|
#11
|
||||
|
||||
|
اختلاف صفة الإمام والمقتدي :
19 - الأصل أنّ الإمام إذا كان أقوى حالاً من المقتدي أو مساوياً له صحّت إمامته اتّفاقاً ، أمّا إذا كان أضعف حالاً ، كأن كان يصلّي نافلةً والمقتدي يصلّي فريضةً ، أو كان الإمام معذوراً والمقتدي سليماً ، أو كان الإمام غير قادرٍ على القيام مثلاً والمقتدي قادراً ، فقد اختلفت آراء الفقهاء ، وإجمالها فيما يأتي : أوّلاً : تجوز إمامة الماسح للغاسل وإمامة المسافر للمقيم اتّفاقاً ، وتجوز إمامة المتيمّم للمتوضّئ عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - ، وقيّد الشّافعيّة هذا الجواز بما إذا لم تجب على الإمام الإعادة . ثانياً : جمهور الفقهاء على عدم جواز إمامة المتنفّل للمفترض ، والمفترض للّذي يؤدّي فرضاً آخر ، وعدم إمامة الصّبيّ للبالغ في فرضٍ ، وإمامة المعذور للسّليم ، وإمامة العاري للمكتسي ، وإمامة العاجز عن توفية ركنٍ للقادر عليه ، مع خلافٍ وتفصيلٍ في بعض الفروع ، أمّا إمامة هؤلاء لأمثالهم فجائزة باتّفاق الفقهاء . وللتّفصيل يرجع إلى بحث : ( اقتداء ) . موقف الإمام : 20 - إذا كان يصلّي مع الإمام اثنان أو أكثر فإنّ الإمام يتقدّمهم في الموقف ، لفعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعمل الأمّة بذلك . وقد روي أنّ « جابراً وجبّاراً وقف أحدهما عن يمين النّبيّ صلى الله عليه وسلم والآخر عن يساره ، فأخذ بأيديهما حتّى أقامهما خلفه » . ولأنّ الإمام ينبغي أن يكون بحالٍ يمتاز بها عن غيره ، ولا يشتبه على الدّاخل ليمكنه الاقتداء به . ولو قام في وسط الصّفّ أو في ميسرته جاز مع الكراهة لتركه السّنّة . ويرى الحنابلة بطلان صلاة من يقف على يسار الإمام ، إذا لم يكن أحد عن يمينه . ولو كان مع الإمام رجل واحد أو صبيّ يعقل الصّلاة وقف الإمام عن يساره والمأموم عن يمينه ، لما روي عن ابن عبّاسٍ « أنّه وقف عن يسار النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأداره إلى يمينه » . ويندب في هذه الحالة تأخّر المأموم قليلاً خوفاً من التّقدّم . ولو وقف المأموم عن يساره أو خلفه جاز مع الكراهة إلاّ عند الحنابلة فتبطل على ما سبق . ولو كان معه امرأة أقامها خلفه ، لقوله عليه السلام : « أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه » . ولو كان معه رجل وامرأة أقام الرّجل عن يمينه والمرأة خلفه ، وإن كان رجلان وامرأة أقام الرّجلين خلفه والمرأة وراءهما . 21- والسّنّة أن تقف المرأة الّتي تؤمّ النّساء وسطهنّ ، لما روي أنّ عائشة وأمّ سلمة أمّتا نساءً فقامتا وسطهنّ وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا المالكيّة فقد صرّحوا بعدم جواز إمامتها ولو لمثلها ، في فريضةٍ كانت أو في نافلةٍ كما تقدّم في شروط الإمامة . 22 - ولا يجوز تأخّر الإمام عن المأموم في الموقف عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - لحديث : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به » ومعنى الائتمام الاتّباع ، والمتقدّم غير تابعٍ . وأجاز المالكيّة تأخّره في الموقف إذا أمكن للمأمومين متابعته في الأركان ، لكنّهم صرّحوا بكراهة تقدّم المقتدي على الإمام أو محاذاته له إلاّ لضرورةٍ . والاختيار في التّقدّم والتّأخّر للقائم بالعقب ، وللقاعد بالألية ، وللمضطجع بالجنب . 23 - هذا ، ويكره أن يكون موقف الإمام عالياً عن موقف المقتدين اتّفاقاً ، إلاّ إذا أراد الإمام تعليم المأمومين ، فالسّنّة أن يقف الإمام في موضعٍ عالٍ عند الشّافعيّة ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثمّ قال : { أيّها النّاس : إنّما فعلت هذا لتأتمّوا بي ، ولتعلموا صلاتي » . أمّا إذا أراد الإمام بذلك الكبر فممنوع . ولا بأس عند الحنابلة بالعلوّ اليسير ، وقدّروه بمثل درجة المنبر . وقدّر الحنفيّة العلوّ المكروه بما كان قدر ذراعٍ على المعتمد . ولتفصيل هذه المسائل يراجع مصطلح : ( صلاة الجماعة ) ( واقتداء ) . من تكره إمامتهم : 24 - إنّ بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، فكلّ من كان أكمل فهو أفضل ، وإن تقدّم المفضول على الفاضل جاز وكره وإذا أذن الفاضل للمفضول لم يكره ، وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء . وقد سبق بيانه في بحث الأولويّة . ثمّ قال الحنفيّة : يكره تقديم العبد لأنّه لا يتفرّغ للتّعلّم ، والأعرابيّ وهو من يسكن البادية لغلبة الجهل عليه ، ويكره تقديم الفاسق لأنّه لا يهتمّ بأمر دينه ، والأعمى لأنّه لا يتوقّى النّجاسة ، كما يكره إمامة ولد الزّنى ، والمبتدع بدعةً غير مكفّرةٍ ، كذلك يكره إمامة أمرد وسفيهٍ ومفلوجٍ وأبرص شاع برصه . ولأنّ في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة ، لكنّه إن تقدّموا جاز ، لقوله عليه السلام : « صلّوا خلف كلّ برٍّ وفاجرٍ » . والكراهة في حقّهم لما ذكر من النّقائص ، فلو عدمت بأن كان الأعرابيّ أفضل من الحضريّ ، والعبد من الحرّ ، وولد الزّنى من ولد الرّشدة والأعمى من البصير زالت الكراهة . أمّا الفاسق والمبتدع فلا تخلو إمامتهما عن الكراهة بحالٍ ، حتّى صرّح بعضهم بأنّ كراهة تقديمهما كراهة تحريمٍ . وقال المالكيّة : كره إمامة مقطوع اليد أو الرّجل والأشلّ والأعرابيّ لغيره وإن كان أقرأ ، وكره إمامة ذي السّلس والقروح للصّحيح ، وإمامة من يكرهه بعض الجماعة ، فإن كرهه الكلّ أو الأكثر ، أو ذو الفضل منهم - وإن قلّوا - فإمامته حرام ، لقوله عليه السلام : « لعن رسول اللّه ثلاثةً : رجل أمّ قوماً وهم له كارهون ... » كما كره أن يجعل إماماً راتباً كلّ من الخصيّ أو المأبون أو الأقلف ( غير المختون ) أو ولد الزّنى ، أو مجهول الحال . وقال الشّافعيّة : يكره إمامة الفاسق والأقلف وإن كان بالغاً ، كما يكره إمامة المبتدع ، ومن يكرهه أكثر القوم لأمرٍ مذمومٍ فيه شرعاً ، والتّمتام والفأفاء ، واللّاحن لحناً غير مغيّرٍ للمعنى ، لكن الأعمى والبصير سيّان في الإمامة ، لتعارض فضيلتهما ، لأنّ الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع ، والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ لتجنّبه . وإمامة الحرّ أولى من العبد ، والسّميع أولى من الأصمّ ، والفحل أولى من الخصيّ والمجبوب ، والقرويّ أولى من البدويّ . وقال الحنابلة : تكره إمامة الأعمى والأصمّ واللّحّان الّذي لا يحيل المعنى ، ومن يصرع ، ومن اختلف في صحّة إمامته ، وكذا إمامة الأقلف وأقطع اليدين أو إحداهما ، أو الرّجلين أو إحداهما ، والفأفاء والتّمتام ، وأن يؤمّ قوماً أكثرهم يكرهه لخللٍ في دينه أو فضله . ولا بأس بإمامة ولد الزّنى واللّقيط والمنفيّ باللّعان والخصيّ والأعرابيّ إذا سلم دينهم وصلحوا لها . هذا ، والكراهة إنّما تكون فيما إذا وجد في القوم غير هؤلاء ، وإلاّ فلا كراهة اتّفاقاً . ما يفعله الإمام قبل بداية الصّلاة : 25 - إذا أراد الإمام الصّلاة يأذن للمؤذّن أن يقيمها ، فإنّ « بلالاً كان يستأذن النّبيّ صلى الله عليه وسلم للإقامة » ، ويسنّ للإمام أن يقوم للصّلاة حين يقال ( حيّ على الفلاح ) أو حين قول المؤذّن : ( قد قامت الصّلاة ) أو مع الإقامة أو بعدها بقدر الطّاقة على تفصيلٍ عند الفقهاء ، وإذا كان مسافراً يخبر المأمومين بذلك ليكونوا على علمٍ بحاله ، ويصحّ أن يخبرهم بعدم تمام الصّلاة ليكملوا صلاتهم . كما يسنّ أن يأمر بتسوية الصّفوف فيلتفت عن يمينه وشماله قائلاً : اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ، لما روى محمّد بن مسلمٍ قال : « صلّيت إلى جانب أنس بن مالكٍ يوماً فقال : هل تدري لم صنع هذا العود ؟ فقلت : لا واللّه . فقال : إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة أخذه بيمينه فقال : اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ، ثمّ أخذه بيساره وقال : اعتدلوا وسوّوا صفوفكم » ، وفي روايةٍ : « اعتدلوا في صفوفكم وتراصّوا ، فإنّي أراكم من وراء ظهري » . ما يفعله الإمام أثناء الصّلاة : أ - الجهر أو الإسرار بالقراءة : 26 - يجهر الإمام بالقراءة في الفجر والرّكعتين الأوليين من المغرب والعشاء أداءً وقضاءً ، وكذلك في الجمعة والعيدين والتّراويح والوتر بعدها . ويسرّ في غيرها من الصّلوات . والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه واجب على الإمام عند الحنفيّة ، وسنّة عند غيرهم . وتفصيله في مصطلح : ( قراءة ) . ب - تخفيف الصّلاة : 27 - يسنّ للإمام أن يخفّف في القراءة والأذكار مع فعل الأبعاض والهيئات ، ويأتي بأدنى الكمال ، لما روي عن أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا صلّى أحدكم بالنّاس فليخفّف ، فإنّ فيهم السّقيم والضّعيف والكبير » ، ولحديث معاذٍ أنّه كان يطوّل بهم القراءة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « أفتّان أنت يا معاذ ، صلّ بالقوم صلاة أضعفهم » ، لكنّه إن صلّى بقومٍ يعلم أنّهم يؤثرون التّطويل لم يكره ، لأنّ المنع لأجلهم ، وقد رضوا . ويكره له الإسراع ، بحيث يمنع المأموم من فعل ما يسنّ له ، كتثليث التّسبيح في الرّكوع والسّجود ، وإتمام ما يسنّ في التّشهّد الأخير . ج - الانتظار للمسبوق : 28 - إن أحسّ الإمام بشخصٍ داخلٍ وهو راكع ، ينتظره يسيراً ما لم يشقّ على من خلفه ، وهذا عند الحنابلة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، لأنّه انتظار ينفع ولا يشقّ ، فشرع كتطويل الرّكعة وتخفيف الصّلاة ، وقد ثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يطيل الرّكعة الأولى حتّى لا يسمع وقع قدمٍ » . وكان ينتظر الجماعة فإن رآهم قد اجتمعوا عجّل ، وإذا رآهم قد أبطئوا أخّر . ويكره ذلك عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة . د - الاستخلاف : 29 - إذا حدث للإمام عذر لا تبطل به صلاة المأمومين يجوز للإمام أن يستخلف غيره من المأمومين لتكميل الصّلاة بهم ، وهذا عند جمهور الفقهاء . وفي كيفيّة الاستخلاف وشروطه وأسبابه تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( استخلاف ) . ما يفعله الإمام عقب الفراغ من الصّلاة : 30 - يستحبّ للإمام والمأمومين عقب الصّلاة ذكر اللّه والدّعاء بالأدعية المأثورة ، منها ما رواه الشّيخان « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيءٍ قدير ... إلخ » ، كما يستحبّ له إذا فرغ من الصّلاة أن يقبل على النّاس بوجهه يميناً أو شمالاً إذا لم يكن بحذائه أحد ، لما روي عن سمرة قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلّى صلاةً أقبل علينا بوجهه » . ويكره له المكث على هيئته مستقبل القبلة ، لما روي عن عائشة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصّلاة لا يمكث في مكانه إلاّ مقدار أن يقول : اللّهمّ أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام » ، ولأنّ المكث يوهم الدّاخل أنّه في الصّلاة فيقتدي به . كما يكره له أن يتنفّل في المكان الّذي أمّ فيه . وإذا أراد الانصراف فإن كان خلفه نساء استحبّ له أن يلبث يسيراً ، حتّى ينصرف النّساء ولا يختلطن بالرّجال ، لما روت أمّ سلمة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا سلّم قام النّساء حين يقضي سلامه ، فيمكث يسيراً قبل أن يقوم » . ثمّ ينصرف الإمام حيث شاء عن يمينٍ وشمالٍ . 31 - ويستحبّ كذلك للإمام المسافر إذا صلّى بمقيمين أن يقول لهم عقب تسليمه : أتمّوا صلاتكم فإنّا سفر ، لما روي عن عمران بن حصينٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى بأهل مكّة ركعتين ، ثمّ قال لهم : صلّوا أربعاً فإنّا سفر » . هذا ، وقد فرّق الحنفيّة بين الصّلوات الّتي بعدها سنّة وبين الّتي ليست بعدها سنّة ، فقالوا : إن كانت صلاةً لا تصلّى بعدها سنّة ، كالفجر والعصر فإن شاء الإمام قام ، وإن شاء قعد يشتغل بالدّعاء ، مغيّراً هيئته أو منحرفاً عن مكانه . وإن كانت صلاةً بعدها سنّة يكره له المكث قاعداً ، ولكن يقوم ويتنحّى عن ذلك المكان ثمّ يتنفّل . ووجه التّفرقة عندهم أنّ السّنن بعد الفرائض شرعت لجبر النّقصان ، ليقوم في الآخرة مقام ما ترك فيها لعذرٍ ، فيكره الفصل بينهما بمكثٍ طويلٍ ، ولا كذلك الصّلوات الّتي ليست بعدها سنّة . ولم يعثر على هذه التّفرقة في كتب غير الحنفيّة . الأجر على الإمامة : 32 - ذهب جمهور الفقهاء : - الشّافعيّة والحنابلة ، والمتقدّمون من الحنفيّة - إلى عدم جواز الاستئجار لإمامة الصّلاة ، لأنّها من الأعمال الّتي يختصّ فاعلها بكونه من أهل القربة ، فلا يجوز الاستئجار عليها كنظائرها من الأذان وتعليم القرآن ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به » . ولأنّ الإمام يصلّي لنفسه ، فمن أراد اقتدى به وإن لم ينو الإمامة ، وإن توقّف على نيّته شيء فهو إحراز فضيلة الجماعة ، وهذه فائدة تختصّ به . ولأنّ العبد فيما يعمله من القربات والطّاعات عامل لنفسه ، قال سبحانه وتعالى : { من عمل صالحاً فلنفسه } ، ومن عمل لنفسه لا يستحقّ الأجر على غيره . وقال المالكيّة : جاز أخذ الأجرة على الأذان وحده أو مع صلاةٍ ، وكره الأجر على الصّلاة وحدها ، فرضاً كانت أو نفلاً من المصلّين . والمفتى به عند متأخّري الحنفيّة جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان ، ويجبر المستأجر على دفع المسمّى بالعقد أو أجر المثل إذا لم تذكر مدّة . واستدلّوا للجواز بالضّرورة ، وهي خشية ضياع القرآن لظهور التّواني في الأمور الدّينيّة اليوم . وهذا كلّه في الأجر . وأمّا الرّزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدّى نفعه من هذه الأمور بلا خلافٍ ، لأنّه من باب الإحسان والمسامحة ، بخلاف الإجارة فإنّها من باب المعاوضة ، ولأنّ بيت المال لمصالح المسلمين ، فإذا كان بذله لمن يتعدّى نفعه إلى المسلمين محتاجاً إليه كان من المصالح ، وكان للآخذ أخذه ، لأنّه من أهله وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح . الإمامة الكبرى التّعريف : 1 - ( الإمامة ) : مصدر أمّ القوم وأمّ بهم . إذا تقدّمهم وصار لهم إماماً . والإمام - وجمعه أئمّة - : كلّ من ائتمّ به قوم سواء أكانوا على صراطٍ مستقيمٍ : كما في قوله تعالى : { وجعلناهم أئمّةً يهدون بأمرنا } أم كانوا ضالّين كقوله تعالى : { وجعلناهم أئمّةً يدعون إلى النّار ويوم القيامة لا ينصرون } . ثمّ توسّعوا في استعماله ، حتّى شمل كلّ من صار قدوةً في فنٍّ من فنون العلم . فالإمام أبو حنيفة قدوة في الفقه ، والإمام البخاريّ قدوة في الحديث ... إلخ ، غير أنّه إذا أطلق لا ينصرف إلاّ إلى صاحب الإمامة العظمى ، ولا يطلق على الباقي إلاّ بالإضافة ، لذلك عرّف الرّازيّ الإمام بأنّه : كلّ شخصٍ يقتدى به في الدّين . والإمامة الكبرى في الاصطلاح : رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا خلافةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسمّيت كبرى تمييزاً لها عن الإمامة الصّغرى ، وهم إمامة الصّلاة وتنظر في موضعها . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الخلافة : 2 - الخلافة في اللّغة : مصدر خلف يخلف خلافةً : أي : بقي بعده أو قام مقامه ، وكلّ من يخلف شخصاً آخر يسمّى خليفةً ، لذلك سمّي من يخلف الرّسول صلى الله عليه وسلم في إجراء الأحكام الشّرعيّة ورئاسة المسلمين في أمور الدّين والدّنيا خليفةً ، ويسمّى المنصب خلافةً وإمامةً . أمّا في الاصطلاح الشّرعيّ : فهي ترادف الإمامة ، وقد عرّفها ابن خلدونٍ بقوله : هي حمل الكافّة على مقتضى النّظر الشّرعيّ ، في مصالحهم الأخرويّة ، والدّنيويّة الرّاجعة إليها ، ثمّ فسّر هذا التّعريف بقوله : فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشّرع في حراسة الدّين والدّنيا . ب - الإمارة : 3 - الإمارة لغةً : الولاية ، والولاية إمّا أن تكون عامّةً ، فهي الخلافة أو الإمامة العظمى ، وإمّا أن تكون خاصّةً على ناحيةٍ كأن ينال أمر مصرٍ ونحوه ، أو على عملٍ خاصٍّ من شئون الدّولة كإمارة الجيش وإمارة الصّدقات ، وتطلق على منصبٍ أمير . ج - السّلطة : 4 - السّلطة هي : السّيطرة والتّمكّن والقهر والتّحكّم ومنه السّلطان وهو من له ولاية التّحكّم والسّيطرة في الدّولة ، فإن كانت سلطته قاصرةً على ناحيةٍ خاصّةٍ فليس بخليفةٍ ، وإن كانت عامّةً فهو الخليفة ، وقد وجدت في العصور الإسلاميّة المختلفة خلافة بلا سلطةٍ ، كما وقع في أواخر العبّاسيّين ، وسلطة بلا خلافةٍ كما كان الحال في عهد المماليك . د - الحكم : 5 - الحكم هو في اللّغة : القضاء ، يقال : حكم له وعليه وحكم بينهما ، فالحاكم هو القاضي في عرف اللّغة والشّرع . وقد تعارف النّاس في العصر الحاضر على إطلاقه على من يتولّى السّلطة العامّة . الحكم التّكليفيّ : 6 - أجمعت الأمّة على وجوب عقد الإمامة ، وعلى أنّ الأمّة يجب عليها الانقياد لإمامٍ عادلٍ ، يقيم فيهم أحكام اللّه ، ويسوسهم بأحكام الشّريعة الّتي أتى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم يخرج عن هذا الإجماع من يعتدّ بخلافه . واستدلّوا لذلك ، بإجماع الصّحابة والتّابعين ، وقد ثبت أنّ الصّحابة رضي الله عنهم ، بمجرّد أن بلغهم نبأ وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بادروا إلى عقد اجتماعٍ في سقيفة بني ساعدةٍ ، واشترك في الاجتماع كبار الصّحابة ، وتركوا أهمّ الأمور لديهم في تجهيز رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتشييع جثمانه الشّريف ، وتداولوا في أمر خلافته . وهم ، وإن اختلفوا في بادئ الأمر حول الشّخص الّذي ينبغي أن يبايع ، أو على الصّفات الّتي ينبغي أن تتوفّر فيمن يختارونه ، فإنّهم لم يختلفوا في وجوب نصب إمامٍ للمسلمين ، ولم يقل أحد مطلقاً إنّه لا حاجة إلى ذلك ، وبايعوا أبا بكرٍ رضي الله عنه ، ووافق بقيّة الصّحابة الّذين لم يكونوا حاضرين في السّقيفة ، وبقيت هذه السّنّة في كلّ العصور ، فكان ذلك إجماعاً على وجوب نصب الإمام . وهذا الوجوب وجوب كفايةٍ ، كالجهاد ونحوه ، فإذا قام بها من هو أهل لها سقط الحرج عن الكافّة ، وإن لم يقم بها أحد ، أثم من الأمّة فريقان : أ - أهل الاختيار وهم : أهل الحلّ والعقد من العلماء ووجوه النّاس ، حتّى يختاروا إماماً للأمّة . ب - أهل الإمامة وهم : من تتوفّر فيهم شروط الإمامة ، إلى أن ينصب أحدهم إماماً . ما يجوز تسمية الإمام به : 7 - اتّفق الفقهاء على جواز تسمية الإمام : خليفةً ، وإماماً ، وأمير المؤمنين . فأمّا تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصّلاة في وجوب الاتّباع والاقتداء به فيما وافق الشّرع ، ولهذا سمّي منصبه بالإمامة الكبرى . وأمّا تسميته خليفةً فلكونه يخلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا في الأمّة ، فيقال خليفة بإطلاق ، وخليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . واختلفوا في جواز تسميته خليفة اللّه ، فذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز تسميته بخليفة اللّه ، لأنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه نهى عن ذلك لمّا دعي به ، وقال : لست خليفة اللّه ، ولكنّي خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . ولأنّ الاستخلاف إنّما هو في حقّ الغائب ، واللّه منزّه عن ذلك . وأجازه بعضهم اقتباساً من الخلافة العامّة للآدميّين في قوله تعالى : { إنّي جاعل في الأرض خليفةً } وقوله : { هو الّذي جعلكم خلائف في الأرض } . معرفة الإمام باسمه وعينه : 8 - لا تجب معرفة الإمام باسمه وعينه على كافّة الأمّة ، وإنّما يلزمهم أن يعرفوا أنّ الخلافة أفضت إلى أهلها ، لما في إيجاب معرفته عليهم باسمه وعينه من المشقّة والحرج ، وإنّما يجب ذلك على أهل الاختيار الّذين تنعقد ببيعتهم الخلافة ، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء . حكم طلب الإمامة : 9 - يختلف الحكم باختلاف حال الطّالب ، فإن كان لا يصلح لها إلاّ شخص وجب عليه أن يطلبها ، ووجب على أهل الحلّ والعقد أن يبايعوه . وإن كان يصلح لها جماعة صحّ أن يطلبها واحد منهم ، ووجب اختيار أحدهم ، وإلاّ أجبر أحدهم على قبولها جمعاً لكلمة الأمّة . وإن كان هناك من هو أولى منه كره له طلبها ، وإن كان غير صالحٍ لها حرم عليه طلبها . شروط الإمامة : 10 - يشترط الفقهاء للإمام شروطاً ، منها ما هو متّفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه . فالمتّفق عليه من شروط الإمامة : أ - الإسلام ، لأنّه شرط في جواز الشّهادة . وصحّة الولاية على ما هو دون الإمامة في الأهمّيّة . قال تعالى : { ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } والإمامة كما قال ابن حزمٍ : أعظم ( السّبيل ) ، وليراعى مصلحة المسلمين . ب - التّكليف : ويشمل العقل ، والبلوغ ، فلا تصحّ إمامة صبيٍّ أو مجنونٍ ، لأنّهما في ولاية غيرهما ، فلا يليان أمر المسلمين ، وجاء في الأثر « تعوّذوا باللّه من رأس السّبعين ، وإمارة الصّبيان » . ت - الذّكورة : فلا تصحّ إمارة النّساء ، لخبر : « لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأةً » ولأنّ هذا المنصب تناط به أعمال خطيرة وأعباء جسيمة تتنافى مع طبيعة المرأة ، وفوق طاقتها . فيتولّى الإمام قيادة الجيوش ويشترك في القتال بنفسه أحياناً . ث - الكفاية ولو بغيره ، والكفاية هي الجرأة والشّجاعة والنّجدة ، بحيث يكون قيّماً بأمر الحرب والسّياسة وإقامة الحدود والذّبّ عن الأمّة . ج - الحرّيّة : فلا يصحّ عقد الإمامة لمن فيه رقّ ، لأنّه مشغول في خدمة سيّده . ح - سلامة الحواسّ والأعضاء ممّا يمنع استيفاء الحركة للنّهوض بمهامّ الإمامة . وهذا القدر من الشّروط متّفق عليه . 11 - أمّا المختلف فيه من الشّروط فهو : أ - العدالة والاجتهاد . ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العدالة والاجتهاد شرطا صحّةٍ ، فلا يجوز تقليد الفاسق أو المقلّد إلاّ عند فقد العدل والمجتهد . وذهب الحنفيّة إلى أنّهما شرطا أولويّةٍ ، فيصحّ تقليد الفاسق والعامّيّ ، ولو عند وجود العدل والمجتهد . ب - السّمع والبصر وسلامة اليدين والرّجلين . ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها شروط انعقادٍ ، فلا تصحّ إمامة الأعمى والأصمّ ومقطوع اليدين والرّجلين ابتداءً ، وينعزل إذا طرأت عليه ، لأنّه غير قادرٍ على القيام بمصالح المسلمين ، ويخرج بها عن أهليّة الإمامة إذا طرأت عليه . وذهب بعض الفقهاء إلى أنّه لا يشترط ذلك ، فلا يضرّ الإمام عندهم أن يكون في خلقه عيب جسديّ أو مرض منفّر ، كالعمى والصّمم وقطع اليدين والرّجلين والجدع والجذام ، إذ لم يمنع ذلك قرآن ولا سنّة ولا إجماع . ج - النّسب : ويشترط عند جمهور الفقهاء أن يكون الإمام قرشيّاً لحديث : « الأئمّة من قريشٍ » وخالف في ذلك بعض العلماء منهم أبو بكرٍ الباقلّانيّ ، واحتجّوا بقول عمر :" لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته "، ولا يشترط أن يكون هاشميّاً ولا علويّاً باتّفاق فقهاء المذاهب الأربعة ، لأنّ الثّلاثة الأول من الخلفاء الرّاشدين لم يكونوا من بني هاشمٍ ، ولم يطعن أحد من الصّحابة في خلافتهم ، فكان ذلك إجماعاً في عصر الصّحابة . دوام الإمامة : 12 - يشترط لدوام الإمامة دوام شروطها ، وتزول بزوالها إلاّ العدالة ، فقد اختلف في أثر زوالها على منصب الإمامة على النّحو التّالي : عند الحنفيّة ليست العدالة شرطاً لصحّة الولاية ، فيصحّ تقليد الفاسق الإمامة عندهم مع الكراهة ، وإذا قلّد إنسان الإمامة حال كونه عدلاً ، ثمّ جار في الحكم ، وفسق بذلك أو غيره لا ينعزل ، ولكن يستحقّ العزل إن لم يستلزم عزله فتنةً ، ويجب أن يدعى له بالصّلاح ونحوه ، ولا يجب الخروج عليه ، كذا نقل الحنفيّة عن أبي حنيفة ، وكلمتهم قاطبةً متّفقة في توجيهه على أنّ وجهه : هو أنّ بعض الصّحابة رضي الله عنهم صلّوا خلف أئمّة الجور وقبلوا الولاية عنهم . وهذا عندهم للضّرورة وخشية الفتنة . وقال الدّسوقيّ : يحرم الخروج على الإمام الجائر لأنّه لا يعزل السّلطان بالظّلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته ، وإنّما يجب وعظه وعدم الخروج عليه ، إنّما هو لتقديم أخفّ المفسدتين ، إلاّ أن يقوم عليه إمام عدل ، فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم . وقال الخرشيّ : روى ابن القاسم عن مالكٍ : إن كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وجب على النّاس الذّبّ عنه والقتال معه ، وأمّا غيره فلا ، دعه وما يراد منه ، ينتقم اللّه من الظّالم بظالمٍ ، ثمّ ينتقم من كليهما . وقال الماورديّ : إنّ الجرح في عدالة الإمام ، وهو الفسق على ضربين : أحدهما ما تبع فيه الشّهوة ، والثّاني ما تعلّق فيه بشبهةٍ . فأمّا الأوّل منهما فمتعلّق بأفعال الجوارح ، وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيماً للشّهوة وانقياداً للهوى ، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها ، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلاّ بعقدٍ جديدٍ . وقال بعض المتكلّمين : يعود إلى الإمامة بعودة العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة ، لعموم ولايته ولحوق المشقّة في استئناف بيعته . وأمّا الثّاني منهما فمتعلّق بالاعتقاد المتأوّل بشبهةٍ تعترض ، فيتأوّل لها خلاف الحقّ ، فقد اختلف العلماء فيها : فذهب فريق منهم إلى أنّها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، ويخرج منها بحدوثه لأنّه لمّا استوى حكم الكفر بتأويلٍ وغير تأويلٍ وجب أن يستوي حال الفسق بتأويلٍ وغير تأويلٍ . وقال كثير من علماء البصرة : إنّه لا يمنع من انعقاد الإمامة ، ولا يخرج به منها ، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشّهادة . وقال أبو يعلى : إذا وجدت هذه الصّفات حالة العقد ، ثمّ عدمت بعد العقد نظرت ، فإن كان جرحاً في عدالته ، وهو الفسق ، فإنّه لا يمنع من استدامة الإمامة . سواء كان متعلّقاً بأفعال الجوارح . وهو ارتكاب المحظورات ، وإقدامه على المنكرات اتّباعاً لشهوته ، أو كان متعلّقاً بالاعتقاد ، وهو المتأوّل لشبهةٍ تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ . وهذا ظاهر كلامه ( أحمد ) في رواية المروزيّ في الأمير يشرب المسكر ويغلّ ، يغزى معه ، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين ، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن . وقال حنبل : في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد اللّه قالوا : هذا أمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار القول بخلق القرآن - نشاورك في أنّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه . فقال : عليكم بالنّكير بقلوبكم ، ولا تخلعوا يداً من طاعةٍ ، ولا تشقّوا عصا المسلمين . وقال أحمد في رواية المروزيّ ، وذكر الحسن بن صالح بن حيٍّ الزّيديّ فقال : كان يرى السّيف ، ولا نرضى بمذهبه . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|