|
#11
|
||||
|
||||
|
مؤاخذة الإمام بتصرّفاته :
26 - يضمن الإمام ما أتلفه بيده من مالٍ أو نفسٍ بغير خطأٍ في الحكم أو تقصيرٍ في تنفيذ الحدّ والتّعزير كآحاد النّاس فيقتصّ منه إن قتل عمداً ، وتجب الدّية عليه أو على عاقلته أو بيت المال في الخطأ وشبه العمد ، ويضمن ما أتلفه بيده من مالٍ ، كما يضمن ما هلك بتقصيره في الحكم ، وإقامة الحدّ ، والتّعزير . بالقصاص أو الدّية من ماله أو عاقلته أو بيت المال حسب أحكام الشّرع ، وحسب ظروف التّقصير وجسامة الخطأ . وينظر التّفصيل في مصطلحات : ( حدّ ، وتعزير ، وقصاص ، وضمان ) . وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء ، لعموم الأدلّة ، ولأنّ المؤمنين تتكافأ دماؤهم ، وأموالهم معصومة إلاّ بحقّها ، وثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم " أقاد من نفسه » وكان عمر رضي الله عنه يقيد من نفسه . والإمام والمعتدى عليه نفسان معصومتان كسائر الرّعيّة . واختلفوا في إقامة الحدّ عليه ، فذهب الشّافعيّة إلى أنّه يقام عليه الحدّ كما يقام على سائر النّاس لعموم الأدلّة ، ويتولّى التّنفيذ عليه من يتولّى الحكم عنه . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يقام عليه الحدّ ، لأنّ الحدّ حقّ اللّه تعالى ، والإمام نفسه هو المكلّف بإقامته ، ولا يمكن أن يقيمه على نفسه ، لأنّ إقامته تستلزم الخزي والنّكال ولا يفعل أحد ذلك بنفسه ، بخلاف حقّ العباد . أمّا حدّ القذف فقالوا : المغلّب فيه حقّ اللّه ، فحكمه حكم سائر الحدود ، فإقامته إليه كسائر الحدود . ولا ولاية لأحدٍ عليه . ليستوفيه ، وفائدة الإيجاب الاستيفاء ، فإذا تعذّر لم يجب . وفرّقوا بين الحدّ ، وبين القصاص وضمان المتلفات بأنّهما من حقوق العباد فيستوفيهما صاحب الحقّ ، ولا يشترط القضاء ، بل الإمكان والتّمكّن ، ويحصل ذلك بتمكينه من نفسه ، إن احتاج إلى منعةٍ . فالمسلمون منعته ، فبهم يقدر على الاستيفاء فكان الوجوب مفيداً . هدايا الإمام لغيره : 27 - هدايا الإمام لغيره إن كانت من ماله الخاصّ فلا يختلف حكمه عن غيره من الأفراد ، وينظر في مصطلح : ( هديّة ) . أمّا إن كانت من بيت المال ، فإذا كان مقابلاً لعملٍ عامٍّ فهو رزق ، وإن كان عطاءً شاملاً للنّاس من بيت المال فهو عطاء ، وإن كانت الهديّة بمبادرةٍ من الإمام ميّز بها فرداً عن غيره فهي الّتي تسمّى ( جائزة السّلطان ) وقد اختلف فيها ، فكرهها أحمد تورّعاً لما في بعض موارد بيت المال من الشّبهة ، لكنّه نصّ على أنّها ليست بحرامٍ على آخذها ، لغلبة الحلال على موارد بيت المال ، وكرهها ابن سيرين لعدم شمولها للرّعيّة ، وممّن تنزّه عن الأخذ منها حذيفة وأبو عبيدة ومعاذ وأبو هريرة وابن عمر . هذا من حيث أخذ الجوائز . أمّا من حيث تصرّف الإمام بالإعطاء فيجب أن يراعى فيه المصلحة العامّة للمسلمين دون اتّباع الهوى والتّشهّي ، لأنّ تصرّف الإمام في الأموال العامّة وغيرها من أمور المسلمين منوط بالمصلحة . قبول الإمام الهدايا : 28 - لم يختلف العلماء في كراهية الهديّة إلى الأمراء . ذكر ابن عابدين في حاشيته : أنّ الإمام ( بمعنى الوالي ) لا تحلّ له الهديّة ، للأدلّة - الواردة في هدايا العمّال ولأنّه رأس العمّال . وقال ابن حبيبٍ : لم يختلف العلماء في كراهية الهديّة إلى السّلطان الأكبر وإلى القضاة والعمّال وجباة الأموال . وهذا قول مالكٍ ومن قبله من أهل العلم والسّنّة . « وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقبل الهديّة » ، وهذا من خواصّه ، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم معصوم ممّا يتّقي على غيره منها ، ولمّا " ردّ عمر بن عبد العزيز الهديّة ، قيل له : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقبلها ، فقال : كانت له هديّةً وهي لنا رشوة ، لأنّه كان يتقرّب إليه لنبوّته لا لولايته ، ونحن يتقرّب بها إلينا لولايتنا " . هدايا الكفّار للإمام : 29 - لا يجوز للإمام قبول هديّةٍ من كفّارٍ أشرفت حصونهم على السّقوط بيد المسلمين ، لما في ذلك من توهين المسلمين وتثبيط همّتهم . أمّا إذا كانوا بقوّةٍ ومنعةٍ جاز له قبول هديّتهم . وهي للإمام إن كانت من قريبٍ له ، أو كانت مكافأةً ، أو رجاء ثوابٍ ( أي مقابلٍ ) . وإن كانت من غير قريبٍ ، وأهدى بعد دخول الإمام بلدهم فهي غنيمة . وهم فيء قبل الدّخول في بلدهم . هذا إذا كانت من الأفراد ، أمّا إذا كانت من الطّاغية أي رئيسهم ، فإنّها فيء إن أهدى قبل دخول المسلمين في بلدهم ، وغنيمة بعد الدّخول فيه ، وهذا التّفصيل للمالكيّة . وعند أحمد : يجوز للإمام قبول الهديّة من أهل الحرب ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل هديّة المقوقس صاحب مصر » ، فإن كان ذلك في حال الغزو فما أهداه الكفّار لأمير الجيش أو لبعض قوّاده فهو غنيمة ، لأنّه لا يفعل ذلك إلاّ خوفاً من المسلمين ، فأشبه ما لو أخذه قهراً . وأمّا إن أهدى من دار الحرب ، فهو لمن أهدى إليه سواء كان الإمام أو غيره ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الهديّة منهم » ، فكانت له دون غيره . وعزا ابن قدامة هذا إلى الشّافعيّ أيضاً ، ونقل عن الإمام أبي حنيفة : أنّها للمهدى له بكلّ حالٍ ، لأنّه خصّه بها ، فأشبه ما لو أهدي له من دار الإسلام ، وحكى في ذلك روايةً عن أحمد وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لو أهدى مشرك إلى الأمير أو إلى الإمام هديّةً ، والحرب قائمة فهي غنيمة ، بخلاف ما لو أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام ، فإنّه للمهدى إليه . وقال عبد الغنيّ النّابلسيّ : قال الماورديّ : فنزاهته عنها أولى من قبولها ، فإن قبلها جاز ولم يمنع ، وهذا حكم الهدايا للقضاة ، أمّا الهدايا للأئمّة فقد قال في الحاوي : إنّها إن كانت من هدايا دار الإسلام فهي على ثلاثة أقسامٍ : أحدها : أن يهدي إليه من يستعين به على حقٍّ يستوفيه ، أو على ظلمٍ يدفعه عنه ، أو على باطلٍ يعينه عليه ، فهذه الرّشوة المحرّمة . الثّاني : أن يهدي إليه من كان يهاديه قبل الولاية ، فإن كان بقدر ما كان قبل الولاية لغير حاجةٍ عرضت فيجوز له قبولها ، وإن اقترن بها حاجة عرضت إليه فيمنع من القبول عند الحاجة ، ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة . وإن زاد في هديّته على قدر العادة لغير حاجةٍ ، فإن كانت الزّيادة من جنس الهديّة جاز قبولها لدخولها في المألوف ، وإن كانت من غير جنس الهديّة منع من القبول . الثّالث : أن يهدي إليه من لم يكن يهاديه قبل الولاية ، فإن ( كان ) لأجل ولايته فهي رشوة ، ويحرم عليه أخذها ، وإن كان لأجل جميلٍ صدر ( له ) منه إمّا واجباً أو تبرّعاً فلا يجوز قبولها أيضاً . وإن كان لا لأجل ولايةٍ ، بل لمكافأةٍ على جميلٍ ، فهذه هديّة بعث عليها جاه ، فإن كافأه عليها جاز له قبولها ، وإن لم يكافئ عليها فلا يقبلها لنفسه ، وإن كانت من هدايا دار الحرب جاز له قبول هداياهم ، وذكر الماورديّ في الأحكام السّلطانيّة قال : والفرق بين الرّشوة والهديّة أنّ الرّشوة ما أخذت طلباً ، والهديّة ما بذلت عفواً . أثر فسق الإمام على ولايته الخاصّة : 30 - اختلف الفقهاء في سلب الولاية الخاصّة عن الإمام بفسقه ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط - عندهم - العدالة في ولاية النّكاح أصلاً ، حتّى يسلبها الفسق ، فيزوّج بناته القاصرات بالولاية الخاصّة ، يستوي في ذلك الإمام ، وغيره من الأولياء . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الولاية الخاصّة تسلب بالفسق ، فلا يصحّ له تزويج بناته بالولاية الخاصّة كغيره من الفسقة ، لخروجه بالفسق عن الولاية الخاصّة كأفراد النّاس ، وإن لم يسلبه عن الولاية العامّة تعظيماً لشأن الإمامة ، على أنّ في ذلك خلافاً سبق بيانه . وتنتقل ولاية النّكاح إلى البعيد من العصبة ، فإن لم توجد عصبة زوّجهنّ بالولاية العامّة كغيرهنّ ممّن لا وليّ لهنّ . لحديث : « السّلطان وليّ من لا وليّ له » . أمان * التّعريف : 1 - الأمان في اللّغة : عدم توقّع مكروهٍ في الزّمن الآتي ، وأصل الأمن طمأنينة النّفس وزوال الخوف ، والأمن والأمانة والأمان مصادر للفعل ( أمن ) ، ويرد الأمان تارةً اسماً للحالة الّتي يكون عليها الإنسان من الطّمأنينة ، وتارةً لعقدٍ الأمان أو صكّه . وعرّفه الفقهاء بأنّه : رفع استباحة دم الحربيّ ورقّه وماله حين قتاله أو الغرم عليه ، مع استقراره تحت حكم الإسلام . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الهدنة : 2 - الهدنة هي : أن يعقد لأهل الحرب عقد على ترك القتال مدّةً بعوضٍ وبغير عوضٍ ، وتسمّى : مهادنةً وموادعةً ومعاهدةً . ويختلف عقد الهدنة عن الأمان بأنّ عقد الهدنة لا يعقده إلاّ الإمام أو نائبه ، أمّا الأمان فيصحّ من أفراد المسلمين . ب - الجزية : 3 - عقد الجزية موجب لعصمة الدّماء وصيانة الأموال والأعراض إلى غير ذلك ممّا يترتّب عليه . ويختلف عن الأمان في أنّ عقد الجزية مثل الهدنة لا يعقده إلاّ الإمام . كما أنّ عقد الجزية مؤبّد لا ينقض ، بخلاف الأمان فهو عقد غير لازمٍ ، أي قابلٍ للنّقض بشروطه . الحكم الإجماليّ : 4 - الأصل أنّ إعطاء الأمان أو طلبه مباح ، وقد يكون حراماً أو مكروهاً إذا كان يؤدّي إلى ضررٍ أو إخلالٍ بواجبٍ أو مندوبٍ . وحكم الأمان هو ثبوت الأمن للكفرة عن القتل والسّبي وغنم أموالهم ، فيحرم على المسلمين قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريّهم واغتنام أموالهم . ما يكون به الأمان : 5 - ينعقد الأمان بكلّ لفظٍ صريحٍ أو كنايةٍ يفيد الغرض ، بأيّ لغةٍ كان ، وينعقد بالكتابة والرّسالة والإشارة المفهمة . لأنّ التّأمين إنّما هو معنًى في النّفس ، فيظهره المؤمّن تارةً بالنّطق ، وتارةً بالكتابة ، وتارةً بالإشارة ، فكلّ ما بيّن به التّأمين فإنّه يلزم . شروط الأمان : 6 - ذهب المالكيّة والحنابلة وأكثر الشّافعيّة إلى أنّ شرط الأمان انتفاء الضّرر ، ولو لم تظهر المصلحة . وقيّد البلقينيّ جواز الأمان بمجرّد انتفاء الضّرر بغير الأمان المعطى من الإمام ، فلا بدّ فيه من المصلحة والنّظر للمسلمين . وقال الحنفيّة : يشترط في الأمان أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين وذلك بأن يعطى في حال ضعف المسلمين وقوّة أعدائهم ، لأنّ الجهاد فرض والأمان يتضمّن تحريم القتال ، فيتناقض ، إلاّ إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوّة الكفرة ، لأنّه إذ ذاك يكون قتالاً معنًى ، لوقوعه وسيلةً إلى الاستعداد للقتال ، فلا يؤدّي إلى التّناقض . من له حقّ إعطاء الأمان : 7 - الأمان إمّا أن يعطى من الإمام أو من آحاد المسلمين : أ - أمان الإمام : يصحّ أمان الإمام لجميع الكفّار وآحادهم ، لأنّه مقدّم للنّظر والمصلحة ، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضارّ . وهذا ما لا خلاف فيه . ب - أمان آحاد المسلمين : يرى جمهور الفقهاء أنّ أمان آحاد المسلمين يصحّ لعددٍ محصورٍ كأهل قريةٍ صغيرةٍ وحصنٍ صغيرٍ ، أمّا تأمين العدد الّذي لا ينحصر فهو من خصائص الإمام . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الأمان يصحّ من الواحد ، سواء أمّن جماعةً كثيرةً أو قليلةً أو أهل مصرٍ أو قريةٍ ، فليس حينئذٍ لأحدٍ من المسلمين قتالهم . شروط المؤمّن : 8 - أ - الإسلام : فلا يصحّ أمان الكافر ، وإن كان يقاتل مع المسلمين . ب - العقل : فلا يصحّ أمان المجنون والصّبيّ الّذي لا يعقل . ج - البلوغ : بلوغ المؤمّن شرط عند جمهور الفقهاء . وقال محمّد بن الحسن الشّيبانيّ : ليس بشرطٍ . د - عدم الخوف من الحربيّين : فلا يصحّ أمان المقهورين في أيدي الكفرة . أمّا الذّكورة فليست بشرطٍ لصحّة الأمان عند جمهور الفقهاء ، فيصحّ أمان المرأة لأنّها لا تعجز عن الوقوف على حال القوّة والضّعف . وقال ابن الماجشون من المالكيّة : إنّ أمان المرأة والعبد والصّبيّ لا يجوز ابتداءً ، ولكن إن وقع يمضي إن أمضاه الإمام وإن شاء ردّه . مواطن البحث : فصّل الفقهاء أحكام الأمان في أبواب السّير والجهاد فتنظر فيها ، ويرجع إلى مصطلح ( مستأمن ) . أمانة * التّعريف : 1 - الأمانة : ضدّ الخيانة ، والأمانة تطلق على : كلّ ما عهد به إلى الإنسان من التّكاليف الشّرعيّة وغيرها كالعبادة الوديعة ، ومن الأمانة : الأهل والمال . وبالتّتبّع تبيّن أنّ الأمانة قد استعملها الفقهاء بمعنيين : أحدهما : بمعنى الشّيء الّذي يوجد عند الأمين ، وذلك يكون في : أ - العقد الّذي تكون الأمانة فيه هي المقصد الأصليّ ، وهو الوديعة وهي ، العين الّتي توضع عند شخصٍ ليحفظها ، فهي أخصّ من الأمانة ، فكلّ وديعةٍ أمانة ولا عكس . ب - العقد الّذي تكون الأمانة فيه ضمناً ، وليست أصلاً بل تبعاً ، كالإجارة والعاريّة والمضاربة والوكالة والشّركة والرّهن . ج - ما كانت بدون عقدٍ كاللّقطة ، وكما إذا ألقت الرّيح في دار أحدٍ مال جاره ، وذلك ما يسمّى بالأمانات الشّرعيّة . الثّاني : بمعنى الصّفة وذلك في : أ - ما يسمّى ببيع الأمانة ، كالمرابحة والتّولية والاسترسال ( الاستئمان ) وهي العقود الّتي يحتكم فيها المبتاع إلى ضمير البائع وأمانته . ب - في الولايات سواء كانت عامّةً كالقاضي ، أم خاصّةً كالوصيّ وناظر الوقف . ج - فيمن يترتّب على كلامه حكم كالشّاهد . د - تستعمل الأمانة في باب الأيمان كمقسمٍ بها باعتبارها صفةً من صفات اللّه تعالى . الحكم الإجماليّ : أوّلاً : الأمانة بمعنى الشّيء الّذي يوجد عند الأمين : 2 - للأمانة بهذا المعنى عدّة أحكامٍ إجمالها فيما يلي : أ - الأصل إباحة أخذ الوديعة واللّقطة ، وقيل يستحبّ الأخذ لمن قدر على الحفظ والأداء ، لقوله تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } . وقد يعرض الوجوب لمن يثق في أمانة نفسه وخيف على اللّقطة أخذ خائنٍ لها ، وعلى الوديعة من الهلاك أو الفقد عند عدم الإيداع ، لأنّ مال الغير واجب الحفظ ، وحرمة المال كحرمة النّفس ، وقد روى ابن مسعودٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « حرمة مال المؤمن كحرمة دمه » . وقد يحرم الأخذ لمن يعجز عن الحفظ ، أو لا يثق بأمانة نفسه ، وفي ذلك تعريض المال للهلاك . وهذا في الجملة . وتفصيله في الوديعة واللّقطة . ب - وجوب المحافظة على الأمانة عامّةً ، وديعةً كانت أو غيرها ، يقول العلماء : حفظ الأمانة يوجب سعادة الدّارين ، والخيانة توجب الشّقاء فيهما ، والحفظ يكون بحسب كلّ أمانةٍ ، فالوديعة مثلاً يكون حفظها بوضعها في حرز مثلها . والعاريّة والشّيء المستأجر يكون حفظهما بعدم التّعدّي في الاستعمال المأذون فيه ، وبعدم التّفريط . وفي مال المضاربة يكون بعدم مخالفة ما أذن فيه للمضارب من التّصرّفات وهكذا . ت - وجوب الرّدّ عند الطّلب لقوله تعالى : { إنّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » . ث - وجوب الضّمان بالجحود أو التّعدّي أو التّفريط . ج- سقوط الضّمان إذا تلفت الأمانة دون تعدٍّ أو تفريطٍ . وهذا في غير العاريّة عند الحنابلة والشّافعيّة ، فالعاريّة عندهم مضمونة . ح - التّعزير على ترك أداء الأمانات كالودائع وأموال الأيتام وغلّات الوقوف ، وما تحت أيدي الوكلاء والمقارضين وشبه ذلك ، فإنّه يعاقب على ذلك كلّه حتّى يؤدّي ما يجب عليه . وللفقهاء في كلّ ذلك تفصيلات وفروع يرجع إليها في مواضعها من ( وديعة ، ولقطة ، وعاريّة ، وإجارة ، ورهن ، وضمان ، ووكالة ) . ثانياً : الأمانة بمعنى الصّفة : 3 - تختلف أحكام الأمانة بهذا المعنى لاختلاف مواضعها ، وبيان ذلك إجمالاً فيما يأتي : أ - بيع الأمانة كالمرابحة ، والمرابحة تعتبر بيع أمانةٍ ، لأنّ المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثّمن الأوّل من غير بيّنةٍ ولا استحلافٍ ، فتجب صيانتها عن الخيانة والتّهمة ، لأنّ التّحرّز عن ذلك كلّه واجب ما أمكن ، قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا اللّه والرّسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ليس منّا من غشّنا » . وعلى ذلك فإذا ظهرت الخيانة في بيع المرابحة ففي الجملة يكون المشتري بالخيار ، إن شاء أخذ المبيع ، وإن شاء ردّه ، وقيل : بحطّ الزّيادة على أصل رأس المال ونسبتها من الرّبح مع إمضاء البيع . هذا مع تفصيلٍ كثيرٍ ينظر في ( بيع - مرابحة - تولية - استرسال ) . ب - اعتبار الأمانة شرطاً فيمن تكون له ولاية ونظر في مال غيره كالوصيّ وناظر الوقف ، فقد اشترط الفقهاء صفة الأمانة في الوصيّ وناظر الوقف ، وأنّه يعزل لو ظهرت خيانته ، أو يضمّ إليه أمين في بعض الأحوال ، وهذا في الجملة . كذلك من له ولاية عامّة كالقاضي ، فالأصل اعتبار الأمانة فيه . وللفقهاء في ذلك تفصيل ( ر : قضاء ، وصيّ ) . ج - من يترتّب على كلامه حكم كالشّاهد : فقد اشترط الفقهاء في الشّاهد العدالة ، لقول اللّه تعالى : { وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم } . وقوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبيّنوا } ، فأمر اللّه تعالى بالتّوقّف عن نبأ الفاسق ، والشّهادة نبأ فيجب عدم قبول شهادة الفاسق ، واعتبر الفقهاء أنّ الخيانة من الفسق ، واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنةٍ » . د - الحلف بالأمانة : يرى جمهور الفقهاء أنّ من حلف بالأمانة مع إضافتها إلى اسم اللّه سبحانه وتعالى فقال : وأمانة اللّه لأفعلن كذا ، فإنّ ذلك يعتبر يميناً توجب الكفّارة . أمّا الحلف بالأمانة فقط دون إضافةٍ إلى لفظ الجلالة ، فإنّه يرجع فيه إلى نيّة الحالف ، فإن أراد بالأمانة صفة اللّه تعالى فالحلف بها يمين ، وإن أراد بالأمانة ما في قوله تعالى : { إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض } أي التّكاليف الّتي كلّف اللّه بها عباده فليس بيمينٍ . ويكون الحلف بها غير مشروعٍ لأنّه حلف بغير اللّه ، واستدلّ لذلك بحديث : « من حلف بالأمانة فليس منّا » . مواطن البحث : 4 - يأتي ذكر الأمانة في كثيرٍ من الأبواب الفقهيّة : كالبيع ، والوكالة ، والشّركة ، والمضاربة ، الوديعة ، والعاريّة ، والإجارة ، والرّهن ، والوقف ، والوصيّة ، والأيمان ، والشّهادة ، والقضاء . وقد سبقت الإشارة إلى ذكر ذلك إجمالاً . كذلك يأتي ذكر الأمانة في باب الحضانة باعتبارها شرطاً من شروط الحاضن والحاضنة ، وفي باب الحجّ في الرّفقة المأمونة بالنّسبة لسفر المرأة ، وفي باب الصّيام بالنّسبة لمن يخبر برؤية الهلال . امتثال * انظر : طاعة امتشاط * التّعريف : 1 - الامتشاط لغةً : هو ترجيل الشّعر ، والتّرجيل : تسريح الشّعر ، وتنظيفه ، وتحسينه . وعند الفقهاء معناه كالمعنى اللّغويّ . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : 2 - يستحبّ ترجيل شعر الرّأس واللّحية من الرّجل ، وكذا الرّأس من المرأة ، لما ورد : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان جالساً في المسجد فدخل رجل ثائر الرّأس واللّحية ، فأشار إليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيده أن اخرج . كأنّه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته ، ففعل الرّجل ثمّ رجع ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرّأس ، كأنّه شيطان » ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من كان له شعر فليكرمه » ويفصّل الفقهاء ذلك في خصال الفطرة ، والحظر والإباحة . 3 - وفي الإحرام : يحرم الامتشاط إن علم أنّه يزيل شعراً ، وكذا إن كان يدهن ولم يزل شعراً ، فإن كان لا يزيل شعراً وكان بغير طيبٍ فإنّ من الفقهاء من أباحه ، ومنهم من كرهه على تفصيلٍ ينظر في مصطلح ( إحرام ) 4 - ولا يمنع امتشاط المحدّة عند أغلب الفقهاء ، إن كان التّرجيل خالياً عن موادّ الزّينة ، فإن كان بدهنٍ أو طيبٍ حرم . وقال الحنفيّة : يحرم امتشاط المحدّة بمشطٍ ضيّقٍ ، وإن لم يكن معه طيب ، وتفصيل هذه الأحكام يذكرها الفقهاء في ( الإحداد ) ( ج 2 ص 107 ف 14 ) . امتناع * التّعريف : 1 - الامتناع لغةً : مصدر امتنع . يقال : امتنع من الأمر : إذا كفّ عنه . ويقال : امتنع بقومه أي : تقوّى بهم وعزّ ، فلم يقدر عليه . والامتناع في الاصطلاح لا يخرج عن هذين المعنيين . الحكم الإجماليّ : 2 - إنّ الامتناع عن الفعل المحرّم واجب ، كالامتناع عن الزّنى وشرب الخمر ، وامتناع الحائض عن الصّلاة ، وعن مسّ المصحف ، والجلوس في المسجد . والامتناع عن الواجب حرام ، كامتناع المكلّف غير المعذور عن الصّلاة والصّوم والحجّ ، ومثل امتناع المحتكر عن بيع الأقوات ، والامتناع عن إنقاذ المشرف على الهلاك ممّن هو قادر على إنقاذه . والامتناع عن المندوب يكون مكروهاً ، كامتناع المريض عن التّداوي مع قدرته عليه . والامتناع عن المكروه يكون مندوباً إليه ، كالامتناع عن التّدخين عند من يقول بكراهته ، والامتناع عن تولّي القضاء لمن يخاف على نفسه الزّلل . والامتناع عن المباح مباح ، كالامتناع عن طعامٍ معيّنٍ في الأحوال المعتادة ، ومثل امتناع المرأة عن الدّخول حتّى تقبض مقدّم المهر ، وامتناع البائع من تسليم المبيع حتّى يقبض الثّمن . ويرجع لمعرفة حكم كلّ نوعٍ من هذه الأنواع في بابه . امتهان * التّعريف : 1 - الامتهان افتعال من ( مهن ) أي خدم غيره ، وامتهنه : استخدمه ، أو ابتذله . ومنه يتبيّن أنّ أهل اللّغة يستعملون كلمة ( امتهانٍ ) في معنيين : الأوّل : بمعنى ( الاحتراف ) ، والثّاني : بمعنى ( الابتذال ) . والابتذال هو : عدم صيانة الشّيء بل تداوله واستخدامه في العمل . والفقهاء يستعملون الامتهان بهذين المعنيين أيضاً . أمّا الامتهان بمعنى الاحتراف ، فينظر تفصيله في مصطلح ( احتراف ج 1 ص 69 ) وفيما يلي ما يتّصل بالمعنى الثّاني وهو الابتذال . الألفاظ ذات الصّلة : الاستخفاف والاستهانة : 2 - سبق بيان معنى ( الامتهان ) ومنه يتبيّن أنّه غير الاستهانة بالشّيء أو الاستخفاف به ، فالاستهانة بالشّيء استحقاره ، أمّا الامتهان فليس فيه معنى الاستحقار . الحكم الإجماليّ : 3 - هناك كثير من الأحوال يطلب فيها من المسلم أن يلبس غير ثياب المهنة ، كالجمعة والعيدين والجماعات ، يدلّ على ذلك حديث { ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته } . والتّفصيل في مصطلح : ( احتراف ) ( وألبسة ) . كما أنّه يختلف حكم ما فيه صورة ، بين أن يكون ممتهناً ( مبتذلاً ) أو غير ممتهنٍ وينظر في مصطلح ( تصوير ) . أمر * التّعريف : 1- الأمر في اللّغة يأتي بمعنيين : الأوّل : يأتي بمعنى الحال أو الشّأن ، ومنه قوله تعالى : { وما أمر فرعون برشيدٍ } أو الحادثة ، ومنه قول اللّه تعالى : { وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتّى يستأذنوه } وقوله سبحانه : { وشاورهم في الأمر } قال الخطيب القزوينيّ في الإيضاح : أي شاورهم في الفعل الّذي تعزم عليه . ويجمع بهذا المعنى على ( أمورٍ ) . الثّاني : طلب الفعل ، وهو بهذا المعنى نقيض النّهي . وجمعه ( أوامر ) فرقاً بينهما ، كما قاله الفيّوميّ . وعند الفقهاء يستعمل الأمر بالمعنيين المذكورين ، ولكن اختلف الأصوليّون من ذلك في مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : لفظ ( الأمر ) مشترك لفظيّ بين المعنيين . وقال آخرون : بل هو حقيقة في القول المخصوص ، وهو قول الطّالب للفعل ، مجاز في الحال والشّأن . وقيل : إنّه موضوع للمعنى المشترك بينهما . المسألة الثّانية : طلب الفعل لا يسمّى أمراً حقيقةً ، إلاّ إن كان على وجه الحتم والإلزام . واستدلّ من قال بذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك مع كلّ وضوءٍ » قالوا : لو لم يكن الأمر على وجه الحتم ما كان فيه مشقّة . وهذا قول الحنفيّة . وقال الباقلّانيّ وجمهور الشّافعيّة : لا يشترط ذلك ، بل طلب الفعل أمر ولو لم يكن على وجه التّحتّم ، فيدخل المندوب في المأمور به حقيقةً . المسألة الثّالثة : إنّ طلب الفعل لا يسمّى أمراً حقيقةً إلاّ إذا كان على سبيل الاستعلاء ، أي استعلاء الآمر على المأمور ، احترازاً عن الدّعاء والالتماس ، فهو شرط أكثر الماتريديّة والآمديّ من الأشعريّة ، وصحّحه الرّازيّ ، وهو رأي أبي الحسين البصريّ من المعتزلة ، لذمّ العقلاء الأدنى بأمره من هو أعلى . وعند المعتزلة يجب العلوّ في الأمر ، وإلاّ كان دعاءً أو التماساً . وعند الأشعريّ لا يشترط العلوّ ولا الاستعلاء ، وبه قال أكثر الشّافعيّة . وفي شرح المختصر : وهو الحقّ ، لقوله تعالى حكايةً عن فرعون : { إنّ هذا لساحر عليم ، يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون } . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|