|
#11
|
||||
|
||||
|
ثانياً : الاضطرار
13 - " الاضطرار هو الخوف على النّفس من الهلاك علماً أو ظنّاً " أو " بلوغ الإنسان حدّاً إن لم يتناول الممنوع يهلك " وهو سبب من أسباب حلّ الانتفاع بالمحرّم لإنقاذ النّفس من الهلاك . وهو في الحقيقة نوع من الإباحة الشّرعيّة للنّصوص الواردة في حال الضّرورة . ويشترط لحلّ الانتفاع به أن يكون الاضطرار ملجئاً ، بحيث يجد الإنسان نفسه في حالةٍ يخشى فيها الموت ، وأن يكون الخوف قائماً في الحال لا منتظراً ، وألاّ يكون لدفعه وسيلة أخرى . فليس للجائع أن ينتفع من الميتة قبل أن يجوع جوعاً يخشى منه الهلاك ، وليس له أن يتناول من مال الغير إذا استطاع شراء الطّعام أو دفع الجوع بفعلٍ مباحٍ . وكذلك يشترط للانتفاع بالحرام حال الاضطرار ألاّ يتجاوز القدر اللّازم لدفعه . والأصل في حلّ الانتفاع من المحرّم حال الاضطرار قوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } وقوله تعالى : { وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه } . والبحث في الانتفاع بالمحرّم حال الاضطرار يتناول الموضوعات الآتية : أ - الانتفاع من الأطعمة المحرّمة : 14 - إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك ، ولم يجد من الحلال ما يتغذّى به ، جاز له الانتفاع بالمحرّم لكي ينقذ حياته من الهلاك ، ميتةً كان أو دماً أو مال الغير أو غير ذلك . وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء . لكنّهم اختلفوا في صفة الانتفاع من المحرّم حال الاضطرار ، هل هو واجب يثاب عليه فاعله ويعاقب تاركه ، أم هو جائز لا ثواب ولا عقاب في فعله أو تركه . ؟ فالجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة ) على الوجوب ، لأنّ الامتناع من الأكل والشّرب حال الاضطرار إلقاء بالنّفس إلى التّهلكة المنهيّ عنه بقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } . فالأكل للغذاء ولو من حرامٍ أو ميتةٍ أو مال غيره حال الاضطرار واجب يثاب عليه إذا أكل مقدار ما يدفع به الهلاك عن نفسه " ومن خاف على نفسه موتاً أو مرضاً مخوفاً ووجد محرّماً لزمه أكله " . وقال الشّافعيّة في مقابل الأصحّ ، وهو وجه عند الحنابلة ، ورواية عن أبي يوسف من الحنفيّة : إنّ الانتفاع من الأطعمة المحرّمة ليس بواجبٍ ، بل هو مباح فقط ، لأنّ إباحة الأكل في حالة الاضطرار رخصة ، فلا تجب عليه كسائر الرّخص . 15 - واتّفقوا على أنّه إذا لم يكن صاحب المال مضطرّاً إليه لزمه بذله للمضطرّ ، لأنّه يتعلّق به إحياء نفس آدميٍّ معصومٍ فلزمه بذله له . فإن امتنع واحتيج إلى القتال ، فللمضطرّ المقاتلة . فإن قتل المضطرّ فهو شهيد ، وعلى قاتله ضمانه . وإن قتل صاحبه فهو هدر ، لأنّه ظالم بقتاله ، إلاّ أنّ الحنفيّة جوّزوا القتال بغير سلاحٍ . وهذا كلّه إذا لم يستطع المضطرّ شراء الطّعام . فإن استطاع اشتراه ولو بأكثر من ثمن المثل . ب - الانتفاع بالخمر : 16 - اتّفق الفقهاء على جواز الانتفاع بالخمر لإساغة الغصّة ودفع الهلاك في حالة الاضطرار حتّى إنّ الجمهور على وجوب شربها في هذه الحالة . فمن لم يجد غير الخمر ، فأساغ اللّقمة بها ، فلا حدّ عليه ، لوجوب شربها عليه إنقاذاً للنّفس . ولأنّ شربها في هذه الحالة متحقّق النّفع ، ولذا يأثم بتركه مع القدرة عليه حتّى يموت . وأمّا شرب الخمر للجوع والعطش فالمالكيّة ، والشّافعيّة على تحريمه لعموم النّهي ، ولأنّ شربها لن يزيده إلاّ عطشاً . وقال الحنفيّة : لو خاف الهلاك عطشاً وعنده خمر فله شرب قدر ما يدفع العطش إن علم أنّه يدفعه . كذلك لو شرب للعطش المهلك مقدار ما يرويه فسكر لم يحدّ . وفرّق الحنابلة بين الممزوجة وغير الممزوجة فقالوا : إن شربها للعطش نظر ، فإن كانت ممزوجةً بما يروي من العطش أبيحت لدفعه عند الضّرورة ، كما تباح الميتة عند المخمصة ، وكما يباح شرب الخمر لدفع الغصّة . وإن شربها صرفاً ، أو ممزوجةً بشيءٍ يسيرٍ لا يروي من العطش لم يبح وعليه الحدّ 17 - وأمّا تعاطي الخمر للتّداوي فالجمهور على تحريمه ، وتفصيله في ( أشربة ) . ح - الانتفاع بلحم الآدميّ الميّت : 18 - ذهب الجمهور إلى جواز الانتفاع بلحم الآدميّ الميّت حالة الاضطرار ، لأنّ حرمة الإنسان الحيّ أعلى من حرمة الميّت . واستثنى منه بعض الحنفيّة ، وهو قول عند الحنابلة الانتفاع بلحم الميّت المعصوم . وذهب المالكيّة إلى أنّه لا يجوز . ومثل الميّت كلّ حيٍّ مهدر الدّم عند الشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة . ويبيح الشّافعيّ للمضطرّ أن يقطع من جسمه فلذةً ليأكلها في حالة الضّرورة إن كان الخوف في قطعها أقلّ منه في تركها . وخالفه في ذلك بقيّة الفقهاء . د - ترتيب الانتفاع بالمحرّم : 19 - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والحنابلة وهو الرّاجح عند الشّافعيّة ) إلى أنّه إذا وجدت ميتة ، أو ما صاده محرم ، أو ما صيد في الحرم وطعام شخصٍ غائبٍ فلا يجوز الانتفاع بمال الغير ، لأنّ أكل الميتة منصوص عليه وأكل مال الآدميّ مجتهد فيه ، والعدول إلى المنصوص عليه أولى . ولأنّ حقوق اللّه تعالى مبنيّة على المسامحة والمساهلة ، وحقوق الآدميّ مبنيّة على الشّحّ والتّضييق . وقال مالك ، وهو قول للشّافعيّ : يقدّم مال الغير على الميتة ، ونحوها ممّا سبق إن أمن أن يعدّ سارقاً ، لأنّه قادر على الطّعام الحلال ، فلم يجز له أكل الميتة ، كما لو بذله له صاحبه . أمّا التّرتيب في الانتفاع بين الميتة وصيد الحرم أو المحرم ، فقد قال أحمد والشّافعيّ وبعض الحنفيّة : تقدّم الميتة ، لأنّ إباحتها منصوص عليها . وقال المالكيّة وبعض الحنفيّة : صيد المحرم للمضطرّ أولى من الميتة . هذا بالنّسبة لأكل لحم الميتة حال الاضطرار . 20 - أمّا الانتفاع بالميتة بغير الأكل ، وفي غير حالة الاضطرار فالجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد ) على أنّ كلّ إهابٍ دبغ فقد طهر ، ويجوز الانتفاع به إلاّ جلد الخنزير والآدميّ . أمّا الخنزير فلأنّه نجس العين ، وأمّا الآدميّ فلكرامته ، فلا يجوز الانتفاع به كسائر أجزائه . واستثنى الشّافعيّة جلد الكلب أيضاً لأنّه لا يطهر بالدّبّاغ عندهم . واستثنى الحنابلة جلود السّباع ، فلا يجوز الانتفاع بها قبل الدّبغ ولا بعده . ونقل عن مالكٍ التّوقّف في جواز الانتفاع بجلود الحمار والبغل والفرس ولو بعد الدّبغ . وفي الانتفاع بعظم الميتة وشعرها وشحمها تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( ميتة ) . ثالثاً : العقد 21 - العقد من أهمّ أسباب الانتفاع ، لأنّه وسيلة تبادل الأموال والمنافع بين النّاس على أساس الرّضى . وهناك عقود تقع على المنفعة مباشرةً ، فتنقل المنفعة من جهةٍ إلى جهةٍ أخرى ، كالإجارة والإعارة ، والوصيّة بالمنفعة والوقف . وهناك عقود أخرى لا تقع على المنافع بالذّات ، ولكنّه يأتي الانتفاع فيها تبعاً ، وذلك بشروطٍ خاصّةٍ وفي حدودٍ ضيّقةٍ ، كالرّهن الوديعة . وتفصيل كلٍّ من هذه العقود في بابه . وجوه الانتفاع : الانتفاع بالشّيء إمّا أن يكون بإتلاف العين أو ببقائها ، وفي هذه الحالة إمّا أن ينتفع الشّخص من العين بالاستعمال أو بالاستغلال . فالحالات ثلاث : الحالة الأولى : الاستعمال : 22 - يحصل الانتفاع غالباً باستعمال الشّيء مع بقاء عينه ، وذلك كما في العاريّة ، فإنّ المستعير ينتفع بالمستعار باستعماله والاستفادة منه ، ولا يجوز له أن ينتفع باستغلاله ( تحصيل غلّته ) أو استهلاكه ، لأنّ من شروط العاريّة إمكان الانتفاع بها مع بقاء عينها . والمستعير يملك المنافع بغير عوضٍ ، فلا يصحّ أن يستغلّها ويملكها غيره بعوضٍ . هذا عند الجمهور ، وذهب المالكيّة إلى أنّ مالك المنفعة بالاستعارة له أن يؤجّرها خلال مدّة الإعارة . وكذلك الإجارة فيما يختلف باختلاف المستعمل أو إذا اشترط المالك على المستأجر الانتفاع بنفسه . فالانتفاع في هذه الحالة قاصر على شخص المستأجر ، ولا يجوز له أن يستهلك المأجور أو يستغلّه بإجارته للغير ، لأنّ عقد الإجارة يقتضي الانتفاع بالمأجور مع بقاء العين . وليس له إيجارها فيما يختلف باختلاف المستعمل . الحالة الثّانية : الاستغلال : 23 - قد يحصل الانتفاع باستغلال الشّيء وأخذ العوض عنه ، كما في الوقف والوصيّة إذا نصّ عند إنشائهما على أنّ له أن ينتفع كيف شاء ، فإنّ الموقوف عليه والموصى له يستطيعان أن يؤجّرا العين الموقوفة والموصى بمنفعتها للغير إذا أجازهما الواقف والموصي من غير خلافٍ . الحالة الثّالثة : الاستهلاك : 24 - قد يحصل الانتفاع باستهلاك العين كالانتفاع بأكل الطّعام والشّراب في الولائم والضّيافات ، والانتفاع باللّقطة إذا كانت ممّا يتسارع إليه الفساد . وكذلك عاريّة المكيلات والموزونات والأشياء المثليّة الّتي لا يمكن الانتفاع بها إلاّ باستهلاكها ، فإنّهم قالوا : عاريّة الثّمنين ( الذّهب والفضّة ) والمكيل والموزون والمعدود قرض ، لأنّه لا يمكن الانتفاع بها إلاّ باستهلاك عينها وردّ مثلها . حدود الانتفاع : الانتفاع بالشّيء له حدود يجب على المنتفع مراعاتها وإلاّ كان ضامناً . ومن الحدود المقرّرة الّتي بحثها الفقهاء في الانتفاع بالشّيء ما يأتي : 25 - أوّلاً : يجب أن يكون الانتفاع موافقاً للشّروط الشّرعيّة ولا يكون على وجهٍ يبطل حقّ الغير . ولهذا اشترط الفقهاء في جميع عقود الانتفاع ( الإجارة والإعارة والوصيّة بالمنفعة ) أن تكون العين منتفعاً بها انتفاعاً مباحاً . كما اشترطوا في الوقف أن يكون على مصرفٍ مباحٍ ، لأنّ المنافع لا يتصوّر استحقاقها بالمعاصي . كذلك قالوا : إنّ الانتفاع بالمباح إنّما يجوز إذا لم يضرّ بأحدٍ . والانتفاع بالمنافع العامّة مقيّد بعدم الإضرار بالغير . والجلوس على الطّرق العامّة للاستراحة أو المعاملة ونحوهما ، ووضع المظلّات إنّما يجوز إذا لم يضيّق على المارّة . وكذلك الانتفاع بالمحرّم حال الاضطرار مقيّد بقيودٍ . فقد اتّفق الفقهاء على أنّ المضطرّ يجوز له الانتفاع بالمحرّمات بمقدار ما يسدّ الرّمق ويأمن معه الموت . وذهب المالكيّة ، وهو قول عند الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد إلى أنّه يأكل من المحرّمات إلى حدّ الشّبع إذا لم يوجد غيرها ، لأنّ ما جاز سدّ الرّمق منه جاز الشّبع منه كالمباح . بل المالكيّة جوّزوا التّزوّد من المحرّمات احتياطاً خشية استمرار حالة الاضطرار ، كما تدلّ عليه نصوصهم . وقال الحنفيّة ، وهو أحد قولين للشّافعيّ ، والأظهر عند الحنابلة : أنّه لا يجوز للمضطرّ الانتفاع من المحرّمات بأكثر ممّا يدفع الهلاك ويسدّ الرّمق ، فليس له أن يأكل إلى حدّ الشّبع ، وليس له أن يتزوّد ، لأنّ الضّرورة تقدّر بقدرها . 26 - ثانياً : يلزم المنتفع أن يراعي حدود إذن المالك ، إذا ثبت الانتفاع بإذنٍ من مالكٍ خاصٍّ ، كإباحة الطّعام والشّراب في الضّيافة ، فإنّه إذا علم أنّ صاحبه لا يرضى بإطعام الغير ، فلا يحلّ له أن يطعم غيره كما تقدّم . وكذلك الإذن بسكنى الدّار وركوب الدّابّة للشّخص ، فإنّ الانتفاع بها محدود بشروط المبيح . 27 - ثالثاً : يلزم المنتفع التّقيّد بالقيود المتّفق عليها في العقد ، إذا كان مسبّب الانتفاع عقداً . لأنّ الأصل مراعاة الشّروط بقدر الإمكان . فإذا حدّد الانتفاع في الإجارة أو العاريّة أو الوصيّة بوقتٍ أو منفعةٍ معيّنةٍ فلا يتجاوزها ما لم تكن الشّروط مخالفةً للشّرع . 28 - رابعاً : يلزم المنتفع أن لا يتجاوز الحدّ المعتاد إذا لم يكن الانتفاع مقيّداً بقيدٍ أو شرطٍ ، لأنّ المطلق يقيّد بالعرف والعادة ، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً كما جرى على ألسنة الفقهاء . فلو أعاره وأطلق فللمستعير الانتفاع بحسب العرف في كلّ ما هو مهيّأ له . وما هو غير مهيّأٍ له يعيّنه العرف ولو قال : آجرتكها لما شئت صحّ ، ويفعل ما يشاء لرضاه به ، لكن يشترط أن ينتفع به على الوجه المعتاد كالعاريّة . أحكام الانتفاع الخاصّة : الانتفاع المجرّد ملك ناقص ، وله أحكام وآثار خاصّة تميّزه عن الملك التّامّ . من هذه الأحكام ما يأتي : أوّلاً : تقييد الانتفاع بالشّروط : 29 - يقبل حقّ الانتفاع التّقييد والاشتراط ، لأنّه حقّ ناقص ليس لصاحبه إلاّ التّصرّفات الّتي يجيزها المالك ، وعلى الوجه الّذي يعيّنه صفةً وزمناً ومكاناً ، وإلاّ فإنّ الانتفاع موجب للضّمان ، فإذا أعار إنساناً دابّةً على أن يركبها المستعير بنفسه فليس له أن يعيرها غيره ، واذا أعار ثوباً على أن يلبسه بنفسه فليس له أن يلبسه غيره . وكذلك إن قيّدها بوقتٍ أو منفعةٍ أو بهما فلا يتجاوز إلى ما سوى ذلك . وإن أطلق فله أن ينتفع بأيّ نوعٍ شاء وفي أيّ وقتٍ أراد ، لأنّه يتصرّف في ملك الغير فلا يملك التّصرّف إلاّ على الوجه الّذي أذن له من تقييدٍ أو إطلاقٍ . ومن استأجر داراً للسّكنى إلى مدّةٍ معيّنةٍ فليس له أن يسكنها بعد انقضاء المدّة إلاّ بأجرة المثل ، لأنّ الانتفاع مقيّد بقيد الزّمان فيجب اعتباره . كذلك لو قيّد الواقف الانتفاع بالوقف بشروطٍ محدّدةٍ ، فالجمهور على أنّه يرجع إلى شرط الواقف لأنّ الشّروط الّتي يذكرها الواقفون هي الّتي تنظّم طريق الانتفاع به ، وهذه الشّروط معتبرة ما لم تحالف الشّرع . هذا ، وجمهور الفقهاء على أنّ الانتفاع بالمأجور والمستعار بمثل المشروط أو أقلّ منه ضرراً جائز لحصول الرّضى ولو حكماً . وقال بعضهم : إن نهاه عن مثل المشروط أو الأدون منه امتنع . 30 - وقد اتّفق الفقهاء على أنّ التّقييد في الانتفاع لشخصٍ دون شخصٍ معتبر فيما يكون التّقييد فيه مفيداً ، وذلك فيما يختلف باختلاف المستعمل كركوب الدّابّة ولبس الثّوب . أمّا فيما لا يختلف باختلاف المستعمل كسكنى الدّار مثلاً فقد اختلفوا فيه : فذهب الحنفيّة إلى عدم اعتبار القيد ، لأنّ النّاس لا يتفاوتون فيه عادةً . فلم يكن التّقييد بسكناه مفيداً ، إلاّ إذا كان حدّاداً أو قصّاراً أو نحوهما ممّا يوهن عليه البناء . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار القيد مطلقاً ما لم يكن مخالفاً للشّرع . وقال الشّافعيّة : لو شرط المؤجّر على المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه فسد العقد ، كما لو شرط على مشترٍ أن لا يبيع العين للغير . ثانياً : توريث الانتفاع : 31 - إذا كان سبب الانتفاع الإجارة أو الوصيّة ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّه يقبل التّوريث . فالإجارة لا تنفسخ بموت الشّخص المستأجر ، ويقوم وارثه مقامه في الانتفاع بها إلى أن تنتهي المدّة ، أو تفسخ الإجارة بأسبابٍ أخرى ، لأنّ الإجارة عقد لازم ، فلا تنفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه . إلاّ أنّ الحنابلة قالوا : إن مات المكتري ، ولم يكن له وارث تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدّة . وكذلك الوصيّة بالمنفعة لا تنتهي بموت الموصى له ، لأنّها تمليك وليست إباحةً للزومها بالقبول ، فيجوز لورثته أن ينتفعوا بها بالمدّة الباقية ، لأنّه مات عن حقٍّ ، فهو لورثته . 32 - أمّا إذا كان سبب الانتفاع العاريّة ، فقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بعدم توريث الانتفاع بها ، لأنّها عقد غير لازمٍ ، تنفسخ بموت العاقدين . ولأنّ العاريّة إباحة الانتفاع عندهم ، فلا تصلح أن تنتقل إلى الغير حتّى في حياة المستعير . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الانتفاع لا يقبل التّوريث مطلقاً . فالوصيّة بالمنفعة تبطل بموت الموصى له ، وليس لورثته الانتفاع بها ، كما تبطل العاريّة بموت المستعير ، والإجارة بموت المستأجر ، لأنّ المنافع لا تحتمل الإرث ، لأنّها تحدث شيئاً فشيئاً ، والّتي تحدث بعد الموت ليست موجودةً حين الموت ، حتّى تكون تركةً على ملك المتوفّى فتورث . وعلى ذلك يعود ملك المنفعة بعد وفاة الموصى له بالمنفعة إلى الموصى له بالرّقبة ، إن كان قد أوصى بالرّقبة إلى آخر ، وإن لم يكن قد أوصى بها عاد ملك المنفعة إلى ورثة الموصي ، كما صرّح به الكاسانيّ . ثالثاً : نفقات العين المنتفع بها : 33 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب في أنّ نفقات العين المنتفع بها تكون على صاحب العين ، إذا كان الانتفاع بمقابلٍ ، لا على من له الانتفاع . وعلى ذلك فتكسية الدّار المستأجرة وإصلاح مرافقها وما وهن من بنائها على ربّ الدّار ( المؤجّر ) . وكذلك علف الدّابّة المستأجرة ومئونة ردّ العين المستأجرة على الآجر . حتّى إنّ الحنابلة قالوا : إن شرط المكري أنّ النّفقة الواجبة عليه تكون على المكتري فالشّرط فاسد . وإذا أنفق المكتري على ذلك احتسب به على المكري . لكن الحنفيّة يقولون : إذا أصلح المستأجر شيئاً من ذلك لم يحتسب له بما أنفق ، لأنّه أصلح ملك غيره بغير أمره فكان متبرّعاً . كما ذهب الشّافعيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يجبر آجر الدّار على إصلاحها للمكتري ، ويخيّر السّاكن بين الانتفاع بالسّكنى ، فيلزمه الكراء والخروج منها . 34 - أمّا إذا كان الانتفاع بالمجّان ، كما في العاريّة والوصيّة ، فقد ذهب الحنفيّة - وهو قول عند المالكيّة في العاريّة ، والصّحيح عند الحنابلة في الوصيّة - إلى أنّ نفقات العين المنتفع بها تكون على من له الانتفاع . وعلى ذلك فعلف الدّابّة ونفقات الدّار المستعارة على المستعير ، كما أنّ نفقة الدّار الموصى بمنفعتها على الموصى له ، لأنّهما يملكان الانتفاع بالمجّان ، فكانت النّفقة عليهما ، إذ الغرم بالغنم . ولأنّ صاحبها فعل معروفاً فلا يليق أن يشدّد عليه . وقال الشّافعيّة : إنّ مئونة المستعار على المعير دون المستعير ، سواء أكانت العاريّة صحيحةً أم فاسدةً . فإن أنفق المستعير لم يرجع إلاّ بإذن حاكمٍ أو إشهاد بيّنةٍ على الرّجوع عند فقد الحاكم . كذلك في الوصيّة بالانتفاع ، فإنّ الوارث أو الموصى له بالرّقبة هو الّذي يتحمّل نفقات العين الموصى بمنفعتها ، إن أوصى بمنفعتها مدّةً ، لأنّه هو المالك للرّقبة ، وكذلك للمنفعة فيما عدا تلك المدّة كما علّله الرّمليّ . وهذا هو أحد القولين عند المالكيّة في العاريّة ، وهو وجه عند الحنابلة في الوصيّة . وعلّله الخرشيّ بأنّها لو كانت على المستعير لكان كراءً ، وربّما كان علف الدّابّة ، أكثر من الكراء . رابعاً : ضمان الانتفاع : 35 - الأصل أنّ الانتفاع المباح والمأذون بعينٍ من الأعيان لا يوجب الضّمان ، وعلى ذلك فمن انتفع بالمأجور على الوجه المشروع ، وبالصّفة الّتي عيّنت في العقد ، أو بمثلها ، أو دونها ضرراً ، أو على الوجه المعتاد فتلف لا يضمن ، لأنّ يد المكتري يد أمانةٍ مدّة الإجارة ، وكذا بعدها إن لم يستعملها استصحاباً لما كان . ومن استعار عيناً فانتفع بها ، وهلكت بالاستعمال المأذون فيه بلا تعدٍّ لا يضمن عند الحنفيّة والشّافعيّة . وكذلك إذا هلكت بدون استعمالٍ عند الحنفيّة ، لأنّ ضمان العدوان لا يجب إلاّ على المتعدّي ، ومع الإذن بالقبض لا يوصف بالتّعدّي . وعند الشّافعيّة يضمن إذا هلكت في غير حال الاستعمال ، لأنّه قبض مال الغير لنفسه لا عن استحقاقٍ ، فأشبه الغصب . وقال الحنابلة : العاريّة المقبوضة مضمونة بقيمتها يوم التّلف بكلّ حالٍ ، ولا فرق بين أن يتعدّى فيها أو يفرّط فيها أو لا . أمّا إذا انتفع بها وردّها على صفتها فلا شيء عليه . وفرّق المالكيّة بين ما يغاب عليه ( يحتمل الإخفاء ) وبين ما لا يغاب عليه ، فقالوا : يضمن المستعير ما يغاب عليه ، كالحليّ والثّياب ، إن ادّعى الضّياع إلاّ ببيّنةٍ على ضياعه بلا سببٍ منه ، كذلك يضمن بانتفاعه بها بلا إذن ربّها إذا تلفت أو تعيّبت بسبب ذلك . أمّا فيما لا يغاب عليه وفيما قامت البيّنة على تلفه فهو غير مضمونٍ . والانتفاع بالرّهن بإذن الرّاهن حكمه حكم العاريّة ، فلو هلك في حالة الاستعمال والعمل لا يضمن عند عامّة الفقهاء ، لأنّ الانتفاع المأذون لا يوجب الضّمان . وإذا انتفع به بدون إذن الرّاهن يضمن مع تفصيلٍ سبق ذكره . 36 - ويستثن من هذا الأصل الانتفاع بمال الغير حال الاضطرار ، فإنّه وإن كان مأذوناً شرعاً ، لكنّه يوجب الضّمان عند الجمهور ، عملاً بقاعدةٍ فقهيّةٍ أخرى هي : أنّ الاضطرار لا يبطل حقّ الغير . وذهب المالكيّة إلى عدم الضّمان عملاً بالأصل ، وهو أنّ الانتفاع المباح لا يوجب الضّمان . وهذا إذا لم يكن عند المضطرّ ثمن الطّعام ليشتريه ، لأنّه لم يتعلّق بذمّته كما علّل بذلك الدّردير . 37 - أمّا الانتفاع بالمغصوب الوديعة فموجب للضّمان عند جمهور الفقهاء ، لأنّه غير مأذونٍ فيه ، إلاّ ما ذكر الشّافعيّة في الوديعة من عدم ضمان لبس الثّوب لدفع العفونة وركوب ما لا ينقاد للسّقي . كذلك تضمن منفعة الدّار بالتّفويت والفوات ، بأن سكن الدّار وركب الدّابّة ، أو لم يفعل ذلك عند الشّافعيّة ، وهو ما تدلّ عليه نصوص المالكيّة والحنابلة ، ولكنّ المالكيّة قالوا : لو غصب العين لاستيفاء المنفعة ، لا لتملّك الذّات ، فتلفت العين المنتفع بها فلا يضمنها المتعدّي . فمن سكن داراً غاصباً للسّكنى ، فانهدمت من غير فعله فلا يضمن إلاّ قيمة السّكنى . وذهب الحنفيّة إلى أنّ منافع الأعيان المنقولة المغصوبة ليست بمضمونةٍ . فإذا غصب دابّةً فأمسكها أيّاماً ولم يستعملها ، ثمّ ردّها إلى يد مالكها لا يضمن ، لأنّه لم يوجد تفويت يد المالك عن المنافع ، لأنّها أعراض تحدث شيئاً فشيئاً . فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودةً في يد المالك ، فلم يوجد تفويت يد المالك عنها . لكن إن كان المغصوب مال وقفٍ أو مال صغيرٍ أو كان معدّاً للاستغلال يلزمه ضمان المنفعة . ويرجع لتفصيله إلى مصطلح ( ضمان ) . خامساً : تسليم العين المنتفع بها : 38 - لا خلاف في أنّه يلزم تسليم العين المنتفع بها إلى من له الانتفاع ، إذا ثبت الانتفاع بالعقد اللّازم وبعوضٍ ، كالإجارة . فالمؤجّر مكلّف بعد انعقاد العقد أن يسلّم المأجور إلى المستأجر ، ويمكّنه من الانتفاع به عند عامّة الفقهاء . أمّا الانتفاع بالعقد غير اللّازم فلا يوجب تسليم العين للمنتفع ، كالإعارة ، فلا يلزم المعير أن يسلّم المستعار إلى المستعير ، لأنّ التّبرّع لا أثر له قبل القبض . 39 - أمّا ردّ العين المنتفع بها إلى مالكها ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ الانتفاع إذا كان بدون عوضٍ كالعاريّة فردّ العين واجب على المستعير ، ممّن طلب المعير ذلك ، لأنّ العاريّة من العقود غير اللّازمة ، فلكلّ واحدٍ منهما ردّها متى شاء ، ولو مؤقّتةً بوقتٍ لم ينقض أمده ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « المنحة مردودة ، والعاريّة مؤدّاة » . ولأنّ الإذن هو السّبب لإباحة الانتفاع وقد انقطع بالطّلب . ولهذا لو كانت مؤقّتةً ، فأمسكها بعد مضيّ الوقت ، ولم يردّها حتّى هلكت ضمن . ولكن إذا أعار أرضاً لزراعةٍ ورجع قبل إدراك الزّرع فعليه الإبقاء إلى الحصاد ، وله الأجرة من وقت وجوب إرجاعها إلى حصاد الزّرع . كما لو أعاره دابّةً ثمّ رجع في أثناء الطّريق ، فإنّ عليه نقل متاعه إلى مأمنٍ بأجر المثل . وقال المالكيّة : لزمت العاريّة المقيّدة بعملٍ أو أجلٍ لانقضائه ، فليس لربّها أخذها قبله ، سواء كان المستعار أرضاً لزراعةٍ ، أو سكنى ، أو كان حيواناً أو كان عرضاً . 40 - أمّا إذا كان الانتفاع بعوضٍ كالإجارة ، فلا يكلّف المستأجر ردّ المأجور بعد الانقضاء ، وليس للآجر أن يستردّ المأجور قبل استيفاء المنفعة المعقودة ، ولا قبل مضيّ المدّة المقرّرة . وحكم بقاء الزّرع إلى الحصاد بعد انقضاء مدّة الإجارة كحكم العاريّة ، فللمستأجر أن يبقي الزّرع في الأرض إلى إدراكه بأجرة المثل . لكنّ الشّافعيّة قيّدوه بما إذا لم يكن تأخير الزّراعة بسبب تقصير المستأجر والمستعير . أمّا مؤنة ردّ العين المنتفع بها ، فقد اتّفقوا على أنّها في الإجارة على المؤجّر ، لأنّ العين المستأجرة مقبوضة لمنفعته بأخذ الأجر ، وعلى المستعير في العاريّة لأنّ الانتفاع له ، عملاً بقاعدة ( الغرم بالغنم ) . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|