|
#1
|
||||
|
||||
|
العلم بحر فقدم الاهم على المهم
هذا فصل غزير الفائدة . اعلم أنه لو اتسع العمر لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه ، غير أن العمر قصير والعلم كثير : فينبغي للإنسان أن يقتصر من القراءات إذا حفظ القرآن على العشر . ومن الحديث على الصحاح ، و السنن و المسانيد المصنفة ؛ فإن علوم الحديث قد انبسطت زائدة في الحد . وعلم الحديث يتعلق بعضه ببعض ، وهو مشتهى ، والفقهاء يسمونه علم الكسالى (1) ؛ لأنهم يتشاغلون بكتابته وسماعه ، ولا يكادون يعانون حفظه ، ويفوتـهم المهم و هو الفقه . وقد كان المحدثون قديماً هم الفقهاء ، ثم صار الفقهاء لا يعرفون الحديث ، والمحدثون لا يعرفون الفقه (2) . فمن كان ذا همة و نصح نفسه تشاغل بالمهم من كل علم ، وجعل جل شغله الفقه ، فهو أعظم العلوم و أهمها . و قد قال أبو زرعة : كتب إلي أبو ثور : فإن هذا الحديث قد رواه ثمانية و تسعون رجلاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، والذي صح منه طرق يسيـرة . فالتشاغل بغيـر ما صح يمنع التشاغل بما هو أهم . و لو اتسع العمر كان استيفاء كل الطرق في كل الأحاديث غاية في الجودة ، ولكن العمر قصير . ولما تشاغل بالطرق مثل يحيى بن معين فاته من الفقه كثيـر ، حتى أنه سئل عن الحائض أيجوز أن تغسل الموتى! فلم يعلم ، حتى جاء أبو ثور فقال : يجوز ؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت : (( كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا حائض )) (3) . فيحيى أعلم بالحديث منه ، و لكن لم يتشاغل بفهمه (4) . فأنا أنـهى أهل الحديث أن تشغلهم كثرة الطرق . و من أقبح الأشياء أن تجري حادثة يُسأل عنها شيخ قد كتب الحديث ستين سنة فلا يعرف حكم الله عز وجل فيها (5) . و كذلك أنـهى من يتشاغل بالتزهد و الانقطاع عن الناس أن يعرض عن العلم ، بل ينبغي أن يجعل لنفسه منه حظاً ؛ ليعلم إن زل كيف يتخلص . ــــــــــــــــــــــ (1) هذا الإطلاق غير مسلم به ، فعلم الحديث لا يشتغل به إلا أصحاب الهمم العالية غالبًا . (2) علق المحقق للكتاب على هذا بقوله : يقصد المصنف رحمه الله بالمحدثين هنا الرواة الذين تشاغلوا بجمع الطرق وكثرتها والبحث عن الغرائب والعجائب في المتون والأسانيد ، وقد انتشر مثل هذا النوع من طلاب علم الحديث في عصر المصنف ، ونبه كثير من أعلام المحدثين على خطورة هذه الطريقة وخطئها ، وأما المحدثون بالمعنى الاصطلاحي المعروف فلا ينطبق عليهم هذا ؛ لأن مرتبة المحدث مرتبة شريفة سامية لا يوصف بها إلا من أتقن علم الحديث رواية ودراية وفقهًا . وكذلك لا يقصد رحمه الله بالفقه والفقهاء المعنى الاصطلاحي المنتشر اليوم ، وهو دراسة مذهب معين وتقليده ، وإنما يقصد به فهم نصوص الكتاب والسنة واستيعابـها والاستدلال بـها والاستفادة منها كما في المثال الذي سيذكره بعد قليل . (3) رواه البخاري برقم (295) ومسلم برقم (297) , (4) علق المحقق للكتاب على هذا بقوله : (( والقصة رواها الرامهرمزيّ في (( المحدث الفاصل )) ص (294) ، وفي سندها مجهول ، ولئن صحت فما يضيـر هذا الإمام العظيم أن يتوقف في مسألة ولا يقول فيها دون علم أو أثر ، بل هذا يزيد في قدره ، ويلحقه بسلفه من الصحابة والتابعين والأئمة الذي كانوا يتوقفون في مسائل أصبح يتجرأ عليها اليوم من لا يحسن – والله – تلاوة القرآن الكريم )) . (5) هذا الكلام غير مسلم به ، فالإمام مالك سئل عن 36 مسألة فأجاب عن خمس منها ، وقال عن الباقي : (( لا أدري )) فيستحيل أن يجيب العالم على كل سؤال . هذا فصل غزير الفائدة . اعلم أنه لو اتسع العمر لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه ، غير أن العمر قصير والعلم كثير : فينبغي للإنسان أن يقتصر من القراءات إذا حفظ القرآن على العشر . ومن الحديث على الصحاح ، و السنن و المسانيد المصنفة ؛ فإن علوم الحديث قد انبسطت زائدة في الحد . وعلم الحديث يتعلق بعضه ببعض ، وهو مشتهى ، والفقهاء يسمونه علم الكسالى (1) ؛ لأنهم يتشاغلون بكتابته وسماعه ، ولا يكادون يعانون حفظه ، ويفوتـهم المهم و هو الفقه . وقد كان المحدثون قديماً هم الفقهاء ، ثم صار الفقهاء لا يعرفون الحديث ، والمحدثون لا يعرفون الفقه (2) . فمن كان ذا همة و نصح نفسه تشاغل بالمهم من كل علم ، وجعل جل شغله الفقه ، فهو أعظم العلوم و أهمها . و قد قال أبو زرعة : كتب إلي أبو ثور : فإن هذا الحديث قد رواه ثمانية و تسعون رجلاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، والذي صح منه طرق يسيـرة . فالتشاغل بغيـر ما صح يمنع التشاغل بما هو أهم . و لو اتسع العمر كان استيفاء كل الطرق في كل الأحاديث غاية في الجودة ، ولكن العمر قصير . ولما تشاغل بالطرق مثل يحيى بن معين فاته من الفقه كثيـر ، حتى أنه سئل عن الحائض أيجوز أن تغسل الموتى! فلم يعلم ، حتى جاء أبو ثور فقال : يجوز ؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت : (( كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا حائض )) (3) . فيحيى أعلم بالحديث منه ، و لكن لم يتشاغل بفهمه (4) . فأنا أنـهى أهل الحديث أن تشغلهم كثرة الطرق . و من أقبح الأشياء أن تجري حادثة يُسأل عنها شيخ قد كتب الحديث ستين سنة فلا يعرف حكم الله عز وجل فيها (5) . و كذلك أنـهى من يتشاغل بالتزهد و الانقطاع عن الناس أن يعرض عن العلم ، بل ينبغي أن يجعل لنفسه منه حظاً ؛ ليعلم إن زل كيف يتخلص . ــــــــــــــــــــــ (1) هذا الإطلاق غير مسلم به ، فعلم الحديث لا يشتغل به إلا أصحاب الهمم العالية غالبًا . (2) علق المحقق للكتاب على هذا بقوله : يقصد المصنف رحمه الله بالمحدثين هنا الرواة الذين تشاغلوا بجمع الطرق وكثرتها والبحث عن الغرائب والعجائب في المتون والأسانيد ، وقد انتشر مثل هذا النوع من طلاب علم الحديث في عصر المصنف ، ونبه كثير من أعلام المحدثين على خطورة هذه الطريقة وخطئها ، وأما المحدثون بالمعنى الاصطلاحي المعروف فلا ينطبق عليهم هذا ؛ لأن مرتبة المحدث مرتبة شريفة سامية لا يوصف بها إلا من أتقن علم الحديث رواية ودراية وفقهًا . وكذلك لا يقصد رحمه الله بالفقه والفقهاء المعنى الاصطلاحي المنتشر اليوم ، وهو دراسة مذهب معين وتقليده ، وإنما يقصد به فهم نصوص الكتاب والسنة واستيعابـها والاستدلال بـها والاستفادة منها كما في المثال الذي سيذكره بعد قليل . (3) رواه البخاري برقم (295) ومسلم برقم (297) , (4) علق المحقق للكتاب على هذا بقوله : (( والقصة رواها الرامهرمزيّ في (( المحدث الفاصل )) ص (294) ، وفي سندها مجهول ، ولئن صحت فما يضيـر هذا الإمام العظيم أن يتوقف في مسألة ولا يقول فيها دون علم أو أثر ، بل هذا يزيد في قدره ، ويلحقه بسلفه من الصحابة والتابعين والأئمة الذي كانوا يتوقفون في مسائل أصبح يتجرأ عليها اليوم من لا يحسن – والله – تلاوة القرآن الكريم )) . (5) هذا الكلام غير مسلم به ، فالإمام مالك سئل عن 36 مسألة فأجاب عن خمس منها ، وقال عن الباقي : (( لا أدري )) فيستحيل أن يجيب العالم على كل سؤال . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| العلم, بحر, فقدم |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|