|
#6
|
|||
|
|||
|
فصلٌ
وعلى الرغم من أهمية علم القراءات ، لكن لا يلزم أن يبادر إليه الطالب لكونه مهما فحسب ؛ بل يبادر العبد _ طالب النجاة _ بما يقيم به دينه ، ويصحح له عقيدته بالجملة لا على وجه التفصيل ، فيعرف الأهم فالأهم فيشرع في معرفة التوحيد ومسائله ، والقرءان وقرائته بما تصح له الصلاة فيه ، وكيفية آداء العبادة المتعلقة بذمته ، ثم يطلب العلوم بالترتيب التي يرشده إليها شيخه ، أو ما يلتمسه في وضع بلده ، ومن ذلك علم القراءات . وعلى هذا الوجه يتخرج ما نقله كل من الحافظ ابن فهد المكي _ رحمه الله _ في " لحظ الالحاظ بذيل طبقات الحفاظ " ، وشمس الدين السخاوي _ رحمه الله _ في " الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" ، وفي " التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة " في ترجمة الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي _ رحمه الله _ المتوفى سنة ( 806 هـ ) من كونه قد اشتغل في بادية عمره وإقباله على العلم بالقراءات والعربية ، حتى انهمك في علم القراءات ، فنهاه الحافظ القاضي عز الدين ابن جماعة _ رحمه الله _ وقال له : " إنه علم كثير التعب قليل الجدوى، وأنت متوقّد الذهن، فينبغي صرف الهمّة إلى غيره " . ويستفاد من هذا : أن القاضي ابن جماعة _ رحمه الله _ صرفه عن علم القراءات لسببين : السبب الأول : أنه علم كثير التعب ! السبب الثاني : قليل الجدوى ، وأن الهمة العالية ينبغي صرفها إلى غيره من العلوم ! فأما ما يتعلق بالسبب الأول : كونه علم كثير التعب ؛ فالتعب أمر نسبي يختلف فيه الناس لاختلاف قدراتهم ، وتباين فهومهم ،وما كان العلم في يوم سهلا سائغا هكذا يلتهم ! بل لابد فيه من طول زمن ، وسهر ، وملازمة شيخ ، وحفظ ومذاكرة ، ولا يكون العلم إلا بترك الراحة لينال الدارس له الراحة في نهاية الامر ، لكن القاضي ابن جماعة _ رحمه الله _ أراد أن ما غلب التعب عليه في تحصيله لا يسلكه طالب العلم في باديته ، لأنه قد يكون سبب انتكاسته عن سلوك طريق العلم ، ولهذا كان العلم مراتب وأحوال لا يجوز للطالب تعديها كما قال ابن عبد البر _ رحمه الله _ في " جامع بيان العلم وفضله " : " طلب العلم درجات ومناقل ورتب ، لا ينبغي تعديها ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله ، ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل ، ومن تعداه مجتهدا زل " . والتعب في علم القراءات إما أن يكون بمطالعة هذا العلم من الناحية النظرية أو العملية وهي الأصعب _ فيما يظهر! _ . ومن الغريب أن بعضهم يستدل بأبيات منسوبة إلى أبي حيان الأندلسي _ رحمه الله _ على كون هذا العلم متعب لا سهولة فيه ! ويوردها _ بعضهم ! _ لتهميش هذا العلم !! وهي : وَحافظ أَلفاظِ القِراءاتِ جاهِلٌ ** بِالإعرابِ وَالمَعنى للإقراءِ رُتِّبا يرقِّقُ ما قَد فَخَّمُوا وَمفخِّمٌ لما** رَقَّقوا لَم يَلقَ شَيخاً مُهذَّبا يَرى أَنَّ نَظمَ الشاطِبي غايةُ المُنى ** وَلَم أَرَ نَظماً مِنهُ أَعصى وَأًصعَبا يَظَلُّ الفَتى فيهِ سِنينَ عَديدَةً** يُحاولُها فَهما فَيَبقى مُعَذَّبا بِلُغزٍ وَأُحجِيّاتِ شُلشل شَمَردَلٍ **وَدَغفَلِ أَسماءٍ عَن الفَهم حُجَّبا وَقَد أولعَ الجُهّالُ فيهِ بِشَرحِهِ **فَمِن شارِحٍ قَصراً وَآخَر أَطنَبا وَغايَتُهُ نُطقٌ بِأَلفاظِ أَحرُفٍ ** كَمالك نَنسَخ ننسِها لا نكذِّبا لَقَد كانَ هَذا الفَنُّ سَهلاً مُعَرَّبا** فَبَعَّدَهُ هَذا القَصيد وَصعَّبا ولا وجه للاستدلال بهذه الأبيات ، وذلك : أن كلامه لا ذم فيه لعلم القراءات _ كما سيأتي لاحقا _ وغاية التعب الذي ذكره ، إنما هو _ على حسب اعتقاده _ أن منظومة الإمام الشاطبي _ رحمه الله _ الموسومة بـــ " حرز الأماني ووجه التهاني " صعبة المنال ، مغلقة الكلام ، أشبه بالألغاز والأحاجي !! وهذا _ إن ثبت عنه _ رأيه ! وقد نقل برهان الدين الزركشي _ رحمه الله _ في " البرهان في علوم القرءان " رأي أبي حيان الأندلسي في كتاب " التيسير " لأبي عمرو الداني ، و " حرز الأماني " للشاطبي ، لكنه يختلف عما جاء في هذه الأبيات ، فمدار كلامه عند الزركشي على عدم احتواء " التيسير " و " حرز الأماني " على جميع القراءات ، وبيان حال بلاد الأندلس والإقراء فيها ! وأما ما وصف به قصيدة الشاطبي _ رحمه الله _ فيقال ما قاله الإمام الذهبي _ رحمه الله _ في " معرفة القراء الكبار " : " وقد سار الركبان بقصيدتيه: "حرز الأماني"، "وعقيلة أتراب القصائد"، اللتين في السبع والرسم، وحفظهما خَلْق لا يحصون، وخضع لهما فحول الشعراء، وكبار البلغاء، وحذاق القراء، فلقد أبدع وأوجز، وسهّل الصعب، وأخلص النية " . وقال الجعبري _ رحمه الله _ في " قصيدته " : إذَا مَا رُمْتَ نقلَ السبعة الزَم ** لتظْفَر بالمُنَى حرز الأماني جَزَى الله المصنف كَلَّ خَير** بما أَسْدَاهُ في وجه التهاني بألفاظ حَكَت دُرّاً نضيداً ** وقد نـَادَتْ فلبّتها المعاني وقد شرحها جمع كبير جدا ، ومنهم تلميذ أبي حيان الأندلسي _ رحمه الله _ المدعو بالسمين الحلبي _ رحمه الله _ في كتاب سماه : " العقد النضيد في شرح القصيد " . وقد تقرر لدينا أن تحقق التعب من المسائل النسبية التي تتباين من شخص لآخر . فأما ما يتعلق بالسبب الثاني : أن الأشخاص يختلفون في حاجاتهم ، وغالب ما يحتاجونه لا يخرج عن بوابة التوحيد والفقه والقراءة التي تصح بها الصلاة ، كل هذا على وجه الإجمال لا على وجه التفصيل ، بخلاف معرفة تفاصيل علم القراءات ، ولهذا قال الشاطبي _ رحمه الله _ في " الموافقات " : " كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لا يدل على استحسانه دليل شرعي ، وأعني بالعمل عمل القلب ، وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا " . فإن قيل : فالإتيان بالقراءات مطلوب شرعا وهو عمل اللسان ؛ يجاب : أنه يتحقق بقراءة واحدة والباقي كمال ! ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ في " مجموع الفتاوى " : " والعارف فى القراءات الحافظ لها له مزية على من لم يعرف ذلك ولا يعرف الا قراءة واحدة " . وقد عاين القاضي ابن جماعة _ رحمه الله _ شخصية الحافظ عبد الرحيم العراقي _ رحمه الله _ حتى وصفه بقوله : " وأنت متوقّد الذهن " ، وعمل الحافظ العراقي بنصيحته ، وهي : " الاشتغال بعلم الحديث " ، واشتغل به فأبدع في مجاله ، وصنف فيه وأتقن ، وكتب الدرر ، وأتى فيه بالمفيد ، فحصل الشوارد ، ونظم الفرائد ، وجمع الزوائد ، و" ألفيته " المسمى : بــ " التبصرة والتذكرة " ، أكبر برهان حتى سار بها الناس كالمواكب . بل ذكر عبد الحي الكتاني _ رحمه الله _ في " فهرس الفهارس " في ترجمة الحافظ علم القراء شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري _ رحمه الله _ أن الشمس البديري _ رحمه الله _ قال في " فهرسته " عن الإمام ابن الجزري : " إن سبب اشتغاله بالحديث بعد أن كان مكبا على علم القراءات أن بعض أشياخه قال له ذات يوم إن علم القراءات كثير التعب قليل الجدوى وأنت ذهنك رائق وفهمك فائق ومن كان هكذا فعليه بعلم الحديث فاجتهد فيه حتى حفظ مائة ألف حديث بأسانيدها وألف في مصطلح الحديث أرجوزة خمسمائة بيت أغزر علما من ألفية الحافظ العراقي وشرحها السخاوي وغيره وقد شرعت أيضا أنا في شرحها " !! ثم قال عبد الحي الكتاني _ رحمه الله _ في " فهرس الفهارس " : " وكانت له إجازة من العز بن جماعة " !! فتأمل كيف آل بإمام القراء وقدوتهم بعد سماعه النصيحة الاشتغال بعلم الحديث ، ومع ذلك فقد فاته أشياء كما قال السيوطي _ رحمه الله _ في " طبقات الحفاظ " : " وكان إماماً في القراءات لا نظير له في عصره في الدنيا حافظاً للحديث وغيره أتقن منه ولم يكن له في الفقه معرفة " .
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| أحسبها, لطلبة, القراءات, يانعات, علم, نافعات, كلمات |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|