|
#11
|
||||
|
||||
|
سابعاً : الإفلاس :
15 - حقّ الغرماء يتعلّق بمال المفلس ، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ المشتري إذا حجر عليه لفلسٍ قبل أداء الثّمن الحالّ - والمبيع بيد البائع - فإنّ للبائع أن يحبسه عن المشتري ، ويكون أحقّ به من سائر الغرماء . أمّا إذا كان المشتري قد قبض المبيع ، ولم يدفع الثّمن ، ثمّ حجر عليه لفلسٍ ، ووجد البائع عين ماله الّذي باعه للمفلس ، فإنّه يكون أحقّ بالمبيع من سائر الغرماء ، ولا يسقط حقّه بقبض المشتري للمبيع ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً : « من أدرك ماله عند إنسانٍ أفلس فهو أحقّ به » ، وبه قال عثمان وعليٌّ . قال ابن المنذر : لا نعلم أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خالفهما . فإن شاء البائع استردّه من المشتري وفسخ البيع ، وإن شاء تركه وحاصّ باقي الغرماء بثمنه . وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . هذا مع مراعاة الشّروط الّتي وضعت لاسترداد عين المبيع ، ككونه باقياً في ملك المشتري ، ولم يتغيّر ، ولم يتعلّق به حقٌّ ... إلخ . وذهب الحنفيّة إلى أنّ حقّ البائع في المبيع يسقط بقبض المشتري له بإذنه ، ويصير أسوةً بالغرماء ، فيباع ويقسم ثمنه بالحصص ؛ لأنّ ملك البائع قد زال عن المبيع ، وخرج من ضمانه إلى ملك المشتري وضمانه ، فساوى باقي الغرماء في سبب الاستحقاق ، وإن كان المشتري قبضه بغير إذن البائع كان له استرداده . وإن كان البائع قبض بعض الثّمن ، فقال مالكٌ : إن شاء ردّ ما قبض وأخذ السّلعة كلّها ، وإن شاء حاصّ الغرماء فيما بقي . وقال الشّافعيّ : يأخذ من سلعته بما بقي من الثّمن . وقال جماعةٌ من أهل العلم : إسحاق وأحمد : هو أسوة الغرماء . ولو بذل الغرماء للبائع الثّمن فيلزمه أخذ الثّمن عند المالكيّة ، ولا كلام له فيه ، وعند الشّافعيّة : له الفسخ ؛ لما في التّقديم من المنّة ، وخوف ظهور غريمٍ آخر ، وقيل : ليس له الفسخ . وعند الحنابلة : لا يلزمه القبول من الغرماء ، إلاّ إذا بذله الغريم للمفلس ، ثمّ بذله المفلس لربّ السّلعة . وفي الموضوع تفصيلاتٌ كثيرةٌ تنظر في ( حجرٌ - إفلاسٌ ) . ثامناً : الموت : 16 - من مات وعليه ديونٌ تعلّقت الدّيون بماله ، وإذا مات مفلساً قبل تأدية ثمن ما اشتراه وقبضه ، ووجد البائع عين ماله في التّركة ، فقال الشّافعيّة : يكون البائع بالخيار ، بين أن يضرب مع الغرماء بالثّمن ، وبين أن يفسخ ، ويرجع في عين ماله ؛ لما روي عن « أبي هريرة أنّه قال في رجلٍ أفلس : هذا الّذي قضى فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أيّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه » فإن كانت التّركة تفي بالدّين ففيه وجهان : أحدهما ، وهو قول أبي سعيدٍ الإصطخريّ : له أن يرجع في عين ماله ، لحديث أبي هريرة ، والثّاني : لا يجوز أن يرجع في عين ماله ، وهو المذهب ؛ لأنّ المال يفي بالدّين ، فلم يجز الرّجوع في المبيع ، كالحيّ المليء . وعند الحنابلة والمالكيّة والحنفيّة : ليس للبائع الرّجوع في عين ماله ، بل يكون أسوة الغرماء ؛ لحديث أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « أيّما رجلٍ باع متاعه فأفلس الّذي ابتاعه ، ولم يقبض الّذي باعه من ثمنه شيئاً ، فوجد متاعه بعينه فهو أحقّ به ، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء » . ولأنّ الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة فأشبه . ما لو باعه . تاسعاً : الرّشد : 17 - يجب دفع المال إلى المحجور عليه إذا بلغ ورشد ، لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } حتّى لو منعه الوليّ ، أو الوصيّ منه حين طلبه ماله يكون ضامناً . وفي ذلك تفصيلٌ ( ر : رشدٌ - حجرٌ ) . صيغة الاسترداد : 18 - في العقد الفاسد ( وهو ما يجب فيه الفسخ والرّدّ ) يكون الفسخ بالقول ، كفسخت العقد أو نقضت أو رددت ، فينفسخ ولا يحتاج إلى قضاء القاضي ، ولا إلى رضى البائع ؛ لأنّ هذا البيع استحقّ الفسخ حقّاً للّه تعالى . ويكون الرّدّ بالفعل ، وهو أن يردّ المبيع على بائعه على أيّ وجهٍ ردّه . والرّجوع في الهبة - وهو استردادٌ - يكون بقول الواهب : رجعت في هبتي ، أو ارتجعتها ، أو رددتها ، أو عدت فيها . أو يكون بالأخذ بنيّة الرّجوع ، أو الإشهاد ، أو بقضاء القاضي كما هو عند الحنفيّة . كيفيّة الاسترداد : إذا ثبت حقّ الاسترداد لإنسانٍ في شيءٍ ما ، بأيّ سببٍ من الأسباب السّابق ذكرها ، فإنّ الاسترداد يتحقّق بعدّة أمورٍ : الأوّل : استرداد عين الشّيء : 19 - إذا كان ما يستحقّ استرداده قائماً بعينه فإنّه يردّ بعينه ، فالمغصوب ، والمسروق ، والمبيع بيعاً فاسداً ، والمفسوخ لخيارٍ ، أو لانقطاع مسلمٍ فيه ، أو لإقالةٍ ، كلّ هذا يستردّ بعينه ما دام قائماً . وكذلك الأمانات ، كالودائع والعواريّ تردّ بعينها ما دامت قائمةً ، ومثل ذلك ما انتهت مدّته في العقد كالإجارة ، والعاريّة المقيّدة بأجلٍ ، وما وجد بعينه عند المفلس وثبت استحقاقه ، وما يجوز الرّجوع فيه كالهبة . والأصل في ذلك قول اللّه تعالى : { إنّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتّى تردّ » . وقوله : « من وجد ماله بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحقّ به » . وردّ العين هو الواجب الأصليّ ( إلاّ ما جاء في القرض من أنّه لا يجب ردّ العين ، ولو كانت قائمةً ، وإن كان ذلك جائزاً ) على ما ذهب إليه الحنابلة والمالكيّة ، وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة . هذا إذا كانت العين قائمةً بعينها دون حدوث تغييرٍ فيها ، لكنّها قد تتغيّر بزيادةٍ ، أو نقصٍ ، أو تغيير صورةٍ ، فهل يؤثّر ذلك على استرداد العين ؟ أورد الفقهاء في ذلك صوراً كثيرةً ، وفروعاً متعدّدةً ، وأهمّ ما ورد فيه ذلك : البيع الفاسد ، والغصب والهبة . ونورد فيما يلي بعض القواعد الكلّيّة الّتي يندرج تحتها كثيرٌ من الفروع والمسائل . أوّلاً : بالنّسبة للبيع الفاسد والغصب : 20 - يتشابه الحكم في البيع الفاسد والغصب ، حيث إنّ البيع الفاسد يجب فيه الفسخ والرّدّ حقّاً للشّرع ، وكذلك المغصوب يجب ردّه ، وبيان ذلك فيما يلي : أ - التّغيير بالزّيادة : 21 - إذا تغيّر المبيع بيعاً فاسداً أو المغصوب بالزّيادة ، فإن كانت الزّيادة متّصلةً متولّدةً من الأصل ، كالسّمن والجمال ، أو كانت منفصلةً ، سواءٌ أكانت متولّدةً من الأصل ، كالولد واللّبن والثّمرة ، أم غير متولّدةٍ من الأصل ، كالهبة والصّدقة والكسب ، فإنّها لا تمنع الرّدّ ، وللمستحقّ أن يستردّ الأصل مع الزّيادة ؛ لأنّ الزّيادة نماء ملكه ، وتابعةٌ للأصل ، والأصل مضمون الرّدّ ، فكذلك التّبع . وهذا باتّفاق الفقهاء في الغصب ، وعند غير المالكيّة في المبيع بيعاً فاسداً . أمّا عند المالكيّة فإنّ المبيع بيعاً فاسداً يفوت بالزّيادة ، ولا يجب ردّ عينه . وإن كانت الزّيادة متّصلةً غير متولّدةٍ من الأصل ، كمن غصب ثوباً فصبغه ، أو سويقاً فلتّه بسمنٍ . فعند الحنفيّة : يمتنع الرّدّ في البيع الفاسد ؛ لتعذّر الفصل ، أمّا في الغصب فإنّ المالك بالخيار إن شاء ضمّنه قيمة الثّوب دون صبغٍ ، ومثله السّويق ، وإن شاء أخذهما وغرم ما زاد الصّبغ والسّمن فيهما ، وذلك رعايةٌ للجانبين . وعند المالكيّة . لا ردّ في البيع الفاسد ، وفي الغصب يخيّر المالك في الثّوب فقط ، أمّا السّويق فلا يستردّ ؛ لأنّه تفاضل طعامين . وعند الحنابلة والشّافعيّة : يردّ لصاحبه ، ويكونان شريكين في الزّيادة إن زاد بذلك ، ويقول الشّافعيّة : إن أمكن قلع الصّبغ أجبر عليه . ب - التّغيير بالنّقص : 22 - إذا كان التّغيير بالنّقص ، كما إذا نقص العقار بسكناه وزراعته ، وكتخرّق الثّوب ، فإنّه يردّ مع أرش النّقصان ، وسواءٌ أكان النّقصان بآفةٍ سماويّةٍ ، أم بفعل الغاصب والمشتري شراءً فاسداً ، وهذا باتّفاقٍ في الغصب ، وعند غير المالكيّة في البيع الفاسد حيث يعتبر التّغيير بالنّقص مانعاً للرّدّ وفوتاً عند المالكيّة ، كالزّيادة . ج - التّغيير بالصّورة والشّكل : 23 - وإذا تغيّرت صورة المستحقّ ، بأن كان شاةً فذبحها وشواها ، أو حنطةً فطحنها ، أو غزلاً فنسجه ، أو قطناً فغزله ، أو ثوباً فخاطه قميصاً ، أو طيناً جعله لبناً أو فخّاراً ، فعند الشّافعيّة والحنابلة : لا ينقطع حقّ صاحبه في الاسترداد ، ويجب ردّه لصاحبه ؛ لأنّه عين ماله ، وله مع ذلك أرش نقصه إن نقص بذلك . وعند الحنفيّة والمالكيّة : ينقطع حقّ صاحبه في استرداد عينه ، لأنّ اسمه قد تبدّل . د - التّغيير بالغرس والبناء في الأرض : 24 - والغرس والبناء في الأرض لا يمنع الاسترداد ، ويؤمر صاحب الغرس والبناء بقلع غرسه ، ونقض بنائه ، وردّ الأرض لصاحبها ، وهذا عند الحنابلة والشّافعيّة وأبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ، وهو الحكم أيضاً عند أبي حنيفة والمالكيّة في الغصب دون البيع الفاسد . فعند المالكيّة : يعتبر فوتاً في البيع الفاسد ، وعند أبي حنيفة : البناء والغرس حصلا بتسليطٍ من البائع ، فينقطع حقّه في الاسترداد . وعلى الجملة فإنّه عند الحنابلة والشّافعيّة : لا ينقطع حقّ المالك في استرداد العين إلاّ بالهلاك الكلّيّ ، وعند الحنفيّة : لا ينقطع حقّ الاسترداد في المستحقّ إلاّ إذا تغيّرت صورته وتبدّل اسمه . والأمر كذلك عند المالكيّة في الغصب ، أمّا في البيع الفاسد فإنّ الزّيادة والنّقصان والتّغيير يعتبر فوتاً ، ولا يردّ به المبيع . وفي الموضوع تفاصيل كثيرةٌ ومسائل متعدّدةٌ . ( ر : غصبٌ - بيعٌ - فسادٌ - فسخٌ ) . ثانياً : بالنّسبة للهبة : 25 - من وهب لمن يجوز الرّجوع عليه - على خلافٍ بين الفقهاء في ذلك ، تفصيله في الهبة - فإنّه يجوز للواهب أن يرجع في هبته ، ويستردّها ما دامت قائمةً بعينها . فإن زادت الهبة في يد الموهوب له ، فإمّا أن تكون زيادةً متّصلةً أو منفصلةً ، فإن كانت الزّيادة منفصلةً - كالولد والثّمرة - فهذه الزّيادة لا تمنع الاسترداد ، لكنّه يستردّ الأصل فقط ، دون الزّيادة . وهذا عند الحنابلة والشّافعيّة والحنفيّة . وإن كانت الزّيادة متّصلةً ، فإنّها لا تمنع الرّجوع عند الشّافعيّة ويرجع بالزّيادة . أمّا عند الحنابلة والحنفيّة : فإنّ الزّيادة المتّصلة تمنع الرّجوع في الهبة . وإذا نقصت الهبة في يد الواهب فإنّها لا تمنع الرّجوع ، وللواهب أن يستردّها من غير أرش ما نقص . والهبة بشرط ثوابٍ معلومٍ تصحّ ، فإن كان الثّواب مجهولاً لم تصحّ ، كما يقول الحنابلة والشّافعيّة ، وصارت كالبيع الفاسد ، وحكمها حكمه ، وتردّ بزوائدها المتّصلة والمنفصلة ؛ لأنّها نماء ملك الواهب . ومذهب المالكيّة يجيز للأب ، ولمن وهب هبةً لثوابٍ الرّجوع فيها ، إذا كانت قائمةً بعينها ، فإن حدث فيها تغييرٌ بزيادةٍ أو نقصٍ فلا تستردّ ، أو كان الولد الموهوب له تزوّج لأجل الهبة ، فذلك يمنع الرّجوع فيها . الثّاني : الإتلاف بواسطة المستحقّ : 26 - يعتبر إتلاف المالك ما يستحقّه عند واضع اليد عليه استرداداً له ، فالطّعام المغصوب إذا أطعمه الغاصب لمالكه ، فأكله عالماً أنّه طعامه برئ الغاصب من الضّمان ، واعتبر المالك مستردّاً لطعامه ؛ لأنّه أتلف ماله عالماً من غير تغريرٍ ، وهذا باتّفاقٍ . فإن لم يعلم المالك أنّه طعامه ، فعند الحنابلة ، وغير الأظهر عند الشّافعيّة : لا يبرأ الغاصب من الضّمان . وإذا قبض المشتري المبيع ، وثبت للبائع حقّ الاسترداد فيه لأيّ سببٍ ، فأتلفه في يد المشتري ، صار مستردّاً للمبيع بالاستهلاك . وإذا هلك الباقي من سراية جناية البائع يصير مستردّاً للجميع ، ويسقط عن المشتري جميع الثّمن ؛ لأنّ تلف الباقي حصل مضافاً إلى فعله فصار مستردّاً للكلّ . ولو قتل البائع المبيع يعتبر مستردّاً بالقتل ، وكذلك لو حفر البائع بئراً فوقع فيه ومات ؛ لأنّ ذلك في معنى القتل فيصير مستردّاً . من له حقّ الاسترداد : 27 - يثبت للمالك - إن كان أهلاً للتّصرّف - استرداد ما يستحقّ له عند غيره . وكما يثبت هذا الحقّ للمالك ، فإنّه يثبت لمن يقوم مقامه ، فالوليّ أو الوصيّ يقوم مقام المحجور عليه في تخليص حقّه من ردّ وديعةٍ ، ومغصوبٍ ، ومسروقٍ ، وما يشترى شراءً فاسداً ، وجمع الأموال الضّائعة ، وهو الّذي يقوم بالرّفع للحاكم إذا لم يمكنه الاسترداد . وإذا تبرّع الصّبيّ لا تنفذ تبرّعاته ، ويتعيّن على الوليّ ردّها . وكذلك الوكيل يقوم مقام موكّله فيما وكّل فيه ، والرّدّ على الوكيل حينئذٍ يكون كالرّدّ على الموكّل ، حيث إنّ الوكالة تجوز في الفسوخ ، وفي قبض الحقوق . ومثل ذلك ناظر الوقف ، فإنّه يملك ردّ التّصرّفات الّتي تضرّ بالوقف . والحاكم أو القاضي له النّظر في مال الغائب ، ويأخذ له المال من الغاصب والسّارق ويحفظه عليه ؛ لأنّ القاضي ناظرٌ في حقّ العاجز . 28 - كذلك للإمام حقّ الاسترداد ، فمن أقطعه الإمام شيئاً من الموات لم يملكه بذلك ، لكن يصير أحقّ به ، كالمتحجّر الشّارع في الإحياء ؛ لما روي من حديث بلال بن الحارث حيث استرجع عمر منه ما عجز عن إحيائه ، من العقيق الّذي أقطعه إيّاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ولو ملكه لم يجز استرجاعه . وكذلك ردّ عمر قطيعة أبي بكرٍ لعيينة بن حصنٍ ، فسأل عيينة أبا بكرٍ أن يجدّد له كتاباً فقال : لا ، واللّه لا أجدّد شيئاً ردّه عمر . لكن المقطع يصير أحقّ به من سائر النّاس ، وأولى بإحيائه ، فإن أحياه وإلاّ قال له السّلطان : ارفع يدك عنه . موانع الاسترداد : 29 - سقوط حقّ المالك أو من يقوم مقامه في الاسترداد لمانعٍ من الموانع يشمل ما يأتي : أ - سقوط الحقّ في استرداد العين مع سقوط الضّمان . ب - سقوط الحقّ في استرداد العين مع بقاء الحقّ في الضّمان . ج - سقوط الحقّ في استرداد العين والضّمان قضاءً لا ديانةً . أوّلاً : يسقط الحقّ في استرداد العين والضّمان بما يأتي : أ - حكم الشّرع : 30 - وذلك كالصّدقة ، فمن تصدّق بصدقةٍ فإنّه لا يجوز الرّجوع فيها ؛ لأنّ الصّدقة لإرادة الثّواب من اللّه عزّ وجلّ ، وقد قال سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه : من وهب هبةً على وجه الصّدقة فإنّه لا يرجع فيها . وهذا في الجملة ، لأنّ الرّأي الرّاجح عند الشّافعيّة أنّ الصّدقة للتّطوّع على الولد يجوز الرّجوع فيها . وكذلك لا يجوز الرّجوع في الهبة لغير الولد عند الجمهور ، وفي إحدى الرّوايتين عند أحمد : لا يجوز رجوع المرأة فيما وهبته لزوجها . ولذي الرّحم المحرم عند الحنفيّة ، وكذلك هبة أحد الزّوجين للآخر عندهم ، واستدلّ الجمهور بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده » . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الرّجل أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي لم يعوّض ، وصلة الرّحم عوضٌ معنًى ؛ لأنّ التّواصل سبب الثّواب في الدّار الآخرة ، فكان أقوى من المال . وكذلك الوقف إذا تمّ ولزم ، لا يجوز الرّجوع فيه ؛ لأنّه من الصّدقة ، وقد روى عبد اللّه بن عمر قال : « أصاب عمر أرضاً بخيبر ، فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها ، فقال : يا رسول اللّه إنّي أصبت أرضاً بخيبر لم أصب قطّ مالاً أنفس عندي منه ، فما تأمرني فيها ؟ فقال : إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها ، غير أنّه لا يباع أصلها ، ولا يبتاع ، ولا يوهب ، ولا يورث » . والخمر لا تستردّ ؛ لحرمة تملّكها للمسلم ، فلا يجوز له استردادها إن غصبت منه ، ويجب إراقتها ؛ لما روي أنّ أبا طلحة « سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أيتامٍ ورثوا خمراً ، فأمر بإراقتها » . ب - التّصرّف والإتلاف : 31 - الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها سواءٌ أكانت للابن أم للأجنبيّ - على اختلاف الفقهاء في ذلك - إذا تصرّف فيها الموهوب له أو أتلفها ، فإنّه يسقط حقّ الواهب في الرّجوع فيها مع سقوط الضّمان . ج - التّلف : 32 - ما كان أمانةً ، كالمال تحت يد الوكيل وعامل القراض ، وكالوديعة ، وكالعاريّة عند الحنفيّة والمالكيّة - إذا تلف دون تعدٍّ أو تفريطٍ - فإنّه يسقط حقّ المالك في الاسترداد مع سقوط الضّمان . ثانياً : ما يسقط الحقّ في استرداد العين مع بقاء الحقّ في الضّمان : 33 - استرداد العين هو الأصل لما يجب فيه الرّدّ ، كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، فما دام قائماً بعينه فإنّه يجب ردّه . بل إنّ القطع في السّرقة لا يمنع الرّدّ ، فيجتمع على السّارق : القطع وضمان ما سرقه ؛ لأنّهما حقّان لمستحقّين ، فجاز اجتماعهما ، فيردّ السّارق ما سرقه لمالكه إن بقي ؛ لأنّه عين ماله . وقد يحدث في العين ما يمنع ردّها وذلك باستهلاكها ، أو تلفها ، أو تغيّرها تغيّراً يخرجها عن اسمها ، وعندئذٍ يثبت الحقّ في الضّمان ( المثل أو القيمة ) وتفصيله في مصطلح ( ضمانٌ ) . ثالثاً : سقوط الحقّ في استرداد العين والضّمان قضاءً لا ديانةً : 34 - وذلك كما لو أنّ مسلماً دخل دار الحرب بأمانٍ ، فأخذ شيئاً من أموالهم لا يحكم عليه بالرّدّ ولا بالضّمان ، ويلزمه ذلك فيما بينه وبين اللّه جلّ جلاله . عودة حقّ الاسترداد بعد زوال المانع : 35 - ما وجب ردّه ثمّ بطل حقّ الاسترداد فيه لمانعٍ ، فإنّ هذا الحقّ يعود إذا زال المانع ؛ لأنّ المانع إذا زال عاد الممنوع ، ومن أمثلة ذلك : البيع الفاسد - حيث يجب فيه الرّدّ - إذا تصرّف فيه المشتري ببيعٍ سقط حقّ الرّدّ ، فإن ردّ على المشتري بخيار شرطٍ ، أو رؤيةٍ ، أو عيبٍ بقضاء قاضٍ ، وعاد على حكم الملك الأوّل عاد حقّ الفسخ والرّدّ ؛ لأنّ الرّدّ بهذه الوجوه فسخٌ محضٌ ، فكان دفعاً للعقد من الأصل وجعلاً له كأن لم يكن . أمّا لو اشتراه ثانياً ، أو عاد إليه بسببٍ مبتدأٍ لا يعود حقّ الفسخ ؛ لأنّ الملك اختلف لاختلاف السّبب ، فكان اختلاف الملكين بمنزلة اختلاف العقدين . هذا هو مذهب الحنفيّة ، ويسايره مذهب المالكيّة في عودة حقّ الاسترداد إذا زال المانع ، غير أنّهم يخالفون الحنفيّة في أنّه لو عاد المبيع الفاسد إلى المشتري بأيّ وجهٍ كان - سواءٌ كان عوده اختياريّاً أو ضروريّاً كإرثٍ - فإنّه يعود حقّ الاسترداد ، ما لم يحكم حاكمٌ بعدم الرّدّ ، أو كان الفوات راجعاً لتغيّر السّوق ، ثمّ عاد السّوق إلى حالته الأولى ، فلا يرتفع حكم السّبب المانع ، ولا يجب على المشتري الرّدّ . أمّا الحنابلة والشّافعيّة : فإنّ البيع الفاسد عندهم لا يحصل به الملك للمشتري ، ولا ينفذ فيه تصرّف المشتري ببيعٍ ولا هبةٍ ولا عتقٍ ولا غيره ، هو واجب الرّدّ ما لم يتلف فيكون فيه الضّمان . ومن ذلك : أنّه إذا وجبت الدّية في الجناية على منافع الأعضاء ، ثمّ عادت إلى حالتها الطّبيعيّة فإنّ الدّية تستردّ . وعلى ذلك : من جنى على سمع إنسانٍ فزال السّمع ، وأخذت منه الدّية ، ثمّ عاد السّمع ، وجب ردّ الدّية ؛ لأنّ السّمع لم يذهب ؛ لأنّه لو ذهب لما عاد . ومن جنى على عينين فذهب ضوءهما وجبت الدّية ، فإن أخذت الدّية ، ثمّ عاد الضّوء وجب ردّ الدّية . وهذا عند الجمهور ، وعند الحنفيّة خلافٌ بين أبي حنيفة وصاحبيه . ( ر : جنايةٌ - ديةٌ ) . أثر الاسترداد : 36 - الاسترداد حقٌّ من الحقوق الّتي تثبت نتيجةً لبعض التّصرّفات ، ففي الغصب يثبت للمغصوب منه حقّ الاسترداد من الغاصب ، وفي العاريّة يثبت للمعير حقّ الاسترداد من المستعير ، وفي الوديعة يثبت للمودع حقّ الاسترداد من المودع ، وفي الرّهن يثبت للرّاهن حقّ استرداد المرهون من المرتهن بعد وفاء الدّين . وما وجب ردّه بعينه كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، والأمانات حين طلبها إذا ردّت أو استردّها كلّها فإنّه يترتّب على ذلك ما يأتي : أ - البراءة من الضّمان ، فالغاصب يبرأ بردّ المغصوب ، والمودع يبرأ بردّ الوديعة ، وهكذا . ب - يعتبر الرّدّ فسخاً للعقد ، فردّ العاريّة الوديعة والمبيع بيعاً فاسداً يعتبر فسخاً للعقد . ج - ترتّب بعض الحقوق ، كثبوت الرّجوع بالثّمن لمن استحقّ بيده شيءٌ على من اشتراها منه . *استرسالٌ التعريف 1 - الاسترسال أصله في اللّغة : السّكون والثّبات . ومن معانيه لغةً : الاستئناس والطّمأنينة إلى الإنسان والثّقة به . ويستعمله الفقهاء بعدّة معانٍ : أ - بمعنى الطّمأنينة إلى الإنسان والثّقة به ، وذلك في البيع . ب - بمعنى الانسحاب واللّحاق والانجرار من الشّيء إلى غيره ، وذلك في الولاء . ج - بمعنى الانطلاق والانبعاث بدون باعثٍ ، وذلك في الصّيد . الحكم الإجماليّ : أوّلاً - بالنّسبة للبيع : 2 - المسترسل هو الجاهل بقيمة السّلعة ، ولا يحسن المبايعة ، قال الإمام أحمد : المسترسل : هو الّذي لا يماكس ، فكأنّه استرسل إلى البائع ، فأخذ ما أعطاه ، من غير مماكسةٍ ولا معرفةٍ بغبنه . وقد اختلف الفقهاء في ثبوت الخيار للمسترسل إذا غبن غبناً يخرج عن العادة . فعند المالكيّة والحنابلة : يثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « غبن المسترسل حرامٌ » . وعند الشّافعيّة ، وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة : لا يثبت له الرّدّ ؛ لأنّ المبيع سليمٌ ، ولم يوجد من جهة البائع تدليسٌ ، وإنّما فرّط المشتري في ترك التّأمّل ، فلم يجز له الرّدّ . وفي روايةٍ أخرى عند الحنفيّة : أنّه يفتى بالرّدّ إن حدث غررٌ ، وذلك رفقاً بالنّاس . وللفقهاء تفصيلٌ فيما يعتبر غبناً وما لا يعتبر ، وهل يقدّر بالثّلث أو أقلّ أو أكثر وغير ذلك ، يرجع إليه في مصطلح ( غبنٌ - خيارٌ ) . ثانياً : بالنّسبة للصّيد : 3 - يشترط لإباحة ما قتله الحيوان الجارح إرسال الصّائد له . فإذا استرسل من نفسه دون إرسال الصّائد فلا يحلّ ما قتله ، إلاّ إذا وجده غير منفوذ المقاتل فذكّاه . وهذا باتّفاق الفقهاء ، إلاّ أنّهم يختلفون فيما إذا أشلاه الصّائد - أي أغراه - أو زجره أثناء استرساله ، هل يحلّ أو لا ؟ على تفصيلٍ موطنه مصطلح ( صيدٌ - وإرسالٌ ) . ثالثاً : بالنّسبة للولاء : 4 - إذا تزوّج المملوك حرّةً مولاةً لقومٍ أعتقوها ، فولدت له أولاداً فهم موالٍ لموالي أمّهم ، ما دام الأب رقيقاً مملوكاً ، فإذا عتق الأب استرسل الولاء ( انجرّ وانسحب ) من موالي الأمّ إلى موالي العبد . أمّا لو ولدت الأمة قبل عتقها ، ثمّ عتقت بعد ذلك فلا ينسحب الولاء ؛ لأنّ الولد مسّه رقٌّ ، وهذا باتّفاقٍ . مواطن البحث : 5 - ينظر تفصيل هذه المواضيع في باب الخيار في البيع ، وفي باب الولاء ، وفي شروط حلّ الصّيد في باب الصّيد . *استرقاقٌ التعريف 1 - الاسترقاق لغةً : الإدخال في الرّقّ ، والرّقّ : كون الآدميّ مملوكاً مستعبداً . ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن ذلك . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الأسر والسّبي : 2 - الأسر هو : الشّدّ بالإسار ، والإسار : ما يشدّ به ، وقد يطلق الأسر على الأخذ ذاته . والسّبي هو : الأسر أيضاً ، ولكن يغلب إطلاق السّبي على أخذ النّساء والذّراريّ . والأسر والسّبي مرحلةٌ متقدّمةٌ على الاسترقاق في الجملة . وقد يتبعها استرقاقٌ أو لا يتبعها ، إذ قد يؤخذ المحارب ، ثمّ يمنّ عليه ، أو يفدى ، أو يقتل ولا يسترقّ . الحكم التّكليفيّ للاسترقاق : 3 - يختلف حكم الاسترقاق باختلاف المسترقّ ( بالفتح ) ، فإن كان الأسير ممّن يجوز قتله في الحرب فلا يجب استرقاقه ، بل يجوز ، ويكون النّظر فيه إلى الإمام ، إن رأى في قتله مصلحةً للمسلمين قتله ، وإن رأى في استرقاقه مصلحةً للمسلمين استرقّه ، كما يجوز المنّ والفداء أيضاً . أمّا إن كان ممّن لا يجوز قتله في الحرب فقد اختلف الفقهاء فيه على اتّجاهين : فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب استرقاقه ، بل إنّهم قالوا : إنّه يسترقّ بنفس الأسر . وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى جواز استرقاقه ، حيث يخيّر الإمام بين الاسترقاق وغيره ، كجعلهم ذمّةً للمسلمين ، أو المفاداة بهم ، أو المنّ عليهم - كما فعل الرّسول صلى الله عليه وسلم في فتح مكّة - على ما يرى من المصلحة في ذلك . وللتّفصيل ( ر : أسرى ) حكمة تشريع الاسترقاق : 4 - قال محمّد بن عبد الرّحمن البخاريّ شيخ صاحب الهداية : « الرّقّ إنّما ثبت في بني آدم لاستنكافهم من عبوديّتهم للّه تعالى الّذي خلقهم ، وكلّهم عبيده وأرقّاؤه ، فإنّه خلقهم وكوّنهم ، فلمّا استنكفوا عن عبوديّتهم للّه تعالى جزاهم برقّهم لعباده ، فإذا أعتقه فقد أعاده المعتق إلى رقّه حقّاً للّه تعالى خالصاً ، فعسى يرى هذه المنّة : أنّه لو استنكف من عبوديّته للّه تعالى لابتلي برقٍّ لعبيده ، فيقرّ للّه تعالى بالوحدانيّة ، ويفتخر بعبوديّته ، قال اللّه تعالى : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً للّه } . 5 - وكان طريق التّخلّص من الرّقّ الّذي انتهجه الإسلام يتلخّص في أمرين : الأمر الأوّل : حصر مصادر الاسترقاق بمصدرين اثنين لا ثالث لهما ، وإنكار أن يكون أيّ مصدر غيرهما مصدراً مشروعاً للاسترقاق : أحدهما : الأسرى والسّبي من حربٍ لعدوٍّ كافرٍ إذا رأى الإمام أنّ من المصلحة استرقاقهم . وثانيهما : ما ولد من أمٍّ رقيقةٍ من غير سيّدها ، أمّا لو كان من سيّدها فهو حرٌّ . الأمر الثّاني : فتح أبواب تحرير الرّقيق على مصاريعها ، كالكفّارات ، والنّذور ، والعتق تقرّباً إلى اللّه تعالى ، والمكاتبة ، والاستيلاد ، والتّدبير ، والعتق بملك المحارم ، والعتق بإساءة المعاملة ، وغير ذلك . من له حقّ الاسترقاق : 6 - اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الّذي له حقّ الاسترقاق أو المنّ أو الفداء هو الإمام الأعظم للمسلمين ، بحكم ولايته العامّة ، أو من ينيبه ، ولذلك جعل إليه أمر الخيار في الاسترقاق وعدمه . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|