|
#1
|
||||
|
||||
|
اليهود والنصارى طرفان متناقضان
من المناسب ذكر المناهج السائدة فيما يتعلّق بالعبادة تفريطًا وإفراطًا، فأقول:
المنهج الأول: ويمثله اليهود في تفريطهم وجفائهم، فلو نظرنا إلى التوراة - بعد تحريفها- لوجدنا أن تقديس المادة غلب على بنودها، فلا تقرأ في أسفار التوراة ذكرًا للآخرة، حتى ما ورد فيها من وعد ووعيد فإنما هو متعلّق بالدنيا فقط، فلا يعمل الشّخص إلا لتحقيق كسب عاجل، أو خوفًا من عقوبة عاجلة. بل بالغوا وطبقوا ماديتهم حتى في معرفة الله، فقالوا: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}[النساء:153]. وقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}[البقرة:55]. ووفقًا لهذا التصور المادي الدنيوي أغرق هؤلاء في تقديس المحسوسات، واتخذوها طريقًا للرقي، وأصبحت القيم المادية محور الحياة، وتحول الإنسان في نظر هؤلاء إلى آلة تتحرّك، ومعدة تهضم، وكائن يلهو. وقد وصفهم القرآن الكريم، وبين مدى تعلّقهم بالحياة وحرصهم عليها، فقال تعالى:{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}[البقرة:96]. أي حياة، حتى لو كانت حياة البهائم ونحوها. وذلك لأنهم يخشون الموت: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً}[البقرة:95]. لأنهم ربطوا غايتهم بالدنيا، فعملهم للدنيا، وعبادتهم لمآرب دنيوية: فإذا انتهت الدنيا فقد فاتهم كل شيء. فهم بهذا أغرقوا في الشهوات، وعبدوا أنفسهم للماديات، فهم كمشركي قريش الذين قالوا:{مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}[الجاثـية:24]. وهذا المنهج يمثل التفريط في أسوأ صوره وحالاته، ولذلك أمرنا الله أن نستعيذ منه في كل صلاة، ونسأله أن يجنّبنا إيّاه. {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة:7]. أما المنهج الثاني وهو المنهج القائم على الروحانيات، وذلك بإعلائها وتمجيدها، وأغرقوا في مفهوم العبادة والرهبنة، ويمثل هذا المنهج النصارى، وهو منهج الإفراط والغلو. وابتدع النصارى رهبانية قاسية على النفس، تحرّم الزواج، وتكبت الغرائز، وترفض كل أشكال الزينة، وطيبات الرزق، وترى ذلك رجسًا من عمل الشيطان، وبالغوا في العبادة، وأخرجوها عن كيفيتها، وعن المراد منها، وأصبحت رهبانية غالية مشوهة، معذبة للأجساد، ابتدعوها من أنفسهم، بلا حجة أو برهان. {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}[الحديد:27]. ولذلك كانت حالهم ومآلهم: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}[الغاشية:1-4]. وهذا المنهج يمثل الإفراط والغلو، وهو الوجه الثاني من وجوه الانحراف عن الصّراط المستقيم، ولذلك أُمرنا بأن نسأل الله أن يجنّبنا إياه؛ {وَلا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:7]. وأمام هذا الغلو المادي الذي يمثّل التفريط في العبادة، والغلو الروحاني الذي يمثل الإفراط فيها والتفريط في حق البدن، جاء الإسلام ليُصحح المسألة، ويهدي الناس لأقوم السّبل، وأعدل الطّرق، طريق الوسط بين عبادة المادة ونسيان حق الرّوح، وبين إرهاق الروح ونسيان حق البدن، ليعطي كل ذي حقّ حقّه، وفقًا لقوله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}[القصص:77]. ونجد أن القرآن الكريم قد قرّر هذا المنهج في آيات كثيرة. ذمّ الله الإفراط في العبادة والغلو فيها، حيث قال في حق بني إسرائيل من النصارى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}[الحديد:27]. قال القاسمي: الرهبانية هي المبالغة في العبادة، والرياضة والانقطاع عن الناس، وإيثار العزلة والتبتل. قال تعالى:{وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}[الإسراء:110]. [المصدر:كتاب الوسطية في ضوء القرآن للدكتور ناصر العمر/ص133-134] http://tadabbor.com/shefaa/article/143
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. في داخلي التحمت مشاعر بهجتي **** بأحبة في شرعة الرحمـن أحببتهن وسأظل أعلنها لهــــــن **** ماعدت قادرة على الكتمان سأظل يبهرني جميل فعالــــــهن **** وأذوق منهن روعة التحنـان سأظل داعية لهن في غيبهــــن *** وتظل حجتنا على الإيمـــــــان |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| متناقضان, اليهود, والنصارى, طرفان |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|