ ترى من يدفعك, حتى من كان بليدًا بعد أو كان بليدًا قبل ترى فيه من الطاعات منافسات، وترى مسارعات إلى الخيرات, ولكن بعد انتهاء الموسم؛ ترى أن الكل قد عاد، وهذا شرخٌ في جدار المحبة -أعني محبة الله عز وجل-, إن قول موسى -عليه السلام- {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} فإن محبة موسى محبةً علت وسمت في جميع الأحوال من زمانٍ ومكان. أما سمعتم قول الله -عز وجل- لموسى -عليه السلام- {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}.[طه:41], أين تربى موسى؟ تربى في بيت ظلم وفي بيت بغي, تربى في بيت أعتى وأظلم شخصية على مدار التاريخ, تربى في بيتٍ أكفر مخلوق عرفته البشر هو هذا البيت, فرعون, ولا شك أن الملامسة والمجاورة لها أثرٌ في نفس العبد, ولكن موسى -عليه السلام- كان في طريقٍ آخر على الرغم من أنه كان في بيت فرعون, صنعه الله -عز وجل- {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}. أيها الحبيب: إن علامة التفرد هي علامة المحبة, ومن ثم؛ كان الأنبياء ومن تابعهم من صالح أتباعهم ومن باقي الأمم, كان لهم خلوات, خلوة, وكان لهم نوعٌ من التفرد, كانوا يختبرون أنفسهم بين الفينة والفينة, هل أنا صادقٌ في المحبة؟ ليست المحبة ادعاء ولا مزاحمة وقت المزاحمة, إنما المحبة هي التفرد, أن تتفرد حينما يُخالفك الناس, أن تسير إلى الله -عز وجل- حينما يتعطل الناس, أن تكون مع الله -عز وجل- حينما يُثبَّط الناس, {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}. أيها الحبيب: إن من أعظم صفات العبد الذي يُطلق عليه العبد السالكُ إلى الله -عز وجل-, الحب, إذ المحبة هي أصلٌ في توحيد الله -عز وجل- ومن ادعى توحيدًا بلا محبة, كاذب, ومن ادعى محبة بلا عمل, اكذب, لأن للمحبةِ علامات ودلالات إن لم تكن على العبد في جميع الأوقات والأماكن والخلوات, كذابٌ أشر, ولذلك يجبُ على العبد أن يقف مع نفسه وقفات وأن ينصح نفسه ديمة. لما قال عز وجل لموسى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}, ربما ينشأ العبد مجاورًا لبيت الله الحرام وما دخله قط, والله الذي لا إله غيره منذ أكثر من عشرين سنة, كان في زمن الجد، ليس كأزمان الفتور والمنافسة على الدنيا, التقيتُ برجلٍ ما زال في ريعان الشباب بينه وبين الحرم مئتي متر, وكان هذا في موسم الحج, دار بيني وبينه حوار, فكان من جملة الحوار أنه ما دخل البيت منذ سبع سنوات, والله الذي لا إله غيره تصدع قلبي وكنت أتمنى أن أكون خادمًا في بيت الله الحرام حتى أُلازم البيت, فلما اسمعني هذا الكلام وقفتُ مع نفسي وقفات, بعد حوالي تقريبًا خمسة عشرة سنة رأيتُ شبابًا كانوا في بلاد الكفر وخرجوا من بلاد الكفر لا يبغون إلا الإسلام, فربما ينشأ العبد في بيئةٍ طيبة، وفي جوٍ إيماني، ولكن لم يُوفق, وربما ينشأ عبدٌ في بيئةٍ كافرة فيمن الله -عز وجل -عليه بالهداية فيكون راية وعلما, والتوفيق من الله -عز وجل-. ولكن أجلب لقلبك المحبة, حرِّك قلبك بمحبة الله -عز وجل- حتى تدوم, إياك أن تكون عالةً على محبي الله، كما قالت اليهود وقالت النصارى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}, الكل يدعي محبة الله -عز وجل-, ترى زنديقًا دعيًا على الإسلام, ترى كافرًا مشركًا ربما ملحدًا ولكنه يتجمل بدعوي محبة الله -عز وجل-, {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} قاعدة ضعها نصب عينيك, {فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} فإن المحب يرى أن من أحب لا يُعذبه, فالحبيبُ لا يعذب حبيبه, {فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}.[المائدة:18]. عباد الله إن من علامات المحبة, بل قل إن من أول علامات المحبة أن ترى فيك جارحة مُعبَّدة لله -عز وجل-, لا ترى في جوارحك مخالفة مع ما في قلبك. أما سمعتم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قام من الليل فكان في ركوعه, والركوع مرحلةٌ وسطية بين القيام وبين السجود واعلاها السجود, كان حال الركوع يقولُ {خَشَعَ} كانه يوطأ نفسه لمرحلة العلو, السجود, « اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِى وَبَصَرِى وَمُخِّى وَعَظْمِى وَعَصَبِى ». < مسلم (771) عن علي رضي الله عنه، النسائي (1051) عن جابر رضي الله عنه >. كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لربه أن كل ذرةٍ في قد خضعت لك, {خَشَعَ لَكَ سَمْعِى وَبَصَرِى وَمُخِّى وَعَظْمِى وَعَصَبِى} أي أن كل ذرة قد توأمت مع القلب. تأمل في نفسك, هل ترى هناك توافق بين قلبك وبين جوارحك؟ إن وجدت توافقًا فاحمد الله, وإن وجدت أن العين قد سُلبت من قلبك وصارت تهيمُ بين حلالٍ وبين حرام, هناك خلل, إذ المحب لا ينظر إلى ما حرَّم الله البتة ولو مرة. انظر إلى سمعك, فإن توافق مع قلبك في طاعة الله -عز وجل- فهنيئًا لك, وأن وجدت بين سمعك وبين قلبك مخالفة, فأنت على شفا جرفٍ هار, إذ المحب لا يسمع إلا ما يُقربه من الرب. انظر إلى لسانك, علام يتكلم؟ هل يدل على الله -عز وجل-؟ هل يذب عن دين الله -تبارك وتعالى-؟ هل يُذكر بالله؟ فإن وجدت هذا، فنعم أنت, وإن وجدت مخالفة فبئس العبد أنت. أيها الحبيب إن بين العمل وبين القلب مسافة, قد تعمل أعمالا ربما تراها أنت من أعلى الأعمال وأفضلها وهي عند الله -عز وجل- هباءًا منثورا, قف أمام قلبك أين يتجه؟ أين يسير؟ إن توافق مع الجوارح على طاعات هنيئًا لك, ولكن تحتاج بين الفينة والفينة إلى أن تقف مع كل جارحة. هل تعمل في السر كما تعمل في العلن؟ هل توائم قلبك مع جوارحك في جميع الأحوال؟ هل نسيت العمل في العمل؟ بمعنى أنك مع الله -عز وجل- في جميع الأوقات والأحوال لا تتجمل لأحد، ولا تنفك إذا خلوت, عندها تكون أنت أنت. أيها الحبيب إن القلب هو موضع نظر الرب, ربك -عز وجل- ينظر لقلبك, لأن في القلب العلامة, وفي القلب الدلالة, في القلب المحبة، وفي القلب البغض, أما الجوارح فالأدعياء كثير, {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.[الشعراء:89,88]. المحبة هي التي تنافس فيها المتنافسون, وشخص إلى علمها المحبون, وسار إليها المخلصون حينما علموا أن القلب قد امتلأ بمحبة الله -عز وجل- ما عطَّلوا لله أمرا، وما خرموا لله نهيا, لأن المحب لا يُخالف من أحب. في حديث المحبة المشهور الذي رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- {مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ}.< البخاري (6502) >. أفضل الخلق وأفضل العباد المحب -أي لله عز وجل- لأنه في معية الله, منصورٌ دائما, معانٌ دائما, موفق دائما, إن رأيت البلايا تتخبط به، وتتقلب عليه في الدنيا, فاعلم أن هذا من علامات المحبة, إن من أعظم علامات المحبة الإبتلاء. ألا ترون أن الله -عز وجل- ابتلى صفوة الأنبياء, ابتلى خليله, بماذا؟ بذبح الولد, وأيكم يطيقه؟ لمجرد سماع الأمر, وأيكم يطيقه؟. وابتلى محمدًا صلي الله عليه وسلم بفراق أهله وماله ووطنه، وخرج مهاجرًا كما أمره الله عز وجل. فالبلايا إن صبت على المحب إنما هي علامة ودلالة على محبة الله عز وجل له، حتى إنه يقال أن أهل البلايا في يوم القيامة لما عُظِّم لهم الآجر تمنى أهل العافيه أنهم في الدنيا نشروا بالمناشير وقرضوا بالمقاريض، لينالوا المنزلة التى حصلها أهل البلاء. "مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ" كأن الله عز وجل يقول لخلقه وعباده أن هناك أمر لجميع الخلق، أمر عام، أمر عام لجميع الخلق هو أصل وأساس العبودية، ما فرضه الله عز وجل على الخلق، "أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ" ولكن لله خواص يصطفيهم الله عز وجل، بينهم وبين ربهم خبيئة، بينهم وبين ربهم أبوابًا لا يعلمها ويعرفها إلا الله، أخفوها عن الناس، فلا يعلمها أحد، يقول الله عز وجل في هذا الحديث القدسي "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى" خصوصية "يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ" في الخلوات. أما سمعتم حديث النبي صلي الله عليه وسلم لما ذكر خواص أهل المحبة، وهم السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله < البخاري (660)، مسلم (1031) عن أبي هريرة رضي الله عنه >، رؤوسهم "الإِمَامُ الْعَادِلُ" وهذا من أعسر ما يكون، إذا ليس بين هذا الإمام وبين الله أحد، هو بين الخلق وبين الله، يعذب بظلمه، أو يريحهم بعدله، فجعله الله عز وجل في أعلى المنازل. "الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ عز وجل" وفق لأبوين صالحين ما جعلا له كبوة، تعاهداه كالنبتة من البداية إلى العلو، ولد صالح، شاب نشأ في طاعة الله عز وجل، ذاق ورضع الدين والإيمان من ثدي أمه، والطريقة من أبويه. "وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ" منذ أن خرج إلى أن يعود، همه ليس الصفق بالأسواق، أو الثرثرة في المجالس، أو أنه يعمل كالطحونة بالليل والنهار لحطام من الدنيا، همه أن يراعي أصول العيش، ثم ينظر إلى الطريق والعدة التي هي أطول ما يكون من عمر الدنيا "وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ" منذ أن خرج إلى أن يعود. "وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ" وهذا بيت القصيد، طاعة وعبادة قد يتقالها العبد، "وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا" كأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول لك اجعل بينك وبين ربك خبيئة، راجع نفسك بينك وبين ربك، كما إذا خلوت بشخص تشكو إليه حاجتك، وتطلب منه ودًا، أو حاجة من حوائج الدنيا إن تعثرت بك، اجعل بينك وبين ربك باب خلوة، تخلو بربك ولو لحظة. "وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" فاضت قطرة لم ينزل دموعًا تنهمل، قطرة، تحرك القلب القاسي فلان لله عز وجل في خلوة فأكرمه الله بعلو القدر في الدنيا والآخرة. أيها الحبيب إن محبة الله عز وجل هي أصل السالك وأصل السائر، هي حياة العبد، عبد بلا محبة صاحب قلب ميت، والمحاب تتدافع على العبد، الجاهل لا يميز بين الأعلى والأدنى، لأنه ما عرف الله عز وجل، فإن عرف الله عز وجل حق المعرفة استطاع أن يميز، وجعل للمحبة درجات قال الله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا}. [البقرة: 165]. والأنداد شركاء، ولكن جعلهم بالتساوي، هل المحبة تقف عند الله عز وجل فقط؟ الجواب لا، لأن القلب يحب، يحب الله، يحب أبويه، يحب غيره، يحب المال، يحب الدنيا، يحب أشياء كثيرة، ولكن إن لم يميز بين درجات المحبة وقع في الشرك، والله عز وجل {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}. [النساء: 48]. فأنت محتاج أيها الفقير أيها الضعيف أيها العاجز أن تقف عند أصول المحبة {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}. [البقرة: 165]. بمعنى عدل بين محاب غير الله عز وجل وبين محاب الله وهذا الشرك الأكبر، الذي لا يُغفر لصاحبه البتة. قضية خطيرة، ليس بالأمر الهين، ومن ثم أثنى الله عز وجل على من وقف على درجات المحبة {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}. [البقرة: 165]. فأنت تحتاج من قلبك أن تقف معه وقفات، أي درجات المحبة، في أي درجات المحبة أنا؟ درجات. وروى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ ». < البخاري (16)، مسلم (43) > عودوا إلى ربكم واستغفروه. الخطبة الثانية ![]() روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ" < البخاري (2887)، ابن ماجه (4136) > والتعاسة معلومة، التعاسة سوء العمل مع سوء الخاتمة، تعيس في عمله تعيس في الثمرة، لأن الإنسان ربما يتلذذ بالعمل ولكن تكون التعاسة في خاتمة العمل، وقد يكون الإنسان تعيسًا في عمله لكن الخاتمة حسنه، أما التعاسة المطلقة فهو تعيس في العمل تعيس في الثمرة، "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ" في جمعه ليس فيه لذة، في جمعه والانشغال به، ثم التعاسة الآخروية أن يقول له الله عز وجل {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)}. [الفرقان]. وهنا وقفة "تَعِسَ عَبْدُ" هل رأينا أحدًا يسجد لجنيه؟ أو للألف جنيه؟ أو يسجد لذهبٍ؟ أو لفضة؟ لا، ولكن أصل العبادة المحبة، أصلها ولذلك من عبد الله عز وجل بالمحبة علا، والشطر الثاني من العبادة الخوف، ومن عبده بالخوف نجا، وبين المحبة وبين الخوف مسافات، إلا أن الكل ناجٍ، ولكن أعلاها أن يسير العبد إلى الله عز وجل بشوق {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}. [طه:84]. "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ" محابك مشاغلك، هي الدنيا أعظم بلية، على أهل الدنيا الذين انشغلوا بها لحظة الموت، أعظم مصيبة، فإذا أصابتكم مصيبة الموت فلا تسل عن عظيم الفجيعة التي وقع فيه، فجأة رأى الدنيا قد ولت, وأن الأعمال فلا أعمال, وأن الطاعات فلا طاعات, لا شيء البتة, كان في الدنيا غافلا لاهيا, {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} أي مما أنت فيه, هذا إشارة, سكرات الموت, وما بعد الموت أشد, { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ}. [ق:22], ما ذكَّرت نفسك يومًا في دنياك أن لك رب سيحاسبك على مثاقيل الذر, ما أوقفت يومك يومًا واحدًا أن تكون عبدًا لله -عز وجل-. الأسواق والجمعة يُنادى لها وهم يبيعون ويشترون مرحون فرحون, هل هذا لو ذكر الموت كان هذا حاله؟ {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}.[ق:22], واضح يرى الحقيقة, أمنيتهم {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} وصالحا كلمة نكرة, أي عمل يتمناه على فراش الموت, أي شيء يُقربه من الله -عز وجل- يتمناه, ولكن يُحال بينه وبين هذا. {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا}, ما فكرت أن لك ربًا أوجب عليك أمورًا, ما فكرت أن لك ربًا سيحاسبك على مثاقيل الذر, ما من عبدٍ إلا يوقفه الله -عز وجل- يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فيحاسبه. أيها الحبيب أمنيتهم {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} ولو لحظه, فيقول عز وجل: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}. [المؤمنون:100:99], كم رأى جنازة قال أتوب, كم ذُكِّرَ بالله قال أتوب, كم جاءته المواعظ إلى قلبه وعلى قلبه قال أتوب, وكما قال عز وجل: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. [الأنعام:28]. إن الله -عز وجل- الملك الكريم الجواد أعزر خلقه جميعًا, ألا ترون أن الله -عز وجل- لما خلق أدم -عليه السلام- فجعل من أصل خلقته أن أشهد جميع الذرية، أنه الله الذي لا إله إلا هو, وأقروا جميعًا بهذا, قال عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} وهم أمثال الذر في صلب الأب الأول أدم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}. [الأعراف:173:172]. وعلى الرغم من هذا الميثاق الواضح الجلي, من رحمة الله -عز وجل- بخلقه وعباده أخذ على نفسه عهدًا ألا يعذب إلا بعد إقامة الحجة, قال عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}. [الإسراء:15]. كم ذُكِّرت؟ كم بُلِّغت عن الله -عز وجل-؟ كم من مواعظ لآمست قلبك وأنت لاهيٍ غافل؟ بعضهم ما أفاق إلا في آخر يومٍ من رمضان, ثم تناسى عند صبيحة يوم العيد. أيها المسلمون الوحى الوحى, النجاة النجاة, أمر الله إذا جاء لا يُرد, وإن نهاية العبد عند موته, اخلصوا العمل, ولا إخلاص للعمل إلا بمحبة, عظِّموا المحبة, ولا محبة إلا بثمار, أن يُرى على جميع جوارحك أثر المحبة. أسأل الله الكريم المنان الجواد أن يغفر ذنوبنا وأن يقل عثراتنا وأن يرحمنا رحمةً واسعة اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان اللهم إنا نسألك الجنة وما يُقرب إليها من قولٍ أو عمل ونعوذ بك من النار وما يُقرب إليها من قولٍ أو عمل وأقم الصلاة .. اهـ ![]() ![]() ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))
__________________
قال ابن مسعود رضى الله عنه : " من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوبا ، و أعمقها علما ، و أقلها تكلفا ، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ، و إقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، و اتبعوهم في آثارهم ، و تمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم و دينهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ." [ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة : إن لم تنفعه فلا تضره ، و إن لم تفرحه فلا تغمه ، و إن لم تمدحه فلا تذمه" |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| 1432, لشيخنا, المحبة, الله, التفرد, الجمعة, بعنوان, تفريغ, حفظه, خطبة, سؤال, علامة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|