الجامعة العالمية للقراءات القرآنية والتجويد ترحب بكم

عدد مرات النقر : 12,630
عدد  مرات الظهور : 201,190,717

عدد مرات النقر : 57,627
عدد  مرات الظهور : 203,497,105
عدد مرات النقر : 55,363
عدد  مرات الظهور : 205,173,458
عدد مرات النقر : 59,011
عدد  مرات الظهور : 205,173,444
عدد مرات النقر : 54,208
عدد  مرات الظهور : 203,497,097

الإهداءات




عدد مرات النقر : 39,062
عدد  مرات الظهور : 135,897,111
عدد مرات النقر : 52,735
عدد  مرات الظهور : 149,679,240

عدد مرات النقر : 32,937
عدد  مرات الظهور : 131,416,093
عدد مرات النقر : 34,410
عدد  مرات الظهور : 127,229,438

عدد مرات النقر : 30,692
عدد  مرات الظهور : 134,346,869
عدد مرات النقر : 32,054
عدد  مرات الظهور : 126,996,282
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-05-2014, 08:12 PM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
Icon45 الأخوة في الله

::: الأخوة في الله:::





:::الكـاتب : محمد حسان:::





إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله..أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ الأمةَ، وكشف الله به الغمة، جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته وصلى اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين...
أما بعد:
فحيَّا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وذكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور.
طبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
حياكم الله جميعاً وأسأل الله - سبحانه وتعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائما وأبداً على طاعته وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ودار كرامته.
إنه ولى ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير..
أحبتي في الله.. إننا اليوم على موعد مع موضوع من الأهمية القصوى بمكان وهو بعنوان ((الأخوة في الله)) وكما تعودنا دائماً سوف ينتظم حديثنـا مع حضراتكم تحت هذا العنوان الرقيق في العناصر التالية:
أولاً: حقيقة الأخوة في الله.
ثانياً: حقوق الأخوة.
ثالثاً: الطريق إلى الأخوة.
فاسمحوا لي أن أقول: أعيروني القلوب والأسماع والوجـدان، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القـول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ألوا الألباب.

أولاً: حقيقة الأخوة
أحبتي في الله: لقد أصبحت الأمـة اليوم كما تعلمون غثاء كغثاء السيل، لقد تمـزق شملها وتشتت صفها، وطمع في الأمـة الضعيف قبل القوى، والذليل قبل العزيز، والقاصي قبل الداني، وأصبحت الأمة قصعة مستباحة كما ترون لأحقر وأخزى وأذل أمم الأرض من إخـوان القردة والخنازير، والسبب الرئيس أن العالم الآن لا يحترم إلا الأقوياء، والأمة أصبحت ضعيفة، لأن الفرقة قرينة للضعف، والخذلان، والضياع، والقوة ثمرة طيبة من ثمار الألفة والوحدة والمحبة، فما ضعفت الأمة بهذه الصورة المهينة المخزية إلا يوم أن غاب عنها أصل وحدتها وقوتها ألا وهو ((الأخوة في الله)) بالمعنى الذي جاء به رسول الله فمحال محال أن تتحقق الأخوة بمعناها الحقيقي إلا على عقيدة التوحيد بصفائها وشمولها وكمالها، كما حولت هذه الأخوة الجماعة المسلمة الأولى من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الدول والأمم، يوم أن تحولت هذه الأخوة التي بنيت على العقيدة بشمولها وكمالها إلى واقع عملي ومنهج حياة، تجلى هذا الواقـع المشرق المضيء المنير يوم أن آخى النبي ابتداءً بين الموحدين في مكة، على الرغم من اختـلاف ألوانهم وأشكالهم، وألسنتهم وأوطانهـم، آخى بين حمـزة القرشي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وأبى ذر الغفاري، وراح هؤلاء القوم يهتفون بهذه الأنشودة العذبة الحلوة.
أبى الإسلام لا أبَ لي سِوَاهُ *** إذا افتخـروا بقيسٍ أو تميمِ
راحوا يرددون جميعاً بلسان رجل واحد قول الله - عز وجل -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُـونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: 10]. هذه هي المرحلة الأولى من مراحل الإخاء.
ثم آخى النبي - ثانيا - بين أهل المدينة من الأوس والخزرج، بعد حروب دامية طويلة، وصراع مر مرير، دمر فيه الأخضر واليابس!.
ثم آخى رسول الله بين أهل مكة من المهاجرين وبين أهل المدينة من الأنصار، في مهرجـان حُبٍّ لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً، تصافحت فيه القلوب، وامتزجت فيه الأرواح، حتى جسد هذا الإخاء هذا المشهد الرائع الذي جـاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال، فقال سعد: قـد علمت الأنصار أنى من أكثرها مالاً، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظـر أعجبهما إليك، فأطلقها حتى إذا حَلَّتْ تزوجْتَها. فقال عبد الرحمـن: بارك الله لك في أهلك. دلوني على السوق، فلم يرجـع يومئذٍ حتى أستفضَلَ شيئاً من سَمْنٍ وأقطٍ، فلم يَلْبث إلا يسيراً حتى جاء رسول الله وعليه وَضَرٌ من صُفرةٍ فقال له رسول الله: ((مَهْيَمْ؟)) قال: تزوجتُ امرأةً من الأنصار قال: ((ما سقت إليها؟)) قال: وزن نواة من ذهب أو نواةٍ من ذهب فقال: ((أولم ولو بشـاة)) ([1]).
وقد نتحسر الآن على زمن سعد بن الربيع ونقول أين سعد بن الربيع الذي أراد أن يشاطر أخاه ماله وزوجه؟!
والجواب: ضاع. وذهب يوم أن ذهب عبد الرحمن بن عوف.
فإذا كان السؤال: من الآن الذي يعطى عطاء سعد؟! فإن الجواب: وأين الآن من يتعفف بعفة عبد الرحمن بن عوف؟!!
لقد ذهب رجل إلى أحد السلف فقال: أين الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً [البقرة: 274]، فقال له: ذهبوا مع من لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة: 273].
هذا مشهد من مشاهد الإخاء الحقيقي بمعتقد التوحـيد الصافي بشموله وكماله، والله لولا أن الحديـث في أعلى درجات الصحـة لقلت إن هذا المشهد من مشاهد الرؤيا الحالمة.
هذه هي الأخوة الصادقة، وهذه هي حقيقتها، فإن الأخوة في الله لا تبنى إلا على أواصـر العقيدة وأواصر الإيمـان وأواصر الحب في الله، تلكم الأواصر التي لا تنفك عراها أبداً.
الأخوة في الله نعمة جمة من الله، وفضـل فيض من الله يغدقهـا على المؤمنين الصادقـين، الأخـوة شراب طهور يسقيه الله للمؤمنـين الأصفياء والأذكياء.
لذا فإن الأخوة في الله قرينة الإيمان لا تنفك عنه، ولا ينفك الإيمان عنها فإن وجدت أخوة من غير إيمـان، فاعلم يقيناً أنها التقـاء مصالح، وتبادل منافع، وإن رأيت إيمان بدون أخوة صادقة فاعلم يقيناً أنه إيمان ناقص يحتاج صاحبه إلى دواء وعلاج لمرض فيه، لذا جمع الله بين الإيمـان والأخوة في آية جامعة فقال - سبحانه -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].
المؤمنون جميعاً كأنهم روح واحدة حل في أجسام متعددة كأنهم أغصان متشابكة تنبثق كلها من دوحة واحدة، بالله عليكم أين هذه المعاني الآن؟!!
ولذلك لو تحدثت الآن عن مشهد كهذا الذي ذكر آنفا ربما استغرب أهل الإسلام هذه الكلمات، وظنوها كما قلت من الخيالات الجميلة والرؤيا الحالمة؛ لأن حقيقة الأخوة قد ضاعت الآن بين المسلمين، وإن واقع المسلمين اليوم ليؤكد هذا الواقع الأليم، وإنا لله وإنا إليه راجعـون، فلم تعد الأخوة إلا مجرد كلمات جوفاء باهتة باردة لا حرارة فيها إلا من رحم الله.
فإن الأخوة الموصلة بحبل الله المتين نعمة امتن بها ربنا - جل وعلا - على المسلمين الأوائل، فقال - سبحانه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 102-103].
فالأخوة نعمة من الله امتن بها الله على المؤمنين، وقال - تعالى -: فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، وقال - تعالى -: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 63].
ثانيا: حقوق الأخوة في الله
الحق الأول: الحب في الله والبغض في الله.
ففي الحديث الذي رواه أبو داود والضيـاء المقدسي وصححه الشيخ الألباني من حديث أبى أمامة الباهلي أنه قال: ((من أحبَّ لله، وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان))([2]).
في الصحيحين من حديث أنس أنه قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمـان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكـفر كما يكره أن يقذف في النار))([3]).
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكـر الله خالياً ففاضت عينـاه))([4]).
هل فكـرت في هذا الحديث النبوي الشريف؟! يومٍ تدنـو الشمس من الرؤوس، والزحام وحده يكاد يخنق الأنفاس، فالبشرية كلها - من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه الساعة - في أرض المحشر، وجهنم تزفر و تزمجر، قد أُتِىَ بها ((لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها))([5]) في ظل هذه المشاهد التي تخلع القلب، ينادى الله - عز وجل - على سبعة ليظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله - سبحانه وتعالى - ضمن هؤلاء السبعة السعداء: رجـلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، يا لها ورب الكعبة من كرامة!.
وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن النـبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته، ملكاً فلمَّا أتى عليه قال: أين تريد؟ فقال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبّها؟ قال: لا. غير أنى أحببته في الله - عز وجل -، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه))([6]).
وفى موطأ مالك وأحمـد في مسنده بسند صحيح، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي أن أبا إدريس الخولاني - رحمه الله - قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شابٌ برَّاق الثَّنايا والناس حـوله فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن قوله و رأيه. فسألت عنه؟ فقيل: هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد هجَّرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجـدته يصلى، فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلَّمت عليه. ثم قلت: والله إني لأحـبُّك في الله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله. فقال: آلله؟ فقلت: آلله. فقال: آلله؟ فقلت: آلله. قال: فأخذ بحبوة ردائي، فجبذني إليه، وقال: أبشر، فإني سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم- يقول: ((قال الله- تبارك وتعالى -: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ))([7].
وفى الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود أنه قال: ((والـذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))([8]).
فسلم على أخيك بصدق وحرارة، لا تسلم سلاماً باهتاً بارداً لا حرارة فيه.
إننا كثيراً لا نشعر بحـرارة السلام واللقاء ولا بإخلاص المصافحة.. لا نشعر أن القلب قد صافح القلب.
ففي صحيح مسلم من حديث أبى هريرة قال - عليه الصلاة والسلام -: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))([9]).
قال الخطابي: فالخَيِّر يحنو إلى الأخيار والشرير يحنو إلى الأشرار هذا هو معنى ما تعارف من الأرواح ائتلف، وما تنافـر وتناكر من الأرواح اختلف، لذا لا يحب المؤمن إلا من هو على شاكلته من أهل الإيمـان والإخلاص، ولا يبغض المؤمن إلا منافـق خبيث القلب، قال الله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: 96].
أي يجعل الله محبته في قلوب عباده المؤمنـين، وهذه لا ينالها مؤمن على ظهر الأرض إلا إذا أحبـه الله ابتداءً.
كما في الصحيحين من حديث أبى هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلاناً، فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم يُنادى في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء. قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أُبغض فلاناً فأبغضه فقال: فيبغضه جبريل ثم يُنَادى في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه. قال: فيبغضونه. ثم توضع له البغضاء في الأرض))([10]).
أيها الأحباب الكرام: المرء يوم القيامـة يحشر مع من يحب، فإن كنت تحب الأخيار الأطهار ابتداءً من نبيك المختار وصحابته الأبرار والتابعين الأخيار، وانتهاء بإخوانك الطيبين فإنك ستحشر معهم إذا شاء رب العالمـين، وإن كنت تحب الخبث و الخبائث وأهل الفجور واللهو واللعب كنت من الخاسرين فتحشر معهم إذا شاء رب العالمين.
ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك: ((أن رجلاً سأل النبي عن الساعة. فقال: يا رسول الله متى الساعة. قال: ((وما أعددت لها؟)). قال: لا شيء، إلا أنى أحب الله ورسوله. فقال: ((أنت مع من أحببت)) قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم- : ((أنت مع من أحببت)). قال أنس فأنا أحب النبي - صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بُحبِّي إياهم وإن لم أعمل بعملهم))([11]).
نحن نشهد الله أننا نحب رسول الله وأبا بكر، وعمر، وعثمان وعليّ وجميع أصحاب الحبيب النبي، وكل التابعين لنهجه وضربه المنير، ونتضرع إلى الله بفضله لا بأعمالنا أن يحشرنا معهم جميعاً بمنّه وكرمه، وهو أرحم الراحمين.
ولله در القائل:
أتحب أعـداء الحبيب وتدعـى *** حباً له، ما ذاك في الإمكـان
وكذا تعـادى جاهـداً أحبـابه *** أين المحـبة يا أخا الشيطان
إن المحــبة أن توافـق مـن *** تحب على محبته بلا نقصـانِ
فلئن ادعيت له المحبـة مـع *** خلاف ما يحب فأنت ذو بهتان

لو صـدقت الله فـيما زعمتـه *** لعاديت من بالله ويحـك يكفرُ
وواليت أهل الحق سراً وجهـرة *** ولما تعاديـهم وللكـفر تنصرُ
فما كل من قد قال ما قلت مسلم *** ولكن بأشـراط هناك تذكـرُ
مباينة الكـفار في كـل موطن *** بذا جاءنا النص الصحيح المقرر
وتخضع بالتوحـيد بين ظهورهم *** تدعـوهـم لـذاك وتجــهر
من السُّنَّة إذا أحب الرجـل أخاه أن يخـبره كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب أن النبي قال: ((إذا أحب الرجل أخاه فلبخره أنه يحبه))([12]).
وفى الحديث الذي رواه أبو داود من حديث أنس: أن رجلاً كان عند النبي فمر به رجل فقال: يا رسول الله! إني لأحب هذا. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم- : ((أعلمته؟)) قال: لا. قال: ((أعلمه)) قال: فلحقه، فقال: إني أحبك في الله. فقال: أحبك الذي أحببتني له([13]).
وفى الحديث الـذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أخذ بيده وقال: ((يا معـاذ والله إني لأحبـك)). فقال معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسـول الله، فوالله إني لأحبك. فقال: ((أوصيك يا معاذ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك))([14]).
وامتثالاً لأمر النبي الكريم، فإني أشهد الله أنى أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله أن يجمعني مع المتحابين بجلاله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد ورسوله اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الأحبة الكرام.

الحق الثاني: أن لا يحمل الأخ لأخيه غلاً ولا حسداً ولا حقداً.
أحبتي في الله: المؤمن سليم الصدر، طاهر النفس، نقى، تقي القلب، رقيق المشاعر رقراق العواطف، فالمؤمن ينام على فراشه آخر الليل - يشهد الله في عليائه - أنه لا يحمل ذرة حقد، أوغل، أو حسد لمسلم على وجه الأرض البتـة، والنبي يقول كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك: ((لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا، وكونوا عباد الله إخوانا))([1]).
إن الحقد والحسد من أخطـر أمراض القلوب والعياذ بالله، فيرى الأخ أخاه في نعمة، فيحقد عليه ويحسده، ونسي هذا الجاهل ابتداءً أنه لم يرض عن الله الذي قسم الأرزاق، فليتق الله وليعد إلى الله - سبحانه وتعالى -، وليسأل الله الذي وهب وأعطـى أن يهبه ويعطيه من فضله، وعظيم عطائه، ويردد مع هؤلاء الصادقين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10].
وردد مع هؤلاء بصفاء، وصدق، وعمل، فقد قال الله فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[الحشر: 9].
ففي مسند أحمد بسند جيد من حديث أنس قال كنا جلوساً عند النبي فقال المصطفى: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلع رجل من الأنصار، تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجـل على مثل حالـه الأولى، فلما قام النبي، تبعه عبد الله بن عمـرو بن العاص فقال: إني لا حَيْتُ أبى فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤيني إليك حتى تمضى فعلت؟ قال: نعم، قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار- أي انتبه في الليل - وتقلب على فراشه ذكر الله - عز وجل - وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله غـير أنى لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الثلاث ليالٍ وكـدت أن أحتقر عمله، قلت يا عبد الله إني لم يكـن بيني وبين أبى غضب ولا هجر ثَمَّ ولكن سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرات: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنـة)) فطلعت أنت الثـلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟! قال: ما هي إلا ما رأيت. قال: فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهى التي لا نطيق. ([2]).
إن سلامة الصدر من الغل والحسد بلغت بهذا الرجل أن يشهد له رسول الله بالجنة، وهو في الدنيا.. يا لها من كرامة.

الحق الثالث: طهارة القلب والنفس
إن من حقوق الأخـوة في الله أنك إن لم تستطع أن تنفع أخاك بمالك فلتكف عنه لسانك، وهذا أضعف الإيمـان، فإن تركنا الألسنة تُلقى التهم جزافاً دون بينة أو دليل، وتركنا المجال فسيحاً لكل إنسان أن يقول ما شاء في أي وقت شاء، فإنما ينتشر بذلك الفساد والحسد، والبغضاء، فإن اللسان من أخطر جوارح هذا الجسم، قال الله - جل وعلا -: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18].
وقال - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّـونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةْ [ النور: 19]. وقال جـل في علاه: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ الْغَافِـلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور: 23-25].
تورع عن إخوانك، أمسك عليك لسانك، واتق الله، فوالله ما من كلمة إلا وهى مسطرة عليك في كتاب عند الله لا يضل ربي ولا ينسى.
ففي الصحيحين من حديث أبى هريرة أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))([3]).
وفى الصحيحين من حديث أبى موسى قال: قلت: ((يا رسـول الله أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده))([4]).
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة واللفظ للبخاري أنه قال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضـوان الله، لا يلقى لها بالا، فيرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، فيهوى بها في جهنم))([5]).
وفى حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عِرْضِ أخيه))([6]).
وأختم هذه الطائفـة النبوية الكريمة بهذا الحديث الذي يكاد يخلع القلب والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه من حديث يحيى بن راشد قال: ((من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخـرج مما قال))([7]). وردغة الخبـال: عصارة أهـل النار، والرَّدغة بفتح الدال وسكونها- الماء والطين.
والله لو نحمل في قلوبنـا ذرة إيمان ونسمع حديث من هذه الأحاديث للجم الإنسان لسانه بألف لجام قبل أن يتكلم كلمة، ولكن لا أقـول ضعف إيمان، بل إنا لله وإنا إليه راجعون.

الحق الرابع: الإعانة على قضاء حوائج الدنيا على قدر استطاعتك
واسمع إلى هذا الحديث الذي تتلألأ منه أنوار النبوة: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أن رجلاً جاء إلى النـبي فقال: يا رسول! أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله: ((أحب الناس إلى الله - تعالى -أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل -، سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربه، أو يقضى عنه دينا، أو يطرد عنه جوعاً، ولأن أمشى في حاجة أخي المسلم أحب إلىّ من أن اعتكف في المسجد شهراً - يعنى: مسجد المدينة -، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضي يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تَزِلُّ الأقـدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمـل كما يفسد الخـل العسل))([8]).
فمن حق المسلم على المسلم إن استطاع أن يعينه في أمر من أمور الدنيا أن لا يبخل عليه، فأنت يا مسلم لئن مشيت في حاجة أخيك المسلم أفضل عند الله - تعالى - من أن تعتكف في المسجد شهراً وثبت الله قدمك يوم تزل الأقدام.
وفى صحيح مسلم من حديث أبى هـريرة يقول المصطفى: ((من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه... ))([9]).
فيا أخي المسلم، يا منْ منَّ الله عليك بمنصبٍ أو جاه. إن استطعت أن تنفع إخوانك فافعل ولا تبخل، وبالمقابل يجب على المسلمـين، أن لا يكلفوا إخوانهم بما لا يطيقون، وإن كلفوهم فعجزوا فليعذروهم قال - تعالى -: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: 286].
وما أجمل أن يقول الأخ لأخـيه: أسأل الله أن يجعلك مفتـاح خير، وهذه حاجتي إليك، فإن قضيتها حمدت الله، ثم شكرتك، وإن لم تقضها لي حمدت الله ثم عذرتك، هذه هي الأخوة.

الحق الخامس: بذل النصيحة بصدق وأمانة
ففي صحيح مسلم من حديث تميم الداري أن رسول الله قال: ((الدين النصيحة)) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))([10]).
لكن أتمنى من الله أن يعي إخواني الضوابط الشرعية للنصيحة.
قال الشافعي: من نصح أخـاه بين الناس فقد شانه، ومن نصح أخاه فيما بينه وبينه فقد ستره وزانه.
الناصح الصـادق: رقيق القلب، نقى السريرة، مخلص النية، يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن رأى أخاه في عيب دنا منه بحنان، وتمـنى أن لو ستره بجـوارحه لا بملابسه، ثم قال له حبيبي في الله. ثم يبـين له النصيحة بأدب ورحمة، وتواضع، فلتُشْعِر أخاك وأنت تنصحه: بحبك له، وبتواضعك وخفض جناحك له، فقد سطر الله في كتابه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ … [الفتح: 29].
جلس رجل في مجلس عبد الله بن المبارك فاغتاب أحد المسلمين، فقال له عبد الله بن المبارك: يا أخي هل غزوت الروم؟! قال: لا. قال: هل غزوت فارس؟! قال: لا. فقال عبدالله بن المبارك: سلم منك الروم وسلم منك فارس، ولم يسلم منك أخوك!.
والذي بُذِلَ له النصيحة عليه أن يحسن الظن بأخيه الناصـح ولا تأخذه العزة بالإثم، وأن يتقبلها منه بلطف، وأدب، وتواضع، وحب، ويشكره عليها، ويدعو له بظاهر الغيب.
ورحم الله من قال: رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي.

الحق السادس: التناصر
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: ((تأخذ فوق يديه))([11]).
انصر أخاك في كل الأحوال، إن كان ظالماً خذ بيده عن الظلم، وإن كان مظلوماً وأنت تملك أن تنصره انصره، ولو بكلمة، وإن عجزت فبقلبك، وهذا أضعف الإيمان.

الحق السابع: أن تستر عيب أخيك المسلم وتغفر له زلاته:
وهذا من أعظم الحقوق: فالأخ ليس مَلَكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، فإن زل الأخ في هفوة فهو بشر، فاستر عليه
قال العلماء: الناس صنفان. صنف اشتهر بين الناس بالصلاح والبعد عن المعاصي، فإن زل ووقع وسقط في هفوة من الهفـوات على المسلمين أن يستروا عليه، ولا يتبعوا عوراته.
ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث أبى برزة الأسلمي أنه قال: ((يا معشر من آمن بلسانه، ولما يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه في بيته))([12]).
نسأل الله أن يسترنا وإياكم بستره الجميل.
والصنف الثاني من الناس: يبارز الله بالمعاصي ويجهر بها، ولا يستحى من الخالق، ولا من الخلق، فهذا فاجر، فاسق، لا غيبة له.
وأخيراً: الطريق إلى الأخوة، وأنا أعتقد اعتقاداً جازماً أن الطريق قد وضع في ثنايا المحاضرة، ولكنني أجمل هذا الطريق في خطوتين اثنتين لا ثالثة لهما.

أما الخطوة الأولى: العودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فلنعد إلى هذه الأخلاق السامية التي ينفرد بها الدين الإسلامي لتعود لنا الأخوة الصادقة في الله، تعود الأخوة الحقيقة. لتلتئم الصفوف، وتضمد الجراح، وتلتقي الأمة على قلب رجل واحد.
فوالله ثم والله لا ألفة، ولا عزة، ولا نصرة، ولا تمكـين، إلا بالعودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين، وإن شئت فقل العودة الصادقة إلى أخلاق سيد المرسلين، فلقد لخصت عائشة - رضي الله عنها - أخلاق النبي في كلمات قليلة ولكنها عظيمة فقالت: ((كان خلقه القـرآن))([13]) نعم والله إنه كان قرآناً يمشي على لأرض في دنيا الناس.
أيها الأحبة: قد يكون من اليسير جداً كما أقرر دائماً تقديم منهج نظري في التربية والأخلاق، بل إن المنهج هذا موجود بالفعل وسُطِّر في بطون الكتب والمجلات، ولكن هذا المنهج لا يساوى قيمة الحبر الذي كتب به، إن لم يتحول في حياة الأمة مرة أخرى إلى واقع عملي وإلى منهج حياة فإن البون شاسع بين منهجنا المنير المضيء ووقعنا المر المرير الأليم.

الخطوة الثانية: نتحرك لدعوة المسلمين إلى هذه الأخلاق بالحكمة والموعظة الحسنة
بعد أن نحوِّل هذه الأخلاق النظرية إلى واقع عملي منير مضيء في حياتنا يجب علينا بعد ذلك أن نتحرك لدعوة المسلمين إلى هذه الأخـلاق بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة، والكلمة الرقيقة الرقراقة، والرفق والحلم، فهذا هو مقام دعوة الناس إلى الله في كل زمان ومكان، قال الله - تعالى -: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125]. وقال - تعالى -: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: 159].
أسأل الله أن يربط قلوبنا برباط وثيق رباط الحب في الله، حتى نعود مرة أخرى إلى عزتنا وكرامتنا وسيادتنا وتتحقق السنن الربانية فينا بحوله ومدده إنه ولي ذلك والقادر عليه.

___________
-1- رواه البخاري رقم (3781) في مناقب الأنصار، باب إخاء النبي بين المهاجـرين والأنصار، ومسلم رقم (1427) في النكاح، باب الصداق، وجواز كونه تعليم القرآن وخاتم حديد، والموطأ (2/ 545) في النكاح، وأبو داود رقم (2109)، والترمذي رقم (1094)، والنسائي (6/ 119، 120).
([2]) رواه أبو داود رقم (4681) في السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند (3/ 438)، وهو في صحيح الجامع (5965).
([3]) رواه البخاري رقم (16) في الإيمان، باب حلاوة الإيمان، ومسلم رقم (43) في الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان.
([4]) رواه البخاري (1423) في الزكاة، باب الصدقة باليمين ومسلم (1031) في الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة، والموطأ (2/ 952) في الشعر، باب ما جاء في المتحابين في الله، والترمذي رقم (2392) في الزهد، والنسائي (8/ 222، 223) في القضاء.
([5]) رواه مسلم رقم (2842) في صفة الجنة، باب في شدة حر نار جهنم، والترمـذي رقم (2576) في صفة جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم.
([6]) رواه مسلم رقم (2567) في البر و الصلة، باب فضل الحب في الله، وأخرجه أحمد في المسند رقم (408 463 / 2).
([7]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (2/ 953، 954) في الشعر، باب ما جاء في المتحابين في الله وأحمد في المسند (5/ 229) وإسناده صحيح وصححه الحاكم (4/ 168، 169)على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه (2510 موارد) وقال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح.
([8] رواه مسلم رقم (54) في الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنـون وأن محبـة المـؤمن من الإيمـان، وأبو داود رقم (5193) في الأدب، باب في إفشاء السـلام والترمذي رقم (3689) في الاستئذان.
([9]) رواه مسلم رقم (2638) في البر والصلة، باب الأرواح جنود مجندة، وأبو داود رقم (4834) في الأدب، باب من يؤمر أن يجالس. وهو في صحيح الجامع (6797).
([10]) رواه البخاري رقم (3209) في بدء الخلق، باب ذكر الملائكـة صلوات الله عليهم، ومسلم (2637) في البر والصلة، باب إذا أحب الله عبداً حببه إلى عبادة ومالك في أو الموطأ (2/ 953) في الشعر، والترمذي رقم (3160) في التفسير.
([11]) رواه البخاري رقم (3688) في فضائل أصحاب النبي، باب مناقب عمر بن الخطاب، ومسلم رقم (2639) في البر والصلة، باب المـرء مع من أحب، وأبو داود رقم (5127في الأدب، والترمذي رقم (1386) في الزهد.
([12]) رواه أبو داود (5124) في الأدب، باب إخبار الرجلُ الرجل بمحبته إليه، والترمذي رقم 2393) في الزهد، باب ما جاء في إعلام الحب وصححه الألباني في صحيح الجامع (279).
([13]) رواه أبو داود رقم (5125) في الأدب، باب إخبار الرجل بمحبته إليه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبى داود (4274).
(13) رواه أبو داود رقم (1522) في الصلاة، باب الاستغفار، والنسائي (3/53) في السهو باب نوع آخر من الدعاء، والحاكم في المستدرك (3/ 273-274)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووفقه الذهبي وهو في صحيح الجامع (7969).

_________
([1]) رواه البخاري رقم (6065) في الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ومسلم (2563) في البر والصلة، باب تحريم الظن والتحسس والتنافس، و مالك في الموطـأ (2/ 907، 908) في حسن الخلق وأبو داود (4882، 4917) في الأدب، باب في الغيبة، والترمذي (1928) في البر والصلة، باب ما جاء في شفق المسلم على المسلم.
([2]) رواه أحمد في المسند (3/ 166) رقم (12633) وقال محققه إسناده صحيـح، ورواه أيضاً الترمذي رقم (694) والطبراني في الكبير (10/ 206)، والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي.
([3]) رواه البخاري رقم (6138) في الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه، ومسلم رقم (48) في الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان، والموطأ (2/ 929) في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم- .
([4]) رواه البخاري رقم (11) في الإيمان، باب من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم رقم (42) في الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام، والترمـذي رقم (2506) في صفة القيامة، والنسائي (8/ 106، 107) في الإيمان.
([5]) رواه البخاري رقم (6478) في الرقاق، باب حفظ اللسان، ومسلم رقم (2988) في الزهد، باب التكلم بالكلمة يهـوى بها في النار، والموطـأ (2/ 985) في الكلام، والترمذي في الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة ليضحك بها الناس.
([6]) رواه الطبراني في الأوسط (1/ 143) وقال الألباني في الصحيحة (1871): والحديث بمجموع طرقه صحيح ثابت، وهو في صحيح الجامع (3537).
([7]) أخرجه أحمد في المسند (2/ 70) وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح، وأبو داود رقم (3597) في الأقضية، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها وصححه الألباني في الصحيحة (437).
([8]) رواه ابن أبى الدنيـا في قضاء الحوائج ص 80 رقم 36 وحسنه الألبانـي في الصحيحة (906) وهو في صحيح الجامع (176).
([9]) رواه مسلم رقم (2699) في الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر وأبو داود رقم (4946) في الأدب، باب من المعونة للمسلم، والترمذي (1425) في الحدود، باب ما جاء في الستر على المسلم، وهو في صحيح الجامع (6577).
([10]) رواه مسلم رقم (55) في الإيمـان، باب بيـان أن الدين النصيحة، والترمـذي رقم (1927) في البر والصلة من حديث أبي هريرة.
([11]) رواه البخاري رقم (2444) في المظالم، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً، والترمـذي رقم (2256) في الفتن.
([12]) رواه أبو رقم (4880) في الأدب، باب في الغيبة، ورواه أيضاً أحمد في المسند (4/ 421) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (4083).
([13]) رواه مسلم رقم (746) في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة






__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-13-2014, 09:56 PM
أبو منار عصام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2011
المشاركات: 455
افتراضي رد: الأخوة في الله

بارك الله فيكم ونفع بكم .

جعله الله في ميزان حسناتكم .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأخوة, الله


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


عدد مرات النقر : 8,259
عدد  مرات الظهور : 203,497,196
عدد مرات النقر : 11,164
عدد  مرات الظهور : 203,497,195

الساعة الآن 08:57 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009