|
#11
|
||||
|
||||
|
رجوع الإمام في اختياره :
29 - لم نقف فيما رجعنا إليه من كتبٍ على من تعرّض لهذا ، إلاّ ما قاله ابن حجرٍ الهيتميّ الشّافعيّ من قولة : لم يتعرّضوا فيما علمت إلى أنّ الإمام لو اختار خصلةً له الرّجوع عنها أوّلاً ، ولا إلى أنّ اختياره هل يتوقّف على لفظٍ أو لا . وقال : والّذي يظهر لي في ذلك تفصيلٌ لا بدّ منه ، فلو اختار خصلةً وظهر له بالاجتهاد أنّها الأحظّ ، ثمّ ظهر له أنّ الأحظّ غيرها ، فإن كانت رقّاً لم يجز له الرّجوع عنها مطلقاً ، لأنّ الغانمين وأهل الخمس ملكوا بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم ، وإن كان قتلاً جاز له الرّجوع عنه ، تغليباً لحقن الدّماء ما أمكن ، وإن كان فداءً أو منّاً لم يعمل بالثّاني ، لاستلزامه نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجبٍ ، إلاّ إذا كان اختياره أحدهما لسببٍ ثمّ زال السّبب ، وتعيّنت المصلحة في الثّاني عمل بقضيّته . وليس هذا نقض اجتهادٍ باجتهادٍ ، بل بما يشبه النّصّ ، لزوال موجبه الأوّل بالكلّيّة . ما يكون به الاختيار : 30 - وأمّا توقّف الاختيار على لفظٍ ، فإنّ الاسترقاق لا بدّ فيه من لفظٍ يدلّ عليه ، ولا يكفي فيه مجرّد الفعل ، وكذا الفداء ، نعم يكفي فيه لفظٌ ملتزمٌ البدل مع قبض الإمام له من غير لفظٍ ، بخلاف الخصلتين الأخريين لحصولهما بمجرّد الفعل . إسلام الأسير : 31 - إذا أسلم الأسير بعد أسره وقبل قضاء الإمام فيه القتل أو المنّ أو الفداء ، فإنّه لا يقتل إجماعاً ، لأنّه بالإسلام قد عصم دمه . أمّا استرقاقه ففيه رأيان : فالجمهور ، وقولٌ للشّافعيّة ، واحتمالٌ للحنابلة أنّ الإمام فيه مخيّرٌ فيما عدا القتل ، لأنّه لمّا سقط القتل بإسلامه بقيت باقي الخصال . والقول الظّاهر للحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّة أنّه يتعيّن استرقاقه ، لأنّ سبب الاسترقاق قد انعقد بالأسر قبل إسلامه ، فصار كالنّساء والذّراريّ ، فيتعيّن استرقاقه فقط ، فلا منّ ولا فداء ، ولكن يجوز أن يفادي به لتخليصه من الرّقّ . أموال الأسير : 32 - الحكم في مال الأسير مبنيٌّ على الحكم في نفسه ، فلا عصمة له على ماله وما معه ، فهو فيءٌ لكلّ المسلمين ما دام أسر بقوّة الجيش ، أو كان الأسر مستنداً لقوّة الجيش ، ولو أسلم بعد أسره واسترقّ تبعه ماله ، أمّا لو كان إسلامه في دار الحرب قبل أخذه ، ولم يخرج إلينا حتّى ظهرنا على الدّار ، عصم نفسه وصغاره وكلّ ما في يده من مالٍ ، لحديث « من أسلم على مالٍ فهو له » وذلك باتّفاق المذاهب بالنّسبة للمنقول ، وكذا العقار عند المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة ، والحنابلة . وقال أبو حنيفة : وخرج عقاره لأنّه في يد أهل الدّار وسلطانها فيكون غنيمةً . وقيل : إنّ محمّداً جعله كسائر ماله . وإذا قال الأمير : من خرج من أهل العسكر فأصاب شيئاً فله من ذلك الرّبع ، وسمع هذه المقالة أسيرٌ من أهل الحرب ، فخرج فأصاب شيئاً فذلك كلّه للمسلمين ، لأنّ الأسير فيءٌ لهم وكسب العبد لمولاه . 33 - وإذا وقع السّبي في سهم رجلٍ من المسلمين ، فأخرج مالاً كان معه لم يعلم به ، فينبغي للّذي وقع في سهمه أن يردّه في الغنيمة ، لأنّ الأمير إنّما ملّكه بالقسمة رقبة الأسير لا ما معه من المال ، فإنّ ذلك لم يكن معلوماً له ، وهو مأمورٌ بالعدل في القسمة ، وإنّما يتحقّق العدل إذا كانت القسمة لا تتناول إلاّ ما كان معلوماً . ويروى أنّ رجلاً اشترى جاريةً من المغنم ، فلمّا رأت أنّها قد خلصت له أخرجت حليّاً كان معها ، فقال الرّجل : ما أدري هذا ؟ وأتى سعد بن أبي وقّاصٍ فأخبره فقال : اجعله في غنائم المسلمين . لأنّ المال الّذي مع الأسير كان غنيمةً ، وفعل الأمير تناول الرّقبة دون المال ، فبقي المال غنيمةً . وهذا الحكم يصدق أيضاً على الدّيون والودائع الّتي له لدى مسلمٍ أو ذمّيٍّ . فإن كانت لدى حربيٍّ فهي فيءٌ للغانمين . 34 - وإذا كان على الأسير دينٌ لمسلمٍ أو ذمّيٍّ قضي من ماله الّذي لم يغنم قبل استرقاقه ، فإنّ حقّ الدّين مقدّمٌ على حقّ الغنيمة ، إلاّ إذا سبق الاغتنام رقّه . ولو وقعا معاً فالظّاهر - على ما قال الغزاليّ من الشّافعيّة - تقديم الغنيمة ، فإن لم يكن مالٌ فهو في ذمّته إلى أن يعتق . بم يعرف إسلامه : 35 - روي أنّه لمّا أسر المسلمون بعض المشركين وتكلّم بعضهم بالإسلام دون اعترافٍ جازمٍ ، بيّن اللّه أمرهم بقوله : { يا أيّها النّبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً ممّا أخذ منكم ويغفر لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ . وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم } . وإذا كان القرآن كشف نيّات بعض الأسرى لرسوله ، فإنّ المحاربين من المسلمين لم يؤمروا بالبحث عن هذه النّيّات ، ولقد حدّث المقداد بن الأسود أنّه قال :« يا رسول اللّه ، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفّار فقاتلني ، فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها ، ثمّ لاذ منّي بشجرةٍ فقال : أسلمت للّه ، أفأقتله يا رسول اللّه بعد أن قالها ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله . قال فقلت : يا رسول اللّه إنّه قطع يدي ، ثمّ قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لا تقتله ، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال » . وبمثل ذلك قال الرّسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيدٍ فيما رواه مسلمٌ : « أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها أم لا » . ولذا فإنّ الفقهاء قالوا : لو أنّ المسلمين أخذوا أسراء من أهل الحرب فأرادوا قتلهم ، فقال رجلٌ منهم : أنا مسلمٌ ، فلا ينبغي لهم أن يقتلوه حتّى يسألوه عن الإسلام ، فإن وصفه لهم فهو مسلمٌ ، وإن أبى أن يصفه فإنّه ينبغي للمسلمين أن يصفوه له ، ثمّ يقولوا له : هل أنت على هذا ؟ فإن قال : نعم ، فهو مسلمٌ ، ولو قال : لست بمسلمٍ ولكن ادعوني إلى الإسلام حتّى أسلم لم يحلّ قتله . أسرى البغاة : 36 - البغي في اللّغة : مصدر بغى ، وهو بمعنى علا وظلم وعدل عن الحقّ واستطال . ومنه قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه } . والبغاة في الاصطلاح : هم الخارجون على الإمام الحقّ بغير حقٍّ ولهم منعةٌ . ويجب قتالهم لردعهم لا لقتلهم وسنتصدّى للكلام عن حكم أسراهم . 37 - أسرى البغاة تعاملهم الشّريعة الإسلاميّة معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم لمجرّد دفعهم عن المحاربة ، وردّهم إلى الحقّ ، لا لكفرهم . روي عن ابن مسعودٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « يا ابن أمّ عبدٍ ما حكم من بغى على أمّتي ؟ قال : فقلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : لا يتبع مدبرهم ، ولا يذفّف على جريحهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يقسم فيؤهم » . 38 - وقد اتّفق الفقهاء على عدم جواز سبي نساء البغاة وذراريّهم . بل ذهب بعض الفقهاء إلى قصر الأسر على الرّجال المقاتلين وتخلية سبيل الشّيوخ والصّبية ، وقد روي أنّ عليّاً رضي الله عنه لمّا وقع القتال بينه وبين معاوية ، قرّر عليٌّ عدم السّبي وعدم أخذ الغنيمة ، فاعترض عليه بعض من كانوا في صفوفه ، فقال ابن عبّاسٍ لهم : أفتسبون أمّكم عائشة ؟ أم تستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها . فإن قلتم ليست أمّكم كفرتم ، لقوله تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } وإن قلتم : إنّها أمّكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم ، لقوله تعالى { وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً } . فلا يستباح منهم إلاّ بقدر ما يدفع القتال ويبقى حكم المال والذّرّيّة على أصل العصمة . ولفقهاء المذاهب تفصيلٌ في حكم أسرى البغاة . 39 - ويتّفق الفقهاء على عدم استرقاق أسرى البغاة ، لأنّ الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداءً ، وقد روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّه قال يوم الجمل :" لا يقتل أسيرهم ، ولا يكشف سترٌ ، ولا يؤخذ مالٌ " أي لا يسترقّون ولذا فإنّه لا تسبى نساؤهم ولا ذراريّهم . والأصل أنّ أسيرهم لا يقتل لأنّه مسلمٌ ، وقد نصّ على تحريم ذلك كلٌّ من الشّافعيّة والحنابلة ، حتّى قال الحنابلة : وإن قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أساراهم ، لأنّهم لا يقتلون بجناية غيرهم ، ويتّجه المالكيّة وجهة الشّافعيّة والحنابلة في عدم قتل الأسرى . غير أنّه جاء في بعض كتب المالكيّة : أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ، فإن لم يتب قتل . وقيل : يؤدّب ولا يقتل وإن كانت الحرب قائمةً فللإمام قتله . ولو كانوا جماعةً ، إذا خاف أن يكون منهم ضررٌ . أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين ما إذا كان لأسرى البغاة فئةٌ ، وبين ما إذا لم تكن لهم فئةٌ ، فقالوا : لو كان للبغاة فئةٌ أجهز على جريحهم ، واتّبع هاربهم لقتله أو أسره ، فإن لم يكن له فئةٌ فلا ، والإمام بالخيار في أسرهم إن كان له فئةٌ : إن شاء قتله لئلاّ ينفلت ويلحق بهم ، وإن شاء حبسه حتّى يتوب أهل البغي ، قال الشرنبلالي : وهو الحسن ، لأنّ شرّه يندفع بذلك ، وقالوا : إنّ ما قاله عليٌّ رضي الله عنه من عدم قتل الأسير مؤوّلٌ بما إذا لم يكن لهم فئةٌ ، وقالوا : إنّ عليّاً كان إذا أخذ أسيراً استحلفه ألاّ يعين عليه وخلاّه ، أمّا إذا لم تكن لهم فئةٌ فلا يقتل أسيرهم . والمرأة من أهل البغي إذا أسرت وكانت تقاتل حبست ولا تقتل ، إلاّ في حال مقاتلتها . وكذا العبيد والصّبيان . 40 - ويتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز فداؤهم نظير مالٍ ، وإنّما إذا تركهم مع الأمن كان مجّاناً ، لأنّ الإسلام يعصم النّفس والمال ، كما أنّه لا يجوز للإمام موادعتهم على مالٍ ، وإن وادعهم على مالٍ بطلت الموادعة ونظر في المال ، فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم يردّه عليهم ، وصرف الصّدقات في أهلها ، والفيء في مستحقّيه ، وإن كان من خالص أموالهم وجب ردّه عليهم . 41 - ويجوز مفاداتهم بأسارى أهل العدل ، وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الّذين معهم وحبسوهم ، قال ابن قدامة : احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ، ليتوصّلوا إلى تخليص أساراهم ، ويحتمل ألاّ يجوز حبسهم ويطلقون ، لأنّ المترتّب في أسارى أهل العدل لغيرهم . 42 - وعلى ما سبق من عدم جواز قتلهم ، فإنّهم يحبسون ولا يخلّى سبيلهم ، إن كان فيهم منعةٌ ، ولو كان الأسير صبيّاً أو امرأةً أو عبداً إن كانوا مقاتلين ، وإلاّ أطلقوا بمجرّد انقضاء الحرب ، وينبغي عرض التّوبة عليهم ومبايعة الإمام . ولو كانوا مراهقين وعبيداً ونساءً غير مقاتلين أو أطفالاً أطلقوا بعد الحرب دون أن نعرض عليهم مبايعة الإمام . وفي وجهٍ عند الحنابلة يحبسون ، لأنّ فيه كسراً لقلوب البغاة . وقالوا : إن بطلت شوكتهم ويخاف اجتماعهم في الحال ، فالصّواب عدم إرسال أسيرهم والحالة هذه . أسرى الحربيّين إذا أعانوا البغاة : 43 - قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا استعان البغاة على قتالنا بقومٍ من أهل الحرب وأمّنوهم ، أو لم يؤمنوهم ، فظهر أهل العدل عليهم ، فوقعوا في الأسر عند أهل العدل ، أخذوا حكم أسرى أهل الحرب ، واستثنى الشّافعيّة ما إذا قال الأسير : ظننت جواز إعانتهم ، أو أنّهم على حقٍّ ولي إعانة المحقّ ، وأمكن تصديقه فإنّه يبلّغ مأمنه ، ثمّ يقاتل كالبغاة . الأسرى من أهل الذّمّة إذا أعانوا البغاة : 44 - إذا استعان البغاة على قتالنا بأهل الذّمّة ، فوقع أحدٌ منهم في الأسر ، أخذ حكم الباغي عند الحنفيّة ، فلا يقتل إذا لم تكن له فئةٌ ، ويخيّر الإمام إذا كانت له فئةٌ ، ولا يجوز استرقاقه . وقال المالكيّة : إذا استعان الباغي المتأوّل بذمّيٍّ فلا يغرم الذّمّيّ ما أتلفه من نفسٍ أو مالٍ ، ولا يعدّ خروجه معه نقضاً للعهد . أمّا إن كان الباغي معانداً - أي غير متأوّلٍ - فإنّ الذّمّيّ الّذي معه يكون ناقضاً للعهد ، ويكون هو وماله فيئاً . وهذا إن كان مختاراً ، أمّا إن كان مكرهاً فلا ينتقض عهده ، وإن قتل نفساً يؤخذ بها ، حتّى لو كان مكرهاً . وقول الشّافعيّة في ذلك كقول المالكيّة . قالوا : لو أعان الذّمّيّون البغاة في القتال ، وهم عالمون بالتّحريم مختارون انتقض عهدهم ، كما لو انفردوا بالقتال . أمّا إن قال الذّمّيّون : كنّا مكرهين ، أو ظننّا جواز القتال إعانةً ، أو ظننّا أنّهم محقّون فيما فعلوه ، وأنّ لنا إعانة المحقّ وأمكن صدقهم ، فلا ينتقض عهدهم ، لموافقتهم طائفةً مسلمةً مع عذرهم ، ويقاتلون كبغاةٍ . ومثلهم في ذلك المستأمنون ، على ما صرّح به الشّافعيّة . وللحنابلة قولان في انتقاض عهدهم ، أحدهما : ينتقض عهدهم ، لأنّهم قاتلوا أهل الحقّ فانتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتلهم . ويصيرون كأهل الحرب في قتل مقبلهم واتّباع مدبرهم وجريحهم . والثّاني : لا ينتقض ، لأنّ أهل الذّمّة لا يعرفون المحقّ من المبطل ، فيكون ذلك شبهةً لهم . ويكون حكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم ، والكفّ عن أسرهم ومدبرهم وجريحهم . وإن أكرههم البغاة على معونتهم ، أو ادّعوا ذلك قبل منهم ، لأنّهم تحت أيديهم وقدرتهم . وكذلك إن قالوا : ظننّا أنّ من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته ، لأنّ ما ادّعوه محتملٌ ، فلا ينتقض عهدهم مع الشّبهة . وإن فعل ذلك المستأمنون نقض عهدهم . والفرق بينهما أنّ أهل الذّمّة أقوى حكماً ، لأنّ عهدهم مؤبّدٌ ، ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم ، ويلزم الإمام الدّفع عنهم ، والمستأمنون بخلاف ذلك . وإذا أسر من يراد عقد الإمامة له ، وكان لا يقدر على الخلاص من الأسر ، منع ذلك من عقد الإمامة له . أسرى الحرابة : 45 - المحاربون طائفةٌ من أهل الفساد ، اجتمعت على شهر السّلاح وقطع الطّريق ، ويجوز حبس من أسر منهم لاستبراء حاله ، ومن ظفر بالمحارب فلا يلي قتله ، ويرفعه إلى الإمام . قال المالكيّة : إلاّ أن يخاف ألاّ يقيم الإمام عليه الحكم . ولا يجوز للإمام تأمينه ، وإن استحقّوا الهزيمة فجريحهم أسيرٌ ، والحكم فيهم للإمام ، مسلمين كانوا أو ذمّيّين عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وأحد قولين عند الحنابلة . وكذلك المستأمن عند أبي يوسف والأوزاعيّ . وموضع بيان ذلك مصطلح ( حرابةٌ ) . أسرى المرتدّين وما يتعلّق بهم من أحكامٍ : 46 - الرّدّة في اللّغة : الرّجوع ، فيقال : ارتدّ عن دينه إذا كفر بعد إسلامٍ . وتختصّ الرّدّة - في الاصطلاح الفقهيّ - بالكفر بعد الإسلام . وكلّ مسلمٍ ارتدّ فإنّه يقتل إن لم يتب ، إلاّ المرأة عند الحنفيّة فإنّها تحبس ، ولا يترك المرتدّ على ردّته بإعطاء الجزية ولا بأمانٍ ، ولا يجوز استرقاقه حتّى لو أسر بعد أن لحق بدار الحرب ، بخلاف المرأة فإنّها تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، على تفصيلٍ بين المذاهب موضعه مصطلح ( ردّةٌ ) . 47 - وإذا ارتدّ جمعٌ ، وتجمّعوا وانحازوا في دارٍ ينفردون بها عن المسلمين ، حتّى صاروا فيها ذوي منعةٍ وجب قتالهم على الرّدّة بعد مناظرتهم على الإسلام ، ويستتابون وجوباً عند الحنابلة والشّافعيّة ، واستحباباً عند الحنفيّة ، ويقاتلون قتال أهل الحرب ، ومن أسر منهم قتل صبراً إن لم يتب ، ويصرّح الشّافعيّة بأنّنا نبدؤهم بالقتال إذا امتنعوا بنحو حصنٍ . ولا يجوز أن يسترقّ رجالهم ، ولكن تغنم أموالهم ، وتسبى ذراريّهم الّذين حدثوا بعد الرّدّة ، لأنّها دارٌ تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار حربٍ ، ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة ، ولا يصالحوا على مالٍ يقرّون به على ردّتهم ، بخلاف أهل الحرب . وقد سبى أبو بكرٍ رضي الله عنه ذراريّ من ارتدّ من العرب من بني حنيفة وغيرهم ، وسبى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بني ناجية . وإن أسلموا حقنت دماؤهم ، ومضى فيهم حكم السّباء على الصّبيان والنّساء ، فأمّا الرّجال فأحرارٌ لا يسترقّون ، وليس على الرّجال من أهل الرّدّة سبيٌ ولا جزيةٌ ، إنّما هو القتل أو الإسلام . وإن ترك الإمام السّباء وأطلقهم وعفا عنهم وترك لهم أرضهم وأموالهم فهو في سعةٍ . 48 - ويصرّح المالكيّة بعدم استتابة المرتدّين إن حاربوا بأرض الكفر أو بأرض الإسلام ، يقول ابن رشدٍ : إذا حارب المرتدّ ثمّ ظهر عليه فإنّه يقتل بالحرابة ، ولا يستتاب ، كانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب إلاّ أن يسلم ، فإن كانت حرابته في دار الحرب فهو عند مالكٍ كالحربيّ يسلم ، لا تباعة عليه في شيءٍ ممّا فعل في حال ارتداده . وأمّا إن كان حرابته في دار الإسلام فإنّه يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصّةً . وعن ابن القاسم قال : إذا ارتدّ جماعةٌ في حصنٍ فإنّهم يقاتلون ، وأموالهم فيءٌ للمسلمين ، ولا تسبى ذراريّهم . وقال أصبغ : تسبى ذراريّهم وتقسم أموالهم . وهذا الّذي خالفت فيه سيرة عمر سيرة أبي بكرٍ رضي الله عنهما في الّذين ارتدّوا من العرب ، فقد سبى أبو بكرٍ النّساء والصّغار ، وأجرى المقاسمة في أموالهم ، فلمّا ولي عمر نقض ذلك . 49 - ويتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الأسير المرتدّ يقتل إن لم يتب ويعد إلى الإسلام ، ولا فرق بين رجلٍ وامرأةٍ عند الأئمّة الثّلاثة . وروي ذلك عن أبي بكرٍ وعليٍّ ، وبه قال الحسن والزّهريّ والنّخعيّ ومكحولٌ ، لعموم حديث : « من بدّل دينه فاقتلوه » . 50 - ويرى الحنفيّة أنّ المرأة لا تقتل ، وإنّما تحبس حتّى تتوب . أمّا لو كانت المرأة تقاتل ، أو كانت ذات رأيٍ فإنّها تقتل اتّفاقاً . لكنّها عند الحنفيّة تقتل لا لردّتها ، بل لأنّها تسعى بالفساد . ويستدلّ الحنفيّة على عدم قتل المرأة المرتدّة إذا أخذت سبياً بما روي من قول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « الحق بخالد بن الوليد ، فلا يقتلنّ ذرّيّةً ولا عسيفاً » ، ولا فرق بين الكفر الأصليّ والكفر الطّارئ ، فإنّ الحربيّة إذا سبيت لا تقتل . 51 - ويتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّه لا يجوز أخذ الفداء من الأسرى المرتدّين ، ولا المنّ عليهم بأمانٍ مؤقّتٍ أو أمانٍ مؤبّدٍ ، ولا يترك على ردّته بإعطاء الجزية . كما يتّفقون على أنّ المرتدّ من الرّجال لا يجري فيه إلاّ : العودة إلى الإسلام أو القتل ، لأنّ قتل المرتدّ على ردّته حدٌّ ، ولا يترك إقامة الحدّ لمنفعة الأفراد . 52 - والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الرّقّ لا يجري على المرتدّة أيضاً ، وإن لحقت بدار الحرب ، لأنّه لا يجوز إمرار أحدٍ من المرتدّين على الكفر بالاسترقاق ، بينما يرى الحنفيّة أنّ المرتدّة تسترقّ بعد اللّحاق بدار الحرب ، ولا تسترقّ في دار الإسلام ، كما في ظاهر الرّواية ، وعن أبي حنيفة في النّوادر : أنّها تسترقّ في دار الإسلام أيضاً . وقالوا في تعليل ذلك : إنّه لم يشرع قتلها ، ولا يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلاّ مع الجزية أو مع الرّقّ ، ولا جزية على النّساء ، فكان إبقاؤها على الرّقّ أنفع . وقد استرق الصّحابة نساء من ارتدّ . 53 - وبالنّسبة لأصحاب الأعذار من الأسرى المرتدّين ، فإنّهم يقتلون أيضاً . ونقل السّرخسيّ قولاً بأنّ حلول الآفة بمنزلة الأنوثة ، لأنّه تخرج به بنيته ( هيئته وجسمه ) من أن تكون صالحةً للقتال ، فعلى هذا لا يقتلون بعد الرّدّة ، كما لا يقتلون في الكفر الأصليّ . وعلى قول من يرى وجوب قتل المرتدّة - إذا كانت الأسيرة المرتدّة ذات زوجٍ ، وهي من ذوات الحيض - فإنّها تستبرأ بحيضةٍ قبل قتلها خشية أن تكون حاملاً ، فإن ظهر بها حملٌ أخّرت حتّى تضع ، فإن كانت ممّن لا تحيض استبرئت بثلاثة أشهرٍ إن كانت ممّن يتوقّع حملها ، وإلاّ قتلت بعد الاستتابة . أسرى المسلمين في يد الأعداء : استئسار المسلم وما ينبغي لاستنقاذه عند تترّس الكفّار به : أ - الاستئسار : 54 - الاستئسار هو تسليم الجنديّ نفسه للأسر ، فقد يجد الجنديّ نفسه مضطرّاً لذلك . وقد وقع الاستئسار من بعض المسلمين على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعلم به الرّسول صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم . روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه بسنده قال : « بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشرةً رهطاً عيناً ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابتٍ الأنصاريّ ، فانطلقوا حتّى إذا كانوا بالهدأة - موضعٌ بين عسفان ومكّة - ذكروا لبني لحيان ، فنفروا لهم قريباً من مائتي رجلٍ كلّهم رامٍ ، فاقتصّوا أثرهم ، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابه لجئوا إلى فدفدٍ - موضعٍ غليظٍ مرتفعٍ - وأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا وأعطوا بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق ألاّ نقتل منكم أحداً ، قال عاصمٌ : أمّا أنا فواللّه لا أنزل اليوم في ذمّة كافرٍ ، اللّهمّ خبّر عنّا نبيّك ، فرموهم بالنّبل فقتلوا عاصماً في سبعةٍ ، فنزل إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق ، منهم خبيبٌ الأنصاريّ ، وزيد بن الدّثنة ، ورجلٌ آخر . فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فأوثقوهم ، فقال الرّجل الثّالث : هذا أوّل الغدر ، واللّه لا أصحبكم ، إنّ لي في هؤلاء لأسوةً - يريد القتلى - فجرّوه وعالجوه على أن يصحبهم - أي مارسوه وخادعوه ليتبعهم - فأبى فقتلوه ، وانطلقوا بخبيبٍ وابن الدّثنة حتّى باعوهما بمكّة ... » فعلم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بما حدث ، وعدم إنكاره يدلّ على أنّ الاستئسار في هذه الحالة مرخّصٌ فيه ، وقال الحسن : لا بأس أن يستأسر الرّجل إذا خاف أن يغلب . وإلى هذا اتّجه كلٌّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . 55 - وقد نصّ الشّافعيّة على شروطٍ يلزم توافرها لجواز الاستئسار هي : أن يخاف أن يترتّب على عدم الاستسلام قتله في الحال ، وألاّ يكون المستسلم إماماً ، أو عنده من الشّجاعة ما يمكنه من الصّمود ، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة . والأولى - كما نصّ عليه الحنابلة - إذا ما خشي المسلم الوقوع في الأسر أن يقاتل حتّى يقتل ، ولا يسلم نفسه للأسر ، لأنّه يفوز بثواب الدّرجة الرّفيعة ، ويسلم من تحكّم الكفّار عليه بالتّعذيب والاستخدام والفتنة ، وإن استأسر جاز ، لما روي عن أبي هريرة في الحديث المتقدّم . ب- استنقاذ أسرى المسلمين ومفاداتهم : 56 - إذا وقع المسلم أسيراً فهو حرٌّ على حاله ، وكان في ذمّة المسلمين ، يلزمهم العمل على خلاصه ، ولو بتيسير سبل الفرار له ، والتّفاوض من أجل إطلاق سراحه ، فإذا لم يطلقوا سراحه تربّصوا لذلك . وقد كان الرّسول صلوات الله وسلامه عليه يتحيّن الفرصة المناسبة لتخليص الأسرى . روت كتب السّيرة أنّ « قريشاً أسرت نفراً من المسلمين ، فلمّا لم يجد الرّسول صلى الله عليه وسلم حيلةً لإنقاذهم كان يدعو اللّه لإنقاذهم دبر كلّ صلاةٍ ، ولمّا أفلت أحدهم من الأسر ، وقدم المدينة ، سأله النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن رفيقيه فقال : أنا لك بهما يا رسول اللّه ، فخرج إلى مكّة فدخلها مستخفياً ، فلقي امرأةً علم أنّها تحمل الطّعام لهما في الأسر فتبعها ، حتّى استطاع تخليصهما ، وقدم بهما على الرّسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة » .« وقد استنقذ رسول اللّه كلاًّ من سعد بن أبي وقّاصٍ وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما ، وقد أسرهما المشركون ، بأن فاوض عليهما ، وحبس اثنين منهم حتّى يطلقوا سراحهما »،« وكذلك فعل في استنقاذ عثمان وعشرةٍ من المهاجرين رضي الله عنهم بعد صلح الحديبية ». وقد روى سعيدٌ بإسناده أنّ رسول اللّه قال : « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسراهم » . ويروى أنّ عمر بن الخطّاب قال : لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفّار أحبّ إليّ من جزيرة العرب . 57 - ويجب استنقاذ الأسرى بالمقاتلة ما دام ذلك ميسوراً ، فإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الأموال والذّراريّ والنّساء ، ثمّ علم بهم جماعة المسلمين ، ولهم عليهم قوّةٌ ، فالواجب عليهم أن يتّبعوهم ما داموا في دار الإسلام ، فإن دخلوا بهم دار الحرب ، فالواجب على المسلمين أن يتّبعوهم إذا غلب على رأيهم أنّهم يقدرون على استنقاذهم ، فإن شقّ عليهم القتال لتخليصهم فتركوه كانوا في سعةٍ من ذلك ، فإنّا نعلم أنّ في يد الكفّار بعض أسارى المسلمين ، ولا يجب على كلّ واحدٍ منّا الخروج لقتالهم لاستنقاذ الأسرى . 58 - والاستنقاذ إذا لم يتيسّر عن طريق القتال فإنّه يصحّ أن يكون عن طريق الفداء بتبادل الأسرى ، على ما سبق بيان القول فيه ، كما يصحّ أن يكون بالمال أيضاً ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أطعموا الجائع ، وعودوا المريض ، وفكّوا العاني » لأنّ ما يخاف من تعذيب الأسير أعظم في الضّرورة من بذل المال ، فجاز دفع أعظم الضّررين بأخفّهما . والحنفيّة على وجوب ذلك في بيت المال ، فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين أن يفتدوه . ونقل أبو يوسف عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال : " كلّ أسيرٍ كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه في بيت مال المسلمين " . وهو ما ذهب إليه المالكيّة ، كما نقله الموّاق عن ابن بشيرٍ من أنّه يجب في بيت المال ، فإن تعذّر فعلى عموم المسلمين ، والأسير كأحدهم ، فإن ضيّع الإمام والمسلمون ذلك وجب على الأسير من ماله ، وهو ما رواه ابن رشدٍ أيضاً . وفي المهذّب أنّه وجهٌ عند الشّافعيّة . والوجه الثّاني عند الشّافعيّة : أنّ بذل المال لفكّ أسرى المسلمين - إن خيف تعذيبهم - جائزٌ عند الضّرورة ، ويكون في مالهم ، ويندب عند العجز افتداء الغير له ، فمن قال لكافرٍ : أطلق هذا الأسير ، وعليّ كذا ، فأطلقه لزمه ، ولا يرجع على الأسير ما لم يأذن له في فدائه . 61 - وأسر المسلم الحرّ لا يزيل حرّيّته ، فمن اشتراه من العدوّ لا يملكه ، وإن اشتراه مسلمٌ بغير أمره فهو متطوّعٌ فيما أدّى من فدائه ، وإن اشتراه بأمره فإنّه يرجع عليه بالثّمن الّذي اشتراه به ، والقياس لا يرجع عليه إلاّ أن يشترط ذلك نصّاً . ويرى المالكيّة - كما يروي الموّاق - أنّ للمشتريّ أن يرجع عليه ، شاء أو أبى ، لأنّه فداءٌ ، فإن لم يكن له شيءٌ اتّبع به في ذمّته . ولو كان له مالٌ وعليه دينٌ ، فالّذي فداه واشتراه من العدوّ أحقّ به من غرمائه . أمّا إن كان يقصد الصّدقة ، أو كان الفداء من بيت المال فلا يرجع عليه ، وكذا إن كان الأسير يرجو الخلاص بالهروب أو التّرك . 62 - ولو خلّى الكفّار الأسير ، واستحلفوه على أن يبعث إليهم بفدائه ، أو يعود إليهم ، فإن كان هذا نتيجة إكراهٍ لم يلزمه الوفاء ، وإن لم يكره عليه وقدر على الفداء لزمه ، وبهذا قال عطاءٌ والحسن والزّهريّ والنّخعيّ والثّوريّ والأوزاعيّ ، لوجوب الوفاء ، ولأنّ فيه مصلحة الأسارى ، وفي الغدر مفسدةٌ في حقّهم . وقال الشّافعيّ : لا يلزمه ، لأنّه حرٌّ لا يستحقّون بدله . وأمّا إن عجز عن الفداء ، فإن كانت امرأةً فإنّه لا يحلّ لها الرّجوع إليهم ، لقوله تعالى { فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار } ، ولأنّ في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً . وإن كان رجلاً ، ففي روايةٍ عند الحنابلة لا يرجع ، وهو قول الحسن والنّخعيّ والثّوريّ والشّافعيّ . وفي الرّواية الثّانية عندهم يلزمه ، وهو قول عثمان والزّهريّ والأوزاعيّ ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين صالح قريشاً على ردّ من جاء منهم مسلماً أمضى اللّه ذلك في الرّجال ، ونسخه في النّساء ». ج - التّترّس بأسارى المسلمين : 63 - التّرس بضمّ التّاء : ما يتوقّى به في الحرب ، يقال : تترّس بالتّرس إذا توقّى به ، ومن ذلك تترّس المشركين بالأسرى من المسلمين والذّمّيّين في القتال ، لأنّهم يجعلونهم كالتّراس ، فيتّقون بهم هجوم جيش المسلمين عليهم ، لأنّ رمي المشركين - مع تترّسهم بالمسلمين - يؤدّي إلى قتل المسلمين الّذين نحرص على حياتهم وإنقاذهم من الأسر . وقد عني الفقهاء بهذه المسألة ، وتناولوها من ناحية جواز الرّمي مع التّترّس بالمسلمين أو الذّمّيّين ، كما تناولوها من ناحية لزوم الكفّارة والدّية ، وإليك اتّجاهات المذاهب في هذا : أ - رمي التّرس : 64 - من ناحية رمي التّرس : يتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان في ترك الرّمي خطرٌ محقّقٌ على جماعة المسلمين ، فإنّه يجوز الرّمي برغم التّترّس ، لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالذّبّ عن بيضة الإسلام ، وقتل الأسير ضررٌ خاصٌّ . ويقصد عند الرّمي الكفّار لا التّرس ، لأنّه إن تعذّر التّمييز فعلاً فقد أمكن قصداً ، ونقل ابن عابدين عن السّرخسيّ أنّ القول للرّامي بيمينه في أنّه قصد الكفّار ، وليس قول وليّ المقتول الّذي يدّعي العمد . أمّا في حالة خوف وقوع الضّرر على أكثر المسلمين فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء ، لأنّها حالة ضرورةٍ أيضاً ، وتسقط حرمة التّرس . ويقول الصّاويّ المالكيّ : ولو كان المسلمون المتترّس بهم أكثر من المجاهدين . وفي وجهٍ عند الشّافعيّة لا يجوز ، وعلّلوه بأنّ مجرّد الخوف لا يبيح الدّم المعصوم ، كما أنّه لا يجوز عند المالكيّة إذا كان الخوف على بعض الغازين فقط . 65 - وأمّا في حالة الحصار الّذي لا خطر فيه على جماعة المسلمين ، لكن لا يقدر على الحربيّين إلاّ برمي التّرس ، فجمهور الفقهاء من المالكيّة ، والشّافعيّة ، وجمهور الحنابلة ، والحسن بن زيادٍ من الحنفيّة على المنع ، لأنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ . ألا يرى أنّ للإمام ألاّ يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر . وذهب جمهور الحنفيّة ، والقاضي من الحنابلة إلى جواز رميهم ، وعلّل الحنفيّة ذلك بأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ ، وأنّه قلّما يخلو حصنٌ عن مسلمٍ ، واعتبر القاضي من الحنابلة أنّ ذلك من قبيل الضّرورة . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|