|
#11
|
||||
|
||||
|
تسميتها باسمٍ حسنٍ :
5 - من السّنّة تسمية المولود باسمٍ حسنٍ ، ويستوي في ذلك الذّكر والأنثى ، وكما كان النّبيّ يغيّر أسماء الذّكور من القبيح إلى الحسن ، فإنّه كذلك كان يغيّر أسماء الإناث من القبيح إلى الحسن ، فقد روى البخاريّ ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ ابنةً لعمر رضي الله تعالى عنه كان يقال لها عاصية فسمّاها النّبيّ صلى الله عليه وسلم جميلة » . والكنية من الأمور المحمودة ، يقول النّوويّ : من الأدب أن يخاطب أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية ، وقد كنّي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم ، بابنه القاسم . والكنية كما تكون للذّكر تكون للأنثى . قال النّوويّ : روينا بالأسانيد الصّحيحة في سنن أبي داود وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت : « يا رسول اللّه كلّ صواحبي لهنّ كنًى ، قال : فاكتنّي بابنك عبد اللّه » قال الرّاوي . يعني عبد اللّه بن الزّبير وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكرٍ ، وكانت عائشة تكنّى أم عبد اللّه . لها نصيب في الميراث : 6 - جعل اللّه سبحانه وتعالى للأنثى نصيباً في الميراث كما للذّكر نصيب ، وقد كانوا في الجاهليّة لا يورّثون الإناث . قال سعيد بن جبيرٍ وقتادة : كان المشركون يجعلون المال للرّجال الكبار ولا يورّثون النّساء ولا الأطفال شيئاً ، فأنزل اللّه تعالى : { لِلرّجالِ نصيبٌ ممّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقربونَ وللنّساءِ نصيبٌ ممّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقربونَ مِمّا قلّ منه أو كَثُرَ نصيباً مفروضاً } أي الجميع فيه سواء في حكم اللّه تعالى يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض اللّه لكلٍّ منهم . وقال الماورديّ في تفسيره : سبب نزول هذه الآية أنّ أهل الجاهليّة كانوا يورّثون الذّكور دون الإناث ، فروى ابن جريجٍ عن عكرمة قال : « نزل قول اللّه تعالى : { للرّجال نصيب } . الآية في أمّ كجّة وبناتها وثعلبة وأوس بن سويدٍ وهم من الأنصار ، وكان أحدهما زوجها والآخر عمّ ولدها ، فقالت : يا رسول اللّه توفّي زوجي وتركني وابنته ولم نُوَرّثْ ، فقال عمّ ولدها يا رسول اللّه : ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلّاً ، ولا يَنْكأ عدوّاً يُكْسب عليها ولا تَكْسِب فنزلت هذه الآية » . وورد كذلك في سبب نزول قوله تعالى : { يُوصيكم اللّهُ في أولادِكم لِلذّكرِ مثْلُ حَظِّ الأُنثيين } ما روي عن جابرٍ قال : « جاءت امرأة سعد بن الرّبيع إلى رسول اللّه فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الرّبيع ، قتل أبوهما معك في يوم أحدٍ شهيداً ، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً ، ولا ينكحان إلاّ ولهما مال فقال : يقضي اللّه في ذلك ، فنزلت آية الميراث ، فأرسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى عمّهما فقال : أعط ابنتي سعدٍ الثّلثين ، وأمّهما الثّمن ، وما بقي فهو لك » . رعاية طفولتها ، وعدم تفضيل الذّكر عليها : 7 - يعتني الإسلام بالأنثى في كلّ أطوار حياتها فيرعاها وهي طفلة ، ويجعل رعايتها ستراً من النّار وسبيلاً إلى الجنّة . فقد روى مسلم والتّرمذيّ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من عال جارتين حتّى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو ، وضمّ أصابعه » . ولا يجوز أن يفضّل الذّكر عليها في التّربية والعناية ، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم :« من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده ( يعني الذّكور) عليها أدخله اللّه الجنّة » . وعن أنسٍ « أنّ رجلاً كان جالساً مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه في حجره ، ثمّ جاءت بنته فأخذها فأجلسها إلى جنبه فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : فما عَدَلْتَ بينهما » . وفي الفتاوى الهنديّة : لا يجوز تفضيل الذّكر على الأنثى في العطيّة ، وقال المالكيّة : يبطل الوقف إذا وقف على بنيه الذّكور دون بناته ، لأنّه من عمل الجاهليّة . وتشمل العناية بها في طفولتها تأهيلها لحياتها المستقبلة ، فيستثنى ممّا يحرم من الصّور صور لعب البنات فإنّها لا تحرم ، ويجوز استصناعها وصنعها وبيعها وشراؤها لهنّ ، لأنّهنّ يتدرّبن بذلك على رعاية الأطفال ، وقد « كان لعائشة رضي الله تعالى عنها جوارٍ يلاعبنها بصور البنات المصنوعة من نحو خشبٍ ، فإذا رأين الرّسول صلى الله عليه وسلم يستحين منه ويتقمّعن ، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يشتريها لها » . ( ر : تصوير ) . إكرام الأنثى حين تكون زوجةً : 8 - أمر اللّه تعالى بإحسان معاشرة الزّوجة فقال : { وعاشِرُوهُنَّ بالمعروف } قال ابن كثيرٍ : أي طيّبوا أقوالكم لهنّ ، وحسّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم ، كما تحبّ ذلك منها فافعل أنت بها مثله ، قال تعالى : { ولهنّ مِثْلُ الّذي عليهنّ بالمعروف } . وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي » ، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنّه جميل العشرة دائم البشر ، يداعب أهله ويتلطّف بهم ويوسّع عليهم في النّفقة ويضاحك نساءه ، حتّى أنّه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها يتودّد إليها بذلك ، « قالت : سابقني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللّحم ، ثمّ سابقته بعدما حملت اللّحم فسبقني فقال : هذه بتلك » ، و « كان إذا صلّى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام » . وينبغي الصّبر على الزّوجة حتّى لو كرهها ، قال اللّه تعالى : { فإنْ كَرِهْتمُوهنّ فعسى أن تَكْرهوا شيئاً ويجعَلَ اللّه فيه خيراً كثيراً } قال ابن كثيرٍ ، أي فعسى أن يكون صبركم في إمساكهنّ مع الكراهة فيه خير كثير لكم في الدّنيا والآخرة ، كما قال ابن عبّاسٍ : هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً ويكون في ذلك الولد خير كثير ، وفي الحديث الصّحيح : « لا يفرك مؤمن مؤمنةً ، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر » . هذا ، وحقوق الزّوجة على زوجها مبسوطة في باب النّكاح من كتب الفقه ، ونذكر هنا مثلاً واحداً ممّا ذكره الفقهاء ، يتّصل بإكرام أمومة الأنثى ، فقد أكثر النّبيّ صلى الله عليه وسلم من الوصاية بالأمّ وقدّمها في الرّعاية على الأب ، روى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه مَنْ أحقّ بِحُسْن صحابتي ؟ قال : أمّك ، قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك ، قال : ثمّ من ؟ قال : أمّك ، قال : ثمّ من ؟ قال : أبوك » . وجعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم رضاها طريقاً إلى الجنّة ، فقد قال رجل : « يا رسول اللّه أردت الغزو وجئت أستشيرك ، فقال : فهل لك من أمٍّ ؟ قال : نعم ، قال : فالزمها ، فإنّ الجنّة عند رجليها » . ثانياً : الحقوق الّتي تتساوى فيها مع الرّجل : تتساوى المرأة والرّجل في كثيرٍ من الحقوق العامّة مع التّقييد في بعض الفروع بما يتلاءم مع طبيعتها . وفيما يأتي بعض هذه الحقوق : أ - حقّ التّعليم : 9- للمرأة حقّ التّعليم مثل الرّجل : فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ » . وهو يصدق على المسلمة أيضاً ، فقد قال الحافظ السّخاويّ : قد ألحق بعض المصنّفين بآخر هذا الحديث ( ومسلمةٍ ) وليس لها ذكر في شيءٍ من طرقه وإن كان معناها صحيحاً . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من كانت له بنت فأدّبها فأحسن أدبها ، وعلّمها فأحسن تعليمها ، وأسبغ عليها من نعم اللّه الّتي أسبغ عليه كانت له ستراً أو حجاباً من النّار » . وقد كان النّساء في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسعين إلى العلم . روى البخاريّ عن أبي سعيدٍ الخدريّ قال : « قالت النّساء للنّبيّ صلى الله عليه وسلم : غلبنا عليك الرّجال فاجعل لنا يوماً من نفسك ، فواعدهنّ يوماً لقيهنّ فيه فوعظهنّ وأمرهنّ » . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « نعم النّساء نساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدّين » . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشرٍ ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » . قال النّوويّ : والحديث يتناول بمنطوقه الصّبيّ والصّبيّة ، وأنّه لا فرق بينهما بلا خلافٍ ، ثمّ قال النّوويّ : قال الشّافعيّ والأصحاب رحمهم اللّه تعالى : على الآباء والأمّهات تعليم أولادهم الصّغار الطّهارة والصّلاة والصّوم ونحوها ، وتعليمهم تحريم الزّنى واللّواط والسّرقة ، وشرب المسكر والكذب والغيبة وشبهها ، وأنّهم بالبلوغ يدخلون في التّكليف ، وهذا التّعليم واجب على الصّحيح ، وأجرة التّعليم تكون في مال الصّبيّ ، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته ، وقد جعل الشّافعيّ والأصحاب للأمّ مدخلاً في وجوب التّعليم ، لكونه من التّربية وهي واجبة عليها كالنّفقة . ومن العلوم غير الشّرعيّة ما يعتبر ضرورةً بالنّسبة للأنثى كطبّ النّساء حتّى لا يطّلع الرّجال على عورات النّساء . جاء في الفتاوى الهنديّة : امرأة أصابتها قرحة في موضعٍ لا يحلّ للرّجل أن ينظر إليه ، لا يحلّ أن ينظر إليها ، لكن يعلّم امرأةً تداويها ، فإن لم يجدوا امرأةً تداويها ولا امرأةً تتعلّم ذلك إذا علّمت ، وخيف عليها البلاء أو الوجع أو الهلاك فإنّه يستر منها كلّ شيءٍ إلاّ موضع تلك القرحة ، ثمّ يداويها الرّجل ، ويغضّ بصره ما استطاع إلاّ عن ذلك الموضع . 10- وإذن ، فلا خلاف في مشروعيّة تعليم الأنثى . لكن في الحدود الّتي لا مخالفة فيها للشّرع وذلك من النّواحي الآتية : أ - أن تحذر الاختلاط بالشّباب في قاعات الدّرس ، فلا تجلس المرأة بجانب الرّجل ، « فقد جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم للنّساء يوماً غير يوم الرّجال يعظهنّ فيه » ، بل حتّى في العبادة لا يخالطن الرّجال ، بل يكن في ناحيةٍ منهم يستمعن إلى الوعظ ويؤدّين الصّلاة ، ولا يجب استحداث مكان خاصٍّ لصلاتهنّ ، أو إقامة حاجزٍ بين صفوفهنّ وصفوف الرّجال . ب - أن تكون محتشمةً غير متبرّجةً بزينتها لقول اللّه تعالى : { ولا يُبْدِين زِينَتَهنّ إلاّ ما ظَهَرَ منها } وفي اتّباع ذلك ما يمنع من الفتنة ومن إشاعة الفساد . ب - أهليّتها للتّكاليف الشّرعيّة : 11 - المرأة أهل للتّكاليف الشّرعيّة مثل الرّجل ، ووليّ أمرها مطالب بأمرها بأداء العبادات ، وتعليمها لها منذ الصّغر ، لما جاء في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشرٍ ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » والحديث يتناول الأنثى بلا خلافٍ كما قال النّوويّ . وهي بعد البلوغ مكلّفة بالعبادات من صلاةٍ وصومٍ وزكاةٍ وحجٍّ ، وليس لأحدٍ - زوجٍ أو غيره - منعها من أداء الفرائض . فجملة العقائد والعبادات والأخلاق والأحكام الّتي شرعها اللّه للإنسان يستوي في التّكليف بها والجزاء عليها الذّكر والأنثى . يقول اللّه تعالى : { مَنْ عمل صالحاً مِنْ ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فَلَنُحْيِيَنّهُ حياةً طَيّبةً وَلَنَجزِينّهم أجرَهم بأحسنِ ما كانوا يعملون } . ويؤكّد اللّه سبحانه وتعالى هذا المعنى في قوله : { إنّ المسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ والقانتينَ والقانتاتِ والصّادقينَ والصّادقاتِ والصّابرينَ والصّابراتِ والخاشعينَ والخاشعاتِ والمتصدّقينَ والمتصدّقاتِ والصّائمينَ والصّائماتِ والحافظينَ فروجَهُم والحافظاتِ والذّاكرينَ اللّه كثيراً والذّاكراتِ أعدّ اللّه لهم مغفرةً وأجراً عظيماً } ويروى في سبب نزول هذه الآية أنّ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « قال النّساء للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات ، فنزلت » . وعن أمّ سلمة أنّها قالت : « قلت يا رسول اللّه : أيذكر الرّجال في كلّ شيءٍ ولا نذكر ؟! ، فنزلت هذه الآية » . وفي استجابة اللّه تعالى لسؤال المؤمنين قال : { فاستجابَ لهم ربُّهم أَنّي لا أُضِيعُ عملَ عاملٍ منكم مِنْ ذكرٍ أو أنثى بعضُكم من بعضٍ } . ولقد روي في سبب نزولها ما روي في سبب نزول الآية السّابقة ، ويقول ابن كثيرٍ : { بعضكم من بعضٍ } أي جميعكم في ثوابي سواء . وبيّن اللّه سبحانه وتعالى أنّ الّذي يؤذي المؤمنات هو في الإثم كمن يؤذي المؤمنين ، يقول اللّه تعالى { والّذين يُؤْذُون المؤمنينَ والمؤمناتِ بغيرِ ما اكتسبوا فقد احتَمَلوا بُهتاناً وإثْماً مبيناً } . وهي مطالبة بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كالرّجل ، يقول اللّه تعالى : { والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ يأمرونَ بالمعروفِ ويَنْهون عن المنكر ويقيمونَ الصّلاةَ ويُؤْتون الزّكاةَ ويُطيعونَ اللّهَ ورسولَه أولئك سَيَرْحمهم اللّهُ إنّ اللّهَ عزيزٌ حكيمٌ } . والجهاد كذلك يتعيّن على المرأة إذا هاجم العدوّ البلاد . يقول الفقهاء : إذا غشي العدوّ محلّة قومٍ كان الجهاد فرض عينٍ على الجميع ذكوراً وإناثاً وتخرج المرأة بغير إذن الزّوج ، لأنّ حقّ الزّوج لا يظهر في مقابلة فرض العين . وقد خفّف اللّه عنها في العبادات في فترات تعبها من الحيض والحمل والنّفاس والرّضاع . وتنظر الأحكام الخاصّة بذلك في ( حيض ، حمل ، نفاس ، رضاع ) . ج - احترام إرادتها : 12 - للأنثى حرّيّة الإرادة والتّعبير عمّا في نفسها ، وقد منحها اللّه سبحانه وتعالى هذا الحقّ الّذي سلبته منها الجاهليّة وحرمتها منه ، فقد كانت حين يموت زوجها لا تملك من أمر نفسها شيئاً ، وكان يرثها من يرث مال زوجها . روى البخاريّ عن ابن عبّاسٍ في قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا يَحلّ لكم أن تَرِثُوا النّساءَ كَرْهاً } قال : كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوّجها وإن شاءوا زوّجوها ، وإن شاءوا لم يزوّجوها فهم أحقّ بها من أهلها . فنزلت هذه الآية ، وقال زيد بن أسلم كان أهل يثرب إذا مات الرّجل منهم في الجاهليّة ورث امرأته من يرث ماله ، وكان يعضلها حتّى يرثها أو يزوّجها من أراد ، وكان أهل تهامة يسيء الرّجل صحبة المرأة حتّى يطلّقها ويشترط عليها ألاّ تنكح إلاّ من أراد حتّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها ، فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك . وقال ابن جريجٍ : نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس ، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت ، فجنح عليها ابنه ، فجاءت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت : « يا رسول اللّه لا أنا ورثت زوجي ، ولا أنا تركت فأنكح ، فأنزل اللّه هذه الآية » . قال ابن كثيرٍ : فالآية تعمّ ما كان يفعله أهل الجاهليّة ، وكلّ ما كان فيه نوع من ذلك . وإرادتها كذلك معتبرة في نكاحها ، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاريّ : « لا تنكح الأيّم حتّى تُسْتَأْمر ، ولا تنكح البكر حتّى تُسْتَأذن » . والاستئمار في حقّ الثّيّب الكبيرة العاقلة واجب باتّفاق الفقهاء ، وإذا زوّجت بغير إذنها فنكاحها موقوف على إجازتها ، على ما هو معلوم في باب النّكاح . وهو في حقّ البكر البالغة العاقلة مستحبّ عند جمهور الفقهاء . روي عن عطاءٍ قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستأمر بناته إذا أنكحهنّ » . واستئذانها واجب عند الحنفيّة . بل إنّها يجوز لها تزويج نفسها عند الحنفيّة . جاء في الاختيار : عبارة النّساء معتبرة في النّكاح ، حتّى لو زوّجت الحرّة العاقلة البالغة نفسها جاز ، وكذلك لو زوّجت غيرها بالولاية أو الوكالة ، وكذا إذا وكّلت غيرها في تزويجها ، أو زوّجها غيرها فأجازت ، وهذا قول أبي حنيفة وزفر والحسن وظاهر الرّواية عن أبي يوسف ، ويستدلّون بما في البخاريّ « أنّ خنساء بنت حزامٍ أنكحها أبوها وهي كارهة ، فردّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم » وروي أنّ امرأةً زوّجت بنتها برضاها فجاء الأولياء وخاصموها إلى عليٍّ رضي الله تعالى عنه فأجاز النّكاح . هذا دليل الانعقاد بعبارة النّساء ، وأنّه أجاز النّكاح بغير وليٍّ ، لأنّهم كانوا غائبين ، لأنّها تصرّفت في خالص حقّها ، ولا ضرر فيه لغيرها فينفذ ، كتصرّفها في مالها . هذا ما انفرد به الحنفيّة ، وتفصيل الخلاف في هذا ينظر في ( نكاحٍ ) . وللمرأة أيضاً مشاركة زوجها الرّأي بل ومعارضته ، قال عمر بن الخطّاب : « واللّه إن كنّا في الجاهليّة ما نعدّ للنّساء أمراً ، حتّى أنزل اللّه فيهنّ ما أنزل ، وقسم لهنّ ما قسم ، قال : فبينا أنا في أمرٍ أتأمّره إذ قالت امرأتي : لو صنعت كذا وكذا ، قال : فقلت لها : ما لك ولما ها هنا ، فيما تكلُّفك في أمرٍ أريده ؟ فقالت لي : عجباً لك يا ابن الخطّاب ، ما تريد أن تراجع أنت ، وإنّ ابنتك لتراجع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى يظلّ يومه غضبان . فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتّى دخل على حفصة ، فقال لها : يا بنيّة إنّك لتراجعين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى يظلّ يومه غضبان ؟ فقالت حفصة : واللّه إنّا لنراجعه . فقلت : تعلمين أنّي أحذّرك عقوبة اللّه ، وغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . يا بنيّة لا يغرّنّك هذه الّتي أعجبها حسنها حبّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إيّاها - يريد عائشة - قال : خرجت حتّى دخلت على أمّ سلمة لقرابتي منها فكلّمتها ، فقالت أمّ سلمة : عجباً لك يا ابن الخطّاب ، دخلت في كلّ شيءٍ ، حتّى تبتغي أن تدخل بين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأزواجه . فأخذتني واللّه أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد ، فخرجت من عندها ، وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر ، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر ، ونحن نتخوّف ملكاً من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا ، فقد امتلأت صدورنا منه ، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب ، فقال : افتح افتح ، فقلت : جاء الغسّانيّ ؟ فقال : بل أشدّ من ذلك ، اعتزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أزواجه ، فقلت رغم أنف حفصة وعائشة . فأخذت ثوبي ، فأخرج حتّى جئت ، فإذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مشربةٍ له يرقى عليها بعجلةٍ ، وغلام لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدّرجة ، فقلت له : قل هذا عمر بن الخطّاب . فأذن لي . قال عمر : فقصصت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ، فلمّا بلغت حديث أمّ سلمة تبسّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وإنّه لعلى حصيرٍ ما بينه وبينه شيء ، وتحت رأسه وسادة من أَدَمٍ حشوها ليف ، وإن عند رجليه قَرَظاً مصبوباً ، وعند رأسه أهب معلّقة ، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت ، فقال : ما يبكيك ؟ فقلت : يا رسول اللّه ، إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه ، وأنت رسول اللّه ، فقال : أمّا ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة ؟ » واستشارة المرأة فيما يتّصل بشئون النّساء أو فيما لديها خبرة به مطلوبة ، بأصل ندب المشورة في قوله تعالى : { وأَمْرُهم شورى بينهم } ولحديث أمّ سلمة أنّه : « لمّا فرغ النّبيّ صلى الله عليه وسلم من كتاب الصّلح قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثمّ احلقوا ، فما قام منهم رجل حتّى قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرّاتٍ ، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقي من النّاس ، قالت له : يا نبيّ اللّه أتحبّ ذلك ؟ اخرج ثمّ لا تكلّم أحداً منهم كلمةً ، حتّى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلم يكلّم أحداً منهم حتّى فعل ذلك ، نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً » . وللمرأة أن تعقد الأمان مع الكفّار ، ويسري ذلك على المسلمين ، ففي المغني : إذا أعطت المرأة الأمان للكفّار جاز عقدها ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز ، وعن أمّ هانئٍ أنّها قالت : « يا رسول اللّه إنّي أجرت أحمائي وأغلقت عليهم ، وإنّ ابن أمّي أراد قتلهم ، فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانئٍ » ، « وأجارت زينب بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص بن الرّبيع قبل أن يسلم فأمضاه رسول اللّه » . د - ذمّتها الماليّة : 13 - للأنثى ذمّة ماليّة مستقلّة كالرّجل ، وحقّها في التّصرّف في مالها أمر مقرّر في الشّريعة ما دامت رشيدةً ، لقوله تعالى : { فإن آنَسْتم منهم رُشْداً فادفعوا إليهم أموالَهم } . ولها أن تتصرّف في مالها كلّه عن طريق المعاوضة بدون إذنٍ من أحدٍ ، وهذا باتّفاق الفقهاء . أمّا تصرّفها في مالها عن طريق التّبرّع به ، فعند جمهور الفقهاء : يجوز لها التّصرّف في كلّ مالها بالتّبرّع عند الحنفيّة والشّافعيّة وابن المنذر وروايةٍ عن الإمام أحمد ، لما روي أنّ النّبيّ قال : « يا معشر النّساء تصدّقن ولو من حُليّكنّ » وأنّهنّ تصدّقن فقبل صدقتهنّ ، ولم يسأل ولم يستفصل . ولهذا جاز لها التّصرّف بدون إذنٍ لزوجها في مالها ، فلم يملك الحجر عليها في التّصرّف بجميعه . وعند الإمام مالكٍ ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد : أنّه يجوز لها التّبرّع في حدود الثّلث ، ولا يجوز لها التّبرّع بزيادةٍ على الثّلث إلاّ بإذن زوجها . ولأنّ للمرأة ذمّةً ماليّةً مستقلّةً فقد أجاز الفقهاء لها أن تضمن غيرها ، جاء في المغني : يصحّ ضمان كلّ جائز التّصرّف في ماله ، سواء كان رجلاً أو امرأةً ، لأنّه عمد يقصد به المال ، فصحّ من المرأة كالبيع . وهذا عند من يجيز لها التّبرّع بكلّ مالها ، أمّا من لا يجيز لها التّبرّع بأكثر من الثّلث إلاّ بإذن زوجها ، فإنّهم يجيزون لها الضّمان في حدود ثلث مالها أو بزائدٍ يسيرٍ باعتبار أنّ الضّمان من التّبرّعات ، وأمّا ما زاد على الثّلث فإنّه يصحّ ويتوقّف على إجازة الزّوج . هـ- حقّ العمل : 14 – الأصل أنّ وظيفة المرأة الأولى هي إدارة بيتها ورعاية أسرتها وتربية أبنائها وحسن تبعّلها ، يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيّتها » . وهي غير مطالبةٍ بالإنفاق على نفسها ، فنفقتها واجبة على أبيها أو زوجها ، لذلك كان مجال عملها هو البيت ، وعملها في البيت يساوي عمل المجاهدين . ومع ذلك فالإسلام لا يمنع المرأة من العمل فلها أن تبيع وتشتري ، وأن توكّل غيرها ، ويوكّلها غيرها ، وأن تتاجر بمالها ، وليس لأحدٍ منعها من ذلك ما دامت مراعيةً أحكام الشّرع وآدابه ، ولذلك أبيح لها كشف وجهها وكفّيها ، قال الفقهاء : لأنّ الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشّراء ، وإلى إبراز الكفّ للأخذ والإعطاء . وفي الاختيار : لا ينظر الرّجل إلى الحرّة الأجنبيّة إلاّ إلى الوجه والكفّين .. ، لأنّ في ذلك ضرورةً للأخذ والإعطاء ومعرفة وجهها عند المعاملة مع الأجانب ، لإقامة معاشها ومعادها لعدم من يقوم بأسباب معاشها . والنّصوص الدّالّة على جواز عمل المرأة كثيرة ، والّذي يمكن استخلاصه منها ، أنّ للمرأة الحقّ في العمل بشرط إذن الزّوج للخروج ، إن استدعى عملها الخروج وكانت ذات زوجٍ ، ويسقط حقّه في الإذن إذا امتنع عن الإنفاق عليها . جاء في نهاية المحتاج : إذا أعسر الزّوج بالنّفقة وتحقّق الإعسار فالأظهر إمهاله ثلاثة أيّامٍ ، ولها الفسخ صبيحة الرّابع ، وللزّوجة - وإن كانت غنيّةً - الخروج زمن المهلة نهاراً لتحصيل النّفقة بنحو كسبٍ ، وليس له منعها لأنّ المنع في مقابل النّفقة . وفي منتهى الإرادات : إذا أعسر الزّوج بالنّفقة خيّرت الزّوجة بين الفسخ وبين المقام معه مع منع نفسها ، فإن لم تمنع نفسها منه ومكّنته من الاستمتاع بها فلا يمنعها تكسّباً ، ولا يحبسها مع عسرته إذا لم تفسخ لأنّه إضرار بها وسواء كانت غنيّةً أو فقيرةً ، لأنّه إنّما يملك حبسها إذا كفاها المئونة وأغناها عمّا لا بدّ لها منه . وكذلك إذا كان العمل من فروض الكفايات . جاء في فتح القدير : إن كانت المرأة قابلةً ، أو كان لها حقّ على آخر ، أو لآخر عليها حقّ تخرج بالإذن وبغير الإذن ، ومثل ذلك في حاشية سعدي جلبي عن مجموع النّوازل . إلاّ أنّ ابن عابدين بعد أن نقل ما في الفتح قال : وفي البحر عن الخانيّة تقييد خروجها بالإذن ، لأنّ حقّه مقدّم على فرض الكفاية . هذا ، وإذا كان لها مال فلها أن تتاجر به مع غيرها ، كأن تشاركه أو تدفعه مضاربةً دون إذنٍ من أحدٍ . جاء في جواهر الإكليل : قراض الزّوجة أي دفعها مالاً لمن يتّجر فيه ببعض ربحه ، فلا يحجر عليها فيه اتّفاقاً ، لأنّه من التّجارة . 15 - ثمّ إنّها لو عملت مع الزّوج كان كسبها لها . جاء في الفتاوى البزّازيّة : أفتى القاضي الإمام في زوجين سعيا وحصّلا أموالاً أنّها له ، لأنّها معينة له ، إلاّ إذا كان لها كسب على حدةٍ فلها ذلك . وفي الفتاوى : امرأة معلّمة ، يعينها الزّوج أحياناً فالحاصل لها ، وفي التقاط السّنبلة إذا التقطا فهو بينهما أنصافاً . كما أنّ للأب أن يوجّه ابنته للعمل : جاء في حاشية ابن عابدين : للأب أن يدفع ابنته لامرأةٍ تعلّمها حرفةً كتطريزٍ وخياطةٍ . وإذا عملت المرأة فيجب أن يكون في حدودٍ لا تتنافى مع ما يجب من صيانة العرض والعفاف والشّرف . ويمكن تحديد ذلك بما يأتي : - 1 - ألاّ يكون العمل معصيةً كالغناء واللّهو ، وألاّ يكون معيباً مزرياً تعيّر به أسرتها . جاء في البدائع والفتاوى الهنديّة : إذا آجرت المرأة نفسها بما يعاب به كان لأهلها أن يخرجوها من تلك الإجارة ، وفي المثل السّائر : تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها ، وعن محمّدٍ رحمه الله تعالى في امرأةٍ نائحةٍ أو صاحب طبلٍ أو مزمارٍ اكتسب مالاً فهو معصية . - 2 - ألاّ يكون عملها ممّا يكون فيه خلوة بأجنبيٍّ . جاء في البدائع : كره أبو حنيفة استخدام المرأة والاختلاء بها ، لما قد يؤدّي إلى الفتنة ، وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ ، أمّا الخلوة ، فلأنّ الخلوة بالأجنبيّة معصية ، وأمّا الاستخدام ، فلأنّه لا يؤمن معه الاطّلاع عليها والوقوع في المعصية . وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يخلونّ رجل بامرأةٍ إلاّ كان الشّيطان ثالثهما » ولأنّه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور . - 3 - ألاّ تخرج لعملها متبرّجةً متزيّنةً بما يثير الفتنة ، قال ابن عابدين : وحيث أبحنا لها الخروج فإنّما يباح بشرط عدم الزّينة وتغيير الهيئة إلى ما يكون داعيةً لنظر الرّجال والاستمالة ، قال اللّه تعالى : { ولا تَبرَّجْنَ تبرّجَ الجاهليّةِ الأولى } وقال تعالى : { ولا يُبْدِينَ زينَتَهنّ إلاّ ما ظهرَ منها } ، وفي الحديث : « الرّافلةُ في الزّينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها » . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|