|
#11
|
||||
|
||||
|
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته تفسير سورة المرسلات و تسمى سورة العرف , و هي مكية و آيها خمسون . أقسم الله تعالى – على البعث و الجزاء بالأعمال – بعدة أشياء من مخلوقاته – و لله أن يقسم بما شاء , و الحكمة من الإقسام أن تسكن النفوس للخبر و تطمئن إلى صدق المخبر فيه و بذلك يحصل الغرض من إلقاء الخبر على السامعين – فقال : ( و المرسلات عرفا ) هي الرياح المتتابعة الطيبة العذبة . ( فالعاصفات عصفا ) أي الرياح الشديدات الهبوب , السريعات الممرّ , التي قد تعصف بالأشجار و تقتلعها و بالمباني و تهدمها . ( و الناشرات نشرا ) هي الرياح المعتدلة التي تنشر السحاب في آفاق السماء - كما يشاء الرب عز و جل – و تفرقه أو تسوقه للإمطار و إنزال المطر , فتحيي الأرض بعد موتها . قال تعالى " و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " , و قال سبحانه " الله الذي يرسل الرّياح فتثير سحابا فيبسطه في السّماء " . ( فالفارقات فرقا ) يعني الملائكة , فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق و الباطل , و الهدى و الغيّ , و الحلال و الحرام . ( فالملقيات ذكرا ) و هي الملائكة تلقي بالوحي على من اصطفى الله تعالى من عباده . ( عذرا أو نذرا ) أي : إعذارا و إنذار للناس , تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف , و تقطع معذرتهم , فلا يكون لهم حجة على الله . ( إنّما توعدون لواقع ) - هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام - , أي : ما وعدتم به من قيام الساعة , و النفخ في الصور , و بعث الأجساد , و جمع الأولين و الآخرين في صعيد واحد , و مجازاة كل عامل بعمله , إن خيرا فخير و إن شرا فشر , إن هذا كله متحتم وقوعه , من غير شك و لا ارتياب , و عليه فأصلحوا أعمالكم بعد تصحيح نياتكم فإن الجزاء واقع لا يتخلف أبدا و لا يتغير و لا يتبدل . ( فإذا النجوم طُمست ) أي : ذهب ضوؤها و محي , كقوله " و إذا النجوم انكدرت " و كقوله " و إذا الكواكب انتثرت " . ( و إذا السماء فُرِجَت ) أي انشقت و تصدعت , و تدلت أرجاؤها , و وَهت أطرافها . ( و إذا الجبال نُسِفت ) أي اقتلعت من أماكنها بسرعة , ثم فتتت , فلا يبقى لها عين و لا أثر , كقوله تعالى " و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا , فيذرُها قاعا صفصفا , لا ترى فيها عِوجا و لا أمتا " , و قال سبحانه : " و يوم نُسيِّر الجبال و ترى الأرض بارزة و حشرناهم فلم نُغادر منهم أحدا " . ( و إذا الرُّسل أُقِّتت ) أي : أجلت للإجتماع لوقتها يوم القيامة للشهادة على أممهم و الفوز بما وعدوه من الكرامة . ( لأيّ يوم أجّلت ) لأي يوم أجلت الرسل و أرجئ أمرها ؟ – و الإستفهام للتعظيم و التفخيم و التهويل – و الجواب ( ليوم الفصل ) و هو يوم القيامة , قال تعالى : " فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله إنّ الله عزيز ذوانتقام , يوم تبدّل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار " . ( و ما أدراك ما يوم الفصل ) و هذا تفخيما لشأنه و إعلاما بهوله . ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي : يا حسرتهم , و شدة عذابهم , و سوء منقلبهم , أخبرهم الله , و أقسم لهم , فلم يصدقوه , فاستحقوا العقوبة البليغة . ( ألم نُهلك الأولين ) أي : أما أهلكنا المكذبين بالرسل و الجاحدين بالآيات من الأمم السابقة كعاد و ثمود و قوم إبراهيم و قوم لوط إلى زمن البعثة النبوية . ( ثمّ نتبعهم الأخرين ) ثم نتبعهم بإهلاك من كذب من الآخرين , و هو عيد لأهل مكة . ( كذلك نفعل بالمجرمين ) أي كل من أجرم و طغى و بغى , سيكون هلاكه مثل هلاك الأولين . ( ويل يومئذ للمكذبين ) قال ابن جرير : أي بأخبار الله التي ذكرها في هذه الآية , الجاحدين قدرته على ما يشاء . ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) أي : أما خلقناكم أيها الآدميون من نطفة – و هو المنيّ – ضعيفة حقيرة بالنسبة إلى قدرة الباري عز و جل . ( فجعلناه في قرار مكين ) يعني جمعناه في الرّحم , و فيه يستقر و ينمو . و الرحم معد لذلك , حافظ لما أودع فيه من الماء . ( إلى قدر معلوم ) و هو زمن الولادة , و هي مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر . ( فقدرنا ) أي : قدرنا و دبرنا ذلك الجنين , في تلك الظلمات , و نقلناه من النطفة إلى العلقة , إلى المضغة , إلى أن جعله الله جسدا , ثم نفخ فيه الروح , و منهم من يموت قبل ذلك . ( فنعم القادرون ) على الخلق و التقدير معا . ( ويل يومئذ للمكذبين ) بعدما بين الله لهم الآيات , و أراهم العبر و البينات . ( ألم نجعل الأرض كِفاتا , أحياءً و أمواتا ) قال ابن جرير : أي وعاء . و المعنى ألم نجعل الأرض تضمّ أحياءكم و تجمعهم في المساكن و المنازل , و أمواتكم في بطونها في القبور فيدفنون فيها ؟ ( و جعلنا فيها رواسي شامخات ) يعني : الجبال , أرسى بها الأرض لئلا تميد و تضطرب بأهلها . ( و أسقيناكم ماءً فراتا ) عذبا زلالاً من السحاب , أو مما أنبعه الله من عيون الأرض . ( ويل يومئذ للمكذبين ) ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها , ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه و كفره . ( إنطلقوا ) أي : يقال لهؤلاء المكذبين بهذه النعم و الحجج التي احتج بها عليهم يوم القيامة و هم في عرصاتها , يقال لهم تقريعا و تبكيتا ( إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) من عذاب الله للكفرة الفجرة . ( لا ظليل و لا يُغني من اللهب ) أي : ظل الدخان المقابل للهب ليس ظلا حقيقيا كظل الشجرة و الجدار فيكن و يستر , بل هو ظل لا راحة فيه و لا طمأنينة , بحيث من يمكث فيه , لا يقيه حر اللهب , و لا يردّ عنه من لهب النار شيئا . ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) أي : يتطاير الشرر من لهيب النار كالقصر , في عظمه و كبره و ارتفاعه , و هذا دال على عظم نار جهنم و فظاعتها و سوء منظرها . ( كأنه جمالات صفر ) أي : الشررة كالجمل – في هيئتها و لونها – الأصفر و هو الأسود المائل إلى الصفرة , و هذا يدل على أن النار مظلمة , لهبها و جمرها و شررها , و أنها سوداء , كريهة المرأى , شديدة الحرارة . ( ويل يومئذ للمكذبين ) يتوعد الله تعالى المكذبين به و بآياته و لقائه و رسوله صلى الله عليه و سلم . ( هذا اليوم لا ينطقون ) أي هذا اليوم العظيم الشديد على المكذبين , لا ينطقون فيه بشيء من الخوف و الوجل الشديد . ( و لا يُؤذن لهم فيعتذرون ) أي : لا يمهد لهم الإذن في الإعتذار , لعدم قبول معذرتهم بقيام الحجة عليهم . و عرصات يوم القيامة حالات , و الرب تعالى يخبر مرة باعتذارهم و كلامهم في موطن , و ينفيه في آخر , إذ هو ذاك الواقع , في مواطن يتكلمون بل يحلفون كاذبين و في مواطن يغلب عليهم الخوف فلا يتكلمون بشيء و في مواطن يطلب منهم أن يتكلموا فيتكلموا و في أخرى لا . ( ويل يومئذ للمكذبين ) وعيد لكل المكذبين بهذا و بغيره . ( هذا يوم الفصل جمعناكم و الأوّلين ) يقال لهم يوم القيامة و هم في عرصاتها : هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون جمعناكم فيه أيها المكذبون من هذه الأمة و المكذبين الأولين من قبلها . ( فإن كان لكم كيد فكيدون ) إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي , و تنجوا من حكمي فافعلوا , فإنكم لا تقدرون على ذلك , كما قال تعالى " يا معشر الجنّ و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " , و قال تعالى " و لا تضرُّونه شيئا " , وفي الحديث : " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني " رواه مسلم . ففي ذلك اليوم , تبطل حيل الظالمين , و يضمحل مكرهم و كيدهم ,و يستسلمون لعذاب الله , و يبين لهم كذبهم في تكذيبهم . ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي : ويل يوم إذ يجيء يوم الفصل للمكذبين . من باب الترغيب و الترهيب و هو أسلوب امتاز به القرآن الكريم , ذكر تعالى ما للمتقين من نعيم مقيم بعد ذكر ما للمكذبين الضالين من عذاب الجحيم فقال تعالى : ( إن المتقين ) أي : الذين اتقوا ربهم فآمنوا به و أطاعوه بأداء الواجبات , و ترك المحرمات . ( في ظلال و عيون ) في ظلال أشجار الجنة الوارفة , و عيون من ماء و لبن و خمر و عسل , جارية من السلسبيل , و الرحيق و غيرهما . ( و فواكه ممّا يشتهون ) و فواكه كثيرة منوعة مما يشتهون – أي يتمنون إذ أكلهم للذة الأكل لا للحفاظ على الجسم كما هي الحال في الدنيا – على خلاف الدنيا , إذ الناس يأكلون مما يجدون فلو اشتهوا شيئا و لم يجدوه ما أكلوه , و أما دار النعيم فإن المرء ما اشتهى شيئا إلاّ وجده و أكله و هذا السر في التعبير في غير موضع بكلمة مما يشتهون . ( كلوا و اشربوا ) من المآكل الشهية , و الأشربة اللذيذة . ( هنيئا ) أي : من غير منغص و لا مكدر , و لا يتم هناؤه , حتى يسلم الطعام و الشراب من كل آفة و نقص , و حتى يجزموا أنه غير منقطع و لا زائل . ( بما كنتم تعملون ) من الصالحات و تتركون من السيئات , فأعمالكم هي السبب الموصل لكم إلى هذا النعيم المقيم . ( إنّا كذلك نجزي المحسنين ) أي : هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل . ( ويل يومئذ للمكذبين ) هذا توعد بالعذاب الأليم لمن يكذب بوعيد الله هذا ووعده ذاك . و لو لم يكن لهم من هذا الويل إلا فوات هذا النعيم , لكفى به حرمانًا و خُسْرانًا . يتبع ..... |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| لتفسير, ميسرة, القران, سلسلة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|