|
#14
|
||||
|
||||
|
19 - والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقوّم الصّيد في المكان الّذي قتل فيه ، أو في أقرب المواضع منه ، ثمّ هو مخيّر في الفداء : إن شاء ابتاع بالقيمة هدياً وذبحه إن بلغت القيمة هدياً ، وإن شاء اشترى بها طعاماً وتصدّق به على المساكين . ويرى محمّد بن الحسن أنّه يجب في الصّيد النّظير فيما له نظير ، وما ليس له نظير تجب فيه القيمة عنده ، وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما . وهذا أيضاً رواية عن أحمد ، فجزاء الصّيد عنده ليس على التّخيير وإنّما هو على التّرتيب فيجب المثل أوّلاً ، فإن لم يجد أطعم ، فإن لم يجد صام . وقد روي هذا عن ابن عبّاس والثّوريّ ، ولأنّ هدي المتعة على التّرتيب ، وهذا آكد منه ، لأنّه بفعل محظور . وقال المالكيّة والشّافعيّة في الفدية الواجبة في صيد الحرم الّذي له مثل : يخيّر المتلف بين ذبح مثله والصّدقة به على مساكين الحرم ، وبين أن يقوّم دراهم ويشتري بها طعاماً لهم . وما ليس له مثل يتصدّق بقيمته طعاماً . والعبرة عندهم في تقدير قيمته بالنّسبة للمكان بمحلّ الإتلاف ، قياساً على كلّ متلف متقوّم ، وبالنّسبة للزّمان يوم إرادة تقويمه بمكّة لأنّها محلّ ذبحه لو أريد . وعند العدول إلى الطّعام : الظّاهر أنّ العبرة بسعره في مكّة ، وقيل العبرة في سعره بمحلّ الإتلاف . وهو ما صرّح به الحنابلة فإنّ الجزاء هو مثل ما قتل من النّعم ولو قتله لمخمصة ، وقالوا : إنّ الجزاء يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين ، ولقاتل الصّيد أن يختار إخراج المثل أو كفّارة طعام مساكين .
20 - كما يصرّح المالكيّة والشّافعيّة أيضاً بأنّه يحرم بالحرم والإحرام إتلاف أجزاء الصّيد ، لأنّ ما ضمن جميعه بالبدل ضمن أجزاؤه كالآدميّ ، وأنّه إذا كان بيد المحرم أو رفقته ، ولم يرفع يده عنه حتّى مات ، لزمه الجزاء . وقد صرّح الحنابلة بذلك أيضاً . 21 - ولو أتلف المحرم الصّيد بأن ذبحه ثمّ أكله ضمنه للقتل دون الأكل عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لأنّه صيد مضمون بالجزاء ، فلم يضمن ثانياً ، كما لو أتلفه بغير الأكل . وقال عطاء وأبو حنيفة : يضمنه للأكل أيضاً ، لأنّه أكل من صيد محرّم عليه ، فيضمنه . وتفصيل كلّ ذلك في محظورات الإحرام ، وجزاء صيد الحرم . 22 - وبالنّسبة لنبات الحرم قالوا : إنّه يحظر قطع الأخضر من حشيش الحرم ، وما نبت فيه من غير إنبات ، إلاّ الإذخر اتّفاقاً ، لما روى ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ اللّه تعالى حرّم مكّة ، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفّر صيدها . فقال العبّاس رضي الله عنه : إلاّ الإذخر ؟ فقال : إلاّ الإذخر » وقاسوا عليه ما يحتاج إليه للتّداوي . 23 - وقال جمهور الفقهاء غير المالكيّة : إنّ الجزاء في إتلافه هو على ما قيل في صيد الحرم ، لأنّه مثله في التّحريم ، لكنّ المالكيّة لم يفرّقوا في الحظر بين الأخضر واليابس ، كما أنّهم لم يرتّبوا جزاءً على قاطع ما حرم قطعه ، لأنّه قدر زائد على التّحريم ، يحتاج لدليل خاصّ . وقالوا : ليس فيه إلاّ الاستغفار . 24 - وقد نصّ الشّافعيّة على أنّ من قطع حشيش الحرم ، فنبت مكانه ، لم يلزمه الضّمان قولاً واحداً ، لأنّه يستخلف عادةً ، فهو كسنّ الصّبيّ إذا قلعها فنبت مكانها مثلها ، بخلاف غصن الشّجر . 25 - وقال الحنفيّة والحنابلة في وجه : لا يجوز رعي حشيش الحرم ، لأنّ ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه . كالصّيد . وقال الشّافعيّة ، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة : يجوز ، لأنّ الهدي كان يدخل الحرم فيكثر فيه ، ولم ينقل أنّها كانت تسدّ أفواهها ، ولأنّ بهم حاجةً إلى ذلك . وتفصيل ذلك في ( الإحرام ) . ( محلّ الإتلاف ) : 26 - الإتلاف لا يخلو إمّا أن يرد على آدميّ ، وإمّا أن يرد على غيره من الحيوانات والنّباتات والجمادات . فإن ورد على آدميّ فحكمه في النّفس وما دونها موضع بيانه عند الكلام عن الجنايات ، وإن ورد على غير آدميّ حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً ، فإن كان مالاً مباحاً ليس فيه ملك لأحد فلا يضمن بالإتلاف - مع ملاحظة ما قيل بالنّسبة لصيد الحرم ونباته - وكذا إذا كان مملوكاً لحربيّ فإنّه لا يضمن بالإتلاف . وإن كان مالاً محترماً مملوكاً وجب الضّمان لأنّ الإتلاف اعتداء وإضرار . وقد قال اللّه تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وقال صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » ، وقد تعذّر نفي الضّرر من حيث الصّورة فيجب نفيه من حيث المعنى بالضّمان ، ليقوم الضّمان مقام المتلف ، فينتفي الضّرر بالقدر الممكن . ولهذا وجب الضّمان بالغصب ، فبالإتلاف أولى ، سواء وقع الإتلاف له صورةً ومعنًى بإخراجه عن كونه صالحاً للانتفاع ، أو معنًى بإحداث معنًى فيه يمنع من الانتفاع به مع قيامه في نفسه حقيقةً ، لأنّ كلّ ذلك اعتداء وإضرار . ( طرق الإتلاف ) : 27 - الإتلاف إمّا بالمباشرة وإمّا بالتّسبّب . والتّسبّب يكون بالفعل في محلّ يفضي إلى تلف غيره عادةً . وكلاهما يوجب الضّمان ، لأنّ كلّ واحد منهما يقع اعتداءً وإضراراً أيضاً . ويبيّن ذلك ابن رجب بقوله : أسباب الضّمان ثلاثة ، فذكر منها الإتلاف ، ثمّ قال : المراد بالإتلاف أن يباشر الإتلاف بسبب يقتضيه ، كالقتل والإحراق ، أو ينصبّ سبباً عدواناً فيحصل به الإتلاف ، كأن يؤجّج ناراً في يوم ريح عاصف ، فيتعدّى إلى إتلاف مال الغير ، أو فتح قفصاً عن طائر فطار ، لأنّه تسبّب إلى الإتلاف بما يقتضيه عادةً ، وأطال في البيان والتّفريع . والإتلاف بالمباشرة هو الأصل . ومعظم صور الإتلاف من أمثلته . الإتلاف بالتّسبّب : 28 - الإتلاف بالتّسبّب يترتّب عليه موجبه : الضّمان في الماليّات ، والجزاء في غيرها ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء . ولكنّهم اختلفوا في تطبيق هذا المبدأ في بعض الفروع دون بعض ، فمثلاً : عند المالكيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن ، وهو قول للشّافعيّة : لو أنّ إنساناً فتح قفصاً فيه طائر ، فطار أو ذهب عقب فتحه ، والمباشرة إنّما حصلت ممّن لا يمكن إحالة الحكم عليه ، لزمه الضّمان ، كما لو نفّر الطّائر ، أو أهاج الدّابّة ، أو سلّط كلباً على صبيّ فقتله ، لأنّ الطّائر ونحوه من طبعه النّفور ، وإنّما يبقى بالمانع ، فإذا أزيل المانع ذهب بطبعه ، فكان ضمانه على من أزال المانع . وكذلك بالنّسبة لمن شقّ زقّ إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك . أمّا إن فتح القفص ، وحلّ الفرس ، فبقيا واقفين ، فجاء إنسان فنفّرهما فذهبا ، فالضّمان على منفّرهما ، لأنّ سببه أخصّ ، فاختصّ به الضّمان ، كالدّافع شخصاً إلى بئر مع الحافر للبئر ، فالإتلاف ينسب للدّافع . قال أبو حنيفة وأبو يوسف وهو قول للشّافعيّة لا يضمن من حلّ رباط الفرس ، أو فتح قفص الطّائر ، إلاّ أن يكون أهاجهما حتّى ذهبا ، لأنّ مجرّد الفتح ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبّباً ملجئاً ، لأنّ الطّير مختار في الطّيران فكان الطّيران مضافاً إلى اختياره والفتح سبباً غير ملجئ فلا حكم له . بخلاف شقّ الزّقّ ، لأنّ المائع سيّال بطبعه بحيث لا يوجد منه الاستمساك عند عدم المانع إلاّ على نقض العادة ، فكان الفتح تسبّباً للتّلف ، فيجب الضّمان . وكذا إذا حلّ رباط الدّابّة ، أو فتح باب الإصطبل . وقد ذكرت هذه الأمثلة لتكون دلالةً على اتّجاهات الفقهاء في تطبيق مبدإ التّسبّب . وأطال الفقهاء في التّفريع وذكر الصّور في بابي الغصب والضّمان . ما تتلفه الدّوابّ : 29 - إذا أتلفت الدّابّة زرعاً للغير ، وكان ذلك ليلاً ، ضمن صاحبها عند الجمهور ، لأنّ فعلها منسوب إليه ، وعليه تعهّدها وحفظها ، ولأنّ نفع أكلها من الزّرع عائد عليه . وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة أنّه لا يضمن . لما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « العجماء جرحها جبار » ولأنّها أفسدت وليست يده عليها فلم يلزمه الضّمان ، كما لو كان الإتلاف نهاراً ، أو أتلفت غير الزّرع . واستدلّ الجمهور بما روى مالك « أنّ ناقةً للبراء دخلت حائط قوم ، فأفسدت ، فقضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ على أهل الأموال حفظها بالنّهار ، وما أفسدته باللّيل فهو مضمون عليهم » ، ولأنّ العادة من أهل المواشي إرسالها في النّهار للرّعي وحفظها ليلاً ، وعادة أهل الحوائط ( البساتين ) والزّروع حفظها نهاراً دون اللّيل ، فإذا ذهبت ليلاً كان التّفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ . 30 - أمّا إذا أتلفت الزّرع نهاراً ، وكانت وحدها ، فلا ضمان عند الجمهور ، إذ العادة الغالبة حفظ الزّرع نهاراً ، فكان التّفريط من أهل الزّرع . ونصّ الشّافعيّة على أنّ الحكم يتغيّر بتغيّر العادة . وقيّد المالكيّة هذا الحكم بما إذا كانت الدّابّة لم تعرف بالاعتداء ، وإلاّ ضمن لعدم حفظها بربطها ربطاً محكماً . 31 - وإذا أتلفت الدّابّة شيئاً غير الزّرع ، وكان معها راع فيه كفاية الحفظ ، أو معها من له يد عليها ولم يمنعها فإنّه يضمن اتّفاقاً ما أتلفته من زرع وغيره أمّا إذا كانت وحدها فقد ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه لا يضمن مالكها ، لأنّها لا تتلف غير الزّرع عادةً ، ولحديث « العجماء جبار » كما أنّه لو جمحت الدّابّة بالرّاكب ، ولم يقدر على ردّها ، فإنّه لا يضمن ، كالمنفلتة ، لأنّ الرّاكب حينئذ ليس بمسير لها ، فلا يضاف سيرها إليه . وقال المالكيّة : لا ضمان إلاّ إذا كانت من شأنها الاعتداء ، فإنّه يضمن حيث فرّط في حفظها . أمّا الشّافعيّة فالمعتمد عندهم الضّمان . 32 - ما تقدّم كلّه خاصّ بما يمكن منعه من البهائم والدّوابّ ، أمّا ما لا يمكن منعه ، كالحمام والنّحل ، فإنّه لا ضمان فيما أتلفه ، لأنّه لا يدخل تحت اليد . وقد أفتى البلقينيّ ، من الشّافعيّة ، في نحل قتل جملاً بأنّه هدر ، لتقصير صاحبه دون صاحب النّحل . وقد ذكر الفقهاء صوراً كثيرةً حول هذه المسألة . 33 - موجب الإتلاف الضّمان وذلك في إحدى حالتين : 1 - بإتلاف مال الغير المحترم شرعاً بغير إذن من الشّارع ومن صاحبه ، وفي حكمه إتلاف الأموال العامّة من غير المباحات . 2 - إتلاف مال الغير المحترم شرعاً بإذن من الشّارع للضّرورة بغير رضا صاحب المال . وقد ينحصر موجب الإتلاف في الإثم فقط ، كما إذا أتلف لنفسه مالاً ينتفع به . ما يشترط لضمان المتلفات : 34 - ذكر بعض الفقهاء شروطاً هذه خلاصتها : 1 - أن يكون الشّيء المتلف مالاً ، فلا يجب الضّمان بإتلاف الميتة والدّم وجلد الميتة وغير ذلك ممّا ليس بمال . 2 - أن يكون متقوّماً ، فلا يجب الضّمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم ، سواء كان المتلف مسلماً أو ذمّيّاً لسقوط تقوّم الخمر والخنزير في حقّ المسلم . 3 - أن يكون المتلف من أهل وجوب الضّمان عليه ، فلو أتلفت بهيمة مال إنسان فإنّه لا يجب الضّمان ، على التّفصيل السّابق ذكره . ولو أتلف الصّبيّ والمجنون نفساً أو مالاً لزم الضّمان ، لعدم توقّف ذلك على القصد ، وإحياءً لحقّ المتلف عليه . وضمان المال يكون في مالهما ، أمّا ضمان النّفس فعلى العاقلة . ونقل صاحب الدّرّ عن الأشباه : الصّبيّ المحجور مؤاخذ بأفعاله ، فيضمن ما أتلفه من المال للحال . وإذا قتل فالدّية على عاقلته ، إلاّ في مسائل مستثناة فإنّه يضمن فيها : لو أتلف ما اقترضه ، وما أودع عنده بلا إذن وليّه ، وما أعير له ، وما بيع منه بلا إذن . وأطال ابن عابدين في التّعليق على بعض المستثنيات . 4 - أن يكون في الوجوب فائدة ، فلا ضمان على المسلم بإتلاف مال الحربيّ ، ولا على الحربيّ بإتلاف مال المسلم ، في دار الحرب ، ولا ضمان على مقاتلي البغاة إذا أتلفوا مالاً لهم ، ولا على البغاة إذا أتلفوا في المعركة أموال مقاتل ، لأنّه لا فائدة في الوجوب ، لعدم إمكان الوصول إلى الضّمان ، لانعدام الولاية ، ولأنّهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى . وتفصيل ذلك في " البغاة " 35 - والعصمة ليست بشرط لوجوب ضمان المال ، لأنّ الصّبيّ مأخوذ بضمان الإتلاف ، وإن لم تثبت عصمة المتلف في حقّه ، كما أنّ العلم بكون المتلف مال الغير ليس بشرط لوجوب الضّمان ، حتّى لو أتلف مالاً ظنّ أنّه ملكه ، ثمّ تبيّن أنّه ملك غيره ، ضمن ، لأنّ الإتلاف أمر حقيقيّ لا يتوقّف وجوده على العلم . كيفيّة التّضمين الواجب بالإتلاف : 36 - لا نعلم خلافاً في أنّ المتلف إن كان مثليّاً ضمن بمثله ، وإن كان قيميّاً ضمن بقيمته . كما لا نعلم خلافاً في أنّ تقدير القيمة يراعى فيه مكان الإتلاف . وأمّا إذا فقد المثليّ ، بأن لم يوجد في الأسواق فقد اتّفق الفقهاء كذلك على أنّه يعدل عن المثليّ إلى القيمة ولكنّهم اختلفوا في تقديرها . أيراعى وقت الإتلاف ، أم وقت انقطاعها عن الأسواق ، أم وقت المطالبة ، أم وقت الأداء ؟ فأبو حنيفة اعتبر يوم الحكم ، والمالكيّة وأبو يوسف اعتبروا يوم الغصب إن كان مغصوباً ، ويوم التّلف إن لم يكن مغصوباً ، ومحمّد بن الحسن اعتبر يوم انقطاع المثل ، لأنّه وقت الانتقال من القيمة إلى المثل . وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فالأصحّ عندهم اعتبار أقصى ما بلغت قيمته ما بين التّلف والأداء ( التّنفيذ ) . وأمّا القيميّ فقد اتّفقوا على أنّه إذا لم تتغيّر قيمته من يوم إتلافه إلى يوم أدائه فالعبرة بقيمته ، بالغةً ما بلغت . أمّا إذا تغيّرت القيمة من يوم إتلافه إلى يوم أدائه فهو على الخلاف المشار إليه في حالة انقطاع المثليّ . الإكراه على الإتلاف ومن عليه الضّمان : 37 - لو أكره شخص آخر إكراهاً ملجئاً على إتلاف مال محترم مملوك لغير المكره ( بكسر الرّاء ) فإنّ الضّمان يجب عليه عند كلّ من الحنفيّة والشّافعيّة ووجه عند الحنابلة ، لأنّ ذلك من حيث إنّه إتلاف ينسب إلى الحامل على الفعل ، لا إلى الفاعل ، لأنّه كالآلة . وللمستحقّ مطالبة المتلف ، ويرجع به على المكره لأنّه معذور في ذلك الفعل ، فلم يلزمه الضّمان . والقول بأنّ الضّمان على المكره يفهم أيضاً ممّا نقله ابن فرحون المالكيّ عن فضل بن سلمة أنّ ابن الماجشون قال في السّلطان يأمر رجلاً بقتل رجل ظلماً : إنّ السّلطان يقتل ، ولا يقتل المأمور ، إذ الإلزام بتضمين المال دون القود . 38 - والوجه الثّاني عند الحنابلة : أنّ الضّمان عليهما كالدّية ، لاشتراكهما في الإثم . وفي قول عند المالكيّة - كما يؤخذ من كلام ابن فرحون - أنّ الضّمان على المكره - بالفتح - استناداً إلى حديث « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » يقول ابن فرحون : إنّ من أمره الوالي بقتل رجل ظلماً ، أو قطعه أو جلده أو أخذ ماله أو بيع متاعه ، فلا يفعل شيئاً من ذلك ، وإن علم أنّه إن عصاه وقع به في نفسه أو ظهره أو ماله فإن أطاعه وجب عليه القود والقطع والغرم ، وغرم ثمن ما باع . وتفصيل الكلام فيه موطنه بحث ( الإكراه ) . أثر الإتلاف في تحقّق القبض وإسقاط الأجرة : 39 - من المقرّر شرعاً أنّ المبيع قبل قبضه يكون في ضمان البائع ، وأنّ إتلاف المشتري له وهو في يد البائع يعتبر قبضاً فيلزمه الثّمن ، لأنّه لا يمكنه إتلافه إلاّ بعد إثبات يده عليه ، وهو معنى القبض فيتقرّر عليه الثّمن . وعلى هذا فإنّ الإتلاف يعتبر قبضاً وتترتّب عليه آثاره ، فقد جاء في الشّرح الكبير على المقنع : ما يحتاج إلى القبض إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع . فإن تلف بآفة سماويّة بطل العقد ، ورجع المشتري بالثّمن ، وإن أتلفه المشتري استقرّ عليه الثّمن ، وكان كالقبض ، لأنّه تصرّف فيه 40 - ومن صور الإتلاف في الهبة ما نصّوا عليه من أنّ القبض يتمّ في الهبة ولو بإتلاف الموهوب له العين الموهوبة بإذن الواهب . 41 - ومن صوره في المهر ما قالوه من أنّ الزّوجة الرّشيدة إن أتلفت صداقها إتلافاً يقتضي الضّمان - وهو في يد الزّوجة أو الوليّ - اعتبرت قابضةً لحقّها . أمّا إتلاف غير الرّشيدة فلا يعتبر قبضاً . وكذلك الإتلاف لدفع الصّيال ، فلا يعتبر قبضاً . 42 - وقال الحنفيّة في الإجارة لو خاط الخيّاط ثوباً بأجر ، ففتقه آخر قبل أن يقبضه ربّ الثّوب ، فلا أجر للخيّاط ، لأنّ الخياطة ممّا له أثر ، فلا أجر قبل التّسليم . وبالإتلاف تعذّر التّسليم . وللخيّاط تضمين الفاتق ما نقصه الفتق ، وأجر مثل الخياطة ، ولا يجب الأجر المسمّى لأنّه إنّما لزم بالعقد ولا عقد بينه وبين الفاتق ) فوجب المصير إلى أجر المثل . ( حدوث الاسترداد بالإتلاف ) : 43 - إذا هلك المبيع كلّه بفعل البائع وهو في يده أو في يد المشتري الّذي قبضه بغير إذن البائع فإنّ البائع يعدّ مستردّاً للمبيع ، وبطل البيع وسقط الثّمن عن المشتري . وإذا هلك بعض المبيع بفعل البائع فإن كان قبل القبض بطل البيع بقدر الهالك ، واعتبر مستردّاً هذا البعض ، وسقط عن المشتري حصّة الهالك من الثّمن . والمشتري بالخيار في الباقي لتفرّق الصّفقة . وإن كان إتلاف البائع للمبيع بعد قبض المشتري له قبضاً صحيحاً ، وبعد استيفاء الثّمن ، لم يعتبر ذلك منه استرداداً ، وإنّما إهلاكه وإهلاك الأجنبيّ سواء . وإن كان المشتري قبضه بغير إذن البائع والثّمن حالّ غير مفقود ، اعتبر ذلك الإهلاك من البائع استرداداً في القدر الّذي أتلفه ، وسقط عن المشتري حصّته من الثّمن . وتفصيل ذلك موضعه مصطلح ( استرداد ) . الإتلاف بالسّراية : 44 - ما يتلف بالسّراية إن كان بسبب مأذون فيه دون جهل أو تقصير فلا ضمان . وعلى هذا فلا ضمان على طبيب ، وبزّاغ ( بيطار ) ، وحجّام ، وختّان ، ما دام أذن لهم بهذا ولم يقصّروا ، وإلاّ لزم الضّمان . يقول ابن قدامة : إذا فعل الحجّام والختّان والمتطبّب ما أمروا به لم يضمنوا ، بشرطين : أحدهما : أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ، فإذا لم يكونوا كذلك كان فعلاً محرّماً ، فيضمن سرايته . الثّاني : ألا يتجاوز ما ينبغي أن يقطع . فإن كان حاذقاً وتجاوز ، أو قطع في غير محلّ القطع ، أو في وقت لا يصلح فيه القطع ، وأشباه هذا ، ضمن فيه كلّه ، لأنّه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ، فأشبه إتلاف المال . وكذلك الحكم في القاطع في القصاص ، وقاطع يد السّارق . ثمّ قال : ولا نعلم فيه خلافاً . الإتلاف نتيجة التّصادم : 45 - وفي الإتلاف بالتّصادم والتّجاذب تضمن عاقلة كلّ فارس أو راجل دية الآخر ، إن اصطدما وماتا منه فوقعا على القفا وكانا غير عامدين . أمّا لو وقعا على الوجه فيهدر دمهما . ولو كانا عامدين فعلى كلّ نصف دية الآخر . 46 - ولو تجاذب رجلان حبلاً ، فانقطع الحبل فسقطا على القفا وماتا ، أهدر دمهما لموت كلّ بقوّة نفسه . فإن وقعا على الوجه وجب دية كلّ واحد منهما على عاقلة الآخر لموته بقوّة صاحبه . فإن تعاكسا فدية الواقع على الوجه على عاقلة الآخر ، وأهدر دم من وقع على القفا . وقال مالك في السّفينتين تصطدمان ، فتغرق إحداهما بما فيها ، فلا شيء في ذلك على أحد ، لأنّ الرّيح تغلبهم ، إلاّ أن يعلم النّواتيّة ( البحّارة ) أنّهم لو أرادوا صرفها لقدروا ، فيضمنون . وقال ابن شاس : ولو تجاذبا الحبل ، فانقطع ، فتلفا ، فكاصطدامهما ، وإن وقع أحدهما على شيء ، فأتلفه ، ضمن . وقال ابن قدامة : وإن تصادم نفسان يمشيان ، فماتا ، فعلى عاقلة كلّ واحد منهما دية الآخر . وإن كانتا امرأتين حبليين فهما كالرّجلين . فإن أسقطت كلّ واحدة منهما جنيناً فعلى كلّ واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها . إتلاف بعض المنقول لسلامة السّفينة : 47 - جمهور الفقهاء على أنّ ملاّح السّفينة إن كان أجيراً مشتركاً ضمن ما تلف بعمله إذا لم يكن صاحب المحمول حاضراً معه ، على التّفصيل المبيّن في مصطلح ( إجارة ) أمّا إن خيف على السّفينة الغرق ، فألقى بعض الرّكّاب متاعه ، أو شيئاً منه ، لتسلم السّفينة من الغرق ، فلا ضمان على أحد ، لأنّه أتلف متاع نفسه باختياره لصلاحه وصلاح غيره . وإن ألقى متاع غيره بغير إذنه ضمنه وحده كأكل مضطرّ طعام غيره بغير إذنه . وقد ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن اتّفقوا على إلقاء الأمتعة كلّها أو بعضها لحفظ الأنفس فقط فالغرم بعدد الرّءوس . أمّا إذا قصدوا حفظ الأمتعة فقط ، بأن كانت السّفينة في موضع لا تغرق فيه الأنفس ، فالغرم بينهم على قدر الأموال . وإن قصدوا حفظ الأنفس والأموال معاً فالغرم بينهم على قدرهما . وذهب المالكيّة إلى أنّه في حال طرح الأمتعة من السّفينة عند خوف غرقها يوزّع ما طرح على مال التّجارة فقط . 48 - ولا سبيل لطرح الآدميّ لإنقاذ السّفينة من الغرق ، ذكراً كان أو أنثى ، حرّاً أو عبداً ، مسلماً أو كافراً ، إذ الإجماع على أنّه لا يجوز إماتة أحد من الآدميّين لنجاة غيره . وينقل الدّسوقيّ عن اللّخميّ أنّه أجاز ذلك بالقرعة . 49 - وقد اتّفق الفقهاء على أنّ ما يقع من تلف في الأنفس والأموال نتيجة العجز عن إنقاذه فلا ضمان فيه ولا قود ، ومن أمثلته عدم التّحكّم في السّفينة للرّياح الشّديدة . الظّاهر من تتبّع أقوال الفقهاء في ضمان الإتلاف النّاشئ عن التّأديب والتّعليم ، سواء بالنّسبة للأب أو الوصيّ أو المعلّم أو الزّوج ، التّفصيل بين مجاوزة الفعل المعتاد وعدم مجاوزته . فالضّمان متّفق على وجوبه في حال مجاوزة الفعل المعتاد ، بل بعض المذاهب يجعل فيه القصاص أو الدّية . وأمّا إذا كان الفعل في التّأديب معتاداً ففيه خلاف بين الفقهاء ، مجمله : القول بالضّمان ، لأنّ الجواز لا ينافي الضّمان . والقول الآخر لهم - وهو المشهور والأصحّ في الجملة - أنّه لا ضمان ، لأنّه مأذون به شرعاً وعادةً ، ولو أوجب فيه الضّمان لوقع حرج على النّاس في تأديب من يوكّل إليهم تأديبه وفي هذه المسائل تفصيل موطنه مصطلح ( تأديب ) . إتلاف الأجير والمستأجر لما في يده : 50 - العين في يد المستأجر أمانة فلو هلكت دون تعدّ أو تفريط أو مخالفة للمأذون فيه فلا ضمان عليه وإلاّ ضمن . والأجير الخاصّ أمين ، فلا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط أو المخالفة ، والأجير المشترك اختار الفقهاء القول بتضمينه إلاّ فيما لا يمكن تداركه على التّفصيل المبيّن في مصطلح ( الإجارة ) . إتلاف المغصوب : 51 - يد الغاصب يد ضمان اتّفاقاً ، ويلزمه ردّ ما اغتصبه بعينه إن كان قائماً مثليّاً كان أو قيميّاً . فإن أتلفه أو تلف بنفسه ضمنه ، ووجب ردّ قيمته إن كان قيميّاً ، ومثله إن كان مثليّاً ، على التّفصيل السّابق في كيفيّة تضمين المتلفات . 52 - وإذا أتلف المغصوب شخص آخر وهو في يد الغاصب ، فذهب الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) إلى أنّ المالك مخيّر بين تضمين الغاصب وتضمين المتلف . وذهب الشّافعيّ إلى أنّ الأصل تضمين المتلف ، إلاّ إن كان الإتلاف لمصلحة الغاصب ، كأن قال له : اذبح هذه الشّاة لي ، أو أفهمه أنّ المتلف ملك له . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|