|
#11
|
||||
|
||||
|
إفرادٌ *
التعريف : 1 - الإفراد لغةً : مصدر أفرد ، والفرد ما كان وحده ، وأفردته : جعلته واحداً ، وعدّدت الدّراهم أفراداً أي : واحداً واحداً ، وأفردت الحجّ عن العمرة ، فعلت كلّ واحدٍ على حدةٍ . وقد استعمله الفقهاء بالمعنى اللّغويّ في مواطن متعدّدةٍ ستأتي : أ - الإفراد في البيع : 2 - قال الحطّاب : لا يجوز أن يفرد الحنطة في سنبلها بالبيع دون السّنبل . ب - الإفراد في الوصيّة : 3 - جاء في فتح القدير : يجوز إفراد الأمّ بالوصيّة وكذلك يجوز إفراد الحمل . ج - الإفراد في الأكل : 4 - جاء في الآداب الشّرعيّة لابن مفلحٍ : يكره القران في التّمر ، وعلى قياسه كلّ ما العادة جاريةٌ بتناوله أفراداً ، وفي الصّحيحين عن ابن عمر قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن القران إلاّ أن يستأذن الرّجل أخاه » . د - إفراد الحجّ : 5 - هو أن يهلّ بالحجّ مفرداً . وسيكون البحث هنا خاصّاً بإفراد الحجّ . أمّا المواضع الأخرى فتنظر في مواطنها . الألفاظ ذات الصّلة : 6 - تقدّم أنّ الإفراد : هو أن يهلّ بالحجّ مفرداً عن العمرة . أمّا القران : فهو أن يحرم بالعمرة والحجّ معاً فيجمع بينهما في إحرامه ، أو يحرم بالعمرة ثمّ يدخل عليها الحجّ قبل الطّواف لها . وأمّا التّمتّع : فهو أن يهلّ بعمرةٍ مفردةٍ من الميقات في أشهر الحجّ ، فإذا فرغ منها أحرم بالحجّ من عامه . وسيأتي ما يفترق به الإفراد عن كلٍّ من التّمتّع والقران . المفاضلة بين كلٍّ من الإفراد والقران والتّمتّع : 7 - اختلف الفقهاء في الإفراد ، والقران ، والتّمتّع أيّها أفضل ، والاتّجاهات في ذلك كالآتي : أ - الإفراد أفضل عند المالكيّة والشّافعيّة ، لكنّ أفضليّته عند الشّافعيّة ، وفي قولٍ عند المالكيّة إن اعتمر في نفس العام بعد أداء الحجّ ، ولذلك يقول الشّافعيّة إن لم يعتمر في نفس العام كان الإفراد مكروهاً . واستدلّ القائلون بأفضليّة الإفراد بما صحّ عن جابرٍ وعائشة وابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهم « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أفرد الحجّ » ، ثمّ بالإجماع على أنّه لا كراهة فيه ، وأنّ المفرد لم يربح إحراماً من الميقات ( بالاستغناء عن الرّجوع ثانيةً للإحرام ) ولا ربح استباحة المحظورات . ب - القول الثّاني : أنّ القران أفضل : وذلك عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للإمام أحمد أنّه إن ساق الهدي فالقران أفضل ، وإن لم يسق الهدي فالتّمتّع أفضل . واستدلّ الحنفيّة على أفضليّة القران بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « يا آل محمّدٍ : أهّلوا بحجّةٍ وعمرةٍ معاً » ولأنّ في القران جمعاً بين العبادتين . ويلي القران في الأفضليّة عند الحنفيّة التّمتّع ثمّ الإفراد ، وهذا في ظاهر الرّواية ، لأنّ في التّمتّع جمعاً بين العبادتين فأشبه القران ، ثمّ فيه زيادة نسكٍ وهي إراقة الدّم . وعن أبي حنيفة رحمه الله أنّه يلي القران الإفراد ثمّ التّمتّع ، لأنّ المتمتّع سفره واقعٌ لعمرته والمفرد سفره واقعٌ لحجّته . ووافقه في ذلك أشهب من المالكيّة . ج - التّمتّع أفضل : وهذا عند الحنابلة وفي قولٍ عند الشّافعيّة والمالكيّة ، ويلي التّمتّع عند الحنابلة الإفراد ثمّ القران . واستدلّ الحنابلة على أفضليّة التّمتّع بما روى ابن عبّاسٍ وجابرٌ وأبو موسى وعائشة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لمّا طافوا بالبيت أن يحلّوا ويجعلوها عمرةً » فنقلهم من الإفراد والقران إلى المتعة ، ولا ينقلهم إلاّ إلى الأفضل ، ولأنّ المتمتّع يجتمع له الحجّ والعمرة في أشهر الحجّ مع كمالها وكمال أفعالها على وجه اليسر والسّهولة مع زيادة نسكٍ فكان ذلك أولى . 8- وقد ذكر الرّمليّ في نهاية المحتاج أنّ منشأ الخلاف اختلاف الرّواة في إحرامه صلى الله عليه وسلم لأنّه صحّ عن جابرٍ وعائشة وابن عبّاسٍ رضي الله عنهم « أنّه صلى الله عليه وسلم أفرد الحجّ » ، وعن أنسٍ « أنّه قرن » ، وعن ابن عمر « أنّه تمتّع » ، ثمّ قال : إنّ الصّواب الّذي نعتقده أنّه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحجّ ثمّ أدخل عليه العمرة ، وخصّ بجوازه في تلك السّنة للحاجة . وبهذا يسهل الجمع بين الرّوايات ، فعمدة رواة الإفراد أوّل الإحرام ، ورواة القران آخره ، ومن روى التّمتّع أراد التّمتّع اللّغويّ وهو الانتفاع ، وقد انتفع بالاكتفاء بفعلٍ واحدٍ ، ويؤيّد ذلك أنّه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في تلك السّنة عمرةً مفردةً ، ولو جعلت حجّته مفردةً لكان غير معتمرٍ في تلك السّنة ، ولم يقل أحدٌ إنّ الحجّ وحده أفضل من القران فانتظمت الرّوايات في حجّته . حالة وجوب الإفراد ( وجوبه في حقّ المكّيّ ) : 9 - اختلف الفقهاء بالنّسبة للمكّيّ ومن في حكمه هل له تمتّعٌ وقرانٌ ، أم ليس له إلاّ الإفراد خاصّةً ؟ فيرى الجمهور أنّ لأهل مكّة المتعة والقران مثل الآفاقيّ ، ولأنّ التّمتّع الّذي ورد في الآية أحد الأنساك الثّلاثة ، فصحّ من المكّيّ كالنّسكين الآخرين ، ولأنّ حقيقة التّمتّع هو أن يعتمر في أشهر الحجّ ثمّ يحجّ من عامه ، وهذا موجودٌ في المكّيّ . ويرى الحنفيّة أنّ أهل مكّة ليس لهم تمتّعٌ ولا قرانٌ ، وإنّما لهم الإفراد خاصّةً ، لأنّ شرعهما للتّرفّه بإسقاط إحدى السّفرتين وهذا في حقّ الآفاقيّ . 10 - واختلف الفقهاء أيضاً في حاضري المسجد الحرام . فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّهم أهل الحرم ومن بينه وبين مكّة دون مسافة القصر . فإن كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين . وذهب الحنفيّة إلى أنّهم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكّة . وذهب المالكيّة إلى أنّهم أهل مكّة وأهل ذي طوًى . وفي ذلك فروعٌ كثيرةٌ ( ر : حجٌّ - إحرامٌ - ميقاتٌ - تمتّعٌ ) . نيّة الإفراد : 11 - ويختلف الفقهاء فيما ينعقد به إحرام المفرد : فعند الشّافعيّة والحنابلة وهو الرّاجح عند المالكيّة أنّ الإحرام ينعقد بمجرّد النّيّة مع استحباب التّلفّظ بما أحرم به فيقول : اللّهمّ إنّي أريد الحجّ فيسّره لي وتقبّله منّي . وفي قولٍ للشّافعيّة أنّ الإطلاق أولى ، لأنّه ربّما حصل عارضٌ من مرضٍ أو غيره فلا يتمكّن من صرفه إلى ما لا يخاف فوته ، فإن أحرم إحراماً مطلقاً في أشهر الحجّ صرفه بالنّيّة - لا باللّفظ - إلى ما شاء من النّسكين أو إليهما معاً إن كان الوقت صالحاً لهما . وعند الحنفيّة لا ينعقد الإحرام إلاّ بأمرين : النّيّة والتّلبية ، ولا يصير شارعاً في الإحرام بمجرّد النّيّة ما لم يأت بالتّلبية ، لأنّ التّلبية في الحجّ كتكبيرة الإحرام في الصّلاة . وفي قولٍ عند المالكيّة : ينعقد بالنّيّة مع قولٍ كالتّلبية والإهلال ، أو فعلٍ كالتّوجّه في الطّريق والتّجرّد من المخيط . على أنّ الّذي ذكر لا يختصّ بالإفراد وحده ، وإنّما ينطبق على القران والتّمتّع ، إذ لا بدّ في أيّ نسكٍ من هذه الأنساك الثّلاثة عند الإحرام بأيٍّ منها من النّيّة على رأي الجمهور ، أو النّيّة والتّلبية على رأي أبي حنيفة . ( ر : إحرامٌ - قرانٌ - تمتّعٌ ) . التّلبية في الإفراد : 12 - التّلبية في الحجّ على اختلاف حكمها من أنّها سنّةٌ أو واجبةٌ تستوي كيفيّتها والبدء بها بالنّسبة للمحرم بأيّ نسكٍ من الأنساك الثّلاثة . أمّا قطع التّلبية فيكون المتمتّع والمفرد والقارن بالنّسبة لقطعها سواءً . فعند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة يقطع التّلبية عند ابتداء الرّمي . وعند المالكيّة يقطعها إذا وصل لمصلّى عرفة بعد الزّوال ، وإن كان قد وصل قبل الزّوال لبّى إلى الزّوال ، وإن زالت الشّمس قبل الوصول لبّى إلى الوصول . وهناك تفريعاتٌ كثيرةٌ بالنّسبة للتّلبية . ( ر : تلبيةٌ ) . ما يفترق به المفرد عن المتمتّع والقارن : أ - الطّواف بالنّسبة للمفرد : 13 - الطّواف في الحجّ ثلاثة أنواعٍ : طواف القدوم إلى مكّة ، وطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم النّحر ، وطواف الوداع . والفرض من ذلك هو طواف الإفاضة ، ويسمّى طواف الزّيارة أو الفرض أو الرّكن ، وما عدا ذلك فهو سنّةٌ أو واجبٌ ينجبر بالدّم على خلافٍ بين الفقهاء في ذلك ( ر : طوافٌ ) . والفرض على المفرد من هذه الأنواع هو طواف الإفاضة فقط ، لأنّه الرّكن ، فلا يجب عليه طواف القدوم ، بل يطالب به على سبيل السّنّيّة . ب - عدم وجوب الدّم على المفرد : 14 - لا يجب على المفرد هديٌ لإحرامه بالحجّ مفرداً بخلاف القارن والمتمتّع فإنّ عليهما الهدي ، لقوله تعالى : { فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي } والقارن كالمتمتّع ، لإحرامه بالنّسكين . إلاّ أنّه يستحبّ للمفرد أن يهدي ويكون تطوّعاً . ثمّ إنّ جزاء الصّيد وفدية الأذى بالنّسبة للمفرد والقارن والمتمتّع سواءٌ عند الجمهور . ( ر : دمٌ - هديٌ - كفّارةٌ - قرانٌ - تمتّعٌ ) . إفرازٌ * التعريف : 1 - الإفراز في اللّغة : التّنحية ، وهي عزل شيءٍ عن شيءٍ وتمييزه ، ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك . الألفاظ ذات الصّلة : أ - العزل : 2 - العزل يختلف عن الإفراز . في أنّ الإفراز يكون لجزءٍ من الأصل ، أو كالجزء منه في شدّة اختلاطه به ، أمّا العزل فهو التّنحية ، والشّيء المنحّى قد يكون جزءاً من المنحّى عنه ، وقد لا يكون ، بل قد يكون خارجاً عنه . كالعزل عن الزّوجة . ب - القسمة : 3 - القسمة قد تكون بالإفراز ، وقد يقصد بها بيان الحصص دون إفرازٍ ، كما في المهايأة . الحكم الإجماليّ : 4 - الإفراز يرد على الأعيان دون المنافع ولذلك لمّا بيّن الفقهاء أنواع القسمة ، قالوا : القسمة إمّا أن تكون قسمة أعيانٍ ، أو قسمة منافع ، وسمّوا قسمة المنافع المهايأة . أمّا قسمة الأعيان : فقالوا إمّا أن تكون قسمة إفرازٍ ، أو قسمة تعديلٍ ، وهم يعنون بقسمة الإفراز : القسمة الّتي لا يحتاج فيها إلى ردٍّ ولا تقويمٍ . والفقهاء قد اختلفوا في حقيقة القسمة ، فقال بعضهم : هي بيعٌ ، وقال بعضهم : هي إفرازٌ ، وقال آخرون : هي إفراز بعض الأنصباء عن بعضٍ ومبادلة بعضٍ ببعضٍ . كما بيّن الفقهاء ذلك في أوّل كتاب القسمة . وإذا كانت القسمة في حقيقتها لا تخلو من الإفراز ، فإنّ هذا الإفراز يسقط حقّ الشّفعة عند من يقول : إنّ الشّفعة لا تستحقّ بالجوار ، كما بيّن الفقهاء ذلك في كتاب الشّفعة . 5 - الإفراز واجبٌ في العقود الّتي يشترط القبض للزومها أو تمامها ، وهي : الوقف ، والهبة ، والرّهن ، والقرض ، إذا وردت على مشاعٍ ، على خلافٍ وتفصيلٍ في ذلك تجده في أبوابها من كتب الفقه . 6 - يجب ردّ العين المستحقّة المخلوطة بغيرها إن أمكن إفرازها ، وإن لم يمكن وجب ردّ بدلها ، كما إذا غصب شيئاً فخلطه بما يمكن تمييزه عنه ، وجب إفرازه وردّه إلى من غصبه منه كما فصّل ذلك الفقهاء في كتاب الاستحقاق والغصب . 7 - والإفراز يقوم مقام القبض في التّبرّعات الّتي يكون القصد منها تحقيق مثوبة اللّه تعالى ، والّتي يكون التّمليك فيها للّه تعالى كالزّكاة . فإن وجبت عليه الزّكاة فعزلها فهلكت من غير تفريطٍ منه لا يلزمه إخراجها من جديدٍ على خلافٍ وتفصيلٍ موطنه باب الزّكاة . إفسادٌ * التعريف : 1 - الإفساد لغةً : ضدّ الإصلاح ، وهو جعل الشّيء فاسداً خارجاً عمّا ينبغي أن يكون عليه . وشرعاً : جعل الشّيء فاسداً ، سواءٌ وجد صحيحاً ثمّ طرأ عليه الفساد - كما لو انعقد الحجّ صحيحاً ثمّ طرأ عليه ما يفسده - أو وجد الفساد مع العقد ، كبيع الطّعام قبل قبضه . وقد فرّق الحنفيّة بين الإفساد والإبطال تبعاً لتفريقهم بين الفاسد والباطل ، فقالوا : الفاسد ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه ، والباطل ما ليس مشروعاً بأصله ولا بوصفه . أمّا غير الحنفيّة فالإفساد والإبطال عندهم بمعنًى واحدٍ ، وقد وافقهم الحنفيّة في العبادات . ولبعض المذاهب تفرقةٌ بين الباطل والفاسد في بعض الأبواب : كالحجّ ، والخلع . الألفاظ ذات الصّلة أ - الإتلاف : 2 - الإتلاف في اللّغة : بمعنى الإهلاك يقال : أتلف الشّيء إذا أفناه وأهلكه ، وهو في الشّرع بهذا المعنى ، يقول الكاسانيّ : إتلاف الشّيء إخراجه من أن يكون منتفعاً به منفعةً مطلوبةً منه عادةً . فالإفساد أعمّ من الإتلاف ، فإنّهما يجتمعان في الأمور الحسّيّة ، وينفرد الإفساد في التّصرّفات القوليّة . ب - الإلغاء : 3 - الإلغاء من معانيه : إبطال العمل بالحكم ، وإسقاطه ، وقد ألغى ابن عبّاسٍ طلاق المكره ، أي أبطله وأسقطه . ويستعمل الأصوليّون الإلغاء في تقسيم العلّة بمعنى عدم تأثير الوصف في الحكم ، وهو المناسب الملغى عندهم ، كما يستعملون الإلغاء في إهدار أثر التّصرّف من فاقد الأهليّة . ج - التّوقّف : 4 - العقد الموقوف ضدّ النّافذ ، وهو ما توقّف نفاذه على الإجازة من مالكها ، كبيع الفضوليّ . فإنّه يكون بهذا المعنى جائزاً في الجملة ، بخلاف الفاسد ، فإنّه غير مشروعٍ . الحكم التّكليفيّ : 5 - المقرّر شرعاً أنّ العبادة بعد الفراغ منها صحيحةٌ ، لا يلحقها الإفساد ضرورة أنّ الواقع يستحيل رفعه ، إلاّ بأسبابٍ يصار إليها بالدّليل كالرّدّة ، فإنّها تفسد الأعمال الصّالحة والعبادات ، كما أنّ الإسلام يهدم ما قبله والهجرة تهدم ما قبلها ، وكذلك التّوبة والحجّ المبرور . أمّا بعد الشّروع في العبادة وقبل الفراغ منها ، فيحرم إفساد الفرض بعد التّلبّس به دون عذرٍ شرعيٍّ ، وكذلك النّفل عند الحنفيّة والمالكيّة ، لقوله تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } ولهذا يجب إعادته . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فيكره عندهم إفساد النّافلة بعد الشّروع فيها ولا إعادة إن أفسد النّافلة المطلقة ، عدا الحجّ والعمرة فيحرم إفسادهما عند الشّافعيّة والحنابلة ، وفي روايةٍ أخرى عن أحمد أنّهما كسائر التّطوّعات . أمّا التّصرّفات اللاّزمة فلا يرد عليها الإفساد بعد نفاذها . إلاّ أنّه يجوز الفسخ برضا العاقدين كما في الإقالة ، وفي العقود غير اللاّزمة من الجانبين يصحّ لكلّ واحدٍ منهما إفسادها متى شاء ، أمّا اللاّزمة من جانبٍ واحدٍ ، فلا يجوز إفسادها ممّن هي لازمةٌ في حقّه ويجوز للآخر . وفي ذلك تفصيلٌ يرجع إليه في تلك العقود والتّصرّفات . أثر الإفساد في العبادات : 6 - من شرع في عبادةٍ مفروضةٍ فرضاً عينيّاً أو كفائيّاً ، كالصّلاة والصّوم ، فإنّه يجب عليه القيام بها على الوجه المشروع باستيفاء أركانها وشرائطها حتّى تبرأ الذّمّة ، فإذا أفسدها فعليه أداؤها في الوقت ، أمّا بعده فعليه فعلها تامّةٌ ، كما لو صلّى مسافرٌ خلف مقيمٍ ثمّ أفسد صلاته لزمه قضاؤها تامّةً ، لأنّها لا تبرئ الذّمّة بعد الفساد بلا خلافٍ . كما لا يجب المضيّ في فاسدها أو باطلها في الجملة ، لأنّ فاسد العبادات لا يلحق بصحيحها إلاّ في الحجّ والعمرة ، فإنّه يمضي في فاسدهما وعليه القضاء . وهذا مخالفٌ لسائر العبادات حيث إنّ العبادة الفاسدة ينقطع حكمها ولا يبقى شيءٌ من عهدها . أمّا ما شرع فيه من التّطوّع فإنّه يجب إتمامه ، وإذا أفسده يقضيه وجوباً ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة . أمّا الشّافعيّة والحنابلة فقد قالوا : يستحبّ إتمام النّفل الّذي شرع فيه ، كما يستحبّ قضاء ما أفسده بعد الشّروع فيه من النّوافل ، وهذا في غير التّطوّع بالحجّ والعمرة ، حيث يجب إتمامهما إذا شرع فيهما . ولو وقع منه مفسدٌ لهما ، يجب عليه قضاؤهما حينئذٍ مع الجزاء اللاّزم في ذمّته على ما سبق . وينظر تفصيل ذلك في ( الإحرام ، والحجّ ) . إفساد الصّوم : 7 - أجمع العلماء على أنّ من جامع أو استمنى أو طعم أو شرب عن قصدٍ ، مع ذكر الصّوم في نهاره فقد أفسد صومه ، لقوله تعالى : { فالآن باشروهنّ وابتغوا ما كتب اللّه لكم ، وكلوا واشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } وقد اختلفوا في مفسداتٍ أخرى للصّوم ، منها ما يرد إلى الجوف من غير منفذ الطّعام والشّراب مثل الحقنة ، ومنها ما يرد إلى باطن الأعضاء ولا يرد الجوف ، مثل أن يرد الدّماغ ولا يرد المعدة . وسبب اختلافهم في هذه هو قياس المغذّي على غير المغذّي . فمن رأى أنّ المقصود بالصّوم معنًى معقولٌ لم يلحق المغذّي بغير المغذّي ، ومن رأى أنّها عبادةٌ غير معقولةٍ ، وأنّ المقصود منها إنّما هو الإمساك فقط عمّا يرد الجوف ، سوّى بين المغذّي وغيره . ر : ( احتقانٌ ) ( وصومٌ ) . 8 - واختلفوا في الحجامة والقيء . فأمّا الحجامة فقد رأى أحمد وداود والأوزاعيّ وإسحاق بن راهويه أنّها تفسد الصّوم ، وقال المالكيّة والشّافعيّة بالكراهة ، وقال الحنفيّة بعدم الإفساد . والسّبب في ذلك هو تعارض الآثار الواردة في ذلك . وأمّا القيء فالجمهور على أنّ من ذرعه القيء فليس بمفطرٍ ، وأنّ من استقاء فقاء فإنّه يفسد صومه . وفي الموضوع تفصيلٌ وخلافٌ يرجع إلى مصطلح : ( صومٌ ) ( وقيءٌ ) . نيّة إفساد العبادة : 9 - نيّة الإفساد يختلف أثرها صحّةً وبطلاناً عند العلماء باختلاف العبادات والأفعال والأحوال . فإذا نوى إفساد الإيمان أو قطعه ، صار مرتدّاً في الحال والعياذ باللّه ، وإن نوى إفساد الصّلاة بعد الفراغ منها لم تبطل ، وكذلك سائر العبادات ، وإن نوى قطع الصّلاة في أثنائها بطلت بلا خلافٍ ، لأنّها شبيهةٌ بالإيمان ، ولو نوى قطع السّفر بالإقامة صار مقيماً . أمّا إذا نوى قطع الصّيام بالأكل أو الجماع في نهاره ، فإنّه لا يفسد صومه حتّى يأكل أو يجامع . ولو نوى قطع الحجّ أو العمرة لم يبطلا بلا خلافٍ ، لأنّه لا يخرج منهما بالإفساد ، فلا يخرج بالأولى بنيّة الإفساد أو الإبطال . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( نيّةٌ ) وإلى مواطن تلك العبادات . أثر الشّروط الفاسدة في إفساد العقد : 10 - إفساد العقد بالشّروط الفاسدة يرجع إلى ما يسبّبه من غررٍ أو رباً أو نقصٍ في الملك ، أو اشتراط أمرٍ محظورٍ أو لا يقتضيه العقد ، وفيه منفعةٌ لأحد العاقدين . والعقود عند اقترانها بهذه الشّروط : نوعان : الأوّل : عقودٌ تفسد عند اقترانها بها ، والثّاني : عقودٌ تصحّ ، ويسقط الشّرط ، وعلى هذا اتّفقت المذاهب الأربعة . وقد اختلفت المذاهب في الأثر النّاشئ عن الشّروط : فعند الحنفيّة ، كلّ تصرّفٍ لا يكون الغرض منه مبادلة مالٍ بمالٍ ، لا يفسد بالشّروط الفاسدة ، وما عدا ذلك يعتريه الفساد . فالّذي يفسد بالشّروط الفاسدة مثل : البيع ، والقسمة ، والإجارة ، والّذي لا يفسد مثل : النّكاح والقرض ، والهبة ، والوقف ، والوصيّة . وكذلك الشّافعيّة ، إذ يفسد العقد عندهم بالشّرط في الجملة ، وعند المالكيّة اشتراط أمرٍ محظورٍ ، أو أمرٍ يؤدّي إلى غررٍ فاحشٍ ، يؤدّي إلى فساد العمد ، فالأمر المحظور مثل : ما إذا اشترى داراً واشترط اتّخاذها مجمعاً للفساد . فالشّرط حرامٌ والبيع فاسدٌ . والغرر الفاحش مثل : ما إذا باع داراً واشترط أن يكون ثمنها يكفيه للنّفقة طول حياته ، فإنّه لا تدرى نفقته ولا كم يعيش . وخالف الحنابلة فقالوا : هذه الشّروط المحرّمة أو تلك الّتي تؤدّي إلى غررٍ فاحشٍ ، لا تؤدّي إلى إفساد العقد ، وإنّما تلغى ، ويصحّ العقد . أمّا الشّروط الّتي تؤدّي إلى إفساد العقد فهي ، اشتراط عقدٍ في عقدٍ ، أو شرطين في بيعٍ ، أو اشتراط ما ينافي مقصود العقد . مثل : ما إذا اشترط أحد المتبايعين على الآخر عقداً آخر كشرطٍ للبيع ، كأن يقول : بعتك هذه الدّار على أن تبيعني هذه الفرس . فهذا اشتراط عقدٍ في عقدٍ ، ومثل : ما إذا اشترط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع ، وكذلك إن شرط أنّ الجارية المبيعة لا تحمل ، أو تضع الولد في وقتٍ بعينه . فهذا اشتراطٌ ينافي مقصود العقد . إفساد النّكاح : 11 - إفساد النّكاح بعد وجوده صحيحاً لا يسقط حقّ المرأة في الصّداق إن كان بعد الدّخول اتّفاقاً ، أمّا قبل الدّخول فإنّه لا يسقط حقّها في نصف المهر ، إذا وقع الإفساد من جهته ، كردّته . أمّا لو وقع إفساد النّكاح من جهتها ، فلا مهر لها ولا نفقة ، لتسبّبها في إفساد النّكاح الّذي هو موجبٌ للمهر . ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح : ( نكاحٌ ) ( ورضاعٌ ) . أثر الإفساد في التّوارث بين الزّوجين : 12 - إذا وقعت الفرقة بإفساد النّكاح بغير طلاقٍ انتفى التّوارث عند موت أحدهما ، أمّا ما كانت الفرقة فيه بطلاقٍ فإنّه يثبت فيه التّوارث في بعض الأحوال ، كما لو طلّقها في مرض الموت فارّاً من توريثها . إفساد الزّوجة على زوجها : 13 - يحرم إفساد المرأة على زوجها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من خبّب زوجة امرئٍ أو مملوكه فليس منّا » فمن أفسد زوجة امرئٍ أي : أغراها بطلب الطّلاق أو التّسبّب فيه فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الكبائر . وقد صرّح الفقهاء بالتّضييق عليه وزجره ، حتّى قال المالكيّة بتأبيد تحريم المرأة المخبّبة على من أفسدها على زوجها معاملةً له بنقيض قصده ، ولئلاّ يتّخذ النّاس ذلك ذريعةً إلى إفساد الزّوجات . ر - ( تخبيبٌ ) . الإفساد بين المسلمين : 14 - تحرم الوقيعة وإفساد ذات البين بين المسلمين ، لأمرين : الأوّل : الإبقاء على وحدة المسلمين . الثّاني : رعاية حرمتهم ، لقوله تعالى : { واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرّقوا } ، ولما روي عن ابن عمر أنّه نظر يوماً إلى الكعبة فقال :« ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمةً عند اللّه منك »،ولهذا كان إصلاح ذات البين من أفضل القربات ، وإفساد ذات البين من أكبر الكبائر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام والصّلاة والصّدقة قالوا : بلى ، قال : إصلاح ذات بينٍ ، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة » ولهذا نهى الرّسول صلى الله عليه وسلم عن تتبّع عورات المسلمين ، وعن الغيبة ، والنّميمة ، وسوء الظّنّ ، والتّباغض ، والتّحاسد ، وكلّ ما يؤدّي إلى الوقيعة بين المسلمين : فقال صلى الله عليه وسلم : « لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخواناً ، ولا يحلّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّامٍ » أمّا الإفساد في الأرض بقطع الطّريق وسلب الأموال والأعراض وإتلاف النّفوس فهو محرّمٌ ، وعقوبته منصوصٌ عليها في قوله تعالى : { إنّما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض } . وتفصيله في حرابةٌ . كما نهى الشّارع عن جميع أنواع الإفساد ، بفعل المعاصي ، وإشاعة الفواحش ، وفعل كلّ ما فيه ضررٌ على المسلمين . قال اللّه تعالى : { الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون } . إفشاء السّرّ * التعريف : 1 - الإفشاء لغةً : الإظهار ، يقال : أفشا السّرّ : إذا أظهره ، ففشا فشواً وفشوّاً ، والسّرّ هو ما يكتم ، والإسرار خلاف الإعلان . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الإشاعة : 2 - إشاعة الخبر : إظهاره ونشره ، والشّيوع : الظّهور . ب - الكتمان : 3 - الكتمان . الإخفاء : يقال : كتمت زيداً الحديث : أي أخفيته عنه ، فهو ضدّ الإفشاء . ج - التّجسّس : 4 - هو تتبّع الأخبار ، ومنه الجاسوس ، لأنّه يتتبّع الأخبار ، ويفحص عن بواطن الأمور ، وهو يستعمل غالباً في الشّرّ فالتّجسّس : السّعي للحصول على السّرّ . د - التّحسّس : 5 - هو الاستماع إلى حديث الغير ، وهو منهيٌّ عنه ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخواناً » والتّحسّس إن كان لإذاعة أخبار النّاس السّيّئة فهو كإفشاء السّرّ في الحرمة ، وقد يكون التّحسّس لإشاعة الخير ، كما في قوله تعالى : { يا بنيّ اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه } . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|