الجامعة العالمية للقراءات القرآنية والتجويد ترحب بكم

عدد مرات النقر : 12,630
عدد  مرات الظهور : 201,646,230

عدد مرات النقر : 57,627
عدد  مرات الظهور : 203,952,618
عدد مرات النقر : 55,363
عدد  مرات الظهور : 205,628,971
عدد مرات النقر : 59,011
عدد  مرات الظهور : 205,628,957
عدد مرات النقر : 54,208
عدد  مرات الظهور : 203,952,610

الإهداءات




عدد مرات النقر : 39,062
عدد  مرات الظهور : 136,267,778
عدد مرات النقر : 52,735
عدد  مرات الظهور : 150,049,907

عدد مرات النقر : 32,937
عدد  مرات الظهور : 131,786,760
عدد مرات النقر : 34,411
عدد  مرات الظهور : 127,600,105

عدد مرات النقر : 30,692
عدد  مرات الظهور : 134,717,536
عدد مرات النقر : 32,055
عدد  مرات الظهور : 127,366,949
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-03-2012, 09:50 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
تفريغ جميع الدروس في باب الطهارة




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

تفريغ الدرس الأول من دروس الفقه

فقه العبادات

باب الطهارة







نحييكم أجمل ترحيب, ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا المجلس, مجلس خير وبركة وعلم ومنفعة, ومعرفة لله ولرسول -صلى الله عليه وسلم-

ولا شك أن مجالس العلم, مجالس تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة, وتتنزل عليها السكينة, ولهذا فإن فقهاء الإسلام من علماء العصر, يرون أن المجلس إنما ما تعارف عليه الناس في المجلس, فمجلس البيع هو ما تبايع فيه المتبايعان, أو ما يحصل فيه من وسائل الاتصال الحديث. وأن هذا المجلس الذي بإذن الله تحفه الملائكة, فكذلك فيمن خلف الجهاز, يستمعن ويترقبن, يأخذن أقلامهم ويقيدن فوائد هذا الدرس, فإنهن بإذن الله سوف يكنن ممن تحفهم الملائكة.

فحي هلا جميعا في هذا الصرح المبارك.

ففي هذه الدورة ستشرح لنا بإذن الله المعلمة *ماما محبة القرآن*-باب الطهارة-.
ما يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها وهناك مسائل لا يسع المؤمن ولا المؤمنة جهلها.


قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله- (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المعصوم -بأبي هو وأمي- وإلا فكل واحد من علماء الإسلام أصاب كثيرًا وقد خفيت عليه السنة في بعضها.

ولهذا فإننا حينما نشرح الفقه فإنما نتعبد الله سبحانه وتعالى أن نعلم حكم الله في هذا الأمر.
نجتهد ونتثبت ونتوسع في هذا الأمر, هل لنا أن نجد مراد الله ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإن لم نجد وقد بلغنا جهدنا ووسعنا وطاقتنا في بحث هذا, فإن الله سبحانه وتعالى يعذر كل مجتهد.

ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد".

والمسائل العملية التي ربما يكون الإنسان مصيب فيها, وبعضها ربما أخطأ, الحمد لله, الأمة فيها بخير, ما داموا ينظرون وينشدون الكتاب والسنة.

فإذا أخذ أحدهم بقول أبي حنيفة وترك قول مالك أو الشافعي أو أحمد فهو على خير بإذن الله ما دام لا يعلم الدليل.

وكذلك لو كان على مذهب مالك, وأخذ مذهب مالك وترك مذهب الشافعي أو أحمد أبي حنيفة, فهو بإذن الله على خير. لأنه كما قال العبد الصالح عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- حينما قال: ما أحب أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اتفقوا, لأنهم لو اتفقوا رأيت أن مخالفهم على ضلال, فأما إن اختلفوا فرأيت أن الناس في سعة.
وجاء رجل إلى الإمام أحمد, وقد ألف كتاب (اختلاف الفقهاء), فقال له يا أبا عبد الله انظر هذه أقوال أهل العلم في الأمصار, فنظر إليه الإمام أحمد ورأى أنه قد كتب كتاب الاختلاف, فقال لا.. سمه كتاب السعة.


فأبو حنيفة -رحمه الله- قد تربى على مذهب عبد الله بن مسعود, الذي أخذ عنه تلامذته ثم أخذ عنهم النخعي, ثم أخذ عنهم حماد بن أبي سليمان ثم أخذه عنه أبو حنيفة النعمان.
ومالك بن أنس لم يأتِ من فراغ بل كان على مدرسة ومدارس تربى عليها, فقد أخذ علمه من عبد الله بن عمر, الذي كان فقيه أهل المدينة, ثم عبد الله بن عمر تربى على يديه تلامذته كسالم ونافع, وفقهاء أهل المدينة كالزهري وغيره وأخذ مالك من الزهري ومن ربيعة بن أبي عبد الرحمن, ومن الأئمة بعدهم وكذلك الإمام الشافعي فقد أخذ علمه من سفيان بن عيينة في مكة, ومن مسلم بن خالد الزنجي في مكة, ثم انتقل بعد ذلك ليتعلم على يد مالك, وهو ابن ست عشرة سنة, ثم بعد ذلك حينما أخذ علم مالك ذهب إلى محمد بن الحسن, فأخذ علم محمد بن الحسن. فجمع بين فقه الرأي وفقه الحديث, وألف كتابه العظيم (كتاب الرسالة).

ثم جاء أحمد بن حنبل -رحمه الله- فأخذ بعلم من كان قبله, فأخذ بعلم أهل الحديث, وفقه الأئمة التابعين, كالفقهاء السبعة. وكذلك عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب, وغير ذلك من هؤلاء.فكلهم على الحق, ووردوا من حوض محمد -صلى الله عليه وسلم-



دين النبي محمد أخبار ** نعم المطية للفتى الآثارُ
لا ترغبن عن الحديث وآله ** فالرأي ليل والحديث نهارُ
ولربما نسي الفتى أثر الهدى ** والشمس طالعة لها أنوارُ

وعلى هذا فإننا سوف نسير بإذن الله على هذا المنهج, منهج الفقه المنبني على الدليل. نستنبط أقوال أهل العلم فيه, فنأخذ مرة -إن وافق الحق- مذهب أبي حنيفة, ومرة مذهب الشافعي, مرة مذهب مالك.

ننطلق من حيث انطلقوا والله يعذر بعضنا بعضًا.
نسأل الله تعالى التوفيق والتسديد.

ومن المعلوم أن هذا الفن -أعني فن الفقه- من أشرف العلوم, ومن أجلّ العلوم, فإن الإنسان لا يعرف الحلال والحرام إلا بالفقه في الدين.

الناس كثر, لكن الفقهاء قلة, فأهل العلم في حفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- متفقون, وفي فهمهم لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مختلفون.
وهؤلاء على مدارك وعلى منازل ولهذا, قال -صلى الله عليه وسلم- للفقيه (فقيه الأمة) معاذ بن جبل: "يأتي معاذ بن جبل يوم القيامة وقد سبق العلماء برتوة".

وهذا يدل على تفاوت منازلهم وكل من اعتمد على الحق, واجتهد في الحق, ودار حيث يدور الحق؛ فإنه بإذن الله على هدى, وإنه على صراط مستقيم.

وقد قال الله تعالى في حق نبيه {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
فنحن نقتدي بهؤلاء الأئمة, ولا يسوغ لنا أن نضلل عالمًا قد اجتهد في دين الله -سبحانه وتعالى- فإنهم وإن أخطأ بعضهم, فإنما لم يخطئ لأجل هوىً في نفسه, ولم يخطئ لأجل أن ترك الحق, وإنما كان ينشد الحق.

فأبو حنيفة الذي يعتب عليه من يعتب لتركه الدليل, والسبب في ذلك, أنه عاش -رحمه الله- في بلد أهل الكوفة, وذلك لأن أهل الحديث في ذلك الوقت قلة, فكان يعتمد على النصوص العامة, فيستدل.
قال أبو العباس بن تيمية: (أبو حنيفة ربما يترك القياس والقاعدة لأجل أثر رواه عبد الله بن مسعود -فيترك القياس لقول صحابي- يقول ابن تيمية, فما بالكم لو كان حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ).
فهؤلاء هم الأئمة, وهؤلاء هم الذين حفظوا لنا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-
ولقد ذكر الخطيب البغدادي في كتاب (الفقيه والمتفقه) قصة الأعمش سليمان بن مهران الإمام المحدث القارئ, فكان عنده الإمام أبو حنيفة النعمان, فسأل سائل الإمامَ الأعمش فقال ما تقول يا سليمان في هذه المسألة ؟
فطأطأ الأعمش رأسه, ثم رفعه فقال: ما تقول يا نعمان؟
فقال أبو حنيفة -رحمه الله- أقول فيها كيت كيت.
فسكت الأعمش ثم رفع رأسه, وقال: من أين لك هذا؟
سموا لنا رجالكم. ليس المسألة مسألة كون الواحد يحمل شهادات عالية أنه يقبل قوله على الاطلاق .. لا .. لأنك توقع عن رب العالمين.
فالعالم يوقع عن رب العالمين. فلابد أن يأتي بالدليل.
قال سليمان: من أين لك هذا؟
قال النعمان -رحمه الله- أولم تحدثنا, قلتَ حدثنا فلان عن فلان عن فلان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال كذا ... فهذا منك.
فضحك الأعمش, فقال: يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء, ونحن الصيادلة.


فهذا يدل على أن الإنسان ينبغي له أن يبحث على الدليل وألا يعتمد فقط على حفظ الأحاديث. ولا شك أن حفظه نعمة. وقد قال -صلى الله عليه وسلم- "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها, فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه, وربّ حامل فقه ليس بفقيه".

لهذا فإذا جمع الله لعبده أمرين, حفظ الحديث والفقه فيه, وبنى أصوله على أصول الأئمة؛ لم يأتِ بأقول شاذة وتخالف الأئمة الأربعة وغيرهم فإنه بإذن الله على هدى, وعلى صراط مستقيم.

فإن بداية كتاب الفقه من المعلوم أن يبدأ بكتاب الطهارة.

ونجد أن جميع الفقهاء -رحمهم الله- حين يتحدثون عن الفقه, يبدؤون بكتاب الطهارة, فما السبب يا ترى ؟

السبب: لأن الطهارة هي مفتاح الصلاة, لصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين. ولا تتأتى الصلاة إلا بمفتاحها, هي الطهارة.
وقد جاء حديث, رواه الإمام أحمد والترمذي, من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال"مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم.
وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في صحصح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري "الطهور شطر الإيمان".

إذن؛ الإيمان قول وعمل.

قول القلب اللسان لا إله إلا الله .. فهذا هو القول والعمل القلبي.
وكذلك عمل الجوارح, وهو الطهارة والصلاة.
وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يعلم أنه بحاجة لأن يفقه أحكام الطهارة, حتى يعلم أنه لا تقبل صلاته إلا بطهور.

وقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- "أن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حى يتوضأ".

وقال -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنه- " لا يقبل الله صلاة من غير طهور, ولا صدقة من غلول".

إذا ثبت هذا؛ فإن الطهارة في اللغة هي: النظافة النزاهة من الأنجاس والأقذار.

وأما في الاصطلاح؛ فهناك اصطلاح شرعي, واصطلاح فقهي.

أما في الاصطلاح الفقهي فهي: ارتفاع الحدث, وما في معناه وزوال الخبث.
الحدث: وصف قائم بالبدن, يمنع الصلاة, وغيره من العبادات.
فالحدث ليس شيئ يشار إليه بالبنان, بل هو وصف معنوي, قائم بالبدن. يمنع من الصلاة ونحوها.

وما في معنى الحدث: فلو أن إنسانًا توضأ, ثم توضأ مرة ثانية وهو طاهر, فهذا الوضوء الثاني يرفع حدثه ؟
لا .. لأنه طاهر.
فيسميه العلماء تجديد الوضوء.

وكذلك غسل الميت, فإن الناس مأمورون به, ومع ذلك إلا أنه لا يرتفع الحدث, فهو في معنى ارتفاع الحدث.

زوال الخبث: أي إزالة النجاسة.

والنجاسة إما أن تكون نجاسة عينية, وإما أن تكون نجاسة حكمية.

النجاسة العينية: هي كروث الحمار, وعذرة بني آدم وبوله.
فهذه نجاسة عينية لا يمكن أن تطهر بنفسها.

ما في حكمها: هي وقع تلك النجاسة في شيئ كثوب, أو أرض, أو كتاب, أو عطرة. فهذا يسمونه مُتَنَجَّس.
فلابد من إزالته لكي يطهر.

إذن؛ النجاسة, نجاسة عينية وحكمية.

والحكمية هي الشيئ الطاهر الذي وقعت فيه النجاسة.

أما الطهارة من حيث المعنى الشرعي: فهي التعبد لله تعالى باستعمال الماء أوبدله (التيمم) على وجه مخصوص, في صفة مخصوصة.

إذن؛ الطهارة الشرعية لابد أن يكون هناك تعبد, فلو جئتُ بماء فأردتُ أن أعودكم طريقة الوضوء, فهذا الوضوء بهذا الماء صورتها صورة طهارة فقهية.
لكني حينما لم أنوِ رفع الحدث صارت طهارة شرعية أم لا؟
لا تكون طهارة شرعية.

وعلى هذا؛ فلو أن شخصًا سقط في بركة, وهو محدثًا حدثًا أصغرًا, فلما انتهى من سباحته, قال أنا سوف أنوي الطهارة. هل يصح ذلك؟

لا يصح, لأنه لم ينوِ الطهارة.

وأمر آخر, أنه لو كان محدث حدثًا أصغرًا, فلابد فيه من ترتيب الوضوء, كما سيأتي وهو مذهب جمهور العلماء.
ولابد أن يكون هناك نية في الطهارة.
فلو أن شخصًا دخل دورة المياه, وفي نيته أن يغسل جهه, فبدأ يتحدث مع زميله هو يتوضأ, حتى انتهى. فتذكر, قال أنا ما نويت أتوضأ.فهل يرتفع حدثه؟
نقول: لا يرتفع حدثه, لأنه لم ينوِ الطهارة.
فهذا لابد أن نعرفه, وأيضًا لا نبالغ في الوسوسة, فإذا كان شخص قد قام من النوم لأجل أن يصلي, فهو بمجرد قيامه من فراشه إلى دورات المياه, فهوناوٍ لارتفاع الحدث.
إذن هذه عبادة.

وأما التكلف حين الوضوء بأن نقول: نوينا أو لم ننوِ فهذا من التكلف الذي نهينا عنه.
إن استحضرها فالحمد لله. أما أن يتكلف ويقول أنا نويت أم لم أنوِ !!
ويجلس أحيانًا في دورات المياه دقائق بل ساعات, فهذا ليس من دين الإسلام.
فمن أطاع الشيطان, فقد ظفر به الشيطان.

وقد قال -صلى الله عليه وسلم- "سوف يكون في آخر الزمان قوم يعتدون في الطهور والدعاء" فهذا من اعتداء الطهور.

إذا ثبت هذا أيها الإخوة, فإننا نقول: أن الطهارة الشرعية, لابد فيها من نية.
هذه النية لابد لها من أمرين: استعمال الماء, وهذا الماء له صفة, فليس كل مائع يجوز الضوء به. لابد أن يكون ماءًا, ويوصف بأنه ماء مطلق.
لقوله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6].
فالله -سبحانه تعالى- وصف هذا المائع بأنه ماء, فإذا خرج هذا الاسم وهو المائية, إلى وصف آخر, فهل يصح الوضوء به أم لا ؟
لا يصح الوضوء به لأنه ليس ماءًا.

فلو جئت بهذا الكأس. قلت لكم ما هذا ؟
تقولون ماء.
ولوجئتكم بكأس آخر (عصير برتقال) وقلت لكم هذا ماء ؟
تقولون لا.
ولو قلت لكم هذا العصير فيه ماء.
تقولون نعم, ولكن الماء مغمور في هذا العصير, حتى سلبه خاصية الماء.

إذا ثبت هذا أيها الإخوة, فإنه من المعلوم أن هذا الماء هو الذي يرفع الحدث, أو بدله.

إذن؛ هناك شيئ بدل الماء وهو التيمم.
فقال تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}
إذن ليس كل تيمم يصح, فلو رأيت هذه السبورة, وضربت يدي به وتمسّحت. هل يصح ؟
لا ...
لأن الله تعالى قال { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا}
إذن؛ الصعيد هو الذي يُتيَمم به, وما هو الصعيد ؟
سوف نشرحه أن شاء الله في باب التيمم. لكن ليس كل شيئ يسمى صعيدًا.

إذن؛ هو استعمال الماء أو بدله على وجه مخصوص.

اليهود يتوضؤون, لكن وضوئهم غسل الكفين, فهل هذا وضوء؟
نعم هو وضوء في اللغة العربية, لكنه ليس الوضوء الشرعي.

ولهذا جاء من حديث سلمان موقوفًا, ورُوي مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الترمذي, وفي سنده ضعف, أن من سنن الكل "الوضوء قبله والوضوء بعده".

يعني غسل اليدين, فسُمي وضوءًا لكنه من حيث اللغة. وليس من حيث الشرع.

إذن لابد أن يكون على وجه مخصوص, أن تبتدئ مع الوجه بالمضمضة والاستنشاق, ثم تبدأ باليدين مع المرفقين, ثم بعد ذلك مسح الرأس, ثم بعد ذلك غسل الرجلين.

بصفة مخصوصة: فاليد هذه صفتها أن نغسلها إلى المرفق. والرأس أن يُعمَّم.

هذه هي الطهارة الشرعية.

إذا ثبت هذا فإن الطهارة لابد فيها مما يُتطهر به.

والذي يُتطهر به نوعان:
1- الماء.
2- التيمم.

المـــاء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الطهور.

القسم الثاني: النجس.

هل هناك قسم ثالث؟
بعض أهل العلم جعل المياه ثلاثة. وهم الشافعية, والحنابلة, وبعض الحنفية, وبعض المالكية.
قالوا أن الماء ثلاثة أقسام:

طهور: وهو الطاهر في نفسه, المطهر لغيره.

الثاني الطاهر: وهو الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره. أي أنه إذا سُكب في ثياب فإنه لا ينجسها, لكن إذا أردت أن تتوضأ به فإنه لا يرفع الحدث.

فقالوا أن هناك طاهر مطهر في نفسه لكنه غير مطهر لغيره.

الثالث النجس: وهوكل ما وقعت فيه نجاسة فغيّرت أحد أوصافه. لون أوطعم أو ريح.

والصحيح الراجح أن الماء ليس فيه إلا قسمين:

الأول: الطهور.
الثاني: النجس.

وذلك لأن الله لم يذكر لنا وكذلك رسوله لم يذكر لنا إلا أمرين:
طهور ونجس, ولم يذكر لنا شيئًا آخرًا.

لأن هذا الطاهر لا يخلو من حالين:

الحال الأولى: أن يتغير وصف الماء فيه.
الثاني: ألا يتغير وصف الماء فيه.

فلو أنني أوقعت في الماء تمرة, فسقطت فيه ورأيته.. ألم يكن مسمى الماء ووصف الماء موجود فيه؟
فنقول: هذا لا يضر جود طاهر فيه, لأن مسمى الماء ما زال موجودًا, فنقول أنه يطهر.
ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- كما روى الخمسة, أحمد وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك بن أنس, وغيرهم. أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال من حديث أبي هريرة "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".

يعني بذلك ماء البحر.

ومعلوم أن ماء البحر لو رأيته تقل هذا ماء, لكنك لو تذوقته تجد فيه طعم الملوحة. ومع ذلك وجود هذا الملح لم يُخرجه من مسمى الماء والطهورية, ولا فرق أن يكون هذا الماء خلقة لأيكون بوضع طاهر فيه.

فإن من الفقهاء من قال: أن كان خلقه فيجوز. وإن كان قد وضع فيه البشر فلا يجوز.
والصحيح أنه لا فرق لأن هذا تفريق قياسي, لكنه ليس له مستند شرعي.

ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- "هو الطهور ماؤه, الحل ميتته".
وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه أهل السنن قال "أن الماء لا ينجس".

يعني الماء الكثير, مجرد وقوع نجاسة فيه لا يُنجّسه, إلا إذا تغيّر.
وقال -صلى الله عليه وسلم- في النجس "إن الماء طهور لا ينجسه شيئ إلا ما غلب على لونه أوطعمه أو ريحه".
وهذا الحديث رواه ابن ماجة وغيره, وفي سنده ضعف, بل حكى الشافعي -رحمه الله- اتفاق أهل المعرفة أن هذا الحديث ضعيف, لكنه إجماع من أهل العلم على أن النجس إذا وقعت فيه نجاسة تغيّر لونه أو تغيّر طعمه أو تغيّر رائحته, فإنه يكون حينئذٍ نجسًا.
إذا ثبت هذا أيها الإخوة فإن الله تعالى قال { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11].

هذا الماء متى ما سمينا هذا السائل ماءًا, فيجوز الوضوء به, ولو وقعت فيه بعض المباحات, أو بعض الطاهرات, فإذا لم تخرجه عن مسماه إلى مسمى الطاهر, فلا بأس بذلك.
فإذا كان معي عصير فسكبته على هذا الكوب من الماء, فغيّر لونه فإننا نقول هذا ماء أو عصير ؟
نقول عصيرًا .. وبالتالي لا يجوز الوضوء به .. لِمَ ؟
لأن الله يقول {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}
وهل هذا ماء ؟
لا .. ليس بماء.
بالمناسبة فإن الإمام أبو حامد الغزالي عندما شرح كتابه (الوسيط) وهو مذهب الشافعي, علم أن مذهب الشافعي يقسم الماء إلى ثلاثة أقسام؛ قال: وددت أن مذهب الشافعي كمذهب مالك في تقسيم الماء إلى قسمين.
ومالك له قولان في هذه المسألة, والراجح أن الماء قسمان: طهور ونجس.
وليس هناك قسم آخر كما يسميه الفقهاء بأنه (الطاهر) لأن الراجح -والله أعلم- أن هذا الطاهر إما أن يكون قد غيّر وصف المائية فيه أو لا يكن قد غيّر.
فإن كان قد غيّر, فإننا لا نسميه ماءًا, ولكننا نسميه باسمه, إما أن يكون ماء الورد أو ماء النبيذ, أو عصير أو مرق, وغير ذلك.
فإن لم يسلبه, فإننا نقول ما دام أنه طاهر لم تغيّر النجاسة, فالأصل فيه أنه طهور.

إذا ثبت هذا أيها الأخوة فلو ذهبت إلى الشاطئ, فاقتربت منه فأخذت ماءًا عكرًا بسبب وجود التراب فيه. فهل يجوز أن أتوضأ منه؟
الجواب: يجوز. لأنه ما زال وصف المائية فيه.
ومما يدل على هذا ما جاء عند الإمام أحمد من حديث أم هانئ أنها قالت أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في فتح مكة وقد ستر بثوب, فاغتسل من جفنة فيها أثر العجين.
والعجين طاهر, فوجود هذا العجين بهذا القدح (الإناء) قد يغيّره, لكن يغيّره إلى وصف جديد, أم ما زالت المائية فيه؟
يحتمل..
فلما توضأ -صلى الله عليه وسلم- بهذا الإناء الذي فيه أثر العجين علمنا أن أثر العجين, وإن غيّر بعض رائحته أو بعض لونه, لكنه لم يسلبه مسمى المائية. وعلى هذا فتوضأ -صلى الله عليه وسلم- من هذا الطهور.

ومما يدل على هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما عند عبد الرزاق, أمر قيس بن عمرو حينما أسلم, أن يغتسل بماء وسدر.
وأنتم تعرفون أن شجر السدر إذا وضع في الماء أليس يغيّر أحيانًا.

وأحيانًا تجد ماءًا آسن, يعني باقٍ في البركة وجاء فيه طحلب.
هذا الطحلب أحيانًا يغيّر اللون الطعم, فإذا لم تخرج وصفية الماء فيه, فإننا نقول حينئذٍ يجوز الضوء به, فإن خرجت قلنا لا يصح الوضوء. والله تبارك تعالى أعلى وأعلم.

قد يقول قائل: هذا الحديث قد فهمناه, وهذا التقرير قد عقلناه, لكن هناك أحاديث ربما تخالف ما تقول:
مثل حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري".
قالوا أن نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الاغتسال في الماء الدائم, دليل على أن هذا الرجل المجنب إذا وقع في ماء فإنه وإن لم يغيّر نجاسته, فإنه قد قلبه معنىً آخرًا غير الطهور, وغير النجس, إذن هو الطاهر. هكذا قالوا.

والجـــواب على هذا:
نقول أن هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه, وحسبك بمسلم إذا روى الحديث.
أما قولكم: إذا سقط المجنب في الماء فإنه يخرجه عن الطهورية, فنقول هذا من عندكم.
ونقول أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما نهى عن ذلك لأجل استقذار الناس له, فلو جاء رجل وعلم أن هذا الماء المستجمع الصغير قد سقط فيه شخص مجنب, واغتسل منه. هل يستطيع أن يغتسل منه مرة ثانية؟
سوف تجد النفوس تتقزز منه. وهذا التقزز يمنع من استعمال الماء فيكون إسرافًا.
فكان الشارع الحكيم يكره الإسراف لأن من عمل الشيطان, لأجل ألا يُستقذر هذا الماء؛ نهى المجنب أن يقع فيه.
بدليل أنكم تقولن أنه لا ينجس.فكذلك لا يسلبه الطهورية, لأن مسمى الماء فيه.
قالوا .. وما تقولون في الحديث الذي جاء في البخاري ومسلم "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا, فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".

قالوا هذا دليل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما نهى عن غمس اليد في الإناء, دليل على هذا الإناء لا ينجس.
يقولون: إجماعنا على أن الماء لا ينجس إلا بتغيّر اللون أو الطعم أو الريح. فلما لم يتغيّر بنجاسة دلّ على أنه تغيّر من الطهورية إلى الطاهر.
والجــواب:
نقول: ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية الشافعية ورواية عند الإمام أحمد أن هذا الماء يصح الطهارة به. وأن النهي إما أن يكون تعبديًا وإما أن يكون لأن الإنسان حين نومه لا يدري أن باتت يده فلربما وقعت في أماكن قذرة, وهذا أيضًا بعيد, لأن الإنسان ربما يربط نفسه, والصحيح والأظهر, أنه ربما يكون الشيطان قد بات في يده كما يبيت الشيطان في خياشيمه.

فلأجل مباعدة الإنسان عن مواطن الشيطان, فإنه لا ينبغي له أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا, وهذا ليس دلالة على النجاسة, لأنها لوكانت نجاسة لم يقل ثلاثًا, لأن النجاسة متى ما زالت؛ زال حكمها, فدلّ ذلك على أن المقصود به هو نوع من التعبد.
ولعل في هذا الأمر كفاية.

أسئلة الواجب

كم أقسام المياه ؟

إذا أدخل القائم من نوم الليل يده في الإناء فهل ينجس أم لا ؟

***


ما معنى فقه؟ وما معنى مصطلح؟

الجــواب:
الفقه لغة: الفهم. "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". أي يفهمه الدين.
وأما في الاصطلاح: هو معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها العملية المستنبطة من الأحكام الشرعية.

أما المصطلح (مصطلح الحديث): فهو العلم الذي يعرف به تصحيح الحديث من تضعيفه من وجود علة فيه أم لا؟


هل يجوز اتباع مذهب واحد؟

الجــواب:
نقول المُقلد الذي البحث والدلة لا بأس أن يأخذ قول إمام. أما طالب العلم الذي يريد أن يتعلم ويبحث أقوال أهل العلم فإنه حينئذٍ يبحث عن الدليل, والله تعالى أعلى وأعلم.


نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين, وأن يمنحنا وإياكم رضاه.
وصلى الله بارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #2  
قديم 06-03-2012, 09:54 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



الدرس الثاني:

إذا علمنا أن الطهور هو الذي يجوز الوضوء به, وأن النجس لا يصح الوضوء به, وقلنا أن قوع شيئ من المباحات أو من الطاهرات, في الماء الذي لم يُغيِّره عن مُسمَّى الماء, قلنا الصحيح أنه يجوز الوضوء به, وعلى هذا فلا أثر لهذا التَّغيُّر من الطاهرات, سواء كان يشقُّ التحرز منه أولا يشقُّ التحرز منه.

من أمثلة ما يشق التحرز منه مثل البئر الذي فيه بعض المباحات كالأشجار, فهذا يشق التحرز منه, أليس كذلك؟
ومع ذلك فهو طاهر.
أو لا يشق التحرز منه مثل أن يأتي طفل, فيأتي ببعض الأغصان وبعض الشجر, فيضعها في الإناء الذي يتوضأ منه, فتَغيِّرهُ أيضًا لا يسلبه الطهورية.
لكن الماء النجس لا يجوز الضوء به بإجماع أهل العلم.
طيب عندنا أول مسألة وهي:
إذا شكّ في هذا الماء, عنده إناء, شكّ هل هو نجس أم طاهر؟
فماذا يصنع؟
واضحة الصورة؟
الآن عنده إناء واحد, شك هل هو طهور أم هو نجس؟
فالجواب على هذا, أننا نقول يبني على اليقين.
ما هو اليقين؟

نقول ما هو حال الماء قبل وجود هذا الشكّ.
فمثلاً وقوع شيئٍ من الأشياء, لا أعلم عنها, مثل الروثة.
الروثة إما أن تكون روثة ما يؤكل لحمه, وإما أن تكون روثة مما لا يؤكل لحمه, أو روثة حمار.

فوجود هذه الروثة مما يؤكل لحمه في هذا الإناء لا يسلبه الطهورية. أليس كذلك؟
لكن وجود هذه الروثة من الحمار في هذا الإناء, فإنه يسلبه الطهورية, لأن هذه الروثة نجسة.

فإذا شكّ الإنسان في هذا الماء, هل هو نجس أم طهور, فما الواجب؟
نقول: إذا شكّ هل هذه الروثة نجسة أم طاهرة فنقول انظر إلى الماء قبل وجود هذا الشيئ, فما الحكم؟ هل هو طهور أم نجس؟
طهور.
فعلى هذا فيكون يجوز الوضوء به, لأن الأصل ما هو؟
الأصل الطهورية. واليقين لا يزول بالشك.
ما هو اليقين؟
هو أن عندي طهور. فوقوع شيئٌ شككتُ فيه لم أتبيّن حاله, فالأصل فيه ما هو؟
الطهورية.
أما إذا كان الأصل فيه أنه نجس, فجئتُ فوجدتُ أن شخصًا قد سكب عليه بعض الماء.
الذي زاد فيه هذا الماء الذي في الإناء.

فربما هذا الماء .. ما يكون؟ ما حاله؟

يؤثر .. يُغيّر الطهورية, وربما لا يُغيّر الطهورية. يعني ربما يزيل النجاسة وربما لا يزيل النجاسة.
أو وجود شيئٌ من المباحات, فنقول هذا الشيئ إذا شككتُ فيه, هل هو غيّر أم لا؟
أقول .. أَنظرُ ما هو الأصل في هذا الماء. قبل ورود هذه القطعة أو هذا الشيئ.
فنقول قبل وروده ما حاله؟
وجدتُ أنه سيبقى على النجاسة, هذا هو مذهب الجمهور.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان لم يتبيّن له شيئ, فإنه يبني على الأصل.
لكن إذا غلب على ظنه أن هذه الروثة روثة حمار وعنده دراية في هذا, فإنه لا يبني على الأصل وهو الطهورية, ولكنه يبني على غلبة الظن.. واضح؟

فإذا كان عنده إناء, فالأصل فيه أنه طهور, فوقعت فيه روثة, فلم يعلم هذه الروثة, أهي من روثة ما يؤكل لحمه فتكون طاهرة. أو روثة حمار فتكون نجسة, أو روثة ما لا يؤكل لحمه فتكون نجسة.

إذا قال شخص أنا أعرف هذه الروثة, فيغلب على ظني أن هذه الروثة روثة ما يؤكل لحمه, فنقول: ابقَ على غلبة الظن.
وجاء آخر فقال: أنا يغلب على ظني أن هذه الروثة هي روثة حمار. هل نقول بناءًا على غلبة ظن علم أن هذه الروثة روثة حمار؟
فلو أخذنا على الأصل فيكون الماء طهرًا, ولو أخذنا على ظن أن هذه الروثة روثة حمار فيكون الماء نجسًا.

وعلى هذا فالراجح أنه إذا كان عنده غلبة ظن, بنى على غلبة ظنه. فإن لم يكن معه غلبة ظن, بنى على ماذا؟
على الأصل, وهو اليقين الذي لا يزول بالشك.

سواءٌ كان هو الطهورية فلا يزول بشك النجاسة, أوكان اليقين هو النجاسة, فلا يزول بشك الطهورية.
أما إذا كان عنده غلبة ظن, فيعمل بغلبة ظنه, وقد أخذ أهل العلم في هذا بناءًا على ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "فإذا شكّ أحدكم فليتحرَّ الصواب, وليبنِ عليه".
فقوله -صلى الله عليه وسلم- "فليتحرَّ الصواب, وليبنِ عليه" يعني فليعمل بغلبة الظن وهو تحرّي الصواب. ولم يكن له يبني على اليقين, مما يدلّ على أنه إذا كان عنده غلبة ظن فإنه يبني بغلبة ظنه, وإن لم يكن معه غلبة ظن فإنه يبني على اليقين. واضح؟
انتهينا من هذه الصورة.

الصورة الثانية وهي: اشتبه طهور بنجس.
عندنا إناءان. أعلمُ أن أحدهما طهور, والآخر أعلمُ أن أحدهما نجس.
عندنا ماذا؟
إناءان, اشتبه طهور بنجس, لكنني لا أعلم أي الإنائين هو الطهور, ولا أي الإناءين هو النجس. فماذا أصنع؟
بعض أهل العلم قال إذا كنت لا تعلم أيهما, فيحرم استعمال أحدهما.
وهل نقول نبني على اليقين؟
لا .. لأنه ليس عنده يقين.
فقال بعض أهل العلم: يحرم استعماله ويتيمم. لأنه ليس عنده يقين, والأصل هو أن الطهارة لا تثبت إلا بماء طهور, ولا يعلم أي الطهورين هو.
وذهب بعض أهل العلم بناءًا على القاعدة التي ذكرناها وهي: البناء على غلبة الظن.
فقال إن كان يغلب على ظنه أيُّ الإناءين هو الطهور وعمِلَ بهذا الطهور, أو أيُّ الإناءين في هذا النجس, عمل بخلافه, وهوالطهور.
فقال إنه إن كان يغلب على ظنه, عمل بغلبة ظن, ولا يجوز له أن يتيمم, لأنه لا يُعدَم الماء, وهذا القول أظهر. والله أعلم.

قد يقول قائل, كيف يتصور هذا؟
نقول تصوّر. عندك إناءان فجاء الكلب, فولغ في أحدهما, ومن المعلوم أن الكلب إذا ولغ في الإناء يُنجسه, فقال لك الراعي: أن الكلب قد ولغ في أحدهما. قلت أنت, سوف إذا جئتُ سأسكب أحدهما, فذهب الراعي ولم يخبرك أن أي الإناءين الذي ولغ فيه الكلب, فأنت حينئذٍ تريد أن تتوضأ, أليس كذلك؟
فحينئذٍ, يصعب عليك أن تحدد أحدهما بيقين, فإما أن تبني على اليقين وليس هناك يقين.
وإما أن تبني على غلبة ظن, فذهب بعض أهل العلم أنك لا تبني على غلبة الظن, بل اليقين هو أن تتركهما جميعًا وتتيمم. ولماذا؟
قالوا لأنه لما عَسُرَ أن يعلم أحد الطهوريين, فإنه يكون وجوده كعدمه, فيتيمم.

طيب.. قال بعض العلماء, فليَبنِ على غلبة الظن, فإن كان يغلب على ظنه أن الكلب قد ولغ في هذا, وأحسّ فيه نوع تغيُّر, فإنه حينئذٍ يعمل بالماء الآخر, وتكون صلاته صحيحة, واضح؟
وهذا هو الراجح والله أعلم, أنه يعمل بغلبة ظنه.

طيب .. سؤال: إذا قلنا أن الراجح أن يعمل بغلبة ظنه, وأنه يتوضأ ولا يتيمم, فإن لم يكن عنده غلبة ظن, فماذا يصنع؟
يتيمم, ولا يلزم بإراقة أحدهما, يعني قال بعض الفقهاء, قال لابد من إراقة الماء إذا أراد أن يتيمم حتى يصدق عليه أنه عادم للماء, الصحيح أنه لا يلزم لأن العدم إما أن يكون حسيًّا وإما أن يكون شرعيًّا.
فالشرع, هو ولو كان موجودًا, فإن الشرع أباح لي أن أتيمم لأن هذا في حكم المعدوم, والله أعلم. واضح؟

إذا ثبت هذا, عندنا مسألة, وهي أنه إذا عُلِم أن الماء المُتطهَّر به لابد له من إناء, فلابد أن نتحدث عن الإناء, لأنك سوف تتوضأ بإناء, في الغالب أن الناس يتوضئون بإناء.
نعم في هذا الوقت أحيانًا يتوضأ بالصنبور, أليس كذلك؟
فهو ليس بحاجة للإناء, ولكن نقول أحيانًا يحتاج إلى الإناء, فلابد من ذكره.

وقد كان الفقهاء -رحمهم الله- يذكرون بعد باب المياه باب الآنية.
إذن لابد أن نزلف إلى باب الآنية فنقول (كل إناء طاهر يُباح اتخاذه واستعماله, إلا آنية ذهب أو فضة)

إذن نقول
كل إناء طاهر يُباح اتخاذه واستعماله إلا آنية الذهب والفضة.
فقولنا (كل إناء طاهر) فالأصل في الأواني .. ما هي ؟
الطهورية.
طيب من أخبرك بهذا؟
قلنا استدلال أهل العلم بالأدلة الضافرة المتواترة من أن نعنى على أن الأصل في الأشياء الإباحة والحِلّ.
كما قال الله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29].

إذن الله خلق لنا كلما في الأرض لأجل أن نتنعّم بها في طاعة الله -سبحانه تعالى- وفيما يُعين على ذلك.

ومن الأدلة على ذلك ما جاء في البخاري من حديث عبد الله زيد, قال: "أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخرجنا له ماءًا في تَوْر فتوضأ به".
ما معنى تَوْر: إناء من نحاس.
فدلّ ذلك على أن كل إناء طاهر يُباح اتخاذه واستعماله.

إذن الأصل أنه كل شيئ يباح اتخاذه واستعماله, ولو كان عالي الثمن, ولوكان غالي الثمن, ولو كان الإناء من الألماس, ولو كان هذا الإناء من الزمرد وغير ذلك, أو من الجواهر.
إذن الأصل, كون الشيئ غالٍ أو ليس بغالٍ, لا يمنع من جواز استعماله, إلا آنية الذهب والفضة.
آنية الذهب والفضة لا يجوز استعمالهما, لورود النص الشرعيّ فيه, والنص ما جاء في الصحيحين من حديث حذيفة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة, ولا تأكلوا في صحافهما, فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".

إذن الشارع نهانا أن نتخذ أونستعمل الذهب والفضة نصًا
وقدجاء في حديث مسلم ومن حديث أم سلمة "الذي يشرب في آنية الفضة, إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" -والعياذ بالله-

قال أهل العلم, فإذا مُنِعَ الإنسان من شُرب الإناء الذي فيه فضة, فدلّ ذلك على أن الذهب من باب أولى وأحرى.

هذا هو سبب المنع في آنية الذهب والفضة, فأما الذهب والفضة فلا يجوز استعمالهما.

طيب.. المؤلف يقول: يباح اتخاذه واستعماله, إلا آنية الذهب والفضة.
يعني, آنية الذهب والفضة يحرم اتخاذها, يحرم استعمالها.

السؤال: ما الفرق بين الاتخاذ والاستعمال؟

الاتخاذ أيها الإخوة؛ هو أن يُقتنَى للزينة, فتأتي أنت بتحفة فتضعها في زاوية من زوايا البيت, أو أن تأتي بتحفة فتضعها في المطبخ. هذا يُسمى ماذا ؟
اقتناء.
أو أن تستعملها أحيانًا للحاجة, مثل أن تضع جُلْجُل يعني قاررة صغيرة, فيها بعض الأشياء, فهذا استعمال للحاجة.

أما الاستعمال: فهو التلبس بالشيئ, كاللباس, والاغتسال به, وكالوضوء به وغير ذلك.
أما الاستعمال, فهوالتلبس بالانتفاع, مثل أن يلبس فيه ذهب أو أن يلبس ساعة من ذهب أو أن يضع شيئًا من ثياب أو قُرُطٍ, أوغير ذلك.
فآنية الذهب والفضة أو الذهب والفضة لا يجوز على مذهب أهل العلم, وهو مذهب جمهور أهل العلم, لا يجوز في الذهب لا اتخاذ ولا استعمال ولا غيره. وهذا هو الراجح والله أعلم.

وذلك لأنه جاءت أحاديث, من حديث علي بن أبي طالب, ومن حديث أبي موسى الأشعري, أن كانت الأحاديث فيها بعض الانقطاع إلا أنها يدلّ على أن لها أصل, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع حريرًا وذهبًا وقال "هذان حرامان على ذكور أمتى, حِلٌّ لإناثهن".

فدلّ ذلك على أن استعمال الذهب والفضة ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: الأكل والشرب فيهما.
إذا أكل الإنسان أو شرب في آنية الذهب والفضة فما الحكم؟
قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب, لقوله -صلى الله عليه وسلم- "الذي يشرب في آنية الفضة, إنما يجرجر في بطنه نار جهنم".

كل عقوبة توعّد الشارع فيها بلعنة أو غضب أونار, فإنما هي تكون كبيرة.

فإذا كان هذا في الشرب في الفضة, فالذهب من باب أولى, ولحديث حذيفة "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة, ولا تأكلوا في صحافهما".

هذا في الأكل والشرب.

الثاني: اللباس.
اللباس للنساء حلال, فيجوز للمرأة أن تضع ما شاءت من قُرُط أو من ساعة أومن قلم أو غير ذلك.

لأنه لما جاز للمرأة أن تلبس الساعة أو أن تلبس الذهب أو الفضة جاز لها أن تستخدم بقلم أو أن تستخدم بساعة أوغير ذلك.
فيجوز للنساء لقول الله تعالى { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18].

وقد قال -صلى الله عليه وسلم- "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن".
فدلّ ذلك على أن النساء تصنع الحلي وتلبسه, فدلّ ذلك على أن الحلي للنساء جائز, ذهب أوفضة.

أما الرجال فيحرم الذهب, ولا يجوز استعمال الذهب للرجال إلا لضرورة.
أوكان مغمورًا لا أثر له.

معنى مغمور بحيث يكون لو عُرِضَ على النار لم يبقَ منه شيئ. مثل الآن المشالح التي فيها زري.
المشالح التي فيها زري يكونون فيها عشر غرامات,
لكنك لو عرضت هذه الزري على النار لذاب ولم يكن فيه شيئ.

فدلّ ذلك أنه إنما قُصد به لإبقاء اللمعة واللون.
فإذا كان قد بقي شيئ منه وهو كثير فإنه يحرم هذا.
أما النوع الأول فهو الضرورة, وقد جاء عند أبي داوود وعند البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعرفجة حينما قُطع أنفه في معركة ذات الكُلاب, فاتخذ انفًا من فضة, فنتن, فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتخذ أنفًا من ذهب.

فدلّ ذلك على أنه إذا كان لضررة فلا حرج, واليوم نجد بعض النساء أو بعض الرجال, يضعون سنًا من ذهب فماحكم ذلك؟
أما النساء فهل يباح ؟ يجوز على الإطلاق؟
أليس يكون أكلاً وشُربًا؟!
طيب .. إذا كان هذا لضرورة فيجوز, مثل أن يكون في بلد ويوجد فيها الأنواع مثل البورسلين, وأنواع من الأشياء.
فإذا كان هناك غير هذا ويؤدي الغرض, فلا يجوز استخدامه للرجال, وأما النساء, فتركه أولى خوفًا من أن يكون أكلاً وشُربًا, وإن كان بعضهم يرى أنه نوع من اللباس.
أما الرجال فلا يجوز. واضح؟
لماذا؟
لأنه يوجد بديل. أليس كذلك؟
بل بديل أفضل أحيانًا.
وأما غير الرجال, فالأصل فيه الجواز وتركه أولى. والله أعلم.
هذا في اللباس.
وعلى هذا فما حكم الخاتم للرجال من الذهب؟
لا يجوز.
ماحكم القلم من الذهب؟ لا يجوز
ماحكم الساعة للرجال من الذهب؟
لا يجوز لأنها ظاهرة.

طيب .. أما الفضة للرجال فيجوز استخدام خاتم من فضة, لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذ خاتمًا من فضة, كما في الصحيحين من حديث ابن عمروغيره. أليس كذلك؟
طيب .. استخدام شيئٍ من الفضة غير الخاتم.
فذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الشيئ المستعمل إن كان بمقدار حجم الخاتم, فلا حرج.
لأن الشارع حينما أباح لبس الخاتم من الفضة للرجال, دلّ ذلك على أنه يُباح هذا من باب التخفيف, فهذا الغرام, كم غرام؟
مائتين غرام أو مائة وخمسين غرام, لا يزيد تقريبًا عن مائتين خمسين.
فدلّ ذلك على أن مائة وخمسين غرام تقريبًا يجوز أن يوضع (الكبك) للرجال, هذا على رأي أبي العباس بن تيمية, ورواية عند الإمام أحمد, وهو قول للحنفية, وكذلك يجوز وضع الأزرَّة بمقدار لا يزيد عن مائة وخمسين جرام.
وأما ما زاد على ذلك, فلا ينبغي لأنه في حكم عموم النهي عن الذهب والفضة.

قالوا ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما نهى عن الأكل والشرب, قالوا إنما خرج مخرج الغالب, الغالب في استخدام الذهب والفضة إنما في الأكل والشرب, فليس معنى ذلك أنه في غير الأكل الشرب يجوز استعماله. لأن هذا خرج من مخرج الغالب.
كما قال تعالى {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23].
فهذا بعضهم يقول أنه هذا من مخرج الغالب, وبعضهم يقول مثاله { وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ }
فقوله {فِي حُجُورِكُمْ} قالوا خرج مخرج الغالب.
والأولى ألا يُزاد لبس الفضة بمقدار ما يلبسه من الخاتم, يعني مائة وخمسين جرام. يوضع في الساعة, يوضع في الكبك.
هذا اختيار أبي العباس بن تيمية, ورواية عند الإمام أحمد, وهو قول لبعض الحنفية.

واستدلوا بما عند أبي داوود "وأما الفضة فالعبوا فيهما".
لكن الحديث فيه ضعف.
إذن نحن قسمنا هذا الأمر.

القسم الثالث: استعماله واتخاذه للرجال والنساء.
الأصل -والله أعلم- أنه يُمنع, لأنه لا حاجة في ذلك, وبعضهم يقول إذا جاز للمرأة أن تلبس الذهب, وجاز للمرأة أن تلبس الفضة, فما الفرق بين اللباس وبين الاتخاذ.
قلنا الجواب أن الاتخاذ ليس فيه حاجة أصلاً, وأما المرأة في لباسها فإنها تحتاج.. واضح؟
والأولى ألا يُتَّخذ الذهب والفضة من حيث الاتخاذ.

قد يأتي في بعض البلدان, يُشتهر في بعض بلاد المغرب الإسلامي, يضعون إبريقًا من فضة, أليس كذلك؟
أو بعض بلاد الشرق والغرب, أو في بعض الذين يأكلون, يأكلون بملاعق فيها فضة, فماحكم ذلك؟

هذا لا يجوز. ولكن بشرط, وهوأن يكون ليس اللون لون فضيًّا, ولكن لأن فيه مادة الفضة.
فإذا كان فيه مادة الفضة, فلا يجوز, إذا كانت كثيرة, وأما إذا كانت إنما هي نوع من إبقاء اللون, بحيث لو عُرض على النار لم يبقَ شيئًا؛ فهذا لا بأس به, والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

الآن عندنا يا إخوان, عندنا مسألة, أننا قلنا أن الذهب والفضة لا يجوز ماذا؟
استعمالهما في الأكل والشرب.
طيب .. هل يجوز أن يوجد إناء من ذهب أو فضة, فيتوضأ فيه الإنسان ويتطهر؟
فائــدة...
الطهارة بإناء من ذهب أو فضة تصحّ مع الإثم.

الطهارة بالماء أو بالإناء الذي فيه ذهب وفضة, تصح مع التحريم. فلو توضأ إنسان بإناء من ذهب أو بإناء فضة, فإن طهارته صحيحة, هذا قول عامة أهل العلم.
هذا قول من؟
عامة أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة, قالوا لأن النهي عن استعمال الذهب والفضة لا علاقة له بفساد عبادة الطهارة.
لأن الماء طهور أو ليس بطهور؟
طهور. ولكن هذه نوع من الآلات, فلكأن هذا الإناء المستعمل خارج عن ماهية العبادة وهي الطهارة, فلا بأس بذلك. وهذا هو الراجح. واضح؟

طيب .. إذا ثبت هذا وقلنا أن الطهارة صحيحة ولكنها مع المنع والإثم, فإن الإنسان يتطهر بالإناء الذي فيه ماء, أو فيه ذهب وفضة من أربعة وجوه.
1- يتطهر فيهما.
2- يتطهر بهما.
3- يتطهر منهما.
4- يتطهر إليهما.

كم عندنا من أشياء؟
يتطهر فيهما. ويتطهر بهما. ويتطهر منهما. ويتطهر إليهما.
أربعة أشياء.
الأول: يتطهر فيهما. ما معناه؟
أحد الحضور: المقصود يتطهر فيهما, أي يضع الماء داخلهما.
الشيخ: أحسنت, أي يكون الإناء كبيرًا فيدخل في الإناء, فيغتسل أو يتوضأ وهو داخل الإناء المليئ. فهذا معنى يتطهر فيهما, فيكون الإناء ظرفًا للإنسان.

الثاني: يتطهر بهما. ما معناه؟
بأن يجعل الإناء آلة لأن يتوضأ الإنسان. مثل أن يوضع في إبريق من ذهب أو فضة, فيُصبّ عليه وهو يتوضأ منه, فيكون هذا ما معناه يتطهر بهما.

الثالث: يتطهر منهما. ما معناه؟
أحد الحضور: يتخذ صنبورًا أو يتخذ ماسورة من الذهب أو الفضة.
الشيخ: لا .. قلنا الآن (بهما) بالآلة, فالماسورة هذه (بهما).
معنى يتطهر منهما: أن يكون إناء فيغترف من إناء ذهب إلى شيئ, فيقول آخذ هذا بيده ثم يصبّ على شخص آخر, فتكون الآلة ما حالها؟
ليست ذهب وفضة, ولكن آخذ الماء من أين؟
من آنية الذهب والفضة. واضح؟
هذا معناه.

الرابع: إليهما.

يعني وأنت تتوضأ ما سقط من أعضائك وقع في ماذا؟
في ذهب أو فضة, وهذا جائز. لأنك لم ستعمله.
حتى إناء يتطهر منه جائز لأنه لم يستخدمه, وإن كان الأفضل ألا يستخدمه البتة, والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

إذا ثبت هذا فإن الإنسان يستخدم هذه الآنية في بلاد أهل الإسلام وفي بلاد غير أهل الإسلام.
طيب .. ما حكم آنية الكفار؟

القاعدة: أننا قلنا كل إناء طاهر يُباح ماذا ؟
اتخاذه واستعماله.

فكذلك آنية الكفار تُباح استعمالها, ما لم يُعلم نجاستها.
فإن عُلِم نجاستها فيحرم استعمالهما, فأما إذا لم يُعلَم, فالأصل فيه أن هذا الإناء طاهر.
قد يقول قائل ما دليلك؟
قلنا الدليل ما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ هو وأصحابه من مزادة مشركة, والمزادة نوع من القِربة الصغيرة, وأعطى رجلاً من أصحابه أن يغتسل حينما أجنب, قال "خذ هذا فأفرغه عليك", وفي رواية "فأفرغه على جسدك".

فدلّ ذلك على أن استعمال آنية الكفار لا بأس بها ولا حرج. اضح؟
طيب .. ما تقولون بما جاء في الصحيحين من حديث أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- أنه قال يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب, أفنأكل في آنيتهم؟ قال لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها, فاغسلوها, وكلوا فيها".

إذن الحديث منع ابتداءًا. أليس كذلك؟
قال لا تأكلوا, فهل معنى ذلك أن آنية الكفار, الأصل هو المنع؟
الحديث في الصحيحين.

نقول يا إخوان هذه فائدة لنا جميعًا:

أحيانًا نقرأ الأحاديث, فيجب على الإنسان أن يعلم أن ظاهر الحديث, لا يؤخذ به على الإطلاق, فأحيانًا يكون الراوي أو المصنف قد كتب هذا الحديث مختصرًا, ولم يجمع جميع طرق الحديث, لأن تتبع الطرق, وجمع الروايات يظهر فيها معنىً غير المعنى الذي اختُصِرَ في هذا الحديث.
طيب .. ما المعنى؟

المعنى أنه جاء في بعض الروايات أن أبا ثعلبة الخشني يقول: يا رسول الله إنَّا بأرض أهل الكتاب, فيُؤتى بأوانيهم قد أكلوا فيها الخنزير, وشربوا فيها الخمر. أفنأكل في آنيتهم؟قال: لا تأكلوا.
لماذا؟
خوفًا من أن يكون قد بقي وعَلِقَ في هذا الإناء شيئ من لحم الخنزير. ولحم الخنزير رجس بالإجماع, أو أن يكون قد عَلِقَ شيئ من الخمر فلربما يكون الإنسان حديث عهد بإسلام وكان يشرب الخمر, فيشرب هذا الإناء ولم يعلم, فَيَسْكُر وهو لا يدري.
لأن الإنسان الذي ما فُطِم.. ما معنى ما فُطِم؟
يعني ما ترك هذا الأمر, لأنه حديث عهد بإسلام, فلربما وقع في المحظور, فقال -صلى الله عليه وسلم- "إلا ألا تجدوا غيرها, فاغسلوها".
فدلّ ذلك على أن هذا الحديث لم يكن منعًا على الإطلاق, لكنه إنما قُصِد به حالة خاصة, قد أتى بها -صلى الله عليه وسلم- جوابًا لسؤال.
فيُقال عند قواعد الأصوليين: السؤال معادٌ فيه الجواب.
يعني أن إجابة النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كانت لأجل معنىً من المعاني سُئل عنه -صلى الله عليه وسلم-
وعلى هذا فيكون, إن كانت فيها خمر أوخنزير فلا يجوز أكلها إلا أن تُغسل.
ومعنى النهي "ما تأكلوا فيها" من باب التوقي والورع, إلا فإذا كانت طاهرة, فلا حرج أن يستعملها أو يستعمل أواني أهل الإسلام, لأنها ما دامت طاهرة فلا بأس بذلك, والله أعلم.

فيكون منع النبي ابتداءًا إنما هومن باب الورع, ومن باب التوقي, ومن باب الابتعاد عن سائر النجاسات والله أعلم.

إذا ثبت هذا. فإن من الأواني ما يكون من الجلود. أليس كذلك؟
فإن من الأواني ما يكون من الجلود. وقد توضأ -صلى الله عليه وسلم- هو وأصحابه من مزادة مشركة, والمزادة ما هي؟
جلدٌ قد دُبِغ. أليس كذلك؟
طيب.. من المعلوم أن الحيوان إذا ذُكِّي؛ فإنه طاهر. أليس كذلك؟
الحيوان مأكلول اللحم.
فبالتالي, جلده ما حاله؟
طهور. طاهر يعني, ما يُقال طهور إلا على الماء.
أحيانًا تكون هذا الميتة, فهل لو دُبِغَ جلده -جلد الميتة- يطهر أم لا يطهر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا.
أرجح هذه الأقوال, أن هذا الحيوان الميّت, لا يخلو أن يكون طاهرًا في الحياة مما يؤكل لحمه, أو ليس طاهرًا ولا يؤكل لحمه.

فإن كان طاهرًا ولا يؤكل لحمه كالهرّ, لا ينفع الدبغ.
وإن كان نجسًا ولا يؤكل لحمه, فلا ينفع فيه الدّبغ.
وإن كان طاهرًا في الحياة ومما يؤكل لحمه, فينفع في الدبغ.

فيكون الدبغ بمنزلة الذكاة.
قد يقول قائل قد علمنا اختيارك هذا القول, فما الدليل على ما قلت؟
قلنا الأدلة كثيرة, الدليل هو ما جاء في الصحيحين من حديث ميمونة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرّ على قوم يجرون شاة ميتة, فقال أفلا انتفعتم بإهابها -يعني بجلدها- قالوا إنها ميتة. لماذا؟
لأنهم معلوم عندهم أن الميتة مُحرّمة "إن الله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام".
فقال -صلى الله عليه وسلم- "إنما حَرُم أكلها".

وجه الدلالة: قالوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما مرّ عليهم, إنما مرّ عليهم لأنها شاة, الشاة ينفع فيها التذكية, فكان الدبغ بمنزلة الذكاة.
قالو هذا يُخالف حديث ابن عباس"إذا دُبِغَ الإهاب فقد طَهُر". رواه مسلم.
قالوا ولم يكن هناك فرقٌ بين إهابٍ وإهاب.
قلنا: هذا حديث عام, خُصص فيما يُكل لحمه. ودليله, ما جاء عند الإمام أحمد وغيره والدارقطني وغيره, عن عائشة -رضي الله عنها-
أنها قالت, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "دباغها ذكاتها" وفي رواية "دباغها طهورها" وفي حديث سلمة بن المحبق "دباغ جلود الميتة ذكاتها".
والحديث بمجموع طرقه يدلّ على أن له أصل, وأحسن شيئ في الباب حديث عائشة "دباغها طهرها".
الجواب أو وجه الدلالة, قالوا فكون النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول "دباغها ذكاتها" فإننا ننظر, فإن الأسد لو ذُكّي, هل يطهر؟
لا يطهر.
فلم يكن هذا الذكاة تنفع النجس.فدلّ ذلك على أن الدّبغ بمنزلة التذكية, والتذكية لا تُطهِّر إلا ما يؤكل لحمه.
والتذكية لا تنفع إلا ما يؤكل لحمه. وهذا القول أظهر وأحوط.

على هذا. فلو أن إنسانًا لبس فراء من نمر. هل يجوز؟
نقول أولاً أن كان قد دُبِغ فلا يجوز الصلاة فيه.
الثاني: أنه جلود السباع جاء نهي خاص, نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن جلود السباع, لأنه من فعل المجوس, فعل الفرس.
فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم-عنها.
كما في حديث المقداد بن معد كرب, وحديث معاوية بن أبي سفيان.

وأما في غير السباع مما لا يُؤكل لحمه, فإنهم قالوا يجوز استعماله في اليابسات, ولكن لا يُصلّى فيه, ولا يُوضع في إناء رطب, لأنه سوف يُنجِّسه.

هذه هي الأحوال. والذي يظهر لي, أنه الغالب أن يكون ذلك في (الحَيَّة) لأن الحيَّة ليست من السباع, مع ذلك فإنها نجسة, فإذا دُبِغَت فإنها تُستخدم في اليابسات مثل أن تُعلَّق في السيارة, أما أن تُستخدم في الرطب, فهذا يُنجّسها, والله أعلم.

طيب .. إذا علمنا أن جلد ما يؤكل لحمه, يطهُر بالدَّبغ فاعلموا -رحمكم الله- أن أجزاء الميتة كله نجس. إلا ما لا تدخله الحياة.
ما معنى ما لا تدخله الحياة؟
قالوا: كلُّ جزء من أجزاء الميتة إذا كان فيه دم. فالدم هو تدخله الحياة.
فالدم إذا كان في هذا الجزء فإنه إذا ماتت الميتة فإن هذا الجزء يكون نجسًا.
وما لا تدخله الحياة فهو طاهر.
مثل الصوف والشعر, فالشعر لا تدخله الحياة, والصوف لا تدخله الحياة.

وقد كان الصحابة يجزُّون الصوف من بهيمة الحيوان.
طيب .. إذا كان الصحابة يجزُّون الصوف من بهيمة الحيوان, هل فيه دلالة على أن هذا طاهر؟
من يقول هذا ! ليس فيه ما يدلّ على أنه طاهر!
ما الجواب؟
من يجاوب له عندي جائزة.
أحد الحضور: لم ينهاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن فيه دليل ففعل الصحابي حجة على غيره.
الشيخ: الجواب على هذا أيها الأخوة, هوأنه ما أُبِينَ من حيٍّ فهو كميتته, أليس كذلك؟
فإذا قطعت يد حيوان وهو حيّ, فهذه اليد, ميتة.

ما أُبِينَ من حيٍّ فهو كميتته.

قد جاء في ذلك حديث, من حديث أبي واقد, وإسناده يدلّ على أن له أصل.
فهذا الجزّ من الصوف استخدمه الصحابة, فلو كان هذا من سائر أعضائه, لما جاز استعماله, لأنه سوف يكون نجس, وقد أُبِينَ من حيّ.
فلما جاز استعماله, صار هذا مستثنى من أعضاء الحيوان, لأنه كالميتة لوكان عضوًا, فلما جاز استعماله صار هذا مُستثنى من هذا الأمر. فدلّ ذلك على أن الصوف والشعر لا بأس به. وهذا قول عامة أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

بقي أعضاء من أعضاء الميتة اختلف العلماء فيها, مثل العظم, مثل القرن, مثل السِّن.
فذهب الجمهور, والجمهور من هم؟
المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن السن والقرن والظلف نجس.
القول الثاني, هو مذهب أبي حنيفة إلى أن السِّن والقرن والظلف طاهر لأن حياته حياةً نباتية, ليست حياة حيوانية.
وما معنى الكلام؟
لأن نموه وكبره هومثل الحياة النباتية, لكن ليس فيه دم. فدلّ ذلك على أنه طاهر.
وهذا هو ظاهر كلام البخاري, فإن البخاري ذكر في الأحاديث المُعلّقة بصيغة الجزم أن محمد بن سيرين سُئِل عن العاج (وهو سنّ الفيل) لا بأس بالتمشّط فيه, لأنه في حكم الطاهر, الله أعلم.

أما العظم, فالذي يظهر -والله أعلم- أن العظم لو فُتح, فإن فيه دم, فدلّ ذلك على أن عظم الميتة نجس, ولوكان مما يؤكل لحمه.
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
طيب.. الإخوة يقولون أن الوقت قد قرب على انتهائه
فلو ذكرنا أسئلة في هذا.

أسئلة الواجب

السؤال الأول
ماحكم اشتباه الطهور بالنجس؟ هل يستعملها أو يستعمل أحدهما؟

السؤال الثاني
حكم جلد الميتة. هل إذا دُبِغ.
هل يطهر كل جلد مطلقًا
أم يطهر جلد كل حيوان طاهر في الحياة.
أم يطهر كل جلد مأكول اللحم في الحياة؟

نستمع منكم إن كان هناك سؤال.

أحد الحضور: أحسن الله إليك يا شيخ. بالنسبة لبداية حديثك عن الماء, تكرر دائمًا قول (طهور) لا تقل طاهر فيه؟
نعم.. نحن نقول طاهر لأجل أن الطاهر هو الذي سلبه معنى المائية, وإلا فإن الطهور والطاهر الصحيح أنه إذا كان وصف المائية فيه, فإنه سواء سميته طهورًا أو سميته طاهرًا, كل ذلك لا فرق.

الطالب: أقصد يا شيخ, رجّحت في الدرس الماضي أنهما قسمان فقط.

الشيخ:هما قسمان, لكن حينما نقول طاهر, فنقصد به الطهور, ونقصد به الطاهر الذي قد خرج مُسمى الماء فيه كالعصير, فيُسمى طاهر.
لكننا حينما نقول طهور فإننا نقصد الماء الذي نتوضأ به, ولو وقعت فيه شيئ من المباحات التي لم تُغيِّر مسمى الماء فيه.

أسئلة الموقع.
هل المقصود الفضة, الأواني غالية الثمن أو الرخيصة, لأن هناك أكواب من الزمان فضة اللون, هل هي منها؟

الجواب: نقول المقصود من ذلك هو الفضة التي هي فضة, فيها مادة الفضة, أو فيها مادة الذهب, أما اللون الفضي أو اللون الذهبي, فلا يخلو من حالين.
الحالة الأولى: أن يكون فيه ذهب أو فضة بحيث لو عُرض على النار, يكون باقٍ. فهذا ممنوع لأنه في حكم الأكل والشرب.
أما اللون الذي لو عرض على النار لا أثر له, فلا بأس.
بالمناسبة أيها الإخوة, نستطيع أن نعرف ذلك, خاصة في الثريا وغيره, قيمتها, فإذا كانت قيمة الثريا ألفين وخمسائة وثلاثة آلاف وقال لنا أن فيها ذهب, فهذا ليس معناه أن فيها ذهب, لكن معناه أنها مصبوغة بمادة تُقوِّي لون الذهبية فيه, إلا لكانت بخمسين ألف أو بأربعين ألف. فهذا يُعرف, ولهذا ينبغي أن يُسئل أصحاب هؤلاء, هل فيها ذهب حقيقي من عيار كم؟ أم ليس فيها من الذهب إلا بقاء اللون القوي؟

السؤال الثاني
بارك الله فيكم. لماذا لا نقول أن آنية الألماس والياقوت مُحرَّمة قياسًا على الذه والفضة؟

الشيخ: هذا سؤال جيد, السبب في منع الذهب والفضة, ي كماجاء في الحديث "فإنها لهم في الدنياو ولكم في الآخرة"
وليس السبب لأجل الغلاء. فإن الإنسان أحيانًا يستخدم الذهب والفضة, ولا يكسر قلوب الفقراء, فدلّ ذلك على أنها آنية أهل الجنة في الجنة, فلا ينبغي لأهل الإيمان أن يستعملوها, فتكون لهم خالصة يوم القيامة, ولا تكن للكفار. وعلى هذا فالنهي ليس لأجل الغلاء, ولكن لأجل خصوصية الذهب والفضة والعلة قاصرة فيه.

وصلى الله و سلم وبارك على نبينا محمد.
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #3  
قديم 06-03-2012, 09:57 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
آداب قضاء الحاجة




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



الدرس الثالث من باب الطهارة
د. عبد الله بن ناصر السلمي.

آداب قضاء الحاجة:
الاستنجاء هو: إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بالماء أو بغيره كالاستِجْمَار.
فكل أدبٍ من آداب قضاء الحاجة لا يلزم أن يكون مُستحَبًّا، فيمكن أن يكون مُستحَبًّا، ويمكن أن يكون واجبًا، ويمكن أن يكون مكروهًا، ويمكن أن يكون مُحَرَّمًا، ويمكن أن يكون مُباحًا
الخلاء: هو المكان الذي يُقضى فيه الحاجة، فلو كان في صحراء فوجد مكانًا يريد أن يقضي فيه حاجته؛ فإنَّه حينئذٍ يكون هذا المكان في حكم قضاء الحاجة.
ماذا يقول الإنسان عند دخول الخلاء؟
يُستحَبُّ للإنسانِ إذا أراد أن يأتي مكانَ قضاء حاجته أن يقول دعاء دخول الخلاء: فيقول كما في الصَّحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّه قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يدخل الخلاءَ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن الخُبُثِ -أو مِن الخُبُثِ والخَبَائِث». والحديث متَّفقٌ عليه.
وفيه فائدةٌ: وهي أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يقول ذلك قبل الدخول (كان إذا أراد أن يدخل الخلاء)؛ وعلى هذا فإذا أراد الإنسانُ أن يدخل الخلاءَ -وهي دورات المياه- فإنَّه قبل أن يدخل يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ أو من الخُبُثِ والخبائث.
فإن كان في فضاءٍ ورأى أنَّ هذا المكانَ يحسُن أن يقضي حاجتَه فيه فإنَّه يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث.
و أهل العلم اختلفوا في مسألة النُّطق: هل هي الخُبْث بضم الخاء وسكون الباء، أم هي الخُبُث بضم الخاء وضم الباء؟
بعضُ أهل العلم –وهو قول أكثر المُحَدِّثين- يقول: إنَّ الأصحَّ التَّسكين. وبعضُهم يقول: إنَّ الأصح هو الضم.
وكل واحدٍ له وجهة نظرٍ، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأشهرَ هي الخُبُث بالضم، وإن كان يجوز فيها التَّسكينُ من باب التَّخفيف عند علماء اللُّغة.
وعلى هذا فإذا قلت: الخُبْث أو الخُبُث. فكلُّ ذلك جائزٌ.
فما معنى الخُبُث؟
(الخُبُث) قال بعضُهم: إنَّه بالضَّمِّ ذُكران الشَّياطين، والخبائث إناثُ الشَّياطين.
وقال بعضُهم: إنَّه بالتَّسكين يكون المقصودُ به الشَّرَّ، والخبائث هي الذَّوات الشِّريرة.
والذي يظهر -والله أعلم- أنَّنا إذا قلنا (الخُبُث والخبائث) فالمقصود به ذُكران الشَّياطين والشَّر نفسه، والخبائث إناثُ الشَّياطين والأنفس الشِّريرة كلها، وهذا هو الأظهر والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
بعضُ الناس يقول: بسم الله. فأقول: إنَّه لو قال (بسم الله اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) فجائزٌ، ولكنَّ كلَّ الأحاديث الواردة بالبَسْمَلة أحاديث ضعيفةٌ، من ذلك ما رواه التِّرمذيُّ وابنُ ماجه من حديث عليِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنَّه قال: "قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «سَتْرُ مَا بَيْنَ عَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ وَالْجِنِّ أَنْ يَقُولَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ: بِسْمِ الله»".
وهذا الحديثُ ضعيفٌ؛ في سنده رجلٌ يُقال له: الحَكَم النَّصْرِي، وهو حديثٌ ضعيفٌ.
ما سبب هذا الذِّكْر؟
ويتعوَّذ بالله من الذي ينظر إلى عورته.
ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أتى أحدُكم الغَائِطَ فليَقُل: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من الخُبُثِ والخَبَائِثِ»، فلأجل أنَّها مُحْتَضَرةٌ يعني حاضرةٌ، فينبغي له أن يتعوَّذ بالله من شرِّها، والله أعلم.
فماذا يقول عند خروجه من الخلاء؟
يقول: (غُفْرَانَك)، كما ثبت ذلك عند أهل السُّنن من حديث عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يخرج من الخَلاءِ قال: «غُفْرَانَك». وهذا الحديثُ صحَّحه ابنُ خُزَيمةَ وابنُ حِبَّانَ والنَّوويُّ وغيرُ واحدٍ من أهل العلم.
ولو قال: (الحمدُ لله الذي أذهب عنِّي الأذى وعافَانِي)، فهذا حديثٌ رواه ابنُ ماجه، فإن قالَه فلا حَرجَ، لكنَّ الحديثَ فيه ضعفٌ والله أعلم.
الصَّحيحُ أنَّه من قول أبي ذرٍّ كما ذكر ذلك الدَّارقُطْنِيُّ، فإن قالَه أحيانًا فلا حرجَ، ولو لازمَه لأنَّه قولُ صحابيٍّ فلا حرجَ إن شاء الله، لكنَّ السُّنة أن يقول: «غُفْرَانَك».
ما الحِكمةُ من أن يقولَ الإنسانُ: «غُفْرَانَك»؟
الحكمة -والله أعلم- هي أنَّه لَمَّا يَسَّر اللهُ له إزالةَ ما في بطنه فهو يسأل ربَّه أن يُزِيلَ ما عَلِقَ من الذُّنوب، فلمَّا زال ما عَلِقَ من الأوساخ الحِسِّيَّة ناسَبَ أن يسأل ربَّه أن يُزيل عنه الأوساخَ المعنويَّة، وهذا ظاهرٌ والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم

ما الحال لو دخل الإنسانُ الخلاءَ ولم يتذكَّر أنَّه قال ذلك؟
الجواب: أنَّه لا حرجَ أن يقول: (اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) وهو يقضي حاجتَه، لماذا؟
الجواب: أننا سوف نتحدَّث عن مسألة ذكر الله في الخلاء، وأنَّه مكروهٌ، فذكر الله العام مكروهٌ في الخلاء، وقول: (اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) مُستحَبٌّ، والقاعدة تقول: إذا تعارضَ مأمورٌ ومحظورٌ فيُقَدَّم المأمورُ، إذا تعارض واجبٌ ومُحَرَّمٌ، فالمُقَدَّم الواجب؛ لأنَّ الواجبَ أعظمُ.
إذا ثبت هذا فإنَّه يُستحَبُّ له قبل أن يدخل الخلاءَ أن يُقَدِّمَ رِجْلَه اليُسْرَى، وإذا أراد أن يخرج قدَّم رِجْلَه اليُمنى، وذلك لما جاء في الصَّحيحين من حديث عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّها قالت: "كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعْجِبُه التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه إذا انتعل، وفي تَرَجُّلِه إذا تَرَجَّل". وفي روايةٍ: "وفي شأنه كلِّه".
فدلَّ ذلك على أنَّ كلَّ ما كان فيه إكرامٌ لليمين قُدِّمت اليُمنى، وكلَّ ما فيه عدمُ إكرامٍ لليمين قُدِّمت اليُسرى
مسألةٌ: هل يُكره دخولُ شيءٍ فيه ذكرُ الله في الخلاء؟
الجواب: لا يخلو هذا الشيء من أمرين:
أولاً: المصحف:
ما حُكم دخول الخلاء بالمُصحف؟
الجواب: أنَّه لا يجوز، بل قال بعضُ أهل العلم: "ولا أظنُّ عاقلاً يُخالف في ذلك". كما قال المِرْدَاوِي صاحب "الإنصاف"، فلا يجوز لأنَّ المصحفَ مأمورٌ فيه بالإكرام، ودخول الخلاء فيه الإهانة، إلا إذا كان ذلك خوفًا عليه، فإذا كان ذلك خوفًا عليه أصبح ضرورةً فلا حرجَ، مثل أن يكون في دورات مياه غير أهل الإسلام، أو يكون مصحفُه يخاف عليه، فنقول: احفظه خارج الحمام، ولكن لا ينبغي أن تدخل به الحمام إلا إذا خفتَ عليه من سرقةٍ ونحوها، فاجعله داخل الجيبِ، ومع ذلك يجب على الإنسانِ أن يتوقَّى ولا يُدخله، والله أعلم.
أمَّا القسم الثاني: دخول شيءٍ فيه ذكرُ الله، كصحيفةٍ فيها اسم الله:
أولاً لم يرد عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حديثٌ صحيحٌ في هذا الباب، واستدلَّ بعضُ أهل العلم على الكراهة فقالوا: "لما جاء من حديث أنس بن مالك أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يدخلَ الخلاءَ خلع خاتَمَه، وكان نقشُه: محمدٌ رسولُ الله". فقالوا: كلمةُ الله ذكرٌ لله، فكان الرسولُ –صلى الله عليه وسلم- يخلع خاتَمه لأجل ألا يدخل به الخلاء.
والجواب على هذا: أنَّ هذا الحديثَ لا يصِحُّ مرفوعًا، فقد ضعَّف الحديثَ النَّسائيُّ وأبو داودَ وقال: مُنكرٌ. وهذه هي طريقةُ أهل العلم من المُتقَدِّمين، وصحَّحه بعضُ أهلِ العلم من المُتأخِّرين، والصَّحيح أنَّ الحديثَ موقوفٌ على أنسٍ.
فإن دخل بشيءٍ فيه ذكرُ الله فلا حرجَ إن شاء الله، والأفضل ألا يُدخل شيئًا فيه ذكرُ الله الخلاءَ، إلا إذا كان قد وضعه في جيبه، فلا حرجَ في ذلك؛ لأنَّه في حكم ما في قلبك، وقلبك في حكم الصُّندوق، فكذلك دخولك بهذا الأمر.
وقُل مثلَ ذلك في دخول الأجهزة الإلكترونيَّة كالجوال والآيفون وغير ذلك، والتي فيها مصاحف، فإذا كانت مُقْفَلةً وهي داخله فهذه حكمها مثل حكم ما لو دخل الإنسانُ وفي قلبه القرآنُ كاملاً، فلا حرجَ في ذلك، لكن إذا كان سيُظهره أو يقرأ فيه؛ فلا ينبغي له ذلك، والله أعلم.
آداب قضاء الحاجة:
1- أنَّه إذا أراد الإنسانُ أن يقضي الحاجةَ ابتعد، وهذا كما جاء في الصَّحيح من حديث المغيرة بن شعبة –رضي الله عنه- أنَّه قال: "حتَّى توارى -يعني رسولَ الله صلى الله عليه وسلم- عنِّي في سواد اللَّيل". فهذا يدلُّ على أنَّ الرسولَ –صلى الله عليه وسلم- كان قد ابتعد.
إذن الابتعادُ غير الاستتار، فأنت ربما تقضي حاجتَك وقد استترتَ من زُملائك وأصحابك، لكنَّك لم تبتعد، فالسُّنة أن تبتعدَ، وقد جاء في ذلك حديث: "أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يقضي حاجتَه أبعدَ"، ولكن الحديثَ ضعيفٌ، وأحسن شيءٍ هو حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- إذن يُستحب للإنسان أن يبتعد.
2- الاستتار:
والاستتار نوعان: استتارٌ عن كشف العورة: فهذا واجبٌ أن يستتر، فبعض الناسُ أحيانًا لا يُبالي فيقضي حاجتَه في دورات المياه والناس ينظرون إلى عورته، وهذا لا يجوز؛ لما جاء عند أهل السُّنن أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما سُئل وقال له الصحابةُ: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر. قال: «احْفَظْ عَورَتَك إلا من زَوجِك أو ما ملكَت يَمِينُك». قالوا: يا رسول الله، يكون أحدُنا وحده! قال: «فاللهُ أحقُّ أن يُسْتَحْيَى منه».
القسم الثاني: الاستتار بمعنى ألا يراه أصحابُه حالَ قضاء الحاجة؛ يعني يختفي، فعندنا ابتعادٌ والثاني اختفاءٌ.
فكان -صلى الله عليه وسلم- من سُنَّته أن يَستَتِرَ؛ لما جاء في صحيح مسلمٍ من حديث عبد الله بن جعفر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أحبَّ ما استتر لحاجته هدفٌ أو حائشُ نخلٍ، والهدف هو الشيء المُعْتَرِض، مثل: تلٍّ صغيرٍ أو شجرةٍ ليس لها ظلٌّ يُنتفع به، فيقضي حاجتَه، بحيث لا يراه أحدٌ ولو كان قريبًا. فهذا هو الأفضل، وينبغي أن يكون عليه الإنسانُ.
فإذا لم يجد مكانًا فلا حرجَ إن شاء الله شريطةَ ألا يظهر منه شيءٌ من العورة، وقد قال حذيفة -رضي الله عنه- كما في الصَّحيحين: «فأتى -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائمًا وأنا خلف عَقِبِه». يعني أنه قريبٌ منه، فإذا كان هناك حاجة وضرورة فلا حرجَ إن شاء الله، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
3- يُستحَبُّ للإنسانِ عند قضاء الحاجة ألا يتكلَّم؛ لأنَّ بعضَ أهل العلم يرى أنَّ الكلامَ ممقوتٌ، واستدلُّوا على ذلك بما جاء من حديث ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبول فجاء رجلٌ فسَلَّمَ عليه، فلم يرد عليه السلام، ثم قال: «إنِّي كَرِهتُ أن أذكرَ اللهِ وأنا عَلَى غَيرِ طُهْرٍ». فقالوا يُكره لذلك.
والصَّحيحُ أنَّ هذا الحديثَ ليس فيه دلالةٌ على أنَّه يُكره الكلامُ حال قضاء الحاجة، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما كره ذلك لأجل أنَّه يقول: (وعليكم السلام)، ففيه ذكرٌ لله وهو غيرُ طاهرٍ.
ومما يدلُّ على أنَّ الكلامَ لا بأس به إن كان لحاجةٍ؛ ما جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعودٍ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال له: «ائتِنِي بثلاثَةِ أحجَارٍ». قال: "فأتيتُه وهو يقضي حاجتَه بحجرين ورَوْثَةٍ، فأخذ الحجرين وألقى الرَّوْثَةَ وقال: «إِنَّها رِجْسٌ»". وفي روايةٍ عند ابن خُزيمةَ: «ائتِنِي بغَيْرِهَا». فدلَّ ذلك على أنَّه إذا احتاج إلى الكلام فلا حرجَ، فإذا كان الإنسانُ في دورات المياه وطُرِقَ عليه البابُ فلا حرجَ أن يتنحنح، أو يقول: أنا فيه. أو يُنادى به فيُقال: يا فلان. فيقول: نعم. بحيث يُخبر الناسَ.
أمَّا الحديثُ الواردُ من أنَّ الله يَمْقُتُ الرَّجلين يخرجان قد ظهرت عوراتُهما يتغَوَّطان، فإنَّ الله يمقُتُ من ذلك. فهذا الحديثُ ضعيفٌ، ولو صحَّ فإنَّ النَّهي إنَّما هو لأجل أن الرَّجل يرى عورةَ أخيه، والرَّجل الآخر يرى عورةَ صاحبه، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
حكم استقبال القبلة واستدبارها
أولاً في هذه المسألة:
1- حكم استقبال بيت المقدس.
الصَّحيح: أنَّ استقبالَ بيت المقدس ليس فيه نهيٌ.
2- استقبال النَّيِّرَيْنِ.
النيران: الشَّمس والقمر، فاستقبال النيرين جائزٌ ولا حرجَ، وبعضُ الفقهاء يرى أنَّه يُكره، والصَّحيح أنَّه جائزٌ؛ لأنَّه إذا مُنِعَ الإنسانُ من استقبال القبلة من استِدْبَارها فماذا يصنع؟ فالشَّمسُ إمَّا أن تكون في الجهة الثانية أو القمر.
فالرَّاجِحُ -والله أعلم- أنَّ استقبال النَّيرين جائزٌ ولا حرجَ.
3- استقبال القبلة: الرَّاجح -والله أعلم- أنَّه لا يجوز استقبالُ القبلة حال قضاء الحاجة، ولا فرقَ في ذلك حال البُنيان أو حال الصَّحراء؛ لأنَّ الإنسانَ حال البُنيان وإن كان بينه وبين القبلة جُدُر، فكذلك الصَّحراء بينه وبين القبلة مفاوز وجبال ورمل وغير ذلك، فعلى هذا فاستقبال القبلة حال قضاء الحاجة لا يجوز.
الدَّليل ما جاء في الصَّحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري أنَّه قال: "قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا بغَائِطٍ أو بَوْلٍ، ولَكِنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا»". قال أبو أيوب: "فذهبنا الشَّأْمَ -يعني الشام- فوجدنا مَرَاحِيضَ قد بُنِيَت قِبَلَ القِبْلة، فننحرف عنها ونستغفر الله".
فهذا لم يأتِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه استقبل القِبْلَةَ، لا في البُنيان ولا في الصَّحراء؛ فدلَّ ذلك على أنَّه محفوظٌ، فلا يجوز هذا الاستقبال.
4- الاستِدْبَارُ.
الرَّاجح -والله أعلم- أنَّ الاستدبارَ حال قضاء الحاجة يجوزُ، وإن كان الأفضلُ العدمَ، ودليل ذلك ما جاء في الصَّحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنَّه قال: "ولقد رَقَيتُ على ظهر بيتٍ لحفصةَ فرأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قاعدًا على لَبِنَتَيْنِ مُستقبلَ بيت المقدس".
فإذا كان الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- وهو في المدينة مُستقبلَ بيت المقدس؛ إذن فهو مُستدبر الكعبة.
وجه الدِّلالة: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها». وجاءنا حديثُ عبد الله بن عمر، وهو أنَّه رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مُستَدْبِرَ القِبلة، فدلَّ ذلك على أنَّ هذا فعلٌ يدلُّ على الجواز، وهذا نهيٌ، فكان النَّهيُ في الاستدبار أخفَّ من النَّهي في الاستقبال، ولا فرقَ بين البُنيان وغيره، وإن كان جاء في ذلك حديثُ ابن عمر: "أنَّه كان يضع ناقتَه في ذلك". فالرَّاجح -والله أعلم- أنَّ ذلك إنَّما يجوز في الاستدبار، ولكن الأفضلَ ألا يستدبر، وأمَّا الاستقبالُ فلا يجوز.
وأمَّا ما جاء في الحديث: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَوَقَدْ فَعَلُوها؟ حَوِّلُوا مقعَدَتِي إلى القِبلة». فهذا حديثٌ ضعيفٌ، حديث جابر ضعيفٌ، والله -تبارك وتعالى- أعلم، أو حديثُ عائشةَ ضعيفٌ؛ يرويه عراك بن مالك عن عائشةَ، وهو مُنقطِعٌ، والله -تبارك وتعالى- أعلم.
وأمَّا قول جابر أيضًا: "ولقد رأيتُه قبل وفاته بعامٍ مُستقبل القِبلة". فهذا حديثٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ في سنده محمد بن إسحاق، ومحمد بن إسحاق لا يُقبل حديثُه إذا أتى بما يُنكر، وهذا مما استنكره عليه الأئمَّةُ، والله -تبارك وتعالى- أعلى وأعلم.
حكم الاستنجاء بالماء، أو الاستجمار بالحجر، أو بهما معًا:
الاستنجاءَ: إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بالماء.
والاستِجْمَار: إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بغير الماء، كحجرٍ، أو خِرْقَةٍ، أو شيءٍ مُباحٍ، والله أعلم.
أمَّا الاستنجاءُ بالماء فقد كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يستنجي بالماءِ عند قضاء الحاجة، وهذا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه والله أعلم، وقد نقل الإجماعَ غيرُ واحدٍ من أهل العلم، كابن قُدَامَةَ وغيره، وذلك لما جاء في الصَّحيحين من حديث أنس بن مالك أنَّه قال: "كنتُ أنا وغلامٌ نحوي نحمل إِدَاوَةً إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا قضى حاجتَه أعطيناهُ إيَّاها". أو كما قال -رضي الله عنه.
فكان ذلك دلالة على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قضى حاجته يُعطى هذه الإِدَاوَة ليستنجي بها، ولهذا جاء في الصَّحيحين من حديث المغيرة حينما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتوارى ويستنجي أخذ إِدَاوَةً من ماءٍ لأجل أن يستنجي بالماء، والله أعلم.
الحالة الثانية: الاستِجْمَار، والاستجمار هو إزالةُ الخارج من السَّبِيلَين بغير الماء كالمناديل، والخِرْقَة، والحجر، والتُّراب، ونحو ذلك: فيجوز للإنسانِ أن يُزيل الخارجَ من السَّبِيلَين بهذه الأحجار، أو بهذه المناديل، ولو كان الماءُ موجودًا عنده، وإن كان الأفضلُ أن يستخدم الماءَ، لكنَّه يجوز الاستجمارُ ولو كان عنده ماءٌ والله أعلم.
الحالة الثالثة: أن يستخدم الاثنين، فيغسل السَّبيلين بالماء، ثم يتمَسَّح بالمناديل، أو يتمسَّح بالمناديل ويستخدم الماءَ، وهذا أيضًا جائزٌ، ولكن لم يرد فيه حديثٌ صحيحٌ بأن يجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما، وإنَّما جاءت أحاديثُ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأهل قُباء في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]، قال: «أَنَّكُم تُتْبِعُونَ الحِجَارَةَ الماءَ». وهذا الحديث جاء من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث ابن عباس، وجاء من حديث عائشة، ولا يصحُّ في الباب حديثٌ والله أعلم، ولكنَّه إذا جاز الماءُ وجاز الاستجمارُ؛ فالجمع بينهما جائزٌ والله أعلم، وأحسن شيءٍ إنَّما هو من قول عائشة والله أعلم، وعلى هذا فلو استخدم الجميعَ فلا حرجَ.
وعلى هذا فنقول للإخوة الذين يكونون مرضى في المُستشفيات، ويشقُّ عليهم الذَّهابُ دائمًا إلى دورات المياه: قد جعل اللهُ لكم الرُّخْصَةَ والعافِيةَ والسَّعَةَ بأن تستخدموا المنادِيلَ عند قضاء الحاجة وأنتم في أَسِرَّتِكم، ولا حرجَ في ذلك، لكن يجب أن تعلموا أنَّ هذا التَّمَسُّحَ بالمناديل وغيره لابُدَّ فيه من أحكامٍ، وهو باب الاستِجْمَار.
أحكام الاستِجْمَار:
أولاً: لا يجوز الاستجمارُ إلا بثلاثةِ أحجارٍ، أو بثلاث مَسَحَاتٍ مُنْقِيَةٍ، فلو مسح السَّبيلَين بحجرين وأَنْقَى لا يُجزئ حتى يكون ثلاثًا، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة، خلافًا للمالكيَّة والحنفِيَّة، فإنَّهم قالوا يُجزئ، ولكن الأفضلَ الثَّلاثُ.
والصَّحيح أنَّه لا يُجزئ إلا بثلاثةِ أحجارٍ، ولو أنقى بواحدٍ، أو باثنين، ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال -كما عند الإمام أحمد وأهل السُّنن: «أَيُّها النَّاسُ، إنَّما أَنَا لَكُم بمَنْزِلَةِ الوَالِد، فإذا أرادَ أَحَدُكم أن يَقْضِي حاجتَه فإنَّه يُجزئ من ذلك ثلاثَةُ أحجارٍ».
فقوله: «يُجزئ» دليلٌ على أنَّ غيرَ الثلاثة لا يُجزئ والله أعلم، وهذا من باب المأمور، والقاعدة أنَّ بابَ المأمور لا يجوز تركه والله أعلم.
المسألة الثانية: أنَّه لا يجوز أن يَتَطَهَّر أو يتمَسَّحَ بِرَوَثٍ، أو عَظْمٍ، ولو كانا طاهِرَين، فإذا أراد إنسانٌ أن يَسْتَجْمِرَ برَوْثَةٍ، فهذه الرَّوْثَةُ إمَّا أن تكونَ رَوْثَةَ حمارٍ، وإمَّا أن تكونَ رَوْثَةَ ما يُؤكل لحمُه، فلا يجوز، لماذا؟
لأنَّه إذا كانت رَوْثَةُ حمارٍ فإنَّها نَجِسَةٌ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- كما عند البخاريِّ: «إِنَّهَا رِجْسٌ» فلو استجمر بنجِسٍ فإنَّه لا يزيد المكانَ إلا نجاسةً.
كذلك العظمُ فلا يجوز، لماذا؟ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يُسْتَجْمَرَ بالرَّوَثِ والعظم إذا كانا يُؤكل لحمها، قال: «لأنَّهُ طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ»، وحينما قالت اليهودُ: "قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيءٍ حتى الخِرَاءَةَ". يعني حتى قضاء الحاجة، فقال سلمانُ الفارسيُّ -رضي الله عنه: "أجل، نهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نستقبلَ القِبلَةَ بغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجي برَجِيعٍ، أو بعَظْمٍ".
وعلى هذا، فلا يجوز أن يُستنجى برجيعٍ أو عظمٍ.
والسُّؤال: إذا استنجى الإنسانُ برجيعٍ أو عظمٍ ومسح ثلاثةَ مرَّاتٍ بالعظم، أو ثلاثَ مرَّاتٍ بالرَّوثَةِ الطَّاهرة، هل يكون طاهرًا؟
اختلف العلماءُ في ذلك: فذهب الشَّافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّه لا يكون طاهرًا، فتجب عليه الإعادةُ، فيأتي بحجرٍ أو ثلاثةِ أحجارٍ ويمسح، ولو كان المكانُ طاهرًا، ولو تَطَهَّر المكانُ.
وذهب أبو حنيفة، ومالك، واختيار ابن تيمية -رحمهم الله- وهو أنَّه لو تَمَسَّحَ برَوَثٍ أو عظمٍ فإنَّه آثمٌ، ولكنَّه يكون طاهرًا، قالوا: لأنَّ النَّهيَ إنَّما هو من باب اجتناب المحظور، واجتناب المحظور يأثم صاحبُه، ولكن الفعلَ صحيحٌ -والله أعلم.
واستدلوا على ذلك بأنَّ الحديثَ الواردَ فيه وهو حديث أبي هريرة عند الدَّارَقُطْنِيُّ: «إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» حديثٌ ضعيفٌ، والله أعلم.
وأمَّا حديثُ: «إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» يعني الرَّوَثَ والعَظْمَ؛ فإنَّه حديثٌ ضعيفٌ، ضعَّفه غيرُ واحدٍ من أهل العلم -رحمهم الله جميعًا.
فوائد من الأسئلة
حكم سُقوط فَأْرٍ حَيٍّ في الماء ثم خرج
من المعلوم أنَّ الفأرَ الحيَّ الراجح فيه -والله أعلم- أنَّه في حكم الطَّاهر، وذلك لأنَّه كما قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي قتادة عند أهل السُّنن في الهِرَّة: «إِنَّهَا لَيْسَت بنَجَسٍ، إِنَّهَا من الطَّوَّافِينَ عَلَيكُم والطَّوَّافَاتِ». فكذلك الفَأْرَةُ، فالأصل أنَّ سُؤْرَ الفأرةِ طاهرٌ، وعَرَقَها طاهرٌ، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، إلا إذا وُجِدَ شيءٌ من نجاستها على الماء؛ فالأصل أنَّه إن كان قد غَيَّر شيئًا من أوصافه؛ فإنَّه يكون نجسًا، وإن لم يُغَيِّر فالأصل فيه الطَّهُوريَّة -والله أعلم.

ما حكم الماء المُشَمَّس
الشَّافعيَّةُ يقولون -وهو مذهب الحنابلة: يُكره استعمال الماء المُشَمَّس. وقد جاء في ذلك أحاديثُ وهي ضعيفةٌ: أنَّه يُورِثُ البَرَصَ. والصَّحيح أنَّ استعمالَ الماء المُشَمَّس لا حرجَ فيه؛ لأنَّ هذه المسائل تحتاج إلى دليلٍ، ولا دليلَ في ذلك -والله أعلم.

اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ، وأراد الصَّلاةَ، فماذا يفعل؟
قال بعضُ العلماء: "إذا كان يعلم عددَ النَّجِسِ؛ فإنَّه يُصَلِّي عددَ الثِّياب النَّجسة وزيادة واحد". فلو كان عنده ثيابٌ نجسةٌ مئة، وعنده ثيابٌ طاهرةٌ اثنين، واختلطت هذه بتلك، فهم قالوا لابُدَّ أن يُصَلِّي، فيلبس ثوبًا ويُصَلِّي، ثم يلبس الثاني ويصلي، ثم يكمل مئة وواحد، قالوا: "لأنَّنا نعلم حينئذٍ أنَّه قد صلَّى في واحدٍ طاهرٍ؛ لأنَّه صلى عددَ النَّجِس وزيادة".
وهذا فيه كُلْفَةٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا من التَّكليف بما لا يُطاق، والله -تبارك وتعالى- أعلى وأعلم.
والجواب على هذا أن نقول: القاعدة التَّحرِّي، فيتحرى أي الثياب الطَّاهرة، فيأخذ واحدًا ويُصَلِّي ولا حرجَ عليه.
وصلاتُه صحيحةٌ؛ لأنَّه اجتهد، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ».
لكنَّه لو أُخبر بعد ذلك أنَّه صلى في ثوبٍ نجسٍ، فالرَّاجح -والله أعلم- أنَّه لا حرجَ عليه ولا تلزمُه الإعادةُ؛ لما جاء عند أهل السُّنن أنَّ الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي سعيد الخدري: صلى وفي نعليه نجاسةٌ –أذى- فلما أخبره جبريلُ خلعهما.
وجه الدِّلالة: أنَّه لو كانت النَّجاسَةُ في الثَّوب إذا كان جاهلاً أو ناسيًا تُبطلها لبطلت من أول الصَّلاة، فلمَّا أكمل -صلى الله عليه وسلم- دلَّ على أن النَّاسِي وجود نجاسةٍ في ثوبِه لا حرجَ عليه ولا بأسَ بذلك -والله أعلم.
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #4  
قديم 06-03-2012, 10:02 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
اللهم فقهنا في الدين

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




الدرس الرابع من كتاب الطهارة

حكم الاستنجاء أو الاستجمار باليمين:
لا ينبغي للإنسان أن يتمَسَّح من الخلاء بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يبول ويُمْسِك ذَكَرَه بيمينه؛ لأنَّ ذلك من باب إهانة اليمين، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصَّحيحين من حديث عائشةَ: "يُعجِبه التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه إذا تَنَعَّلَ، وفي تَرَجُّلِه إذا تَرَجَّل، وفي طهورِه إذا تَطَهَّر". وكان إذا أراد أن يتطهر من باب إزالة ما عَلِقَ في جسده -صلى الله عليه وسلم- من أوساخٍ بدأ باليمين، وإذا أراد أن يُزِيلَ وصف الحدثِ القائم بنفسه بدأ بشِقِّه الأيمن، وأمَّا ما دُون ذلك فإنَّه يستخدم اليسار.
ولأجل هذا جاء في الحديث الذي رواه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُو يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلاءِ بيَمِينِهِ، وَلا يَتَنَفَّسْ في الإِنَاءِ». والحديث مُتَّفقٌ عليه.
هل الاستنجاءُ باليمين من باب التَّحريم أم من باب الكَرَاهَة؟
اختلف العلماءُ في ذلك: فذهب الأئمَّةُ الأربعةُ -أبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد- إلى أنَّ النَّهيَ إنَّما هو للكراهةِ وليس للتَّحريم، إذن النَّهيُ عند الجمهور للكراهة.
ولماذا حملوا النَّهيَ على الكراهة مع أنَّ الأصلَ أنَّ النَّهيَ يقتضي التَّحريم؟
نحن نعلم أنَّ القاعدةَ الأُصوليَّةَ تقول: أنَّ النَّهيَ يقتضي التَّحريمَ، ولا يُصرف عن التَّحريمِ إلا بقرينةٍ، القرينةُ أيُّها الإخوة لا يلزم أن تكون نصًّا شرعيًّا من كتابٍ أو سُنَّةٍ، فيُمكن أن تكونَ ظاهرَ الكتابِ والسُّنة، ويمكن أن تكون قَرائِنَ تُعرف بالأدلَّة والقرائن، فذكر العلماءُ أنَّ من الصَّوارفِ -كما أشار إلى ذلك النووي- قالوا: لأنَّ هذا من باب الإرشاد والآداب، وليس من باب العبادات التي هي مُتوَقِّفةٌ على التَّوقيف. يعني لا يُعرف حكمتُها، فقالوا: إنَّ النهيَ للكراهة.
وقالوا أيضًا: ولأنَّ في الحديث «وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ»، فإذا كان التَّنَفُّسُ في الإناء ليس من باب التَّحريم؛ فكذلك التَّمَسُّح من الخلاء ليس للتَّحريم.
وقالوا أيضًا: ولأنَّ اليمينَ أو اليسارَ إنَّما هي بَضْعَةٌ من جسد الإنسان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما هُو بَضْعَةٌ منكَ»، فإذا كان كذلك فإنَّه يدلُّ على الكراهة.
وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّ النَّهي للتَّحريم، وهذا مذهبُ داود الظَّاهري وابن حزم، وهو روايةٌ عند الإمام أحمد، وقالوا: لأنَّ الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَلا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُم ذَكَرَهُ بيَمِينِهِ وَهُو يَبُولُ»؛ فدلَّ ذلك على أنَّ المقصودَ هو حالُ أداء قضاء الحاجة، فلربما وقع في يده اليمنى بعضُ النَّجاسَةِ، واليُمنى ينبغي أن تُكَرَّمَ، فلا ينبغي للإنسانِ أن يُخالف مأمورَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أو أمره.
وعلى هذا فإنَّنا نقول أنَّ قولَ التَّحريم قولٌ قَوِيٌّ، ولكن لا نستطيع أن نترك مذهبَ جمهورِ أهل العلم، فنقول أنَّه لا يدلُّ على التَّحريم، لكن نقول مع ذلك أنَّه وإن كان القولُ بالكراهة قولٌ قوِيٌّ، لكن لا ينبغي للناسِ أن يُخالفوا هذا الأمر؛ لأنَّ القولَ بالتَّحريم قولٌ قويٌّ.
فنقول الرَّاجحُ أنَّه للكراهة، لكن لا ينبغي للإنسانِ أن يتهاون في هذا الأمر، ولهذا ينبغي أن يعلم الإنسانُ إذا أراد أن يقضي حاجتَه أن لا يُمْسِك ذكرَه بيمينه ولكن يُمسكه باليسار.
الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَلا يُمْسِكَنَّ أحَدُكُم ذَكَرَه بيَمِينِهِ وَهُو يَبُولُ»، وقال: «وَلا يَتَمَسَّحْ مِن الخَلاءِ بيَمِينِهِ»، فإذا قضى الإنسانُ حاجتَه فكيف يتمَسَّح بيمينه؟
انظر فقهَ العلماء، قالوا: إذا اضطر إلى استعمال اليَمِين فإنَّه يُمسِك ذكرَه بيَمِينِه ويأخذ الحجرَ ويُحَرِّكها بشماله؛ لتكون المُتَحَرِّكةُ هي اليسار وليست اليمين، كل ذلك لأجل ماذا؟ ألا يُخالف أمر النبي -صلى الله عليه وسلم.
قال أهلُ العلم: ينبغي للإنسانِ إذا أراد أن يقضي حاجتَه ألا يكشف عورَته حتى يكون قريبًا من الأرض. أي حتى يدنو من الأرض، وقد ذكر النَّوويُّ استحبابَ ألا يكشف عورَته حتى يدنو من الأرض لماذا؟
قالوا: لما جاء عند أهل السُّنن من حديث معاوية بن قُرَّة -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، عوراتنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احْفَظْ عَورَتَكَ إِلا مِن زَوْجَتِكَ، أو مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ». قال: يا رسول الله، أرأيتَ إذا كان أحدُنا وحده؟ قال: «فَاللهُ أَحَقُّ أن يُسْتَحْيَى مِنْهُ»، يعني إذا كنتَ أنت تستحي من أن تكشفَ عورَتَك أمام شخصٍ أجنبيٍّ؛ فالله أحقُّ أن تستحي منه، فإذا كان مُحَرَّمٌ أن يكشف الإنسانُ عورَتَه أمام صاحبه، فكذلك يكشف عورَته بلا حاجةٍ وحده؛ لأنَّ الله أحقُّ أن يُستحيى منه.
قد يقول قائلٌ: ما الدَّليلُ على أنَّ الإنسانَ يَحْرُمُ عليه أن يكشف عورَتَه أمام صاحبه؟
قلنا: ما رواه مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ –رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُفْضِي الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ في ثَوبٍ واحِدٍ، ليس على عَورَتِهِمَا مِنْهُ شَيءٌ». فهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوز للإنسان أن يكشفَ عورَتَه.
فلأجل هذا فإنَّ كشفَ العورة من غير حاجةٍ الراجح أنَّه مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه إذا استحيى المرءُ من الأجنبيِّ فالله أحقُّ أن يُستحيى منه، ولأجل هذا ينبغي أن نتفَطَّن لمثل هذا.
أمَّا حال إرادة قضاء الحاجة فإنَّنا نقول يُستحَبُّ له، ولكن مع ذلك نجد بعض الناس إذا انتهى من حاجته يمكث كاشفًا عورته؛ وذلك مكروهٌ.

إذن عندنا ثلاث مراتب:
1- كشف العورة من غير حاجةٍ، حكمه حرامٌ، الدليل: «فَاللهُ أَحَقُّ أن يُسْتَحْيَى مِنْهُ».
2- حين يريد أن يقضي حاجته، يُستحَبُّ له ألا يكشف ثيابَه إلا إذا كان يريد قضاءَ الحاجة أو يدنو منها.
3- يقضي حاجتَه وينتهي وهو مع ذلك كاشفٌ عورَتَه، قلنا أنَّ ذلك مكروهٌ، بل بالغ بعضُهم فقال إنَّ ذلك مُحَرَّمٌ، والرَّاجح أنَّ ذلك مكروهٌ؛ لأنَّه ربما يبقى أكثر من هذا.
ولهذا ينبغي أن نعلم أنَّ المُوَسْوَسَ والمُوَسْوَسَةَ -هداهم الله ونسأل الله أن يشفيهم- حينما يبقون في دورات المياه كاشفي عوراتهم، ويقولون من باب الطَّهارة؛ أنَّهم قد أطاعوا إبليسَ من وجهين:
الوجه الأول: أنَّهم بالغوا في التَّطَهُّر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ والدُّعَاءِ».
الوجه الثاني: أنَّهم كشفوا عوراتهم وقد نهانا رسولُنا -صلى الله عليه وسلم- أن نكشف عوراتنا من غير حاجةٍ.
المواضع التي يُنهى عن التَّخَلِّي فيها:
ليس كلُّ موضعٍ يجوز للإنسانِ أن يقضي فيه حاجتَه، فالمواضع تصل إلى سبع مواضع، وإذا أردنا أن نجملها نقول: ست، سوف نذكرها إن شاء الله:
أولًا: المواضع التي يُنهى عن التَّخَلِّي فيها:
1- الموضع الأول: طريق الناس:
من المعلوم أنَّ الإنسانَ أحيانًا يريد أن يقضي حاجتَه في طريق الناس المسلوكة، فهذا المكانُ إذا قضى فيه حاجته فإنَّ الناسَ تتأذَّى، وتأذيهم يكون من وجهين:
الوجه الأول: يكون من استقذار المرور على هذا الطريق.
الثاني: لربما وطأت أَرْجُلُ بعضِهم بعضَ هذه النَّجاسَة، أو أصابت بعضَ ثيابهم؛ فتَقَذَّروا من هذا الوضع، ولربما كان هذا سببًا في السَّبِّ -سَبّ من فعل ذلك- ولهذا جاء في الحديث الذي رواه مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ». قالوا: يا رسول الله، وما اللَّعَّانَانِ؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ أو فِي ظِلِّهِم». إذن فالموضع الأول طريق الناس.
أمَّا الطريقُ التي تكون غيرَ مسلُوكَةٍ أو مهجورةً أو مثل الطُّرق التي تكون في البَرَارِي، حيث تجدون البَرَّ أحيانًا يكون به عدة طرقٍ، فهذه لم تكن من عادة الناس السلوك فيها لأنَّها مهجورةً، فحينئذٍ نقول: لا حرجَ، لكن إذا كان الطريقُ مسلوكًا وهو مُعتادٌ أن يسير الناسُ عليه؛ فإنَّه يَحْرُمُ على الإنسان أن يقضي حاجتَه في ذلك الطريق.
2- الموضع الثاني: ظِلُّ الناس:
لا يجوز للإنسانِ أن يقضي حاجتَه فيما يستظِلُّ الناسُ فيه، وذلك في الأماكن التي يتشَمَّس الناسُ فيها في وقت البَردِ، فإنَّه من المعلوم أنَّ الناسَ أحيانا تبقى في الشَّمس وقت الشِّتاء فيجلسون، فكل مكانٍ يجلس الناسُ فيه سواء كان للتَّشَمُّس أو للاستظلال من الشَّمس أو في مكان الحدائق والمُتَنَزَّهات؛ فإنَّه لا يجوز للإنسان أن يقضي حاجتَه هناك، فمن المؤسف أن تجد بعضَ الناس لا يُبالي في أيِّ مكانٍ قضى حاجته، وهذا ما ينبغي له أن يصنع ذلك، وقد نهى رسولُنا -صلى الله عليه وسلم- أن يَتَخَلَّى في طريق الناس أو في ظلهم.
إذن الظِّلُّ المقصود به الظِّل التي يستظل الناس فيها، أمَّا الظِّلُّ التي لا يحتاجها الخلقُ -فهناك ظِلٌّ لا يُستفاد منه- فهذا لا حرجَ، مثل ما جاء في صحيح مسلمٍ من حديث عبد الله بن جعفر أنَّه قال: "كان أحبُّ ما استتر به -صلى الله عليه وسلم- لحاجته: هدفٌ أو حَائِشُ نخلٍ". ومن المعلوم أنَّ الهدفَ فيه ظِلٌّ، لكن هذا الظِّلَّ لا يُنتفع بالجلوس فيه، وكذلك "حائِشُ نخلٍ" فحائش النخل ليس مكانًا للظِّلِّ، أمَّا الطَّلْحُ التي يستظل الناسُ فيها فلا يجوز كما سيأتي.
3- ومن المواضع أيضًا التي ينهى عنها: موارد المياه:
فإنَّنا نعلم أيُّها الإخوة أنَّ مواردَ المياه التي يرد الناسُ إليها لسُقْيَاهم أو لسُقْيَا مواشيهم كالآبار والوِدْيان؛ لا يجوز للإنسان أن يقضي حاجتَه فيها، سواء كان ببولٍ أو غائطٍ، ولا يقل: لم أجد مكانًا! فقد أعطى اللهُ -سبحانه وتعالى- لك فُسْحَةً في جميع البَرَارِي، أمَّا أن تجلس في المكان بدعوى أنَّك لا تجد ماءً إلا في هذا الموطن؛ فإنَّك تستطيع أن تحمل الماءَ وتذهب، أمَّا أن تقضي حاجتَك في موارد المياه فإنَّ هذا أذى للنَّاس، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
وقد جاء عند أبي داود من حديث معاذ بن جبل -رواه أبو سعيد الحميري عن معاذ- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَ: الَّذِي يتخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ، أو فِي ظِلِّهم، أو فِي المَوَارِد». ولكن هذا الحديثَ ضعيفٌ؛ فإنَّ أبا سعيدٍ الحِمْيَرِي مع أنَّه مجهولٌ فهو لم يسمع من معاذ بن جبل، فهو حديثٌ ضعيفٌ.
لكن أهل العلم قالوا: إنَّ موارد المياه هي مما يُنتفع به مثل طريق الناس أو ظلهم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَين» إنَّما ذكر بعضَ أفرادِ المَنْهِي، ويدخل كلُّ ما ينتفع الناسُ به، سواء كان ظلًّا أو طريقًا؛ فإنَّه يُمنع منه، ومن ذلك الموارد.
ومن المعلوم أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يتبوَّل الإنسانُ في الماء الدَّائم؛ فقال: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُم في الماءِ الدَّائِم ثم يَغْتَسِلُ فيهِ». وفي روايةٍ: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُم في الماءِ الدَّائِمِ وَهُو جُنُبٌ». لئلا يستقذر الناسُ استعمالَ هذا الماء فيفسد الماءُ من غير استعمالٍ، فلأجل المصلحة العامة نُهِيَ العبدُ أن يتبوَّل في الماء الدَّائمِ أو أن يتبوَّل قريبًا منه.
وقد روى الطبرانيُّ بإسنادٍ حسَّنه المُنذريُّ: «مَنْ آذَى المُسْلِمِين فِي طُرُقِهم وَجَبَتْ عَلَيهِ لَعْنَتُهُم». ومعنى لعنة الناس أي سِبَابُهم.
4- ومن المواضع التي يُنهى عن التَّخلِّي فيها: نقع الماء:
معنى نقع الماء: أي مجتمع الماء، فأحيانًا يرتوي الناس ومواشيهم حينما تهطل الأمطار في وقت الشتاء من بعض الأماكن التي يسقط فيها الماء، فيقصدون هذا المكان فيشربون، فإذا استقذر الناسُ هذا المكانَ فإنَّه لن يُنتفع من الماء الذي فيه؛ بسبب قضاء حوائج الناس فيه، وربما نرى في وقت الشتاء أماكن يتمنى الناسُ أن يحضروها وأن يجلسوا أمامَها لكي ينتفعوا، فيجدونها مُمتلئةً بأذِيَّة الناسِ من قضاء حوائجهم فيتركونها، وربما سَبُّوا من فعل ذلك.
ومن المعلوم أنَّ مَن آذى المسلمين وجبت عليه لعنَتُهم كما جاء عند الطَّبرانيِّ بسندٍ جيدٍ.
5- الموضع الخامس: تحت الشجر:
فإنَّه يُمنع للإنسان أن يقضي حاجتَه تحت الشَّجر؛ لأنَّ الشَّجرَ إمَّا أن يكون ظِلًّا للناس، وإمَّا أن يكون مُثمرًا، فربما وقعت تلك الأثمارُ على الأوساخ، فربما ترك الناس الأكل من هذه الأطعمة، فلأجل هذا لا ينبغي ولا يجوز للمسلم أن يقضي حاجتَه تحت الأشجار المُثمرة.
6- الموضع السادس: جوانب الأنهار والبحار:
فإنَّك تأسف أشدَّ الأسف حينما تجد مَن يقضي حاجتَه على الشَّواطئ التي هي مُرتدى الناس ومجيئهم، فلربما بحثوا عن أماكن أخرى بسبب وجود مَن يصنع هذا.
ومن المعلوم أيُّها الإخوة أنَّ مجردَ وجود الأوساخ مُؤْذِنٌ بأذِيَّةٍ، وإن لم نقل بحرمةِ ذلك، لكنَّه لا ينبغي، فهو مكروهٌ؛ لأنَّ الناسَ ستتقَذَّر من هذا المكان، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُم رَجُلٌ أَزَالَ شَوْكَةً عَنِ الطَّرِيقِ فَغَفَرَ اللهُ لَهُ»؛ لأجل ألا يُؤذي الناسَ، فما بال البعض يفعل مثل هذه الأمور في بعض الأماكن التي تُؤذي الناسَ، ولربما سَهُلَ على الناس الوقوعُ ووطء الشَّوكة ويكون ذلك عندهم أهون من النَّظر إلى مثل هذه المواطن، والرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما يُبَيِّن الأدنى فالأعلى من باب أولى، وهذه قاعدةٌ معروفةٌ عند أهل العلم، وهي أن ذكر الأدنى دليلٌ على أنَّ ما فوقه من باب أولى، والله أعلم.
7- الموضع السابع: بين القبور:
فيحرم على الإنسانِ أن يمشي بين القبور أو يطأ القبرَ، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَعْمَدَ أَحَدُكُم إلى جَمْرَةٍ فتَخْرِقَ ثِيَابَه أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِن أن يَجْلِسَ عَلى قَبْرٍ»، كما ثبت ذلك في الصَّحيح؛ لأنَّ هذا أذِيَّةٌ للمسلم الميت، وحُرْمَةُ المسلم حيًّا كحُرْمَتِه مَيِّتًا، وقال صلى الله عليه وسلم -كما عند الإمام أحمد- لبشير بن الخَصَاصِيَة عندما رآه يمشي بين القبور وهو على نِعَالِه: «يَا صَاحِبَ السَّبْتَتَيْنِ، اخْلَعْ سَبْتَتَيْكَ». والحديث حسَّنه الإمامُ أحمد.
فإذا نهي العبدُ أن يمشي بين القبور بنعليه خوفًا من أذِيَّة أهل القبور المسلمين؛ فقضاء الحاجة من باب أولى.
وقد جاء حديثٌ رواه ابن ماجة وأبو يعلى بسندٍ صحيحٍ، وقد صحَّحه الحافظُ ابنُ حجر: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لأَنْ أَمْشِي عَلَى جَمْرَةٍ أَو سَيفٍ أو أَخْصِفَ نَعْلَيَّ بِرِجْلِي أحبُّ إليَّ من أن أَمْشِي عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَلا أُبَالِي أَوْسَطَ القُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أو أَوْسَطَ السُّوقِ»، فهذا يدلُّ على أن قضاء الحاجة وسط السُّوق ممنوعٌ ومُحَرَّمٌ؛ لأنَّ هذا أذِيَّةٌ، فهو جمع كلَّ هذه الأشياء، فإذا كان قضاءُ الحاجة وسط السُّوق ممنوعًا؛ فإنَّ مثله مثل قضاء الحاجة بين القبور.
ولأجل هذا فإنَّ قضاءَ الحاجة بين القبور مُحَرَّمٌ، والله -تبارك وتعالى- أعلى وأعلم.

نشاهد الآن مَن يُهمل الصَّرفَ الصِّحي ويُطلقه في الشَّوارع، فهل يدخل هذا في الوعيد؟
بعض الناس يا إخواني يكون الصَّرفُ الصِّحيُّ عنده أو ما يُسَمَّى -أعزكم الله- المجاري طافحًا في بيته وتمشي في السُّوق، فلا ينبغي للإنسان أن يُؤذي إخوانه المسلمين في ذلك، وينبغي له أن يُخبرهم لأجل ألا يتأثَّروا بذلك، فإذا كان قادرًا على إزالة هذا الأمر فلا ينبغي له أن يتوانَى؛ لأنَّ ذلك أذِيَّة في طريق الناس أو في ظلهم، ومن المؤسف أنَّك ربما تجد بعضَ الناس لا يُبالي بهذا الأمر، ولهذا ينبغي لنا أن نحتاط من هذا الأمر.
باب السِّوَاك.
ومن المعلوم أنَّ الإنسانَ إذا أراد أن يتوضَّأ فإنَّه يُستحَبُّ له أن يفعل أشياءَ قبل الوضوء، ومن ذلك السِّوَاك، فناسب ذلك أن يتحدث الفقهاءُ -رحمهم الله- قبل الوضوء عن باب السِّواك وسُنن الوضوء.
فالسِّواك أيُّها الإخوة هو سُنَّةٌ من سُنن المرسلين، وقيل إنَّ أولَ مَن تَسَوَّكَ هو إبراهيم -عليه السلام- وقد روى مسلمٌ في صحيحه من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، وذكر منها السِّواك.
وقد روى البخاريُّ في صحيحه من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ»، وهذا حديثٌ عظيمٌ.
إذن فلا ينبغي أن تترك السِّواكَ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، ولهذا ذكر العلماءُ أنَّ السِّواكَ سُنَّةٌ في جميع الأوقات، لكنَّه يتأكَّد في مواضع،

والسِّوَاكَ اسمٌ للعود الذي يُتَسَوَّكُ به، وكذلك اسمٌ للفعل الذي يُزال به الأقذار.
ومن المعلوم أنَّ السِّواكَ يُستحَبُّ أن يُستاك بالأسنان، وكذلك يُستاك باللِّسان، أو يُستاك على اللِّسان، وهذه سُنَّةٌ تخفى على كثيرٍ من الناس، فأكثر الناس لا يستاك إلا بأسنانه، لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يستاك بأسنانه ويستاك بلسانه، أو يسوك لسانَه ويسوك أسنانَه، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى أنَّه قال: "دخلتُ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يَسْتَاكُ على لسانه، ويقول: «أُوعْ، أُوعْ»". ما معنى «أُوعْ» يعني أنَّه قد أدخل السِّواكَ باللِّسان.
وقد ذكر الفقهاءُ والأطباءُ فوائدَ لاستخدام السِّواك، ولا داعي لأن نذكرها لأنَّها موجودةٌ في كتب الآداب، وموجودةٌ في كتب الطب، وكذلك ذكرها ابنُ القَيِّم في "زاد المعاد"، ولعلنا نذكر على عجلٍ بعضها.
فمن فوائد استخدام السواك: أنَّها تُفيد اللَّثَةَ، وكذلك تُفيد الأسنانَ وتُقَوِّيها، وكذلك تُغَيِّر رائحةَ الفَمِ، وكذلك تقتل الجراثيمَ العالقة في الأسنان، وغير ذلك مما ذكره الفقهاء.
إلا أننا نقول أيُّها الإخوة: أنَّ الحديثَ من محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- شَافٍ وكَافٍ، فقد روى الإمامُ أحمد والبخاريُّ مُعَلَّقًا بصيغة الجزم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ»". الله أكبر، يعني وأنت تُنَظِّف لأجل ألا يستقذرك الآخرين فإنَّك -بإذن الله- أطعت الربَّ -جل جلاله- وتقدست أسماؤه.
ومن المعلوم أنَّ السِّواكَ هو عودٌ أو نحوه، فإذا لم يوجد عودُ الأراك فإنَّه يمكن أن تستاك بأيِّ عودٍ بشرط ألا يُؤَثِّر على اللَّثة، فإنَّ بعضَ الناس ربما يستخدم السِّواكَ ويبقى معه سنين، وربما أثَّر في لثته، ولا ينبغي للإنسان أن يضرَّ نفسَه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: «لا ضَرَرَ، وَلا ضِرَارَ».
وعلى هذا فينبغي لمَن استخدم السواك أن يقضمه كل يومين لأجل أن ينتفع به، وقد ذكر الأطباءُ أنَّ السِّواكَ بحاجةٍ إلى أن يُقْضَم، وقد روت عائشةُ -كما في الصَّحيحين- أنَّه حينما دخل عبدُ الرحمن بن أبي بكر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأشار إلى السِّواك وجعل ينظر إليه، قالت عائشة: "تشتهي أن تستاك به؟" فأشار برأسه أن نعم، قالت: "فأخذته فقضمته فبللته بريقي ثم أعطيته إياه". فهذا يدلُّ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يستاك بعُودٍ رَطْبٍ لَيِّنٍ حتى لا يُؤَثِّر على لَثَتِه، فإذا لم يوجد فإنَّه يستاك بأصبعه، لا لأنَّ السِّواكَ بالأصبع سُنَّةٌ، ولكن لأجل أنَّ ما لا يتم المستحَبُّ إلا به فهو مُستحَبٌّ، ولهذا كان قد روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الطهور" عن عثمان -رضي الله عنه- أنَّه كان إذا توضأ يسوك فاه بأصبعه، وإسناد الحديث لا بأس به.
هل معجون الأسنان يحلُّ محلَّ السِّواك إذا لم يوجد السِّواك؟
نعم معجون الأسنان يؤدي دور السِّواك من وجهٍ، ولا يُؤَدِّي من وجهٍ آخر: فيؤدي دور السواك من حيث أنَّ الإنسانَ مأمورٌ أن يتنَظَّف ويتطَيَّب؛ لأنَّ السِّواكَ نوعٌ من إزالة الأوساخ، ففُرشة الأسنان تُؤدِّي هذا الغرضَ، لكنَّه لا يكون من كلِّ وجهٍ؛ لأنَّ السِّواكَ مقصودٌ لأنَّه مَرْضَاةٌ للربِّ، وأمَّا الفُرشاةُ فإننا لا نستطيع أن نقول إلا بنصٍّ شرعيٍّ، ولكنه يُؤجر الإنسانُ إذا أراد إزالةَ الرائحة الكريهة مع الآخرين.
ويجب أن نعلم أنَّ السِّواكَ سُنَّةٌ عند عامة أهل العلم، ولم يُخالف في ذلك إلا إسحاق بن رَاهُويَه وداود الظَّاهري فأوجبوا ذلك في الوضوء والصَّلاة، وسوف نتحدث عن المواضع التي يتأكَّد فيها استعمال السِّواك بإذن الله.

فوائد من الأسئلة

مسألة الخاتم اختلف فيها العلماء في غير الذهب: فقال بعضُ أهل العلم: يُستحَبُّ الخاتم من الفضة، وأمَّا إذا كان من الذَّهب فإننا نقول مُحَرَّمٌ. وهذا قول عامة أهل العلم، بل قد حكى بعضُهم الإجماعَ، وقالوا: ما ورد في حديث ابن عمر عند البخاريِّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتَّخذ ذهبًا، هي زيادة منكرة، أو أنَّه منسوخٌ، وعلى هذا فلبس الخاتم الذهب للرجال مُحَرَّمٌ كما جاء في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن حرمَةَ ذلك.
أمَّا من الفضة فقد قال بعضُ أهل العلم أنَّ لبس الخاتم من الفضة مستحَبٌّ؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اتَّخذ، فاتَّخذ الناس، وهذا مذهب الجمهور.
وقال بعضُهم: إنَّ لبس الخاتم إنَّما يُستحبُّ إذا كان يُلبس لأجل أن ينتفع به في الختم؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتَّخذ خاتمًا إلا حينما أراد أن يكتب إلى الناس، فقالوا: "إنَّهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم". فاتَّخذ -صلى الله عليه وسلم- الخاتم بعد.
فدلَّ ذلك على أنَّ الاستحبابَ هو أن يكون على هيئةِ وحالةِ فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والرسول إنَّما لبس الخاتم حينما احتاج إليه.
ويدل على الجواز أنَّ الناسَ لبسوا الخاتمَ لما لبسه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ففعل الناس دليلٌ على الجواز، وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لحاجةٍ دليلٌ على الاستحباب، ولعلَّ هذا القولَ الثاني أظهر وأقوى، والله أعلم.
وأمَّا لبس الخاتم من الحديد: فإنَّ بعضَ أهل العلم حرَّم ذلك؛ لأجل أنَّها حِلْيَةُ أهل النار، والرَّاجح -والله أعلم- أنَّ كلَّ حديثٍ يدلُّ على أنَّ الحديدَ حِلْيَةُ أهل النار هو حديثٌ ضعيفٌ، كما أشار إلى ذلك الحافظُ ابن رجب وغيره، ولكن الراجح جوازه لأجل أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال كما في الصَّحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي: «اتَّخِذْ وَلَو خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ»، قال: يا رسول الله، والله ما وجدت ولا خاتمًا من حديدٍ. فهذا يدلُّ على أنهم كانوا يلبسون الخاتم من الحديد، وهذا نوعٌ من التقرير الفعلي.

__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الدروس, الطهارة, باب, تفريغ, جميع


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


عدد مرات النقر : 8,259
عدد  مرات الظهور : 203,952,709
عدد مرات النقر : 11,164
عدد  مرات الظهور : 203,952,708

الساعة الآن 10:24 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009