|
#3
|
||||
|
||||
|
آداب قضاء الحاجة
![]() الدرس الثالث من باب الطهارة د. عبد الله بن ناصر السلمي. آداب قضاء الحاجة: الاستنجاء هو: إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بالماء أو بغيره كالاستِجْمَار. فكل أدبٍ من آداب قضاء الحاجة لا يلزم أن يكون مُستحَبًّا، فيمكن أن يكون مُستحَبًّا، ويمكن أن يكون واجبًا، ويمكن أن يكون مكروهًا، ويمكن أن يكون مُحَرَّمًا، ويمكن أن يكون مُباحًا الخلاء: هو المكان الذي يُقضى فيه الحاجة، فلو كان في صحراء فوجد مكانًا يريد أن يقضي فيه حاجته؛ فإنَّه حينئذٍ يكون هذا المكان في حكم قضاء الحاجة. ماذا يقول الإنسان عند دخول الخلاء؟ يُستحَبُّ للإنسانِ إذا أراد أن يأتي مكانَ قضاء حاجته أن يقول دعاء دخول الخلاء: فيقول كما في الصَّحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّه قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يدخل الخلاءَ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن الخُبُثِ -أو مِن الخُبُثِ والخَبَائِث». والحديث متَّفقٌ عليه. وفيه فائدةٌ: وهي أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يقول ذلك قبل الدخول (كان إذا أراد أن يدخل الخلاء)؛ وعلى هذا فإذا أراد الإنسانُ أن يدخل الخلاءَ -وهي دورات المياه- فإنَّه قبل أن يدخل يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ أو من الخُبُثِ والخبائث. فإن كان في فضاءٍ ورأى أنَّ هذا المكانَ يحسُن أن يقضي حاجتَه فيه فإنَّه يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث. و أهل العلم اختلفوا في مسألة النُّطق: هل هي الخُبْث بضم الخاء وسكون الباء، أم هي الخُبُث بضم الخاء وضم الباء؟ بعضُ أهل العلم –وهو قول أكثر المُحَدِّثين- يقول: إنَّ الأصحَّ التَّسكين. وبعضُهم يقول: إنَّ الأصح هو الضم. وكل واحدٍ له وجهة نظرٍ، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأشهرَ هي الخُبُث بالضم، وإن كان يجوز فيها التَّسكينُ من باب التَّخفيف عند علماء اللُّغة. وعلى هذا فإذا قلت: الخُبْث أو الخُبُث. فكلُّ ذلك جائزٌ. فما معنى الخُبُث؟ (الخُبُث) قال بعضُهم: إنَّه بالضَّمِّ ذُكران الشَّياطين، والخبائث إناثُ الشَّياطين. وقال بعضُهم: إنَّه بالتَّسكين يكون المقصودُ به الشَّرَّ، والخبائث هي الذَّوات الشِّريرة. والذي يظهر -والله أعلم- أنَّنا إذا قلنا (الخُبُث والخبائث) فالمقصود به ذُكران الشَّياطين والشَّر نفسه، والخبائث إناثُ الشَّياطين والأنفس الشِّريرة كلها، وهذا هو الأظهر والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم. بعضُ الناس يقول: بسم الله. فأقول: إنَّه لو قال (بسم الله اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) فجائزٌ، ولكنَّ كلَّ الأحاديث الواردة بالبَسْمَلة أحاديث ضعيفةٌ، من ذلك ما رواه التِّرمذيُّ وابنُ ماجه من حديث عليِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنَّه قال: "قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «سَتْرُ مَا بَيْنَ عَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ وَالْجِنِّ أَنْ يَقُولَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ: بِسْمِ الله»". وهذا الحديثُ ضعيفٌ؛ في سنده رجلٌ يُقال له: الحَكَم النَّصْرِي، وهو حديثٌ ضعيفٌ. ما سبب هذا الذِّكْر؟ ويتعوَّذ بالله من الذي ينظر إلى عورته. ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أتى أحدُكم الغَائِطَ فليَقُل: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من الخُبُثِ والخَبَائِثِ»، فلأجل أنَّها مُحْتَضَرةٌ يعني حاضرةٌ، فينبغي له أن يتعوَّذ بالله من شرِّها، والله أعلم. فماذا يقول عند خروجه من الخلاء؟ يقول: (غُفْرَانَك)، كما ثبت ذلك عند أهل السُّنن من حديث عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يخرج من الخَلاءِ قال: «غُفْرَانَك». وهذا الحديثُ صحَّحه ابنُ خُزَيمةَ وابنُ حِبَّانَ والنَّوويُّ وغيرُ واحدٍ من أهل العلم. ولو قال: (الحمدُ لله الذي أذهب عنِّي الأذى وعافَانِي)، فهذا حديثٌ رواه ابنُ ماجه، فإن قالَه فلا حَرجَ، لكنَّ الحديثَ فيه ضعفٌ والله أعلم. الصَّحيحُ أنَّه من قول أبي ذرٍّ كما ذكر ذلك الدَّارقُطْنِيُّ، فإن قالَه أحيانًا فلا حرجَ، ولو لازمَه لأنَّه قولُ صحابيٍّ فلا حرجَ إن شاء الله، لكنَّ السُّنة أن يقول: «غُفْرَانَك». ما الحِكمةُ من أن يقولَ الإنسانُ: «غُفْرَانَك»؟ الحكمة -والله أعلم- هي أنَّه لَمَّا يَسَّر اللهُ له إزالةَ ما في بطنه فهو يسأل ربَّه أن يُزِيلَ ما عَلِقَ من الذُّنوب، فلمَّا زال ما عَلِقَ من الأوساخ الحِسِّيَّة ناسَبَ أن يسأل ربَّه أن يُزيل عنه الأوساخَ المعنويَّة، وهذا ظاهرٌ والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم ما الحال لو دخل الإنسانُ الخلاءَ ولم يتذكَّر أنَّه قال ذلك؟ الجواب: أنَّه لا حرجَ أن يقول: (اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) وهو يقضي حاجتَه، لماذا؟ الجواب: أننا سوف نتحدَّث عن مسألة ذكر الله في الخلاء، وأنَّه مكروهٌ، فذكر الله العام مكروهٌ في الخلاء، وقول: (اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) مُستحَبٌّ، والقاعدة تقول: إذا تعارضَ مأمورٌ ومحظورٌ فيُقَدَّم المأمورُ، إذا تعارض واجبٌ ومُحَرَّمٌ، فالمُقَدَّم الواجب؛ لأنَّ الواجبَ أعظمُ. إذا ثبت هذا فإنَّه يُستحَبُّ له قبل أن يدخل الخلاءَ أن يُقَدِّمَ رِجْلَه اليُسْرَى، وإذا أراد أن يخرج قدَّم رِجْلَه اليُمنى، وذلك لما جاء في الصَّحيحين من حديث عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّها قالت: "كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعْجِبُه التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه إذا انتعل، وفي تَرَجُّلِه إذا تَرَجَّل". وفي روايةٍ: "وفي شأنه كلِّه". فدلَّ ذلك على أنَّ كلَّ ما كان فيه إكرامٌ لليمين قُدِّمت اليُمنى، وكلَّ ما فيه عدمُ إكرامٍ لليمين قُدِّمت اليُسرى مسألةٌ: هل يُكره دخولُ شيءٍ فيه ذكرُ الله في الخلاء؟ الجواب: لا يخلو هذا الشيء من أمرين: أولاً: المصحف: ما حُكم دخول الخلاء بالمُصحف؟ الجواب: أنَّه لا يجوز، بل قال بعضُ أهل العلم: "ولا أظنُّ عاقلاً يُخالف في ذلك". كما قال المِرْدَاوِي صاحب "الإنصاف"، فلا يجوز لأنَّ المصحفَ مأمورٌ فيه بالإكرام، ودخول الخلاء فيه الإهانة، إلا إذا كان ذلك خوفًا عليه، فإذا كان ذلك خوفًا عليه أصبح ضرورةً فلا حرجَ، مثل أن يكون في دورات مياه غير أهل الإسلام، أو يكون مصحفُه يخاف عليه، فنقول: احفظه خارج الحمام، ولكن لا ينبغي أن تدخل به الحمام إلا إذا خفتَ عليه من سرقةٍ ونحوها، فاجعله داخل الجيبِ، ومع ذلك يجب على الإنسانِ أن يتوقَّى ولا يُدخله، والله أعلم. أمَّا القسم الثاني: دخول شيءٍ فيه ذكرُ الله، كصحيفةٍ فيها اسم الله: أولاً لم يرد عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حديثٌ صحيحٌ في هذا الباب، واستدلَّ بعضُ أهل العلم على الكراهة فقالوا: "لما جاء من حديث أنس بن مالك أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يدخلَ الخلاءَ خلع خاتَمَه، وكان نقشُه: محمدٌ رسولُ الله". فقالوا: كلمةُ الله ذكرٌ لله، فكان الرسولُ –صلى الله عليه وسلم- يخلع خاتَمه لأجل ألا يدخل به الخلاء. والجواب على هذا: أنَّ هذا الحديثَ لا يصِحُّ مرفوعًا، فقد ضعَّف الحديثَ النَّسائيُّ وأبو داودَ وقال: مُنكرٌ. وهذه هي طريقةُ أهل العلم من المُتقَدِّمين، وصحَّحه بعضُ أهلِ العلم من المُتأخِّرين، والصَّحيح أنَّ الحديثَ موقوفٌ على أنسٍ. فإن دخل بشيءٍ فيه ذكرُ الله فلا حرجَ إن شاء الله، والأفضل ألا يُدخل شيئًا فيه ذكرُ الله الخلاءَ، إلا إذا كان قد وضعه في جيبه، فلا حرجَ في ذلك؛ لأنَّه في حكم ما في قلبك، وقلبك في حكم الصُّندوق، فكذلك دخولك بهذا الأمر. وقُل مثلَ ذلك في دخول الأجهزة الإلكترونيَّة كالجوال والآيفون وغير ذلك، والتي فيها مصاحف، فإذا كانت مُقْفَلةً وهي داخله فهذه حكمها مثل حكم ما لو دخل الإنسانُ وفي قلبه القرآنُ كاملاً، فلا حرجَ في ذلك، لكن إذا كان سيُظهره أو يقرأ فيه؛ فلا ينبغي له ذلك، والله أعلم. آداب قضاء الحاجة: 1- أنَّه إذا أراد الإنسانُ أن يقضي الحاجةَ ابتعد، وهذا كما جاء في الصَّحيح من حديث المغيرة بن شعبة –رضي الله عنه- أنَّه قال: "حتَّى توارى -يعني رسولَ الله صلى الله عليه وسلم- عنِّي في سواد اللَّيل". فهذا يدلُّ على أنَّ الرسولَ –صلى الله عليه وسلم- كان قد ابتعد. إذن الابتعادُ غير الاستتار، فأنت ربما تقضي حاجتَك وقد استترتَ من زُملائك وأصحابك، لكنَّك لم تبتعد، فالسُّنة أن تبتعدَ، وقد جاء في ذلك حديث: "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يقضي حاجتَه أبعدَ"، ولكن الحديثَ ضعيفٌ، وأحسن شيءٍ هو حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- إذن يُستحب للإنسان أن يبتعد. 2- الاستتار: والاستتار نوعان: استتارٌ عن كشف العورة: فهذا واجبٌ أن يستتر، فبعض الناسُ أحيانًا لا يُبالي فيقضي حاجتَه في دورات المياه والناس ينظرون إلى عورته، وهذا لا يجوز؛ لما جاء عند أهل السُّنن أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما سُئل وقال له الصحابةُ: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر. قال: «احْفَظْ عَورَتَك إلا من زَوجِك أو ما ملكَت يَمِينُك». قالوا: يا رسول الله، يكون أحدُنا وحده! قال: «فاللهُ أحقُّ أن يُسْتَحْيَى منه». القسم الثاني: الاستتار بمعنى ألا يراه أصحابُه حالَ قضاء الحاجة؛ يعني يختفي، فعندنا ابتعادٌ والثاني اختفاءٌ. فكان -صلى الله عليه وسلم- من سُنَّته أن يَستَتِرَ؛ لما جاء في صحيح مسلمٍ من حديث عبد الله بن جعفر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أحبَّ ما استتر لحاجته هدفٌ أو حائشُ نخلٍ، والهدف هو الشيء المُعْتَرِض، مثل: تلٍّ صغيرٍ أو شجرةٍ ليس لها ظلٌّ يُنتفع به، فيقضي حاجتَه، بحيث لا يراه أحدٌ ولو كان قريبًا. فهذا هو الأفضل، وينبغي أن يكون عليه الإنسانُ. فإذا لم يجد مكانًا فلا حرجَ إن شاء الله شريطةَ ألا يظهر منه شيءٌ من العورة، وقد قال حذيفة -رضي الله عنه- كما في الصَّحيحين: «فأتى -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائمًا وأنا خلف عَقِبِه». يعني أنه قريبٌ منه، فإذا كان هناك حاجة وضرورة فلا حرجَ إن شاء الله، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم. 3- يُستحَبُّ للإنسانِ عند قضاء الحاجة ألا يتكلَّم؛ لأنَّ بعضَ أهل العلم يرى أنَّ الكلامَ ممقوتٌ، واستدلُّوا على ذلك بما جاء من حديث ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبول فجاء رجلٌ فسَلَّمَ عليه، فلم يرد عليه السلام، ثم قال: «إنِّي كَرِهتُ أن أذكرَ اللهِ وأنا عَلَى غَيرِ طُهْرٍ». فقالوا يُكره لذلك. والصَّحيحُ أنَّ هذا الحديثَ ليس فيه دلالةٌ على أنَّه يُكره الكلامُ حال قضاء الحاجة، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما كره ذلك لأجل أنَّه يقول: (وعليكم السلام)، ففيه ذكرٌ لله وهو غيرُ طاهرٍ. ومما يدلُّ على أنَّ الكلامَ لا بأس به إن كان لحاجةٍ؛ ما جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعودٍ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال له: «ائتِنِي بثلاثَةِ أحجَارٍ». قال: "فأتيتُه وهو يقضي حاجتَه بحجرين ورَوْثَةٍ، فأخذ الحجرين وألقى الرَّوْثَةَ وقال: «إِنَّها رِجْسٌ»". وفي روايةٍ عند ابن خُزيمةَ: «ائتِنِي بغَيْرِهَا». فدلَّ ذلك على أنَّه إذا احتاج إلى الكلام فلا حرجَ، فإذا كان الإنسانُ في دورات المياه وطُرِقَ عليه البابُ فلا حرجَ أن يتنحنح، أو يقول: أنا فيه. أو يُنادى به فيُقال: يا فلان. فيقول: نعم. بحيث يُخبر الناسَ. أمَّا الحديثُ الواردُ من أنَّ الله يَمْقُتُ الرَّجلين يخرجان قد ظهرت عوراتُهما يتغَوَّطان، فإنَّ الله يمقُتُ من ذلك. فهذا الحديثُ ضعيفٌ، ولو صحَّ فإنَّ النَّهي إنَّما هو لأجل أن الرَّجل يرى عورةَ أخيه، والرَّجل الآخر يرى عورةَ صاحبه، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم. حكم استقبال القبلة واستدبارها أولاً في هذه المسألة: 1- حكم استقبال بيت المقدس. الصَّحيح: أنَّ استقبالَ بيت المقدس ليس فيه نهيٌ. 2- استقبال النَّيِّرَيْنِ. النيران: الشَّمس والقمر، فاستقبال النيرين جائزٌ ولا حرجَ، وبعضُ الفقهاء يرى أنَّه يُكره، والصَّحيح أنَّه جائزٌ؛ لأنَّه إذا مُنِعَ الإنسانُ من استقبال القبلة من استِدْبَارها فماذا يصنع؟ فالشَّمسُ إمَّا أن تكون في الجهة الثانية أو القمر. فالرَّاجِحُ -والله أعلم- أنَّ استقبال النَّيرين جائزٌ ولا حرجَ. 3- استقبال القبلة: الرَّاجح -والله أعلم- أنَّه لا يجوز استقبالُ القبلة حال قضاء الحاجة، ولا فرقَ في ذلك حال البُنيان أو حال الصَّحراء؛ لأنَّ الإنسانَ حال البُنيان وإن كان بينه وبين القبلة جُدُر، فكذلك الصَّحراء بينه وبين القبلة مفاوز وجبال ورمل وغير ذلك، فعلى هذا فاستقبال القبلة حال قضاء الحاجة لا يجوز. الدَّليل ما جاء في الصَّحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري أنَّه قال: "قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا بغَائِطٍ أو بَوْلٍ، ولَكِنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا»". قال أبو أيوب: "فذهبنا الشَّأْمَ -يعني الشام- فوجدنا مَرَاحِيضَ قد بُنِيَت قِبَلَ القِبْلة، فننحرف عنها ونستغفر الله". فهذا لم يأتِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه استقبل القِبْلَةَ، لا في البُنيان ولا في الصَّحراء؛ فدلَّ ذلك على أنَّه محفوظٌ، فلا يجوز هذا الاستقبال. 4- الاستِدْبَارُ. الرَّاجح -والله أعلم- أنَّ الاستدبارَ حال قضاء الحاجة يجوزُ، وإن كان الأفضلُ العدمَ، ودليل ذلك ما جاء في الصَّحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنَّه قال: "ولقد رَقَيتُ على ظهر بيتٍ لحفصةَ فرأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قاعدًا على لَبِنَتَيْنِ مُستقبلَ بيت المقدس". فإذا كان الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- وهو في المدينة مُستقبلَ بيت المقدس؛ إذن فهو مُستدبر الكعبة. وجه الدِّلالة: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها». وجاءنا حديثُ عبد الله بن عمر، وهو أنَّه رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مُستَدْبِرَ القِبلة، فدلَّ ذلك على أنَّ هذا فعلٌ يدلُّ على الجواز، وهذا نهيٌ، فكان النَّهيُ في الاستدبار أخفَّ من النَّهي في الاستقبال، ولا فرقَ بين البُنيان وغيره، وإن كان جاء في ذلك حديثُ ابن عمر: "أنَّه كان يضع ناقتَه في ذلك". فالرَّاجح -والله أعلم- أنَّ ذلك إنَّما يجوز في الاستدبار، ولكن الأفضلَ ألا يستدبر، وأمَّا الاستقبالُ فلا يجوز. وأمَّا ما جاء في الحديث: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَوَقَدْ فَعَلُوها؟ حَوِّلُوا مقعَدَتِي إلى القِبلة». فهذا حديثٌ ضعيفٌ، حديث جابر ضعيفٌ، والله -تبارك وتعالى- أعلم، أو حديثُ عائشةَ ضعيفٌ؛ يرويه عراك بن مالك عن عائشةَ، وهو مُنقطِعٌ، والله -تبارك وتعالى- أعلم. وأمَّا قول جابر أيضًا: "ولقد رأيتُه قبل وفاته بعامٍ مُستقبل القِبلة". فهذا حديثٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ في سنده محمد بن إسحاق، ومحمد بن إسحاق لا يُقبل حديثُه إذا أتى بما يُنكر، وهذا مما استنكره عليه الأئمَّةُ، والله -تبارك وتعالى- أعلى وأعلم. حكم الاستنجاء بالماء، أو الاستجمار بالحجر، أو بهما معًا: الاستنجاءَ: إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بالماء. والاستِجْمَار: إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بغير الماء، كحجرٍ، أو خِرْقَةٍ، أو شيءٍ مُباحٍ، والله أعلم. أمَّا الاستنجاءُ بالماء فقد كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يستنجي بالماءِ عند قضاء الحاجة، وهذا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه والله أعلم، وقد نقل الإجماعَ غيرُ واحدٍ من أهل العلم، كابن قُدَامَةَ وغيره، وذلك لما جاء في الصَّحيحين من حديث أنس بن مالك أنَّه قال: "كنتُ أنا وغلامٌ نحوي نحمل إِدَاوَةً إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا قضى حاجتَه أعطيناهُ إيَّاها". أو كما قال -رضي الله عنه. فكان ذلك دلالة على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قضى حاجته يُعطى هذه الإِدَاوَة ليستنجي بها، ولهذا جاء في الصَّحيحين من حديث المغيرة حينما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتوارى ويستنجي أخذ إِدَاوَةً من ماءٍ لأجل أن يستنجي بالماء، والله أعلم. الحالة الثانية: الاستِجْمَار، والاستجمار هو إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بغير الماء كالمناديل، والخِرْقَة، والحجر، والتُّراب، ونحو ذلك: فيجوز للإنسانِ أن يُزيل الخارجَ من السَّبِيلَين بهذه الأحجار، أو بهذه المناديل، ولو كان الماءُ موجودًا عنده، وإن كان الأفضلُ أن يستخدم الماءَ، لكنَّه يجوز الاستجمارُ ولو كان عنده ماءٌ والله أعلم. الحالة الثالثة: أن يستخدم الاثنين، فيغسل السَّبيلين بالماء، ثم يتمَسَّح بالمناديل، أو يتمسَّح بالمناديل ويستخدم الماءَ، وهذا أيضًا جائزٌ، ولكن لم يرد فيه حديثٌ صحيحٌ بأن يجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما، وإنَّما جاءت أحاديثُ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأهل قُباء في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]، قال: «أَنَّكُم تُتْبِعُونَ الحِجَارَةَ الماءَ». وهذا الحديث جاء من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث ابن عباس، وجاء من حديث عائشة، ولا يصحُّ في الباب حديثٌ والله أعلم، ولكنَّه إذا جاز الماءُ وجاز الاستجمارُ؛ فالجمع بينهما جائزٌ والله أعلم، وأحسن شيءٍ إنَّما هو من قول عائشة والله أعلم، وعلى هذا فلو استخدم الجميعَ فلا حرجَ. وعلى هذا فنقول للإخوة الذين يكونون مرضى في المُستشفيات، ويشقُّ عليهم الذَّهابُ دائمًا إلى دورات المياه: قد جعل اللهُ لكم الرُّخْصَةَ والعافِيةَ والسَّعَةَ بأن تستخدموا المنادِيلَ عند قضاء الحاجة وأنتم في أَسِرَّتِكم، ولا حرجَ في ذلك، لكن يجب أن تعلموا أنَّ هذا التَّمَسُّحَ بالمناديل وغيره لابُدَّ فيه من أحكامٍ، وهو باب الاستِجْمَار. أحكام الاستِجْمَار: أولاً: لا يجوز الاستجمارُ إلا بثلاثةِ أحجارٍ، أو بثلاث مَسَحَاتٍ مُنْقِيَةٍ، فلو مسح السَّبيلَين بحجرين وأَنْقَى لا يُجزئ حتى يكون ثلاثًا، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة، خلافًا للمالكيَّة والحنفِيَّة، فإنَّهم قالوا يُجزئ، ولكن الأفضلَ الثَّلاثُ. والصَّحيح أنَّه لا يُجزئ إلا بثلاثةِ أحجارٍ، ولو أنقى بواحدٍ، أو باثنين، ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال -كما عند الإمام أحمد وأهل السُّنن: «أَيُّها النَّاسُ، إنَّما أَنَا لَكُم بمَنْزِلَةِ الوَالِد، فإذا أرادَ أَحَدُكم أن يَقْضِي حاجتَه فإنَّه يُجزئ من ذلك ثلاثَةُ أحجارٍ». فقوله: «يُجزئ» دليلٌ على أنَّ غيرَ الثلاثة لا يُجزئ والله أعلم، وهذا من باب المأمور، والقاعدة أنَّ بابَ المأمور لا يجوز تركه والله أعلم. المسألة الثانية: أنَّه لا يجوز أن يَتَطَهَّر أو يتمَسَّحَ بِرَوَثٍ، أو عَظْمٍ، ولو كانا طاهِرَين، فإذا أراد إنسانٌ أن يَسْتَجْمِرَ برَوْثَةٍ، فهذه الرَّوْثَةُ إمَّا أن تكونَ رَوْثَةَ حمارٍ، وإمَّا أن تكونَ رَوْثَةَ ما يُؤكل لحمُه، فلا يجوز، لماذا؟ لأنَّه إذا كانت رَوْثَةُ حمارٍ فإنَّها نَجِسَةٌ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- كما عند البخاريِّ: «إِنَّهَا رِجْسٌ» فلو استجمر بنجِسٍ فإنَّه لا يزيد المكانَ إلا نجاسةً. كذلك العظمُ فلا يجوز، لماذا؟ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يُسْتَجْمَرَ بالرَّوَثِ والعظم إذا كانا يُؤكل لحمها، قال: «لأنَّهُ طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ»، وحينما قالت اليهودُ: "قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيءٍ حتى الخِرَاءَةَ". يعني حتى قضاء الحاجة، فقال سلمانُ الفارسيُّ -رضي الله عنه: "أجل، نهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نستقبلَ القِبلَةَ بغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجي برَجِيعٍ، أو بعَظْمٍ". وعلى هذا، فلا يجوز أن يُستنجى برجيعٍ أو عظمٍ. والسُّؤال: إذا استنجى الإنسانُ برجيعٍ أو عظمٍ ومسح ثلاثةَ مرَّاتٍ بالعظم، أو ثلاثَ مرَّاتٍ بالرَّوثَةِ الطَّاهرة، هل يكون طاهرًا؟ اختلف العلماءُ في ذلك: فذهب الشَّافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّه لا يكون طاهرًا، فتجب عليه الإعادةُ، فيأتي بحجرٍ أو ثلاثةِ أحجارٍ ويمسح، ولو كان المكانُ طاهرًا، ولو تَطَهَّر المكانُ. وذهب أبو حنيفة، ومالك، واختيار ابن تيمية -رحمهم الله- وهو أنَّه لو تَمَسَّحَ برَوَثٍ أو عظمٍ فإنَّه آثمٌ، ولكنَّه يكون طاهرًا، قالوا: لأنَّ النَّهيَ إنَّما هو من باب اجتناب المحظور، واجتناب المحظور يأثم صاحبُه، ولكن الفعلَ صحيحٌ -والله أعلم. واستدلوا على ذلك بأنَّ الحديثَ الواردَ فيه وهو حديث أبي هريرة عند الدَّارَقُطْنِيُّ: «إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» حديثٌ ضعيفٌ، والله أعلم. وأمَّا حديثُ: «إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» يعني الرَّوَثَ والعَظْمَ؛ فإنَّه حديثٌ ضعيفٌ، ضعَّفه غيرُ واحدٍ من أهل العلم -رحمهم الله جميعًا. فوائد من الأسئلة حكم سُقوط فَأْرٍ حَيٍّ في الماء ثم خرج من المعلوم أنَّ الفأرَ الحيَّ الراجح فيه -والله أعلم- أنَّه في حكم الطَّاهر، وذلك لأنَّه كما قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي قتادة عند أهل السُّنن في الهِرَّة: «إِنَّهَا لَيْسَت بنَجَسٍ، إِنَّهَا من الطَّوَّافِينَ عَلَيكُم والطَّوَّافَاتِ». فكذلك الفَأْرَةُ، فالأصل أنَّ سُؤْرَ الفأرةِ طاهرٌ، وعَرَقَها طاهرٌ، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، إلا إذا وُجِدَ شيءٌ من نجاستها على الماء؛ فالأصل أنَّه إن كان قد غَيَّر شيئًا من أوصافه؛ فإنَّه يكون نجسًا، وإن لم يُغَيِّر فالأصل فيه الطَّهُوريَّة -والله أعلم. ما حكم الماء المُشَمَّس الشَّافعيَّةُ يقولون -وهو مذهب الحنابلة: يُكره استعمال الماء المُشَمَّس. وقد جاء في ذلك أحاديثُ وهي ضعيفةٌ: أنَّه يُورِثُ البَرَصَ. والصَّحيح أنَّ استعمالَ الماء المُشَمَّس لا حرجَ فيه؛ لأنَّ هذه المسائل تحتاج إلى دليلٍ، ولا دليلَ في ذلك -والله أعلم. اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ، وأراد الصَّلاةَ، فماذا يفعل؟ قال بعضُ العلماء: "إذا كان يعلم عددَ النَّجِسِ؛ فإنَّه يُصَلِّي عددَ الثِّياب النَّجسة وزيادة واحد". فلو كان عنده ثيابٌ نجسةٌ مئة، وعنده ثيابٌ طاهرةٌ اثنين، واختلطت هذه بتلك، فهم قالوا لابُدَّ أن يُصَلِّي، فيلبس ثوبًا ويُصَلِّي، ثم يلبس الثاني ويصلي، ثم يكمل مئة وواحد، قالوا: "لأنَّنا نعلم حينئذٍ أنَّه قد صلَّى في واحدٍ طاهرٍ؛ لأنَّه صلى عددَ النَّجِس وزيادة". وهذا فيه كُلْفَةٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا من التَّكليف بما لا يُطاق، والله -تبارك وتعالى- أعلى وأعلم. والجواب على هذا أن نقول: القاعدة التَّحرِّي، فيتحرى أي الثياب الطَّاهرة، فيأخذ واحدًا ويُصَلِّي ولا حرجَ عليه. وصلاتُه صحيحةٌ؛ لأنَّه اجتهد، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ». لكنَّه لو أُخبر بعد ذلك أنَّه صلى في ثوبٍ نجسٍ، فالرَّاجح -والله أعلم- أنَّه لا حرجَ عليه ولا تلزمُه الإعادةُ؛ لما جاء عند أهل السُّنن أنَّ الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي سعيد الخدري: صلى وفي نعليه نجاسةٌ –أذى- فلما أخبره جبريلُ خلعهما. وجه الدِّلالة: أنَّه لو كانت النَّجاسَةُ في الثَّوب إذا كان جاهلاً أو ناسيًا تُبطلها لبطلت من أول الصَّلاة، فلمَّا أكمل -صلى الله عليه وسلم- دلَّ على أن النَّاسِي وجود نجاسةٍ في ثوبِه لا حرجَ عليه ولا بأسَ بذلك -والله أعلم.
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الدروس, الطهارة, باب, تفريغ, جميع |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|