|
#11
|
||||
|
||||
|
أركان الالتزام :
17 - ركن الالتزام عند الحنفيّة هو : الصّيغة فقط ويزاد عليها عند غيرهم : الملتزِم ( بكسر الزّاي ) والملتزم له ، والملتزم به ، أي محلّ الالتزام . أوّلاً : الصّيغة : 18 - تتكوّن الصّيغة من الإيجاب والقبول معاً في الالتزامات الّتي تتوقّف على إرادة الملتزم والملتزم له ، كالنّكاح وكعقود المعاوضات ، مثل البيع والإجارة ، وهذا باتّفاقٍ . أمّا الالتزامات بالتّبرّعات كالوقف والوصيّة والهبة ففيها اختلاف الفقهاء بالنّسبة للقبول . ومن الالتزامات ما يتمّ بإرادة الملتزم وحده باتّفاقٍ ، كالنّذر والعتق واليمين . وصيغة الالتزام ( الإيجاب ) تكون باللّفظ أو ما يقوم مقامه من كتابةٍ أو إشارةٍ مفهمةٍ ونحوها ممّا يدلّ على إلزام الشّخص نفسه ما التزمه . وقد يكون الالتزام بالفعل كالشّروع في الجهاد والحجّ ، وكمن قام إلى الصّلاة فنوى وكبّر فقد عقدها لربّه بالفعل . كذلك يكون الالتزام بمقتضى العادة ، ومن القواعد الفقهيّة ( العادة محكّمة ) ومن ذلك من تزوّجت وهي ساكنة في بيتٍ لها ، فسكن الزّوج معها ، فلا كراء عليه ، إلاّ إن تبيّن أنّها ساكنة بالكراء . ويلاحظ أنّ أغلب الالتزامات قد ميّزت بأسماءٍ خاصّةٍ ، فالالتزام بتسليم الملك بعوضٍ بيع ، وبدونه هبة أو عطيّة أو صدقة ، والالتزام بالتّمكين من المنفعة بعوضٍ إجارة ، وبدونه إعارة أو وقف أو عمرى ، وسمّي التزام الدّين ضماناً ، ونقله حوالةً ، والتّنازل عنه إبراءً ، والتزام طاعة اللّه بنيّة القربة : نذراً وهكذا . ولكلّ نوعٍ من هذه الالتزامات صيغ خاصّة سواء أكانت صريحةً ، أم كنايةً تحتاج إلى نيّةٍ أو قرينةٍ ، وتنظر في أبوابها . وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً خاصّةً تعتبر صريحةً في الالتزام وهي : التزمت ، أو ألزمت نفسي . ومنها أيضاً لفظ ( عليّ ) أو ( إليّ ) ، جاء في الهداية في باب الكفالة لو قال : عليّ أو إليّ تصحّ الكفالة ، لأنّها صيغة الالتزام ، وقال مثل ذلك ابن عابدين . وفي نهاية المحتاج : شرط الصّيغة في الإقرار لفظ أو كتابة من ناطقٍ أو إشارة من أخرس تشعر بالالتزام بحقٍّ ، مثل : لزيدٍ هذا الثّوب " وعليّ " " وفي ذمّتي " للمدين الملتزم " ومعي " " وعندي " للعين . ثانياً : الملتزم : 19 - الملتزم هو من التزم بأمرٍ من الأمور كتسليم شيءٍ ، أو أداء دينٍ ، أو القيام بعملٍ . والالتزامات متنوّعة على ما هو معروف . فما كان منها من باب المعاوضات فإنّه يشترط فيه في الجملة أهليّة التّصرّف . وما كان من باب التّبرّعات فيشترط فيه أن يكون أهلاً للتّبرّع . وفي ذلك تفصيل من حيث تصرّف الوكيل والوليّ والفضوليّ ، ومن الفقهاء من أجاز وصيّة السّفيه والصّبيّ المميّز كالحنابلة . وينظر ذلك في أبوابه . ثالثاً : الملتزم له : 20 - الملتزم له الدّائن ، أو صاحب الحقّ : فإن كان الالتزام تعاقديّاً ، وكان الملتزم له طرفاً في العقد ، فإنّه يشترط فيه الأهليّة ، أي أهليّة التّعاقد على ما هو معروف في العقود ، وإلاّ تمّ ذلك بواسطة من ينوب عنه . وإذا كان الالتزام بالإرادة المنفردة فلا يشترط في الملتزم له ذلك . والّذي يشترط في الملتزم له في الجملة أن يكون ممّن يصحّ أن يملك ، أو يملك النّاس الانتفاع به كالمساجد والقناطر . وعلى ذلك فإنّه يصحّ الالتزام للحمل ، ولمن سيوجد ، فتصحّ الصّدقة عليه والهبة له . وعند المالكيّة تجوز الوصيّة لميّتٍ علم الموصي بموته ، ويصرف الموصى به في قضاء ما عليه من الدّيون ، وإلاّ صرف لورثته وإلاّ بطلت الوصيّة . كما أنّ كفالة دين الميّت المفلس جائزة ، وقد أقرّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقد روى البخاريّ عن سلمة بن الأكوع « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي برجلٍ يصلّي عليه فقال : هل عليه دين ؟ قالوا : نعم ديناران ، قال : هل ترك لهما وفاءً ؟ قالوا : لا ، فتأخّر ، فقيل : لم لا تصلّي عليه ؟ فقال : ما تنفعه صلاتي وذمّته مرهونة إلاّ إن قام أحدكم فضمنه ، فقام أبو قتادة فقال : هما عليّ يا رسول اللّه ، فصلّى عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم » . كما أنّه يجوز الالتزام للمجهول ، فقد نصّ الفقهاء على صحّة تنفيل الإمام في الجهاد بقوله محرّضاً للمجاهدين : من قتل قتيلاً فله سلبه ، وعندئذٍ من يقتل عدوّاً يستحقّ أسلابه ، ولو لم يكن ممّن سمعوا مقالة الإمام . ومن ذلك ما لو قال رجل : من يتناول من مالي فهو مباح فتناول رجل من غير أن يعلم . ومن ذلك أيضاً بناء سقايةٍ للمسلمين أو خانٍ لأبناء السّبيل . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه رابعاً : محلّ الالتزام ( الملتزم به ) : 21 - الالتزام هو إيجاب الفعل الّذي يقوم به الملتزم كالالتزام بتسليم المبيع للمشتري ، وتسليم الثّمن للبائع ، وكالالتزام بأداء الدّين ، والمحافظة على الوديعة ، وتمكين المستأجر والمستعير من الانتفاع بالعين ، والموهوب له من الهبة ، والمسكين من الصّدقة ، والقيام بالعمل في عقد الاستصناع والمساقاة والمزارعة ، وفعل المنذور ، وإسقاط الحقّ ... وكذا . وهذه الالتزامات ترد على شيءٍ تتعلّق به ، وهو قد يكون عيناً أو ديناً ، أو منفعةً أو عملاً ، أو حقّاً ، وهذا ما يسمّى بمحلّ الالتزام أو موضوعه . ولكلّ محلٍّ شروط خاصّة حسب طبيعة التّصرّف المرتبط به ، والشّروط قد تختلف من تصرّفٍ إلى آخر ، فما يجوز الالتزام به في تصرّفٍ قد لا يجوز الالتزام به في تصرّفٍ آخر . إلاّ أنّه يمكن إجمال الشّروط بصفةٍ عامّةٍ مع مراعاة الاختلاف في التّفاصيل . وبيان ذلك فيما يلي : أ - انتفاء الغرر والجهالة : 22 - يشترط بصفةٍ عامّةٍ في المحلّ الّذي يتعلّق به الالتزام انتفاء الغرر ، والغرر ينتفي عن الشّيء - كما يقول ابن رشدٍ - بأن يكون معلوم الوجود ، معلوم الصّفة ، معلوم القدر ، ومقدوراً على تسليمه . وانتفاء الغرر شرط متّفق عليه في الجملة في الالتزامات الّتي تترتّب على المعاوضات المحضة كالبيع والإجارة ، مبيعاً وثمناً ومنفعةً وعملاً وأجرةً . هذا مع استثناء بعضها بالنّسبة لوجود محلّ الالتزام وقت التّصرّف كالسّلم والإجارة والاستصناع ، فإنّها أجيزت استحساناً مع عدم وجود المسلم فيه والمنفعة والعمل ، وذلك للحاجة . ويراعى كذلك الخلاف في بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه . وإذا كان شرط انتفاء الغرر متّفقاً عليه في المعاوضات المحضة ، فإنّ الأمر يختلف بالنّسبة لغيرها من تبرّعاتٍ كالهبة بلا عوضٍ والإعارة ، وتوثيقاتٍ كالرّهن والكفالة وغيرها . فمن الفقهاء من يجيز الالتزام بالمجهول وبالمعدوم وبغير المقدور على تسليمه ، ومنهم من لا يجيز ذلك . وأكثرهم تمسّكاً بذلك الحنفيّة والشّافعيّة . 23 - ومن العسير في هذا المقام تتبّع كلّ التّصرّفات لمعرفة مدى انطباق شرط انتفاء الغرر على كلّ تصرّفٍ . ولذلك سنكتفي ببعض نصوص المذاهب الّتي تلقي ضوءاً على ذلك ، على أن يرجع في التّفصيلات إلى مواضعها : -1- في الفروق للقرافيّ : الفرق الرّابع والعشرون بين قاعدة : ما تؤثّر فيه الجهالات والغرر ، وقاعدة : ما لا يؤثّر فيه ذلك من التّصرّفات . وردت الأحاديث الصّحيحة في « نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر وعن بيع المجهول » . واختلف العلماء بعد ذلك ، فمنهم من عمّمه في التّصرّفات ، وهو الشّافعيّ ، فمنع من الجهالة في الهبة والصّدقة والإبراء والخلع والصّلح وغير ذلك . ومنهم من فصّل ، وهو مالك ، بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة ، وهو باب المماكسات والتّصرّفات الموجبة لتنمية الأموال وما يقصد به تحصيلها ، وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة ، وهو ما لا يقصد لذلك ، وانقسمت التّصرّفات عنده ثلاثة أقسامٍ : طرفان وواسطة . 24 - فالطّرفان : أحدهما معاوضة صرفة ، فيجتنب فيها ذلك إلاّ ما دعت الضّرورة إليه عادةً . وثانيهما ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال ، كالصّدقة والهبة والإبراء ، فإنّ هذه التّصرّفات لا يقصد بها تنمية المال ، بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه ، فإن لم يبذل شيئاً بخلاف القسم الأوّل إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته ، فاقتضت حكمة الشّرع منع الجهالات فيه . أمّا الإحسان الصّرف فلا ضرر فيه ، فاقتضت حكمة الشّرع وحثّه على الإحسان التّوسعة فيه بكلّ طريقٍ ، بالمعلوم والمجهول ، فإنّ ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعاً ، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله ، فإذا وهب له عبده الآبق جاز أن يجده ، فيحصل له ما ينتفع به ولا ضرر عليه إن لم يجده ، لأنّه لم يبذل شيئاً . وهذا فقه جميل . ثمّ إنّ الأحاديث لم يرد فيها ما يعمّ هذه الأقسام حتّى نقول : يلزم منه مخالفة نصوص الشّرع ، بل إنّما وردت في البيع ونحوه . 25 - وأمّا الواسطة بين الطّرفين فهو النّكاح ، فهو من جهة أنّ المال فيه ليس مقصوداً - وإنّما مقصده المودّة والألفة والسّكون - يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر مطلقاً ، ومن جهة أنّ صاحب الشّرع اشترط فيه المال بقوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم } يقتضي امتناع الغرر والجهالة فيه . فلوجود الشّبهين توسّط مالك فجوّز فيه الغرر القليل دون الكثير ، نحو عبدٍ من غير تعيينٍ وشورة بيتٍ ( وهي الجهاز ) ، ولا يجوز على العبد الآبق والبعير الشّارد ، لأنّ الأوّل يرجع فيه إلى الوسط المتعارف ، والثّاني ليس له ضابط فامتنع ، وألحق الخلع بأحد الطّرفين الأوّلين الّذي يجوز فيه الغرر مطلقاً ، لأنّ العصمة وإطلاقها ليس من باب ما يقصد للمعاوضة ، بل شأن الطّلاق أن يكون بغير شيءٍ فهو كالهبة . فهذا هو الفرق ، والفقه مع مالكٍ رحمه الله . وفي الفروق كذلك : اتّفق مالك وأبو حنيفة على جواز التّعليق في الطّلاق والعتاق قبل النّكاح وقبل الملك ، فيقول للأجنبيّة : إن تزوّجتك فأنت طالق ، وللعبد : إن اشتريتك فأنت حرّ ، فيلزمه الطّلاق والعتاق إذا تزوّج واشترى خلافاً للشّافعيّ ، ووافقنا الشّافعيّ على جواز التّصرّف بالنّذر قبل الملك ، فيقول : إن ملكت ديناراً فهو صدقة . وجميع ما يمكن أن يتصدّق به المسلم في الذّمّة في باب المعاملات . ودليل ذلك . أوّلاً : القياس على النّذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم . وثانياً : قال اللّه تعالى : { أوفوا بالعقود } والطّلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بهما . وثالثاً : قوله عليه الصلاة والسلام : « المسلمون على شروطهم » ، وهذان شرطان فوجب الوقوف معهما . 26 -/ 2- في المنثور للزّركشيّ : من حكم العقود اللّازمة أن يكون المعقود عليه معلوماً مقدوراً على تسليمه في الحال ، والجائز قد لا يكون كذلك ، كالجعالة تعقد على ردّ الآبق . ثمّ قال : حيث اعتبر العوض في عقدٍ من الطّرفين أو من أحدهما فشرطه أن يكون معلوماً ، كثمن المبيع وعوض الأجرة ، إلاّ في الصّداق وعوض الخلع ، فإنّ الجهالة فيه لا تبطله ، لأنّ له مراداً ( بدلاً ) معلوماً وهو مهر المثل ، وقد يكون العوض في حكم المجهول ، كالعوض في المضاربة والمساقاة . - 3- في إعلام الموقّعين بعد أن قرّر ابن القيّم أنّ العلّة في بطلان بيع المعدوم هي الغرر قال : وكذلك سائر عقود المعاوضات بخلاف الوصيّة فإنّها تبرّع محض ، فلا غرر في تعلّقها بالموجود والمعدوم ، وما يقدر على تسليمه وما لا يقدر ، وطرده ( مثاله ) : الهبة ، إذ لا محذور في ذلك فيها ، وقد صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبّة الشّعر حين أخذها من المغنم ، وسأله أن يهبها له فقال : « أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لك » 27 -/ 4- في القواعد لابن رجبٍ في إضافة الإنشاءات والإخبارات إلى المبهمات قال : أمّا الإنشاءات فمنها العقود ، وهي أنواع : أحدها : عقود التّمليكات المحضة كالبيع والصّلح بمعناه ( أي على بدلٍ ) ، وعقود التّوثيقات كالرّهن والكفالة ، والتّبرّعات اللّازمة بالعقد أو بالقبض بعدةٍ كالهبة والصّدقة ، فلا يصحّ في مبهمٍ من أعيانٍ متفاوتةٍ ، كعبدٍ من عبيدٍ ، وشاةٍ من قطيعٍ ، وكفالة أحد هذين الرّجلين ، وضمان أحد هذين الدّينين . وفي الكفالة احتمال ، لأنّه تبرّع ، فهو كالإعارة والإباحة ، ويصحّ في مبهمٍ من أعيانٍ متساويةٍ مختلطةٍ ، كقفيزٍ من صبرةٍ ، فإن كانت متميّزةً متفرّقةً ففيه احتمالان ذكرهما في التّلخيص ، وظاهر كلام القاضي الصّحّة . والثّاني : عقود معاوضاتٍ غير متمحّضةٍ ، كالصّداق وعوض الخلع والصّلح عن دم العمد ، ففي صحّتها على مبهمٍ من أعيانٍ مختلفةٍ وجهان : أصحّهما الصّحّة . والثّالث : عقد تبرّعٍ معلّق بالموت فيصحّ في المبهم بغير خلافٍ لما دخله من التّوسّع ، ومثله عقود التّبرّعات ، كإعارة أحد هذين الثّوبين وإباحة أحد هذين الرّغيفين ، وكذلك عقود المشاركات والأمانات المحضة ، مثل أن يقول : ضارب بإحدى هاتين المائتين - وهما في كيسين - ودع الأخرى عندك وديعةً . وأمّا الفسوخ فما وضع منها على التّغليب والسّراية صحّ في المبهم كالطّلاق والعتاق .. إلخ . ب - قابليّة المحلّ لحكم التّصرّف : 28 - يشترط كذلك في المحلّ الّذي يتعلّق به الالتزام : أن يكون قابلاً لحكم التّصرّف ، بمعنى ألاّ يكون التّصرّف فيه مخالفاً للشّرع . وهذا الشّرط متّفق عليه بصفةٍ عامّةٍ مع الاختلاف في التّفاصيل . يقول السّيوطيّ : كلّ تصرّفٍ تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل . فلذلك لم يصحّ بيع الحرّ ولا الإجارة على عملٍ محرّمٍ . ويقول ابن رشدٍ في الإجارة : ممّا اجتمعوا على إبطال إجارته : كلّ منفعةٍ كانت لشيءٍ محرّم العين ، كذلك كلّ منفعةٍ كانت محرّمةً بالشّرع ، مثل أجر النّوائح وأجر المغنّيات ، وكذلك كلّ منفعةٍ كانت فرض عينٍ على الإنسان بالشّرع ، مثل الصّلاة وغيرها . وفي المهذّب : الوصيّة بما لا قربة فيه ، كالوصيّة للكنيسة والوصيّة بالسّلاح لأهل الحرب باطلة . وبالجملة فإنّه لا يصحّ الالتزام بما هو غير مشروعٍ ، كالالتزام بتسليم الخمر أو الخنزير في بيعٍ أو هبةٍ أو وصيّةٍ أو غير ذلك ، ولا الالتزام بالتّعامل بالرّبا ، أو الزّواج بمن تحرم عليه شرعاً . وهكذا . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه . آثار الالتزام : آثار الالتزام هي : ما تترتّب عليه ، وهي المقصد الأصليّ للالتزام . وتختلف آثار الالتزام تبعاً لاختلاف التّصرّفات الملزمة واختلاف الملتزم به ، ومن ذلك : ( 1 ) ثبوت الملك : 29 - يثبت ملك العين أو المنفعة أو الانتفاع أو العوض وانتقاله للملتزم له في التّصرّفات الّتي تقتضي ذلك متى استوفت أركانها وشرائطها ، مثل البيع والإجارة والصّلح والقسمة ، ومع ملاحظة القبض فيما يشترط فيه القبض عند من يقول به . وهذا باتّفاقٍ . ( 2 ) حقّ الحبس : 30 - يعتبر الحبس من آثار الالتزام . فالبائع له حقّ حبس المبيع ، حتّى يستوفي الثّمن الّذي التزم به المشتري ، إلاّ أن يكون الثّمن مؤجّلاً . والمؤجّر له حقّ حبس المنافع إلى أن يستلم الأجرة المعجّلة . وللصّانع حقّ حبس العين بعد الفراغ من العمل إذا كان لعمله أثر في العين ، كالقصّار والصّبّاغ والنّجّار والحدّاد . والمرتهن له حقّ حبس المرهون حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه . يقول ابن رشدٍ : حقّ المرتهن في الرّهن أن يمسكه حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ، والرّهن عند الجمهور يتعلّق بجملة الحقّ المرهون فيه وببعضه ، أعني أنّه إذا رهنه في عددٍ ما ، فأدّى منه بعضه ، فإنّ الرّهن بأسره يبقى بعد بيد المرتهن حتّى يستوفي حقّه . وقال قوم : بل يبقى من الرّهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحقّ ، وحجّة الجمهور أنّه محبوس بحقٍّ ، فوجب أن يكون محبوساً بكلّ جزءٍ منه ، أصله ( أي المقيس عليه ) حبس التّركة على الورثة حتّى يؤدّوا الدّين الّذي على الميّت . وحجّة الفريق الثّاني أنّ جميعه محبوس بجميعه ، فوجب أن يكون أبعاضه محبوسةً بأبعاضه ، أصله الكفالة . ومن ذلك حبس المدين بما عليه من الدّين ، إذا كان قادراً على أداء دينه وماطل في الأداء ، وطلب صاحب الدّين حبسه من القاضي ، وللغريم كذلك منعه من السّفر ، لأنّ له حقّ المطالبة بحبسه . ( 3 ) التّسليم والرّدّ : 31 - يعتبر التّسليم من آثار الالتزام فيما يلتزم الإنسان بتسليمه . فالبائع ملتزم بتسليم المبيع للمشتري ، والمؤجّر ملتزم بتسليم العين وما يتبعها للمستأجر بحيث تكون مهيّأةً للانتفاع بها ، والمشتري والمستأجر ملتزمان بتسليم العوض ، وأجير الوحد ( الأجير الخاصّ ) ملتزم بتسليم نفسه ، والكفيل ملتزم بتسليم ما التزم به ، والزّوج ملتزم بتسليم الصّداق ، والزّوجة ملتزمة بتسليم البضع ، والواهب ملتزم بتسليم الموهوب عند من يرى وجوب الهبة ، وربّ المال في السّلم والمضاربة مطالب بتسليم رأس المال . وهكذا كلّ من التزم بتسليم شيءٍ وجب عليه القيام بالتّسليم . ومثل ذلك ردّ الأمانات والمضمونات ، سواء أكان الرّدّ واجباً ابتداءً أم بعد الطّلب ، وذلك كالمودع والمستعار والمستأجر والقرض والمغصوب والمسروق واللّقطة إذا جاء صاحبها ، وما عند الوكيل والشّريك والمضارب إذا فسخ المالك وهكذا . مع اعتبار أنّ التّسليم في كلّ شيءٍ بحسبه ، قد يكون بالإقباض ، وقد يكون بالتّخلية والتّمكين من الملتزم به . ( 4 ) ثبوت حقّ التّصرّف : يثبت للملتزم له حقّ التّصرّف في الملتزم به بامتلاكه ، لكن يختلف نوع التّصرّف باختلاف نوع الملكيّة في الملتزم به ، وذلك كما يأتي : 32 - أ - إذا كان الملتزم به تمليكاً للعين أو للدّين ، فإنّه يثبت للمالك حقّ التّصرّف فيه بكلّ أنواع التّصرّف من بيعٍ وهبةٍ ووصيّةٍ وعتقٍ وأكلٍ ونحو ذلك ، لأنّه أصبح ملكه ، فله ولاية التّصرّف فيه . وهذا إذا كان بعد القبض بلا خلافٍ ، أمّا قبل القبض فإنّ الفقهاء يختلفون فيما يجوز التّصرّف فيه قبل القبض وما لا يجوز . وبالجملة فإنّه لا يصحّ عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد التّصرّف في الأعيان المملوكة في عقود المعاوضات قبل قبضها . إلاّ العقار فيجوز بيعه قبل قبضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمّدٍ . ودليل منع التّصرّف قبل القبض قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزامٍ : « لا تبع ما لم تقبضه » ولأنّ فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك . وعند المالكيّة ، والمذهب عند الحنابلة : أنّه يجوز التّصرّف قبل القبض إلاّ في الطّعام ، فلا يجوز التّصرّف فيه قبل قبضه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه » . وأمّا الدّيون : فعند الحنفيّة يجوز التّصرّف فيها قبل القبض إلاّ في الصّرف والسّلم : أمّا الصّرف فلأنّ كلّ واحدٍ من بدلي الصّرف مبيع من وجهٍ وثمن من وجهٍ . فمن حيث هو ثمن يجوز التّصرّف فيه قبل القبض ، ومن حيث هو مبيع لا يجوز ، فغلب جانب الحرمة احتياطاً . وأمّا السّلم فلأنّ المسلم فيه مبيع بالنّصّ ، والاستبدال بالمبيع المنقول قبل القبض لا يجوز . وكذلك يجوز تصرّف المقرض في القرض قبل القبض عندهم ، وذكر الطّحاويّ : أنّه لا يجوز . وعند المالكيّة يجوز التّصرّف في الدّيون قبل القبض فيما سوى الصّرف والسّلم ، فإنّ الإمام مالكاً منع بيع المسلم فيه قبل قبضه في موضعين : أحدهما : إذا كان المسلم فيه طعاماً ، وذلك بناءً على مذهبه في أنّ الّذي يشترط في صحّة بيعه القبض هو الطّعام ، على ما جاء عليه النّصّ في الحديث . والثّاني : إذا لم يكن المسلم فيه طعاماً فأخذ عوضه المسلم ( صاحب الثّمن ) ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله ، مثل أن يكون المسلم فيه عرضاً والثّمن عرضاً مخالفاً له ، فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الأجل شيئاً من جنس ذلك العرض الّذي هو الثّمن ، وذلك أنّ هذا يدخله إمّا سلف وزيادة ، إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السّلم ، وإمّا ضمان وسلف إن كان مثله أو أقلّ . وعند الشّافعيّة إن كان الملك على الدّيون مستقرّاً ، كغرامة المتلف وبدل القرض جاز بيعه ممّن عليه قبل القبض ، لأنّ ملكه مستقرّ عليه ، وهو الأظهر في بيعه من غيره . وإن كان الدّين غير مستقرٍّ فإن كان مسلماً فيه لم يجز ، وإن كان ثمناً في بيعٍ ففيه قولان . وعند الحنابلة : كلّ عوضٍ ملك بعقدٍ ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التّصرّف فيه قبل قبضه ، كالأجرة وبدل الصّلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود ، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التّصرّف فيه قبل قبضه ، كعوض الخلع وأرش الجناية وقيمة المتلف . أمّا ما يثبت فيه الملك من غير عوضٍ ، كالوصيّة والهبة والصّدقة ، فإنّه يجوز في الجملة التّصرّف فيه قبل قبضه عند الجمهور . 33 - ب - وإذا كان الملتزم به تمليكاً للمنفعة ، فإنّه يثبت لمالك المنفعة حقّ التّصرّف في الحدود المأذون فيها ، وتمليك المنفعة لغيره كما في الإجارة والوصيّة بالمنفعة والإعارة وهذا عند المالكيّة وفي الإجارة عند جميع المذاهب ، وفي غيرها اختلافهم ، والقاعدة عند الحنفيّة : أنّ المنافع الّتي تملك ببدلٍ يجوز تمليكها ببدلٍ كالإجارة ، والّتي تملك بغير عوضٍ لا يجوز تمليكها بعوضٍ . فالمستعير يملك الإعارة ولا يملك الإجارة . 34 - ج - وإذا كان الملتزم به حقّ الانتفاع فقط ، فإنّ حقّ التّصرّف يقتصر على انتفاع الملتزم له بنفسه فقط ، كما في العاريّة عند الشّافعيّة ، وفي وجهٍ عند الحنابلة ، وكالإباحة للطّعام في الضّيافات . 35 - د - وإذا كان الملتزم به إذناً في التّصرّف ، فإنّه يثبت للمأذون له حقّ التّصرّف المطلق إذا كان الإذن مطلقاً ، وإلاّ اقتصر التّصرّف على ما أذن به ، وذلك كما في الوكالة والمضاربة . وفي كلّ ذلك تفصيل ينظر في مواضعه . ( 5 ) منع حقّ التّصرّف : 36 - قد ينشأ من بعض الالتزامات منع حقّ التّصرّف ومن أمثلة ذلك : الرّهن ، فلا يصحّ تصرّف الرّاهن في المرهون ببيعٍ أو غيره ، لأنّ المرتهن أخذ العين بحقّه في الرّهن ، وهو التّوثّق باستيفاء دينه وقبض المرهون . فالمرتهن بالنّسبة إلى الرّهن كغرماء المفلس المحجور عليه . ( 6 ) صيانة الأنفس والأموال : 37 - الأصل أنّ المسلم ملتزم بحكم إسلامه بالمحافظة على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم النّحر : « إنّ دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا » . أمّا بالنّسبة لغير المسلمين ، فإنّ ممّا يصون دماءهم وأموالهم التزام المسلمين بذلك بسبب العقود الّتي تتمّ معهم ، كعقد الأمان المؤقّت أو الدّائم . إذ ثمرة الأمان حرمة قتلهم واسترقاقهم وأخذ أموالهم ، ما داموا ملتزمين بموجب عقد الأمان أو عقد الذّمّة . ومن صيانة الأموال : الالتزام بحفظ الوديعة بجعلها في مكان أمينٍ . وقد يجب الالتزام بذلك حرصاً على الأموال ، ولذلك يقول الفقهاء : إن لم يكن من يصلح لأخذ الوديعة غيره وخاف إن لم يقبل أن تهلك تعيّن عليه قبولها ، لأنّ حرمة المال كحرمة النّفس ، لما روى ابن مسعودٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « حرمة مال المؤمن كحرمة دمه » . ولو خاف على دمه لوجب عليه حفظه ، فكذلك إذا خاف على ماله . ومن ذلك أخذ اللّقطة واللّقيط ، إذ يجب الأخذ إذا خيف الضّياع ، لأنّ حفظ مال الغير واجب ، قال ابن رشدٍ : يلزم أن يؤخذ اللّقيط ولا يترك ، لأنّه إن ترك ضاع وهلك ، لا خلاف بين أهل العلم في هذا ، وإنّما اختلفوا في لقطة المال ، وهذا الاختلاف إنّما هو إذا كانت بين قومٍ مأمونين والإمام عدل . أمّا إذا كانت بين قومٍ غير مأمونين فأخذها واجب قولاً واحداً . ومن ذلك الالتزام بالولاية الشّرعيّة لحفظ مال الصّغير واليتيم والسّفيه . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه . ( 7 ) الضّمان : 38 - الضّمان أثر من آثار الالتزام ، وهو يكون بإتلاف مال الغير أو الاعتداء عليه بالغصب أو السّرقة أو بالتّعدّي في الاستعمال المأذون فيه في المستعار والمستأجر أو بالتّفريط وترك الحفظ كما في الوديعة . يقول الكاسانيّ : تتغيّر صفة المستأجر من الأمانة إلى الضّمان بأشياء منها : ترك الحفظ ، لأنّ الأجير لمّا قبض المستأجر فقد التزم حفظه ، وترك الحفظ الملتزم سبب لوجوب الضّمان ، كالمودع إذا ترك الحفظ حتّى ضاعت الوديعة . وكذلك يضمن بالإتلاف والإفساد إذا كان الأجير متعدّياً فيه ، إذ الاستعمال المأذون فيه مقيّد بشرط السّلامة . ويقول السّيوطيّ : أسباب الضّمان أربعة : الأوّل : العقد ، ومن أمثلته ضمان المبيع ، والثّمن المعيّن قبل القبض ، والمسلم فيه ، والمأجور . والثّاني : اليد ، مؤتمنةً كانت كالوديعة والشّركة والوكالة والمقارضة إذا حصل التّعدّي ، أو غير مؤتمنةٍ كالغصب والسّوم والعاريّة والشّراء فاسداً . والثّالث : الإتلاف للنّفس أو المال . والرّابع : الحيلولة . ويقول ابن رشدٍ : الموجب للضّمان إمّا المباشرة لأخذ المال المغصوب أو لإتلافه ، وإمّا المباشرة للسّبب المتلف ، وإمّا إثبات اليد عليه . وفي القواعد لابن رجبٍ : أسباب الضّمان ثلاثة : عقد ، ويد ، وإتلاف . وفي كلّ ذلك خلاف وتفصيلات وتفريعات تنظر في مواضعها . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|