|
#11
|
||||
|
||||
|
العوارض المكتسبة :
36 - العوارض المكتسبة إمّا من الإنسان ، وإمّا من غيره كما تقدّم . أوّلاً : العوارض المكتسبة الّتي من الإنسان هي : أ - الجهل : 37 - معنى الجهل في اللّغة : خلاف العلم . وفي الاصطلاح : عدم العلم ممّن شأنه العلم . والجهل لا يؤثّر في الأهليّة مطلقاً ، وله أقسام بعضها يصلح عذراً ، وبعضها لا يصلح عذراً . وتفصيل ذلك في مصطلح ( جهلٍ ) ب - السّكر : 38 - من معاني السّكر : زوال العقل ، وهو مأخوذ من أسكره الشّراب : أي أزال عقله . وفي الاصطلاح : حالة تعرض للإنسان من تناول المسكر ، يتعطّل معها عقله ، فلا يميّز بين الأمور الحسنة والقبيحة . والسّكر حرام باتّفاق الفقهاء ، وخاصّةً إن كان طريقه محرّماً ، كأن يتناول المسكر مختاراً عالماً بأنّ ما يشربه يغيّب العقل . وخلاصة ما قاله الفقهاء في السّكر هو : أنّهم لم يجعلوا المسكر مسقطاً للتّكليف ولا مضيّعاً للحقوق ، ولا مخفّفاً لمقدار الجنايات الّتي تصدر من السّكران ،لأنّه جناية ، والجناية لا يصحّ أن يستفيد منها صاحبها . وتفصيل الأحكام الخاصّة بالسّكر محلّها مصطلح : ( سكرٍ ) . ج - الهزل : 39 - الهزل : ضدّ الجدّ ، أو هو اللّعب ، وهو في اللّغة : مأخوذ من هزل في كلامه هزلاً : إذا مزح . وفي الاصطلاح : ألاّ يراد باللّفظ المعنى الحقيقيّ ولا المجازيّ ، بل يراد به غيرهما . والهزل لا ينافي الأهليّة ، إلاّ أنّه يؤثّر في بعض الأحكام بالنّسبة للهازل . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( هزلٍ ) . د - السّفه : 40 - السّفه معناه في اللّغة : نقص في العقل ، وأصله الخفّة . وفي الاصطلاح : خفّة تعتري الإنسان فتبعثه على التّصرّف في ماله بخلاف مقتضى العقل ، مع عدم الاختلال في العقل . وإنّما كان السّفه من العوارض المكتسبة ، ولم يكن من العوارض السّماويّة ، لأنّ السّفيه باختياره يعمل على خلاف مقتضى العقل مع بقاء العقل . والفرق بين السّفه والعته ظاهر ، فإنّ المعتوه يشابه المجنون في بعض أفعاله وأقواله ، بخلاف السّفيه فإنّه لا يشابه المجنون لكن تعتريه خفّة ، فيتابع مقتضاها في الأمور الماليّة من غير نظرٍ ورويّةٍ في عواقبها ، ليقف على أنّ عواقبها محمودة أو مذمومة . والسّفه لا يؤثّر في الأهليّة بقسميها ، ولا ينافي شيئاً من الأحكام الشّرعيّة ، فالسّفيه يتوجّه إليه الخطاب بحقوق اللّه وحقوق العباد ، إلاّ أنّ الشّريعة راعت ما فيه المصلحة ، فقرّرت أن يمنع السّفيه من حرّيّة التّصرّف في ماله صيانةً له ، وفي ذلك تفصيل محلّه مصطلح : ( سفهٍ ) . هـ- السّفر : 41 -السّفر - بفتحتين - معناه في اللّغة : قطع المسافة ، ويقال ذلك إذا خرج للارتحال أو لقصد موضعٍ فوق مسافة العدوى ، لأنّ العرب لا يسمّون مسافة العدوى سفراً . وفي الشّرع : الخروج بقصد المسير من محلّ الإقامة إلى موضعٍ بينه وبين ذلك الموضع مسيرة ثلاثة أيّامٍ فما فوقها بسير الإبل ومشي الأقدام . على خلافٍ بين الفقهاء في ذلك . والسّفر لا يؤثّر في الأهليّة بقسميها ، إلاّ أنّهم جعلوه من العوارض ، لأنّ الشّارع جعله سبباً للتّخفيف في العبادات ، كقصر الصّلاة الرّباعيّة والفطر في الصّوم للمسافر . وفي ذلك تفصيل محلّه مصطلح : ( سفرٍ ) . و-الخطأ : 42 - الخطأ في اللّغة يطلق ويراد به : ما قابل الصّواب ، ويطلق ويراد به : ما قابل العمد ، وهذا المعنى هو المراد به في عوارض الأهليّة . وفي الاصطلاح : فعل يصدر من الإنسان بلا قصدٍ إليه عند مباشرة أمرٍ مقصودٍ سواه . والخطأ لا ينافي الأهليّة بنوعيها ، لأنّ العقل موجود معه ، والجناية فيه من جهة عدم التّثبّت ، ولذا يؤاخذ به من هذه الجهة ، فلا تقدّر العقوبة فيه بقدر الجناية نفسها ، وإنّما بقدر عدم التّثبّت الّذي أدّى إلى حصولها . والخطأ يعذر به في حقوق اللّه سبحانه وتعالى إذا اجتهد ، كما في مسألة جهة القبلة في الصّلاة ، واعتبره الشّارع شبهةً تدرأ العقوبة عن المخطئ ، وأمّا حقوق العباد فلا يعتبر الخطأ عذراً فيها ، ولذا فإنّ المخطئ يضمن ما ترتّب على خطئه من ضررٍ أو تلفٍ . وفي ذلك تفصيل محلّه مصطلح : ( خطأ ) . ثانياً : العوارض المكتسبة الّتي من غير الإنسان نفسه : 43 - وهي عارض واحد فقط وهو الإكراه : ومعناه في اللّغة : الحمل على الأمر قهراً . وفي الاصطلاح : حمل الغير على ما لا يرضاه من قولٍ أو فعلٍ ، ولا يختار مباشرته لو ترك ونفسه . وهو معدم للرّضى لا للاختيار ، لأنّ الفعل يصدر عن المكره باختياره ، لكنّه قد يفسد الاختيار بأن يجعله مستنداً إلى اختيارٍ آخر ، وقد لا يفسده بأن يبقى الفاعل مستقلّاً في قصده . هذا ، والإكراه سواء أكان ملجئاً أم غير ملجئٍ كما قال الحنفيّة - أو إكراهاً بحقٍّ أو بغير حقٍّ - كما قال الشّافعيّة - لا يؤثّر في أهليّة الوجوب لبقاء الذّمّة ، ولا يؤثّر في أهليّة الأداء لبقاء العقل والبلوغ ، إلاّ أنّهم عدّوه من العوارض ، لأنّه يفسد الاختيار ، ويجعل المكره - بفتح الرّاء - في بعض صوره آلةً للمكره - بكسر الرّاء - وتفصيل ذلك كلّه محلّه مصطلح : ( إكراهٍ ) . إهمال * التّعريف : 1 - الإهمال لغةً : التّرك ، وأهمل أمره : لم يحكّمه ، وأهملت الأمر : تركته عن عمدٍ أو نسيانٍ ، وأهمله إهمالاً : خلّى بينه وبين نفسه ، أو تركه ولم يستعمله . ومنه : الكلام المهمل ، وهو خلاف المستعمل . ولا يخرج معنى الإهمال في اصطلاح الفقهاء عمّا ورد من معانيه في اللّغة حسبما ذكر . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : 2 - الإهمال في الأمانات إذا أدّى إلى هلاكها أو ضياعها يوجب الضّمان ، سواء أكان أمانةً بقصد الاستحفاظ كالوديعة ، أم كان أمانةً ضمن عقدٍ كالمأجور ، أم كان بطريق الأمانة بدون عقدٍ ولا قصدٍ ، كما لو ألقت الرّيح في دار أحدٍ ثوب جاره . فالعين المودعة - مثلاً - الأصل فيها أن تكون أمانةً في يد الوديع ، فإن تلفت من غير تعدٍّ منه ولا إهمالٍ لم يضمن ، لأنّ الأمين لا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو الإهمال ، لقوله صلى الله عليه وسلم « ليس على المستعير غير المغلّ ضمان ، ولا على المستودع غير المغلّ ضمان » . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( إعارةٍ ، الوديعةٍ ) . وإهمال الأجير الخاصّ يستوجب الضّمان ، أمّا الأجير المشترك فإنّه ضامن مطلقاً عند جمهور الفقهاء على خلافٍ وتفصيلٍ يرجع إليه في مصطلح : ( إجارةٍ ، وضمانٍ ) . ومستأجر الطّاحون ونحوها ، إن أهملها حتّى سرق بعض أدواتها عليه ضمانه . وإهمال الحاذق من طبيبٍ أو ختانٍ أو معلّمٍ يوجب ضمان ما يحدث بسبب إهماله . فلو سلّم الوليّ الصّبيّ إلى سبّاحٍ ليعلمه السّباحة ، فتسلّمه فغرق ، وجبت عليه ديته . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( ديةٍ ) . وإهمال القاطع الحاذق في القصاص وقطع يد السّارق بتجاوزه ما أمر به ، أو القطع في غير محلّ القطع يوجب الضّمان ، لأنّه إتلاف نتج عن إهماله ولا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ . وقال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافاً . والحسم بعد القطع في حدّ السّرقة مستحبّ للمقطوع على الأصحّ ، لأنّ الغرض منه المعالجة ودفع الهلاك عنه بنزف الدّم ، وهذا عند بعض الفقهاء ، ومفاده أنّه غير واجبٍ على الإمام . وقيل : إنّ الحسم من توابع الحدّ ، وهو واجب عند الحنفيّة ، فيلزم الإمام فعله ، وليس له إهماله وتركه ، ومستحبّ للإمام عند الشّافعيّة . إعمال الكلام أولى من إهماله : 3 - من القواعد الفقهيّة قاعدة : إعمال الكلام أولى من إهماله ، وهذا لأنّ المهمل لغو ، وكلام العاقل يصان عنه ، فيجب حمله ما أمكن على أقرب وجهٍ يجعله معمولاً به من حقيقةٍ ممكنةٍ ، وإلاّ فمجاز ، وذلك لأنّ الأصل في الكلام الحقيقة ، والمجاز فرع عنه وخلف له . واتّفق الأصوليّون على أنّ الحقيقة إذا تعذّرت ، أو هجرت يصار إلى المجاز ، وتعذّر الحقيقة : إمّا بعدم إمكانها أصلاً ، لعدم وجود فردٍ لها من الخارج ، كما لو وقف على أولاده ، وليس له إلاّ أحفاد ، فيصار إلى المجاز - وهو الصّرف إلى الأحفاد - لتعذّر الحقيقة . أو بعدم إمكانها شرعاً : كالوكالة بالخصومة ، فإنّ حملها على الحقيقة - وهي التّنازع - محظور شرعاً ، قال تعالى : { ولا تَنَازَعُوا } ، ولذا تحمل على المجاز ، وهو رفع الدّعوى والإقرار والإنكار . وبمثابة التّعذّر ما لو حلف لا يأكل من هذا القدر ، أو من هذه الشّجرة ، أو هذا البرّ ، فإنّ الحقيقة ، وهي الأكل من عينها ممكنة لكن بمشقّةٍ ، فيصار في الأمثلة الثّلاثة إلى المجاز ، وهو الأكل ممّا في القدر ، أو من ثمر الشّجرة إن كان ، وإلاّ فمن ثمنها ، أو ممّا يتّخذ من البرّ في الثّالث . ولو أكل عين الشّجرة مثلاً لم يحنث . ومثل تعذّر الحقيقة هجرها ، إذ المهجور شرعاً أو عرفاً كالمتعذّر ، كما لو حلف لا يضع قدمه في هذه الدّار ، فإنّ الحقيقة فيه ممكنة ، لكنّها مهجورة ، والمراد من ذلك في العرف الدّخول ، فلو وضع قدمه فيها بدون دخولٍ لا يحنث ، ولو دخلها راكباً حنث . وإن تعذّرت الحقيقة والمجاز أهمل الكلام لعدم الإمكان . فإذا تعذّر إعمال الكلام ، بأن كان لا يمكن حمله على معنًى حقيقيٍّ له ممكنٍ ، لتعذّر الحقيقة بوجهٍ من الوجوه المتقدّمة ، أو لتزاحم المتنافيين من الحقائق تحتها ، ولا مرجّح ، ولا على معنًى مجازيٍّ مستعملٍ ، أو كان يكذّبه الظّاهر من حسٍّ ، أو ما في حكمه من نحو العادة ، فإنّه يهمل حينئذٍ ، أي يلغى ولا يعمل به . أمّا تزاحم المتنافيين : فكما لو كفل ولم يعلم أنّها كفالة نفسٍ أو مالٍ ، فإنّها لا تصحّ . وأمّا تعذّر الحقيقة ، وعدم إمكان الحمل على المعنى المجازيّ لكونه غير مستعملٍ ، فكما لو قال لمعروف النّسب : هذا ابني ، فإنّه كما لا يصحّ إرادة الحقيقة منه ، لثبوت نسبه من الغير ، لا يصحّ أيضاً إرادة المجاز ، وهو الإيصاء له بإحلاله محلّ الابن في أخذ مثل نصيبه من التّركة ، لأنّ ذلك المجاز غير مستعملٍ ، والحقيقة إذا لم تكن مستعملةً لا يصار إليها ، فالمجاز أولى . وكذا لو قال لامرأته المعروفة لأبيها : هذه بنتي ، لم تحرم بذلك أبداً . وأمّا تكذيب الحسّ : فكدعوى قتل المورث وهو حيّ ، أو قطع العضو وهو قائم ، وكدعوى الدّخول بالزّوجة وهو مجبوب . وأمّا ما في حكم الحسّ : فكدعوى البلوغ ممّن لا يحتمله سنّه أو جسمه ، وكدعوى صرف المتولّي أو الوصيّ على الوقف أو الصّغير مبلغاً لا يحتمله الظّاهر ، فإنّ كلّ ذلك يلغى ، ولا يعتبر ولا يعمل به ، وإن أقيمت عليه بيّنة . ويرجع فيما ذكر إلى مصطلحات ( ترجيحٍ ، ووكالةٍ ، وكفالةٍ ، ووصايةٍ ، ووصيّةٍ ، ووقفٍ ) . أوزان * انظر : مقادير . أوسق * انظر : مقادير . أوصاف * انظر : صفةً . أوقات الصّلاة * التّعريف : 1 - الوقت : مقدار من الزّمان مقدّر لأمرٍ ما ، وكلّ شيءٍ قدّرت له حيناً فقد وقّته توقيتاً . وأوقات الصّلاة هي : الأزمنة الّتي حدّدها الشّارع لفعل الصّلاة أداءً ، فالوقت سبب وجوب الصّلاة ، فلا تصحّ قبل دخوله ، وتكون ( قضاءً ) بعد خروجه . أقسام الصّلوات الّتي لها وقت معيّن : 2 - تنقسم الصّلوات الّتي لها وقت معيّن إلى ثلاثة أقسامٍ عند الحنفيّة : القسم الأوّل : صلوات مفروضة ، وهي الصّلوات الخمس . القسم الثّاني : صلوات واجبة ، وهي الوتر والعيدان . القسم الثّالث : صلوات مسنونة ، كالسّنن القبليّة والبعديّة للصّلوات الخمس . والجمهور لا يفرّقون بين الفرض والواجب ، والوتر عندهم سنّة ، وكذلك العيدان عند المالكيّة والشّافعيّة ، وهي فرض كفايةٍ عند الحنابلة . أوقات الصّلوات المفروضة : أصل مشروعيّة هذه الأوقات : 3 - أصل مشروعيّة هذه الأوقات عرف بالكتاب ، قال تعالى : { فَسُبْحَانَ اللّهِ حينَ تُمْسُونَ وحين تُصْبِحُون وله الحمدُ في السّمواتِ والأرضِ وَعَشِيّاً وحين تُظْهرون } قال بعض المفسّرين : إنّ المراد بالتّسبيح الصّلاة ، أي : صلّوا حين تمسون ، أي حين تدخلون في وقت المساء ، والمراد به المغرب والعشاء . و { حين تصبحون } المراد به صلاة الصّبح . والمراد بقوله تعالى : { وعشيّاً } صلاة العصر ، وبقوله تعالى : { وحين تظهرون } صلاة الظّهر . وكذلك قوله تعالى : { أَقِمِ الصّلاةَ لِدُلوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيل وَقُرْآنَ الفجرِ إنّ قُرْآنَ الفجرِ كان مَشْهوداً } . وقد بيّنت السّنّة الشّريفة أوقات الصّلاة كحديث إمامة جبريل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ونصّه : « أَمَّني جبريلُ عند البيت مرّتين ، فصلّى الظّهرَ في الأولى منهما حين كان الفيءُ مثلُ الشّراك ، ثمّ صلّى العصرَ حين كان كلّ شيءٍ مثل ظلّه ، ثمّ صلّى المغرب حين وجبت الشّمس وأفطر الصّائم ، ثمّ صلّى العشاء حين غابَ الشّفقُ ، ثمّ صلّى الفجر حين بَرَقَ الفجرُ وحَرُمَ الطّعامُ على الصّائم ، وصلّى المرّةَ الثّانيةَ الظّهرَ حين كان ظلّ كلّ شيءٍ مثله لوقت العصرَ بالأمس ، ثمّ صلّى العصر حين كان ظلّ كلّ شيءٍ مِثْلَيه ، ثمّ صلّى المغرب لوقته الأوّل ، ثمّ صلّى العشاءَ الآخرةَ حين ذهبَ ثلثُ اللّيل ، ثمّ صلّى الصّبح حين سَفَرَت الأرض ، ثمّ التفت إليّ جبريل وقال : يا محمّدُ هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلك ، والوقتُ فيما بين هذين الوقتين » عدد أوقات الصّلوات المفروضة : 4 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ عدد أوقات الصّلوات المفروضة خمسٌ بقَدْرِ عدد الصّلوات ، وما روي عن أبي حنيفة من أنّ الوتر فرض فيكون عدد الأوقات ستّاً ليس صحيحاً ، بل إنّه يقول : إنّ الوتر واجب ، وهو أقلّ رتبةً من الفرض . مبدأ كلّ وقتٍ ونهايته مبدأ وقت الصّبح ونهايته : 5 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ مبدأ وقت الصّبح طلوع الفجر الصّادق ويسمّى الفجر الثّاني ، وسمّي صادقاً ، لأنّه بيّن وجه الصّبح ووضّحه ، وعلامته بياض ينتشر في الأفق عرضاً . أمّا الفجر الكاذب ، ويسمّى الفجر الأوّل ، فلا يتعلّق به حكم ، ولا يدخل به وقت الصّبح ، وعلامته بياض يظهر طولاً يطلع وسط السّماء ثمّ ينمحي بعد ذلك . والفرق بين الفجرين مقدّر بثلاث درجاتٍ . والدّليل على ذلك حديث إمامة جبريل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم . حيث قال : « ثمّ صلّى الفجر حين برق الفجر وحرم الطّعام على الصّائم ، وصلّى المرّة الثّانية الصّبح حين أسفرت الأرض ، ثمّ التفت إليّ فقال : يا محمّد هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت فيما بين هذه الوقتين » 6 - أمّا نهاية وقت الصّبح ، فعند أبي حنيفة وأصحابه : قبيل طلوع الشّمس ، وذهب مالك في أحد الأقوال عنه إلى أنّ الوقت الاختياريّ للصّبح إلى الإسفار ، وبعد الإسفار إلى طلوع الشّمس وقت ضرورةٍ لأصحاب الأعذار ، كالحائض تطهر بعد الإسفار ، ومثل ذلك النّفساء ، والنّائم يستيقظ ، والمريض يبرأ من مرضه ، جاز لهؤلاء الصّلاة في هذا الوقت من غير كراهيةٍ ، وفي قولٍ آخر عن مالكٍ أنّ الصّبح كلّ وقته اختياريّ . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الصّبح له أربعة أوقاتٍ : وقت فضيلةٍ وهو أوّله ، ووقت اختيارٍ إلى الإسفار ، وجوازٍ بلا كراهةٍ إلى الحمرة ، وكراهة بعد الحمرة ، والمراد بوقت الفضيلة ما فيه ثواب أكثر من وقت الاختيار ، والمراد بوقت الجواز بلا كراهةٍ ما لا ثواب فيه . وذهب أحمد بن حنبلٍ إلى أنّ آخر وقتها الاختياريّ الإسفار . وبعد الإسفار وقت عذرٍ وضرورةٍ حتّى تطلع الشّمس ، فمن نام عن صلاة الصّبح ولم يستيقظ إلاّ بعد الإسفار ، جاز له أن يصلّي الصّبح بلا كراهةٍ . وظاهره أنّه إذا استيقظ عند طلوع الفجر ، وأخّر صلاة الصّبح إلى ما بعد الإسفار بدون عذرٍ ، كانت صلاته مكروهةً . 7- ممّا تقدّم يعرف أنّ جمهور الفقهاء على أنّ آخر وقت الصّبح طلوع الشّمس ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّ للصّلاة أوّلاً وآخراً ، وإنّ أوّل وقت الفجر حين يطلع الفجرُ ، وآخره حين تطلعُ الشّمسُ » مبدأ وقت الظّهر ونهايته : 8 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ مبدأه من زوال الشّمس عن وسط السّماء تجاه الغرب ، ولا يصحّ أداؤها قبل الزّوال . ويعرف الزّوال بأن تغرز خشبةً مستويةً في أرضٍ مستويةٍ ، والشّمس لا زالت في المشرق ، فما دام ظلّ الخشبة ينتقص ، فالشّمس قبل الزّوال ، فإذا لم يكن للخشبة ظلّ ، أو تمّ نقص الظّلّ ، بأن كان الظّلّ أقلّ ما يكون ، فالشّمس في وسط السّماء ، وهو الوقت الّذي تحظر فيه الصّلاة ، فإذا انتقل الظّلّ من المغرب إلى المشرق ، وبدأ في الزّيادة ، فقد زالت الشّمس من وسط السّماء ودخل وقت الظّهر . والدّليل على أنّ أوّل وقت الظّهر الزّوال ، حديث إمامة جبريل المتقدّم . وأمّا نهاية وقت الظّهر فجمهور الفقهاء ، ومعهم الصّاحبان ، إلى أنّ آخر وقت الظّهر بلوغ ظلّ الشّيء مثله سوى فيء الزّوال ، لحديث إمامة جبريل المتقدّم وفيه : « أنّه صلّى به الظّهر في اليوم الثّاني حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله » . وأمّا عند أبي حنيفة : حين يبلغ ظلّ الشّيء مثليه سوى فيء الزّوال : والمراد بفيء الزّوال : الظّلّ الحاصل للأشياء حين تزول الشّمس عن وسط السّماء ، وسمّي فيئاً ، لأنّ الظّلّ رجع إلى المشرق بعد أن كان في المغرب ، ويختلف ظلّ الزّوال طولاً وقصراً وانعداماً باختلاف الأزمنة والأمكنة . وكلّما بعد المكان من خطّ الاستواء كلّما كان فيء الزّوال أطول ، وهو في الشّتاء أطول منه في الصّيف . واستدلّ أبو حنيفة على أنّ آخر وقت الظّهر بلوغ ظلّ الشّيء مثليه سوى فيء الزّوال ، بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّما بَقَاؤكم فيما سَلَفَ قَبْلَكُم من الأمم كان بين صلاةِ العصرِ إلى غروبِ الشّمسِ ، أوتِيَ أهلُ التّوراة التّوراةَ فعملوا حتّى انتصفَ النّهارَ عَجَزوا ، فأُعْطُوا قيراطاً قيراطاً . ثمّ أُوتيَ أهلُ الإنجيل الإنجيلَ فعَمِلُوا إلى صلاةِ العصرِ ثمّ عَجَزُوا فأعطُوا قِيراطاً قِيراطاً ، ثمّ أُوتينا القرآنَ ، فعملْنا إلى غُروب الشّمس ، فأُعْطِينا قِيراطين قيراطين ، فقال أهل الكتابين : أَيْ ربّنَا أعطيتَ هؤلاءِ قيراطين قيراطين ، وأُعطَيتنا قيراطاً قيراطاً ، ونحن كنّا أكثر عملاً ، قال : قال اللّه عزّ وجلّ : هل ظَلَمْتُكم من أجْرِكم من شيءٍ ، قالوا : لا . قال : فهو فضلي أوتيه من أشاء » دلّ الحديث على أنّ مدّة العصر أقلّ من مدّة الظّهر ولا يكون ذلك إلاّ إذا كان آخر وقت الظّهر المثلين . واستدلّ لأبي حنيفة كذلك بحديث أبي سعيدٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أبردوا بالظّهر ، فإنّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم » والإبراد لا يحصل إلاّ إذا كان ظلّ كلّ شيءٍ مثليه ، لا سيّما في البلاد الحارّة كالحجاز . والمشهور في مذهب الشّافعيّ أنّ الظّهر له وقت فضيلةٍ وهو أوّله ، ووقت اختيارٍ إلى آخره ، ووقت عذرٍ لمن يجمع بين الظّهر والعصر جمع تأخيرٍ ، فيصلّي الظّهر في وقت العصر عند الجمع . وذهب مالك إلى أنّ الوقت الاختياريّ للظّهر إلى بلوغ ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، ووقته الضّروريّ حين الجمع بين الظّهر والعصر جمع تأخيرٍ ، فيصلّي الظّهر بعد بلوغ الظّلّ مثله ، إلى ما قبل غروب الشّمس بوقتٍ لا يسع إلاّ صلاة العصر . مبدأ وقت العصر ونهايته : 9 - أمّا مبدأ وقت العصر فهو عند الصّاحبين وجمهور الفقهاء من حين الزّيادة على المثل ، وعند أبي حنيفة من حين الزّيادة على المثلين وذهب أكثر المالكيّة إلى تداخل وقتي الظّهر والعصر ، فلو أنّ شخصاً صلّى الظّهر عند صيرورة ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، وآخر صلّى العصر في هذا الوقت كانت صلاتهما أداءً ، وخالف في هذا ابن حبيبٍ وابن العربيّ . استدلّ أبو حنيفة بمفهوم الحديث الّذي تقدّم ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم « إنّ مَثَلَكم ومثل من قبلكم من الأمم ... » ، وقال أبو حنيفة : إذا كان مفهوم الحديث أنّ مدّة العصر أقلّ من مدّة الظّهر ، فواجب أن يكون أوّل وقت العصر بعد الزّيادة على المثلين . واستدلّ الجمهور بحديث إمامة جبريل المتقدّم ، وفيه « أنّه صلّى بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم العصر حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله » ، أي بعد الزّيادة على المثل ، وإنّما قالوا ذلك دفعاً للتّعارض في الحديث ، لأنّ ظاهر الحديث يدلّ على أنّه صلّى به العصر حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله في اليوم الأوّل ، وهو يتعارض مع صلاته الظّهر في اليوم الثّاني حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، الأمر الّذي يدلّ على تداخل وقتي الظّهر والعصر ، فدفعاً لهذا التّعارض قالوا : إنّه صلّى به العصر حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله ، أي بعد الزّيادة على المثل . واستدلّ المالكيّة بظاهر حديث إمامة جبريل ، وفيه : « أنّه صلّى به العصر في اليوم الأوّل في الوقت الّذي صلّى به الظّهر في اليوم الثّاني » ، الأمر الّذي يدلّ على تداخل الوقتين . 10 - أمّا نهاية وقت العصر عند أبي حنيفة فما لم تغب الشّمس ، وهو مذهب الحنابلة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر » ويضيف الحنابلة : أنّ وقت الاختيار ينتهي بمبدأ اصفرار الشّمس ، وفي روايةٍ : حين يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثليه . وذهب المالكيّة في إحدى الرّوايات عنهم إلى أنّ آخر وقتها ما لم تصفرّ الشّمس ، لحديث : « إذا صلّيتم العصر فإنّه وقتٌ إلى أن تَصْفَرَّ الشّمس » . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ العصر له سبعة أوقاتٍ ، فضيلة : أوّله ، ووقت اختيارٍ : إلى المثلين ، ووقت عذرٍ - لمن يجمع بين الظّهر والعصر جمع تأخيرٍ - فيجوز له أن يصلّي الظّهر والعصر في وقت العصر ، ووقت ضرورةٍ كالحائض والنّفساء تطهران في آخر الوقت ، والمريض يبرأ في آخر الوقت أيضاً ، ووقت جوازٍ بلا كراهةٍ وهو بعد المثلين ، ووقت كراهةٍ حرمةٍ ، وهو ما قبل آخر الوقت بوقتٍ لا يسع جميعها . مبدأ وقت المغرب ونهايته : 11 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ مبدأ وقت المغرب من غروب الشّمس ، لحديث إمامة جبريل المتقدّم ، وفيه : « أنّه صلّى به المغرب حين غربت الشّمس في اليومين جميعهما » . أمّا آخر وقتها فعند الحنفيّة حين يغيب الشّفق ، وهو مذهب الحنابلة والشّافعيّ في القديم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشّفق » . والقول المشهور عند المالكيّة أنّه لا امتداد له ، بل يقدّر بقدر ثلاث ركعاتٍ بعد تحصيل شروطها من مكاره حدثٍ وخبثٍ وستر عورةٍ . ولحديث إمامة جبريل المتقدّم ، وفيه : « أنّه صلّى المغرب بعد غروب الشّمس في اليومين جميعاً » . ومذهب الشّافعيّ في الجديد : ينقضي وقتها بمضيّ قدر وضوءٍ وستر عورةٍ وأذانٍ وإقامةٍ وخمس ركعاتٍ ، وهي ثلاث ركعاتٍ المغرب وركعتان سنّة بعدها . مبدأ وقت العشاء ونهايته : 12 - يبدأ وقت العشاء حين يغيب الشّفق بلا خلافٍ بين أبي حنيفة وصاحبيه ، إلاّ أنّهم اختلفوا في معنى الشّفق ، فذهب أبو حنيفة إلى أنّ الشّفق هو البياض الّذي يظهر في جوّ السّماء بعد ذهاب الحمرة الّتي تعقب غروب الشّمس ، وذهب الصّاحبان إلى أنّ الشّفق هو الحمرة ، وهو مذهب جمهور الفقهاء ، والفرق بين الشّفقين يقدّر بثلاث درجاتٍ ، وهي تعدل اثنتي عشرة دقيقةً . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ للعشاء سبعة أوقاتٍ : وقت فضيلةٍ وهو أوّله ، واختيار إلى آخر ثلث اللّيل الأوّل ، وقيل إلى نصف اللّيل لحديث : « لولا أن أَشُقّ على أمّتي لأَخّرتُ صلاةَ العشاء إلى نِصْفِ اللّيل » وجواز بلا كراهةٍ للفجر الأوّل ، وبكراهةٍ إلى الفجر الثّاني ، ووقت حرمةٍ وضرورةٍ وعذرٍ . استدلّ أبو حنيفة على أنّ الشّفق هو البياض ، بما روي عن أبي هريرة في حديث : « إنّ آخر وقت المغرب حين يسودّ الأفق » وإنّما يسودّ إذا خفيت الشّمس في الظّلام ، وهو وقت مغيب الشّفق الأبيض . واستدلّ الجمهور على أنّ الشّفق هو الحمرة بما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أنّه كان يصلّي العشاء عند مغيب القمر في اللّيلة الثّالثة » وهو وقت مغيب الشّفق الأحمر . 13 - أمّا نهاية وقت العشاء ، فحين يطلع الفجر الصّادق بلا خلافٍ بين أبي حنيفة وأصحابه ، وهو مذهب الشّافعيّة ، وغير المشهور عند المالكيّة ، لما روي عن أبي هريرة « أوّل وقت العشاء حين يغيب الشّفق ، وآخره حين يطلع الفجر » والمشهور في مذهب المالكيّة أنّ آخر وقتها ثلث اللّيل ، لحديث إمامة جبريل المتقدّم ، وفيه : « أنّه صلّاهما في اليوم الثّاني في ثلث اللّيل » . وذهب الحنابلة إلى أنّ آخر وقتها الاختياريّ ثلث اللّيل ، وبعده إلى طلوع الفجر وقت ضرورةٍ ، بأن يكون مريضاً شفي من مرضه ، أو حائضاً أو نفساء طهرتا . انقسام الوقت إلى موسّعٍ ومضيّقٍ وبيان وقت الوجوب ووجوب الأداء : 14 - الوقت الموسّع عند الحنفيّة لكلٍّ من الفرائض هو : من أوّل الوقت إلى ألاّ يبقى من الوقت أكثر ممّا يسع تكبيرة الإحرام للصّلاة ، فإذا لم يبق من الوقت إلاّ ما يسع تكبيرة الإحرام للصّلاة فهو وقت مضيّق ، يحرم التّأخير عنه . وعند زفر : يتضيّق الوقت إذا لم يبق إلاّ ما يتّسع لركعات الصّلاة . أمّا وقت الوجوب فهو من أوّل الوقت إلى ما قبل خروجه بزمنٍ يسع تكبيرة الإحرام أو ثلاث ركعات المغرب مثلاً . وأمّا وقت وجوب الأداء فهو الوقت الباقي الّذي يسع تكبيرة الإحرام أو ثلاث ركعات المغرب . هذا الّذي ذكرناه هو مذهب الحنفيّة ، ومنه يتبيّن أنّ وجوب الأداء يتعلّق بآخر الوقت ، وقبل آخر الوقت يكون المكلّف مخيّراً بين أداء الصّلاة في أيّ جزءٍ من أجزاء الوقت وبين عدم أدائها . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ وجوب الأداء يتعلّق بأيّ جزءٍ من أجزاء الوقت ولا يتعلّق بآخر الوقت . ويظهر أثر الخلاف في مقيمٍ سافر في آخر وقت الظّهر ، فعند الحنفيّة حين يقضي الظّهر يقضيه ركعتين ، لأنّ وجوب الأداء يتعلّق بآخر الوقت ، وهو في آخر الوقت كان مسافراً ، فيقضي صلاة المسافرين . وعند غير الحنفيّة يقضي الظّهر أربعاً ، لأنّ وجوب الأداء يتعلّق بالجزء الأوّل من الوقت وما بعده ، وهو في الجزء الأوّل من الوقت كان مقيماً فوجب عليه قضاء صلاة المقيمين . ومثل ذلك عند الحنفيّة إذا حاضت المرأة أو نفست في آخر الوقت أو جنّ العاقل أو أغمي عليه في آخر الوقت لا يجب عليهم قضاء هذا الفرض إذا زال المانع ، لأنّ وجوب الأداء يتعلّق بآخر الوقت ، وهؤلاء جميعاً ليسوا أهلاً للخطاب في آخر الوقت ، وحيث لم يجب عليهم الأداء لم يجب عليهم القضاء . الأوقات المستحبّة للصّلوات المفروضة : وقت الصّبح المستحبّ : 15 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه يستحبّ الإسفار بالفجر أي تأخيره إلى أن ينتشر الضّوء ويتمكّن كلّ من يريد الصّلاة بجماعةٍ في المسجد من أن يسير في الطّريق بدون أن يلحقه ضرر ، كأن تزلّ قدمه ، أو يقع في حفرةٍ ، أو غير ذلك من الأضرار الّتي تنشأ من السّير في الظّلام ، والدّليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « أسفروا بالفجر فإنّه أعظم للأجر » . ولأنّ في الإسفار تكثيراً للجماعة ، وفي التّغليس أي السّير في الظّلمة تقليلها ، فكان أفضل ، هذا في حقّ الرّجال ، أمّا النّساء فإنّهنّ يصلّين في بيوتهنّ أوّل الوقت ، ويستوي في ذلك الشّابّات والعجائز ، لا سيّما في هذا الزّمان الّذي ظهر فيه الفساد في البرّ والبحر . وكذلك الحاجّ في مزدلفة فجر يوم النّحر ، يصلّي الفجر بغلسٍ في أوّل الوقت ، ليتفرّغ لواجب الوقوف الّذي يبدأ بطلوع الفجر الثّاني يوم النّحر وآخره طلوع الشّمس منه ، لأنّ الوقوف واجب من واجبات الحجّ . وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ التّغليس - أي السّير في الظّلام - أفضل ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : « كُنَّ نساءُ المؤمناتِ يَشْهَدن مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلاةَ الفجرِ مُتَلَفِّعاتٍ بمروِطِهِنّ ، ثمّ يَنْقَلِبْنَ إلى بيوتِهنَّ حين يَقْضِينَ الصّلاةَ لا يَعْرِفهنّ أحدٌ من الغَلَسِ » . 16 - أمّا وقت الظّهر المستحبّ ، فقد ذهب الحنفيّة ، وهو مذهب الحنابلة إلى الإبراد بظهر الصّيف ، والتّعجيل بظهر الشّتاء ، إلاّ في يوم غيمٍ فيؤخّر . ومعنى الإبراد بالظّهر تأخيره إلى أن تخفّ حدّة الحرّ ، ويتمكّن الذّاهبون إلى المسجد من السّير في ظلال الجدران ، وإنّما كان التّأخير أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم « أَبْرِدُوا بالظّهرِ فإنّ شدّة الحرِّ من فيحِ جهنّم » ولأنّ في التّأخير تكثير الجماعة ، وفي التّعجيل تقليلها فكان أفضل . أمّا ظهر الشّتاء فيستحبّ تعجيله ، لأنّ الصّلاة في أوّل وقتها رضوان اللّه ، ولا مانع من التّعجيل ، لأنّ المانع من التّعجيل في ظهر الصّيف لحوق الضّرر بالمصلّين ، الأمر الّذي يؤدّي إلى تقليل الجماعة ، وهذا المانع غير موجودٍ في ظهر الشّتاء ، فكان التّعجيل أفضل . أمّا في يوم الغيم فيؤخّر ، مخافة أن يصلّي الظّهر قبل دخول وقته . وذهبت المالكيّة إلى أنّ التّعجيل أفضل صيفاً وشتاءً إلاّ لمن ينتظر جماعةً ، فيندب التّأخير بربع القامة ، أمّا في شدّة الحرّ فيندب التّأخير حتّى يبلغ الظّلّ نصف قامةٍ . والمراد بربع القامة أو نصفها - اللّذين يندب التّأخير إليها عند المالكيّة - ربع المثل أو نصفه . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن كان يصلّي وحده يعجّل ، وإن كان يصلّي بجماعةٍ يؤخّر حتّى يكون للحيطان ظلّ يمشي فيه طالب الجماعة ، بشرط أن يكون في بلدٍ حارٍّ كالحجاز . 17 - أمّا وقت العصر المستحبّ : فعند الحنفيّة يستحبّ تأخيرها ما لم تتغيّر الشّمس ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يؤخّر العصر ما دامت الشّمس بيضاء نقيّةً وليتمكّن من التّنفّل قبلها ، لأنّ التّنفّل بعدها مكروه . وذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب تعجيلها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « الوقتُ الأوّلُ من الصّلاةِ رضوان اللّه ، والوقتُ الآخرُ عَفْو اللّه » 18 - أمّا وقت المغرب المستحبّ : فلا نعلم خلافاً بين الفقهاء في استحباب تعجيلها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تزال أمّتي بخيرٍ - أو قال على الفطرة - ما لم يؤخّروا المغرب إلى أن تشتبك النّجوم » ويستحبّ تأخيرها في يوم الغيم مخافة أن تصلّى قبل دخول وقتها . 19 - أمّا وقت العشاء المستحبّ : فعند الحنفيّة يستحبّ تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث اللّيل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لولا أن أشقّ على أمّتي لأخّرت العشاء إلى ثلث اللّيل أو نصفه » ، والتّأخير إلى النّصف مباح ، وبعد النّصف مكروه كراهةً تحريميّةً . والمكروه تحريماً عند الحنفيّة ما يعاقب على فعله عقاباً أقلّ من عقاب تارك الفرض ، أعني أنّه يكون بترك واجبٍ عمداً . ويستحبّ تعجيلها في يوم الغيم مظنّة المطر أو البرد ، لأنّهما يؤدّيان إلى تقليل الجماعة . وذهب الحنابلة إلى أنّه يستحبّ تأخيرها إلى آخر الوقت إن لم يشقّ على المصلّين ، لحديث : « لولا أن أشقّ على أمّتي ... » الّذي تقدّم ذكره قريباً . أمّا أوقات الاستحباب عند المالكيّة والشّافعيّة فقد تقدّمت . أوقات الصّلوات الواجبة والمسنونة 20 - الصّلوات الواجبة - غير الفرض - الّتي لها وقت معيّن ، هي : الوتر عند أبي حنيفة والعيدان . أ - أمّا الوتر : فقد ذهب أبو حنيفة إلى أنّ مبدأ وقت الوتر هو بعينه مبدأ وقت العشاء ، وهو مغيب الشّفق الأبيض ، إلاّ أنّه لا يصلّى الوتر قبل العشاء للتّرتيب اللّازم بينهما . وذهب الصّاحبان إلى أنّ مبدأ وقته بعد صلاة العشاء ، وهو مذهب جمهور الفقهاء . استدلّ أبو حنيفة بدليلٍ معقولٍ ، وهو أنّه لو لم يصلّ العشاء حتّى طلوع الفجر ، لزمه قضاء الوتر والعشاء باتّفاقٍ ، ولو كان وقته بعد صلاة العشاء لم يلزمه قضاء الوتر لأن لم يتحقّق وقته ، لأنّ وقته بعد صلاة العشاء ، وهو لم يصلّها ، ويستحيل أن تنشغل ذمّته بصلاة الوتر بدون فعل العشاء ، فدلّ ذلك على أنّ وقته هو وقت العشاء . واستدلّ الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه زادكم صلاةً ، فصلّوها فيما بين العشاء إلى صلاة الصّبح : الوتر ، الوتر » وكلمة ( بين ) في الحديث تدلّ على أنّ الوتر بعد العشاء . والخلاف بين الجمهور وبين أبي حنيفة حقيقيّ ، يظهر أثره في حال ما إذا صلّى العشاء بغير وضوءٍ ناسياً ، ثمّ توضّأ وصلّى الوتر ، ثمّ تذكّر أنّه صلّى العشاء بغير وضوءٍ ، فعند أبي حنيفة يعيد العشاء دون الوتر ، لأنّه صلّى العشاء بغير وضوءٍ ، أمّا الوتر فلا يعيده ، لأنّه صلّاه في وقته بوضوءٍ ، وعند الجمهور يعيد الوتر والعشاء . أمّا الوتر فلأنّه صلّاه في غير وقته ، وأمّا العشاء فلأنّه صلّاها بغير وضوءٍ . أمّا نهاية وقت الوتر فهو طلوع الفجر الصّادق لا نعلم خلافاً في ذلك ، لحديث : « إنّ اللّه زادكم صلاةً ... » الّذي تقدّم ذكره . ب - أمّا العيدان فوقتهما بعد طلوع الشّمس وارتفاعها قدر رمحٍ أو رمحين ، ويختلف وقتهما باختلاف الأمكنة . وأمّا نهاية وقتهما فزوال الشّمس من وسط السّماء ، وهذا ممّا لا نعلم فيه خلافاً . 21 - أمّا السّنن الّتي لها وقت معيّن وتسمّى السّنن الرّاتبة المؤكّدة الّتي تطلب كلّ يومٍ ، فعند أبي حنيفة وأصحابه : اثنتا عشرة ركعةً في اليوم واللّيلة ، وهي ركعتان قبل الفجر ، وأربع قبل الظّهر ، وركعتان بعده ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، وفي يوم الجمعة يصلّي أربع ركعاتٍ قبل الجمعة ، وأربعاً بعدها ، فتكون الرّكعات المطلوبة في يوم الجمعة أربع عشرة ركعةً ، بخلاف سائر الأيّام ، فإنّ المطلوب فيها في كلّ يومٍ اثنتا عشرة ركعةً . والأصل في هذه السّنن ما روي عن عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم : « من ثابر على اثنتي عشرة ركعةً في اليوم واللّيلة بنى اللّه له بيتاً في الجنّة : ركعتين قبل الفجر ، وأربعٍ قبل الظّهر ، وركعتين بعده ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء » وأمّا الأربع الّتي بعد الجمعة فدليلها قوله صلى الله عليه وسلم : « من كان منكم مُصَلِّياً بعد الجمعةِ فَلْيُصَلِّ أربعاً » . وذهب مالك إلى أنّ المطلوب أن تصلّى ركعتا الفجر . قال : وتأكّد النّفل قبل الظّهر وبعدها ، وقبل العصر ، وبعد المغرب والعشاء فلا حدّ في الجميع ، ويكفي في تحصيل النّدب ركعتان . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المسنون من الصّلوات عشر ركعاتٍ : ركعتان قبل الصّبح ، وركعتان قبل الظّهر ، وركعتان بعده ، وركعتان بعد كلٍّ من المغرب والعشاء . لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : « حفظت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشرَ ركعاتٍ : ركعتين قبل الظّهر ، وركعتين بعده ، وركعتين بعد المغرب في بيته ، وركعتين قبل العشاء في بيته ، وركعتين قبل صلاة الصّبح » . 22 - أمّا المندوب عند الحنفيّة فأربع قبل العصر وقبل العشاء وبعده ، وستّ بعد المغرب . وذهبت الشّافعيّة إلى أنّ غير المؤكّد أن يزيد ركعتين قبل الظّهر وبعدها ، ويندب أربع قبل العصر ، واثنتان قبل العشاء . ولتفصيله ورأي بقيّة المذاهب ارجع إلى المندوب من الصّلوات في ( باب النّوافل ) . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|