|
#5
|
|||
|
|||
|
فصلٌ
ومن الجدير بيانه ، أن الفقهاء _ رحمهم الله _ أجمعوا على استحباب حفظ كتاب الله ، حيث قال ابن مفلح الحنبلي _ رحمه الله _ في " الأداب الشرعية والمنح المرعية " : " واتفقوا على استحباب حفظ جميعه " . وقال ابن حزم الظاهري _ رحمه الله _ في " مراتب الإجماع " : واتفقوا على أن حفظ شيء من القرآن واجب ، ولم يتفقوا على ماهية ذلك الشيء ولا كميته بما يمكن ضبط إجماع فيه ، إلا أنهم اتفقوا على أن من حفظ أم القرآن بسم الله الرحمن الرحيم كلها ، وسورة أخرى معها فقد أدى فرض الحفظ وأنه لا يلزمه حفظ أكثر من ذلك " . وقال ابن عبد البر المالكي _ رحمه الله _ في " جامع بيان العلم وفضله " : " طلب العلم درجات ومناقل ورتب ، لا ينبغي تعديها ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله ، ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل ، ومن تعداه مجتهدا زل ؛ فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه وكل ما يعين على فهمه، فواجب طلبه معه ، ولا أقول : إن حفظه كله فرض ، ولكني أقول : إن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالما فقيها ناصبا نفسه للعلم ليس من باب الفرض " . بل ذهب جمهور الفقهاء _ رحمهم الله _ إلى كون نسيان القرءان بعد حفظه يعد حراما ، بل ذهب بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة إلى كون نسيانه كبيرة من كبائر الذنوب .. حيث أخرج الشيخان في " صحيحهما " من حديث عبد الله بن مسعود _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : " بِئْسَمَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا " . وفي لفظ مسلم في " صحيحه " : " لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ " . يقول أبو العباس القرطبي _ رحمه الله _ في " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " : " وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله ، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف ، وبه ضُبِط عن أبي بحر ، والتشديد لغيره ، ولكل منهما وجهٌ صحيح ، فعلى التشديد يكون معناه : أنه عوقب بتكثير النسيان عليه ؛ لما تمادى في التفريط ، وعلى التخفيف يكون معناه : تُرِك غير مُلْتَفَتٍ إليه ، ولا مُعْتَنىً به ، ولا مرحوم ، كما قال الله تعالى : ( نسوا الله فنسيهم ) ؛ أي : تركهم في العذاب ، أو تركهم من الرحمة " . وقد قال الحافظ ابن حجر _ رحمه الله _ في " فتح الباري " : " واختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر " . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ في " مجموع الفتاوى " : " فإن نسيان القرءان من الذنوب " . وعده نسيانه كبيرة من الكبائر كل من : زكريا الانصاري _ رحمه الله _ في " أسنى المطالب " ، والرملي _ رحمه الله _ في " فتاويه " ، وأبو المكارم الروياني _ رحمه الله _ في " العدة " ، ومحمد الشربيني الخطيب _ رحمه الله _ في " مغني المحتاج " ، وابن حجر الهيتمي _ رحمه الله _ في " فتاويه " ، وأوردها ابن حجر الهيتمي في كتابه " الزواجر عن اقتراف الكبائر " وقال : " الكبيرة الثامنة والستون : نسيان القرءان أو آية منه ؛ بل حرف " !! ونقل البجيرمي _ رحمه الله _ في حاشيته على " شرح المنهج " عن حاشية " الإيضاح " : " ظاهر كلامهم توقف التوبة على تمام حفظ ما نسيه من القرآن " !!! وهذا الذنب مرتبط بالانشغال عن مذاكرة المحفوظ من القرءان بأمور دنيوية ، لا يسع تأجيلها ،ولا يترتب على تركها أضرار ، والانشغال _ أيضا _ بالأمور الواجبة والمندوبة إن ترتب عليها نسان شيء من المحفوظ فلا يعتبر الإنسان حينئذ آثما وقد صرح بهذا جمع من الفقهاء ممن ذكرناهم كالأنصاري في " أسنى المطالب " ، ونقل ابن رشد المالكي _ رحمه الله _ الإجماع على عدم مؤاخذته إن انشغل بواجب أو مندوب ، حكاه عنه ابن الداغستاني _ رحمه الله _ في " مطالب أولي النهى " . والنسيان قد يكون مما تقتضيه الطبيعة من سوء الحفظ والذاكرة فهذا لا شيء عليه إن داوم على المذاكرة ، ويدل على ذلك ما أخرجه الشيخان في " صحيحهما " من حديث عائشة قالت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة بالليل ، فقال : يرحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا ". وأما القول بأن النسيان كبيرة فمن قال به احتج بما أخرجه الترمذي في " الجامع الكبير " من حديث أنس بن مالك _ رضي الله عنه _ أن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قال : " عرضت علي ذنوب أمتي ، فلم أرى ذنبا أعظم من سورة من القرءان أو آية أوتييها رجل ثم نسيها " . فإسناده لا يصح ؛ وقد ضعفه الترمذي ، ونقل عن البخاري استغرابه ، وضعفه الألباني . فصلٌ والكلام في مباحث علم القراءات يطول ، ويحتاج إلى نوع إسهاب ، وتدقيق لمواضيعه ، وتحرير لمضامينه ، وبيان أهميته لا تخفى على عريب من الناس ذي نهية ، يدري أحوال العلم وجوانبه . ولكن ؛ هل علم القراءات .. كله ؟ أم أهميته متعلقة بتفهمه من الناحية النظرية .. دون العملية ، والعمل بما فيه استكمال كمال ؟ وهل كل طالب علم يشتغل فيه ؟ وبأي شيء يشرع .. أبالناحية النظرية .. أو العملية ؟ هذا ما لابد من معرفته ، وبيانه للطالب ، واستبيانه للمطلع ، قبل الشروع فيه ! وأما الاشتغال فيه دون معرفة صلاح المحل _ الذي هو طالب معرفته _ له ، يعتبر من ضياع الوقت دون تحصيل أعلى الرتب ، وأحسن المنازل ؛ إذ الأهم فالأهم هو فرض الوقت ! وإن كان الموضوع كذلك ، وهو كذلك _ ( !! ) _ فنقول ، وبحول الله نجول ، وبقوته نصول : هذا العلم علم القراءات من علوم الكتاب العزيز ، وتظهر أهميته لمتعلقه ، ولا نستبعد علاقته عن بقية العلوم الشرعية الأخرى ، فيربطه بها علاقة ظاهرة ؛ إذ أن العلاقة بين الفنون لا تخرج عن كونها علاقة ترادف وعلاقة تباين ، فتتباين في مباحثها _ بالجملة _ ويقع نوع ترادف في بعض أبوابها ، وهذا الحاصل بين علم القراءات وبقية العلوم الشرعية ، ومن استظهر العلوم بالجملة وجد أن علم القراءات له أثر على علم النحو بشكل ظاهر حتى صنف الدكتور عبد العال سالم مكرم رسالة اسماها بـــ " أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية " والدكتور أحمد الغامدي في رسالة أسمها " أثر القراءات الشاذة في الدراسات النحوية والصرفية " ، وعلى علم الفقه وصنف في ذلك الدكتور محمد عمر بازمول رسالة وسمها بـــ " أثر القراءات في التفسير والأحكام "، وعلى علم العقيدة ويمكن أن يشار فيها إلى كتاب الدكتور محمد بن عبد الله السيف " الأثر العقدي في تعدد التوجيه الإعرابي لآيات القرءان الكريم " ، وقد يلحق به كتاب يوسف بن عبد الله العليوي " التوجيه البلاغي لآيات العقيدة في المؤلفات البلاغية في القرنين السابع والثامن الهجريين " وهكذا ... وهذه أهم سمات العلوم ، حيث أن من تناكحها يحصل العجب ! ومن أعظم آثار علم القراءات التوسعة ورفع الحرج ، ودفع المشقة ، لاختلاف منطق الناس ، وتبدل مخارج الحروف عندهم بسبب اعتياد لهجة معينة ، حيث نزل الكتاب الرباني بسبعة أحرف ، وعلم القراءات يندرج في الأحرف السبعة . وقد وقع غلط عند الناس مفاده : أن هذه الأحرف السبعة هي قراءات الأئمة السبعة التي هي قراءة : نافع ، وابن كثير ، وأبي عمرو البصري ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي . والباعث لنشوء هذا ، ما ظنه بعضهم من اقتصار ابن مجاهد _ رحمه الله _ على سبعة قراء في كتابه الموسوم بـــــ " السبعة في القراءات " !! والقراءات السبعة اختيرت حسب شروط معينة ، لا على كونها الأحرف السبعة ، ولا على أنها وحدها القراءات المتواترة ، والكلام على التواتر الكلي أو النسبي في القراءات له محله . فكون القراءات من الأحرف السبعة فيه إظهار أهم سمات مقاصد الشريعة الإسلامية ، ولهذا اتفق العلماء _ رحمهم الله _ على نزول الأحرف السبعة ، وإن اختلفوا في مفهومها ، على مذاهب متعددة ، ويمكن أن تجتمع تحت مذهبين ؛ فمذهب أعمل حقيقة العدد الوارد ، ثم تباينت آرائهم في حقيقته ، فمنهم رأى كونها اللهجات واللغات ، أو الأوجه اللفظية ، أو الأوجه المعنوية ، ومذهب يقابله بالكلية فيرى عدم إرادة ظاهر العدد ، ومفاده يدور على الكثرة والتعدد .. وكل هذا يظهر لك _ يرعاك الله _ مكمن التسهيل والتوسعة في هذا العلم علم القراءات . بل ؛ يعتبر علم القراءات من أدل ما يثبت به هذا الدين ، ويعرف به صدق خاتم النبيين _ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم _ وذلك لوجهين : الوجه الأول : أن تعدد الحروف على رغم وقوعه فلا تناقض يحصل ، ولا تضارب يقع ، ولا تعارض يرد ، ليشعرك بأنه من عند الله _ تعالى _ القائل : (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )) !! الوجه الثاني : إظهار الجانب الإعجازي في تنوعها ، ولا يستحضر إلا بمطالعة علم توجيه القراءات ، الذي صنف فيه جمع كبير ، كابن خالويه _ رحمه الله _ في كتابه " إعراب القراءات السبع وعللها " ، وابن زنجلة _ رحمه الله _ في كتابه " حجة القراءات " ، ومكي بن أبي طالب _ رحمه الله _ في كتابه " الكشف عن وجوه القراءات " ، وما صنفه بعض المعاصرين ككتاب " قلائد الفكر في توجيه القراءات العشر " لمحمد القمحاوي وقاسم الدجوي ، وكتاب " الدرر الباهرة في توجيه القراءات العشر المتواترة " للدكتور هشام عبد الجواد الزهيري .
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| أحسبها, لطلبة, القراءات, يانعات, علم, نافعات, كلمات |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|