( إنّا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ) بما تعملون في الدنيا لتجزوا بها في الآخرة .
( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) و هو موسى بن عمران عليه السلام .
( فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا و بيلا ) فلما كذّب فرعون موسى و طغى و استكبر أخذناه أخذا ثقيلا شديدا غليظا . لهذا احذروا – قريش خاصة و الناس عامة – أنتم أن تكذبوا هذا الرسول – و هو محمد صلى الله عليه و سلم – فيصيبكم ما أصاب فرعون , حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر , كما قال تعالى " فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى " , و أنتم أولى بالهلاك و الدمار إن كذبتم , لأن رسولكم أشرف و أعظم من موسى بن عمران .
( فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ) أي : فكيف يحصل لكم الفكاك و النجاة من يوم القيامة , اليوم المهيل أمره , العظيم قدره , الذي يشيب الولدان , و تذوب له الجمادات العظام .
( السماء منفطر به ) أي : منشقة بسبب أهوال يوم القيامة .
( كان وعده مفعولا ) أي يوم القيامة واقعا لا محالة , و كائنا لا محيد عنه , لأن وعده تعالى متحقق و لابد .
( إن هذه تذكرة ) إن هذه الآيات المشتملة على ذكر القيامة و أهوالها موعظة لمن اعتبر بها و اتّعظ .
( فمن شاء اتّخذ إلى ربه سبيلا ) أي : طريقا موصلا إليه , و ذلك باتباع شرعه , فإنه قد أبانه كل البيان , و أوضحه غاية الإيضاح , و في هذا دليل على أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم , و مكَّنهم منها , لا كما يقوله الجبرية : إن أفعالهم تقع بغير مشيئتهم , فإن هذا خلاف النقل و العقل .
( إنّ ربّك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه و طائفة من الذين معك ) يخبر تعالى رسوله بأنه يعلم ما يقومه من الليل هو و طائفة من أصحابه و أنهم يقومون أحيانا أقل من ثلثي الليل و يقومون أحيانا النصف و الثلث .
( و الله يقدّر الّيل و النهار ) أي يجعلهما على مقادير يجريان عليها , فتارة يعتدلان , و تارة يزيد أحدهما في الآخر , و بالعكس مما يشق لأجله المواظبة على قيامه بما علمه منكم .
( علم أن لن تحصوه ) أي : لن تطيقوا ضبط ساعاته فيشق عليكم قيام أكثره تحريا منكم لما هو المطلوب .
( فتاب عليكم ) أي : عاد عليكم باليسر و رفع الحجر , فنسخ قيام الليل الواجب , و بقي المستحب يؤدى و لو بركعتين في أي جزء من الليل و كونهما بعد صلاة العشاء أفضل .
( فاقرءوا ما تيسّر من القرآن ) أي : صلوا من الليل ما تيسر . و عبر عن الصلاة بالقراءة , كما قال تعالى " و لا تجهر بصلاتك " أي بقراءتك .
( علم أن سيكون منكم مرضى و آخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله و آخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيّسر منه ) أي : علم أن سيكون من هذه الأمة ذووا أعذار في ترك قيام الليل , من مرضى لا يستطيعون ذلك , و مسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب و المتاجر , و آخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله , فقوموا بما تيسر عليكم منه .
هذه الآية – بل السورة كلها – مكية و لم يكن القتال شُرع بعد , فهي من أكبر دلائل النبوة , لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلية .
( و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة ) أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم , و آتوا الزكاة المفروضة . و هذا يدل لمن قال : إن فرض الزكاة نزل بمكة , لكن مقادير النّصب و المخرج لم تُبين إلا بالمدينة , و الله أعلم .
( و أقرضوا الله قرضا حسنا ) أنفقوا في سبيل الله أموالكم طيبة بها نفوسكم فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء و أوفره , كما قال " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " . و يدخل في هذا الصدقة الواجبة و المستحبة , ثم حث على عموم الخير و أفعاله .
( و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا و أعظم أجرا ) و ما تقدموا لأنفسكم من سائر العبادات فرضها و نفلها , و سائر أفعال الخير تجدوه عن الله يوم القيامة هو خيرا و أعظم أجرا , فالحسنة بعشر أمثالها , إلى سبعمائة ضعف , إلى أضعاف كثيرة , و أن مثقال ذرة من الخير في هذه الدار , يقابله أضعاف أضعاف الدنيا , و ما عليها في دار النعيم المقيم , من اللذات و الشهوات , و أن الخير و البر في هذه الدنيا , مادة الخير و البر في دار القرار , و بذره و أصله و أساسه .
( و استغفروا الله إنّ الله غفور رحيم ) أي سلوه غفران ذنوبكم فإنه غفور رحيم لمن استغفره و تاب إليه و أناب .
و في الأمر بالإستغفار بعد الحث على أفعال الطاعة و الخير , فائدة كبيرة , و ذلك أن العبد ما يخلو من التقصير فيما أمر به , إما أن لا يفعله أصلا أو يفعله على وجه ناقص , فأمر بترقيع ذلك بالإستغفار , فإن العبد يذنب آناء الليل و النهار , فمتى لم يتغمده الله برحمته و مغفرته , فإنه هالك .