|
#11
|
||||
|
||||
|
أهليّة *
التّعريف : 1 - الأهليّة مصدر صناعيّ لكلمة ( أهلٍ ) ومعناها لغةً - كما في أصول البزدويّ - : الصّلاحيّة . ويتّضح تعريف الأهليّة في الاصطلاح من خلال تعريف نوعيها : أهليّة الوجوب ، وأهليّة الأداء . فأهليّة الوجوب هي : صلاحيّة الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه . وأهليّة الأداء هي : صلاحيّة الإنسان لصدور الفعل منه على وجهٍ يعتدّ به شرعاً . الألفاظ ذات الصّلة : أ - التّكليف : 2 - التّكليف معناه في اللّغة : إلزام ما فيه كلفة ومشقّة . وهو في الاصطلاح كذلك ، حيث قالوا التّكليف إلزام المخاطب بما فيه كلفة ومشقّة من فعلٍ أو تركٍ . فالأهليّة وصف للمكلّف . ب - الذّمّة : 3 - الذّمّة معناها في اللّغة : العهد والضّمان والأمان . وأمّا في الاصطلاح فإنّها : وصف يصيّر الشّخص به أهلاً للإلزام والالتزام . فالفرق بين الأهليّة والذّمّة : أنّ الأهليّة أثر لوجود الذّمّة . مناط الأهليّة ومحلّها : 4 - الأهليّة بمعناها المتقدّم مناطها أي محلّها الإنسان ، من حيث الأطوار الّتي يمرّ بها ، فإنّه في البداية يكون جنيناً في بطن أمّه ، فتثبت له أحكام الأهليّة الخاصّة بالجنين ، وبعد الولادة إلى سنّ التّمييز يكون طفلاً ، فتثبت له أحكام الأهليّة الخاصّة بالطّفل ، وبعد التّمييز تثبت له أحكام الأهليّة الخاصّة بالمميّز إلى أن يصل به الأمر إلى سنّ البلوغ ، فتثبت له الأهليّة الكاملة ، ما لم يمنع من ذلك مانع ، كطروء عارضٍ يمنع ثبوت تلك الأهليّة الكاملة له ، وسيأتي بيان ذلك عند الكلام على أقسام الأهليّة وعوارضها . أقسام الأهليّة وأنواعها : 5 - الأهليّة قسمان : أهليّة وجوبٍ ، وأهليّة أداءً . وأهليّة الوجوب قد تكون كاملةً ، وقد تكون ناقصةً . وكذا أهليّة الأداء ، وبيان ذلك فيما يلي : أوّلاً : أهليّة الوجوب : 6 - سبق أنّ معنى أهليّة الوجوب : صلاحيّة الشّخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه معاً ، أو له ، أو عليه . وأهليّة الوجوب تنقسم فروعها وتتعدّد بحسب انقسام الأحكام ، فالصّبيّ أهل لبعض الأحكام ، وليس بأهلٍ لبعضها أصلاً ، وهو أهل لبعضها بواسطة رأي الوليّ ، فكانت هذه الأهليّة منقسمةً نظراً إلى أفراد الأحكام ، وأصلها واحد ، وهو الصّلاح للحكم ، فمن كان أهلاً لحكم الوجوب بوجهٍ كان هو أهلاً للوجوب ، ومن لا فلا . ومبنى أهليّة الوجوب هذه على الذّمّة ، أي أنّ هذه الأهليّة لا تثبت إلاّ بعد وجود ذمّةٍ صالحةٍ ، لأنّ الذّمّة هي محلّ الوجوب ، ولهذا يضاف إليها ولا يضاف إلى غيرها بحالٍ ، ولهذا اختصّ الإنسان بالوجوب دون سائر الحيوانات الّتي ليست لها ذمّة . وقد أجمع الفقهاء على ثبوت هذه الذّمّة للإنسان منذ ولادته ، حتّى يكون صالحاً لوجوب الحقوق له وعليه ، فيثبت له ملك النّكاح بتزويج الوليّ إيّاه ، ويجب عليه المهر بعقد الوليّ. أنواع أهليّة الوجوب : 7 - أهليّة الوجوب نوعان : أ - أهليّة الوجوب النّاقصة ، وتتمثّل في الجنين في بطن أمّه ، باعتباره نفساً مستقلّةً عن أمّه ذا حياةٍ خاصّةٍ ، فإنّه صالح لوجوب الحقوق له من وجهٍ كما سيأتي ، لا عليه ، لأنّ ذمّته لم تكتمل ما دام في بطن أمّه . ب - أهليّة الوجوب الكاملة ، وهي تثبت للإنسان منذ ولادته ، فإنّه تثبت له أهليّة الوجوب الكاملة ، لكمال ذمّته حينئذٍ من كلّ وجهٍ ، فيكون بهذا صالحاً لوجوب الحقوق له وعليه . ثانياً : أهليّة الأداء : 8 - سبق أنّ أهليّة الأداء هي : صلاحيّة الإنسان لصدور الفعل منه على وجهٍ يعتد به شرعاً . وأهليّة الأداء هذه لا توجد عند الشّخص إلاّ إذا بلغ سنّ التّمييز ، لقدرته حينئذٍ على فهم الخطاب ولو على سبيل الإجمال ، ولقدرته على القيام ببعض الأعباء ، فتثبت له أهليّة الأداء القاصرة ، وهي الّتي تناسبه ما دام نموّه لم يكتمل جسماً وعقلاً ، فإذا اكتمل ببلوغه ورشده ثبتت له أهليّة الأداء الكاملة ، فيكون حينئذٍ أهلاً للتّحمّل والأداء ، بخلاف غير المميّز ، فإنّه لا تثبت له هذه الأهليّة لانتفاء القدرتين عنه . أنواع أهليّة الأداء : 9 - أهليّة الأداء نوعان : أ - أهليّة أداءً قاصرة ، وهي الّتي تثبت بقدرةٍ قاصرةٍ . ب - أهليّة أداءً كاملة ، وهي الّتي تثبت بقدرةٍ كاملةٍ . والمراد بالقدرة هنا : قدرة الجسم أو العقل ، أو هما معاً ، لأنّ الأداء - كما قال البزدويّ - يتعلّق بقدرتين : قدرة فهم الخطاب وذلك بالعقل ، وقدرة العمل به وهي بالبدن ، والإنسان في أوّل أحواله عديم القدرتين ، لكن فيه استعداد وصلاحيّة لأن توجد فيه كلّ واحدةٍ من القدرتين شيئاً فشيئاً بخلق اللّه تعالى ، إلى أن تبلغ كلّ واحدةٍ منهما درجة الكمال ، فقبل بلوغ درجة الكمال كانت كلّ واحدةٍ منهما قاصرةً ، كما هو الحال في الصّبيّ المميّز قبل البلوغ ، وقد تكون إحداهما قاصرةً ، كما في المعتوه بعد البلوغ ، فإنّه قاصر العقل مثل الصّبيّ ، وإن كان قويّ البدن ، ولهذا ألحق بالصّبيّ في الأحكام . فالأهليّة الكاملة : عبارة عن بلوغ القدرتين أوّل درجات الكمال ، وهو المراد بالاعتدال في لسان الشّرع . والقاصرة : عبارة عن القدرتين قبل بلوغهما أو بلوغ إحداهما درجة الكمال . ثمّ الشّرع بنى على الأهليّة القاصرة صحّة الأداء ، وعلى الكاملة وجوب الأداء وتوجّه الخطاب ، لأنّه لا يجوز إلزام الإنسان الأداء في أوّل أحواله ، إذ لا قدرة له أصلاً ، وإلزام ما لا قدرة له عليه منتفٍ شرعاً وعقلاً ، وبعد وجود أصل العقل وأصل قدرة البدن قبل الكمال ، ففي إلزام الأداء حرج ، لأنّه يحرج الفهم بأدنى عقله ، ويثقل عليه الأداء بأدنى قدرة البدن ، والحرج منتفٍ أيضاً بقوله تعالى : { وما جَعَلَ عليكم في الدِّينِ من حَرَجٍ } فلم يخاطب شرعاً لأوّل أمره حكمةً ، ولأوّل ما يعقل ويقدر رحمةً ، إلى أن يعتدل عقله وقدرة بدنه ، فيتيسّر عليه الفهم والعمل به . ثمّ وقت الاعتدال يتفاوت في جنس البشر على وجهٍ يتعذّر الوقوف عليه ، ولا يمكن إدراكه إلاّ بعد تجربةٍ وتكلّفٍ عظيمٍ ، فأقام الشّرع البلوغ الّذي تعتدل لديه العقول في الأغلب مقام اعتدال العقل حقيقةً ، تيسيراً على العباد ، وصار توهّم وصف الكمال قبل هذا الحدّ ، وتوهّم بقاء القصور بعد هذا الحدّ ساقطي الاعتبار ، لأنّ السّبب الظّاهر متى أقيم مقام المعنى الباطن دار الحكم معه وجوداً وعدماً ، وأيّد هذا كلّه قوله عليه السلام : « رفع القلم عن ثلاثٍ : عن الصّبيّ حتّى يحتلم والمجنون حتّى يفيق ، والنّائم حتّى يستيقظ » . والمراد بالقلم : الحساب ، والحساب إنّما يكون بعد لزوم الأداء ، فدلّ على أنّ ذلك لا يثبت إلاّ بالأهليّة الكاملة ، وهي اعتدال الحال بالبلوغ عن عقلٍ . أثر الأهليّة في التّصرّفات : 10 - التّصرّفات الّتي تحكمها الأهليّة - سواء أكانت من حقوق اللّه أم من حقوق الآدميّين - تختلف وتتعدّد أحكامها تبعاً لاختلاف نوع الأهليّة ، وتبعاً لاختلاف مراحل النّموّ الّتي يمرّ بها الإنسان الّذي هو مناط تلك الأهليّة ، فالأهليّة - كما سبق - إمّا أهليّة وجوبٍ وإمّا أهليّة أداءً ، وكلّ واحدةٍ منهما قد تكون ناقصةً وقد تكون كاملةً ، ولكلٍّ حكمه . هذا ، وللوقوف على تلك الأحكام ، لا بدّ أن نتناول تلك المراحل الّتي يمرّ بها الإنسان ، وبيان الأحكام الخاصّة به في كلّ مرحلةٍ من تلك المراحل . المراحل الّتي يمرّ بها الإنسان : 11 - يمرّ الإنسان من حين نشأته بخمس مراحل أساسيّةٍ ، وهذه المراحل هي : - 1 - مرحلة ما قبل الولادة ، أي حين يكون جنيناً في بطن أمّه . - 2 - مرحلة الطّفولة والصّغر ، أي بعد انفصاله عن أمّه ، وقبل بلوغه سنّ التّمييز . - 3 - مرحلة التّمييز ، أي من حين بلوغه سنّ التّمييز إلى البلوغ . - 4 - مرحلة البلوغ ، أي بعد انتقاله من سنّ الصّغر إلى سنّ الكبر . - 5 - مرحلة الرّشد ، أي اكتمال العقل . هذا ، ولكلّ مرحلةٍ من هذه المراحل أحكام خاصّة نذكرها فيما يلي : المرحلة الأولى - الجنين : 12 - الجنين في اللّغة : مأخوذ من الاجتنان ، وهو الخفاء ، وهو وصف للولد ما دام في بطن أمّه ، والفقهاء في تعريفهم للجنين لا يخرجون عن هذا المعنى ، إذ معناه عندهم : وصف للولد ما دام في البطن . والجنين إذا نظر إليه من جهة كونه كالجزء من أمّه يتغذّى بغذائها يحكم بعدم استقلاله ، فلا تثبت له ذمّة ، وبالتّالي فلا يجب له ولا عليه شيء . وإذا نظر إليه من جهة كونه نفساً مستقلّةً بحياةٍ خاصّةٍ يحكم بثبوت الذّمّة له ، وبذلك يكون أهلاً لوجوب الحقوق له وعليه . ولمّا لم يمكن ترجيح إحدى الجهتين على الأخرى من كلّ وجهٍ ، فإنّ الشّرع عامله من جهة كونه جزءاً من أمّه بعدم أهليّته للوجوب عليه ، وعامله من جهة كونه نفساً مستقلّةً بحياةٍ خاصّةٍ بكونه أهلاً للوجوب له ، وبهذا لا يكون للجنين أهليّة وجوبٍ كاملةً ، بل أهليّة وجوبٍ ناقصةً . 13 - وقد اتّفق الفقهاء على إثبات بعض الحقوق للجنين ، كحقّه في النّسب ، وحقّه في الإرث ، وحقّه في الوصيّة ، وحقّه في الوقف . فأمّا حقّه في النّسب من أبيه : فإنّه لو تزوّج رجل وأتت امرأته بولدٍ ثبت نسبه منه ، إذا توافرت شروط ثبوت النّسب المبيّنة في موضعها . ر : ( نسب ) . وأمّا حقّه في الإرث : فهو ثابت بإجماع الصّحابة كما جاء في الفتاوى الهنديّة وقد اتّفق الفقهاء على استحقاق الحمل للإرث متى قام به سبب استحقاقه وتوافرت فيه شروطه . وكذلك اتّفق الفقهاء على صحّة الوصيّة له . وأمّا حقّه في الوقف : فقد أجاز الحنفيّة والمالكيّة الوقف عليه ، قياساً على الوصيّة ، ويستحقّه إن استهلّ . ولم يجوّز الشّافعيّة الوقف عليه ، لأنّ الوقف تسليط في الحال بخلاف الوصيّة . وأمّا الحنابلة فلا يصحّ عندهم الوقف على حملٍ أصالةً ، كأن يقف داره على ما في بطن هذه المرأة ، لأنّه تمليك ، والحمل لا يصحّ تمليكه بغير الإرث والوصيّة ، أمّا إذا وقف على الحمل تبعاً لمن يصحّ الوقف عليه ، كأن يقف على أولاده ، أو على أولاد فلانٍ وفيهم حمل ، فإنّ الوقف يشمله عندهم . المرحلة الثّانية - الطّفولة : 14 - تبدأ هذه المرحلة من حين انفصال الجنين عن أمّه حيّاً ، وتمتدّ إلى سنّ التّمييز ، ففي هذه المرحلة تثبت للمولود الذّمّة الكاملة ، فيصير أهلاً للوجوب له وعليه ، أمّا أهليّته للوجوب له فهي ثابتة حتّى قبل الولادة - كما سبق - فتثبت له بعدها بطريق الأولى ، بل صرّح الشّافعيّة : بأنّ له يداً واختصاصاً كالبالغ . وأمّا أهليّته للوجوب عليه ففيها تفصيل يأتي . ووجوب الحقوق الثّابتة على الطّفل في هذه المرحلة ، المراد منه : حكمه ، وهو الأداء عنه ، فكلّ ما يمكن أداؤه عنه يجب عليه ، وما لا فلا . وإنّما قيّد الأداء بالممكن ، لأنّ الطّفل في هذه المرحلة ، وإن كان يجب عليه كافّة الحقوق كالبالغ ، إلاّ أنّه يعامل بما يناسبه في هذه المرحلة ، لضعف بنيته ، ولعدم قدرته على مباشرة الأداء بنفسه ، فيؤدّي عنه وليّه ما أمكن أداؤه عنه ، ولهذا فإنّ العلماء ذكروا تفصيلاً في الحقوق الواجبة عليه ، الّتي تؤدّى عنه ، سواء أكانت من حقوق اللّه أم حقوق العباد ، كما ذكروا أيضاً حكم أقواله وأفعاله . وبيان ذلك فيما يلي : أوّلاً : حقوق العباد : 15 - حقوق العباد أنواع : منها ما يجب أداؤه عن الطّفل لوجوبه عليه ، ومنها ما لا يجب عليه ولا يؤدّى عنه . فحقوق العباد الواجبة والّتي تؤدّى عنه هي : أ - ما كان المقصود منه المال ويحتمل النّيابة ، فإنّه يؤدّي عنه ، لوجوبه عليه كالغرم والعوض . ب - ما كان صلةً شبيهةً بالمؤن كنفقة القريب ، أو كان صلةً شبيهةً بالأعواض كنفقة الزّوجة ، فإنّه يؤدّى عنه . وأمّا حقوق العباد الّتي لا تجب عليه لا تجب عليه ولا تؤدّى عنه فهي : أ - الصّلة الشّبيهة بالأجزية كتحمّل الدّية مع العاقلة ، فلا تجب عليه . ب - العقوبات كالقصاص ، أو الأجزية الشّبيهة بها كالحرمان من الميراث ، فلا تجب عليه . ثانياً : حقوق اللّه تعالى : 16 - هذه الحقوق أيضاً منها ما يجب على الطّفل ، ومنها ما لا يجب . فالحقوق الّتي هي مئونة محضة كالعشر والخراج تجب عليه ، وتؤدّى عنه ، لأنّ المقصود منها المال ، فتثبت في ذمّته ، ويمكن أداؤه عنه . وأمّا العبادات فلا تجب عليه ، سواء أكانت بدنيّةً أم ماليّةً . أمّا البدنيّة كالصّلاة والصّوم والحجّ والجهاد وغيرها ، فإنّها لا تجب عليه لعجزه عن الفهم وضعف بدنه . وأمّا الماليّة ، فإن كانت زكاة فطرٍ ، فإنّها تجب في ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ولا تجب عليه عند محمّدٍ وزفر من الحنفيّة . وإن كانت زكاة مالٍ ، فإنّها تجب في ماله عند جمهور الفقهاء ، لأنّها ليست عبادةً خالصةً بل فيها معنى المئونة ، أوجبها اللّه تعالى على الأغنياء حقّاً للمحتاجين ، فتصحّ فيها النّيابة كما في زكاة الفطر ، ولا تجب عليه عند فقهاء الحنفيّة ، لأنّها عندهم عبادة خالصة ، وتحتاج إلى النّيّة ، ولا تصحّ فيها النّيابة . وأمّا إن كانت حقوق اللّه عقوباتٍ كالحدود ، فإنّها لا تلزمه ولا تجب عليه ، كما لم تلزمه العقوبات الّتي هي حقوق العباد كالقصاص ، لأنّ العقوبة إنّما وضعت جزاءً للتّقصير ، وهو لا يوصف به . ثالثاً : أقواله وأفعاله : 17 - أقوال الصّبيّ وأفعاله غير معتبرةٍ ، ولا يترتّب عليها حكم ، لأنّه ما دام لم يميّز فلا اعتداد بأقواله وأفعاله . المرحلة الثّالثة : التّمييز : 18 - التّمييز في اللّغة مأخوذ من : مزته ميزاً ، من باب باع ، وهو : عزل الشّيء وفصله من غيره . ويكون في المشتبهات والمختلطات ، ومعنى تميّز الشّيء : انفصاله عن غيره ، ومن هنا فإنّ الفقهاء يقولون : سنّ التّمييز ، ومرادهم بذلك : تلك السّنّ الّتي إذا انتهى إليها عرف مضارّه ومنافعه ، وكأنّه مأخوذ من ميّزت الأشياء : إذا فرّقتها بعد المعرفة بها ، وبعض النّاس يقولون : التّمييز قوّة في الدّماغ يستنبط بها المعاني . وهذه المرحلة تبدأ ببلوغ الصّبيّ سبع سنين ، وهو سنّ التّمييز كما حدّده جمهور الفقهاء ، وتنتهي بالبلوغ ، فتشمل المراهق وهو الّذي قارب البلوغ . ففي هذه المرحلة يصبح عند الصّبيّ مقدار من الإدراك والوعي يسمح له بمباشرة بعض التّصرّفات ، فتثبت له أهليّة الأداء القاصرة ، لأنّ نموّه البدنيّ والعقليّ لم يكتملا بعد ، وبعد اكتمالهما تثبت له أهليّة الأداء الكاملة ، لأنّ أهليّة الأداء الكاملة لا تثبت إلاّ باكتمال النّموّ البدنيّ والنّموّ العقليّ ، فمن لم يكتمل نموّه البدنيّ والعقليّ معاً ، أو لم يكتمل فيه نموّ أحدهما فأهليّة الأداء فيه تكون قاصرةً . فالمعتوه كالصّبيّ ، لعدم اكتمال العقل فيه ، وإن كان كاملاً من النّاحية البدنيّة ، بخلاف أهليّة الوجوب ، فإنّها تثبت كاملةً منذ الولادة ، فالطّفل أهل للوجوب له وعليه ، كما سبق . وللتّمييز أثره في التّصرّفات ، فالصّبيّ المميّز يجوز له بأهليّته القاصرة مباشرة بعض التّصرّفات وتصحّ منه ، لأنّ الثّابت مع الأهليّة القاصرة صحّة الأداء ، ويمنع من مباشرة بعض التّصرّفات الأخرى ، وخاصّةً تلك الّتي يعود ضررها عليه ، فلا تصحّ منه . ومن التّصرّفات أيضاً ما يمتنع على الصّبيّ المميّز أن يباشرها بنفسه ، بل لا بدّ فيها من إذن الوليّ . وفيما يلي ما قاله الفقهاء في ذلك على سبيل الإجمال ، أمّا التّفصيل ففي مصطلح ( تمييزٍ ) . تصرّفات الصّبيّ المميّز : 19 - التّصرّفات الّتي يباشرها الصّبيّ المميّز ، إمّا أن تكون في حقوق اللّه تعالى ، وفي هذه الحالة إمّا : أن تكون تلك الحقوق عباداتٍ وعقائد ، أو حقوقاً ماليّةً ، أو عقوباتٍ ، وإمّا : أن تكون تلك التّصرّفات في حقوق العباد ، وهي إمّا : ماليّة أو غير ماليّةٍ . أ - حقوق اللّه تعالى : 20 - أمّا العبادات البدنيّة كالصّلاة ، فلا خلاف بين العلماء في عدم وجوبها عليه إلاّ أنّه يؤمر بأدائها في سنّ السّابعة ، ويضرب على تركها في سنّ العاشرة ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه : « مروا صبيانكم بالصّلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليها لعشر سنين ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » . وأمّا العقائد كالإيمان ، فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ من الصّبيّ ، فيعتبر إيمانه ، لأنّه خير محض ، وخالف في ذلك الشّافعيّة فقالوا : إنّ إسلامه لا يصحّ حتّى يبلغ ، لحديث : « رفع القلم عن ثلاثٍ ومنها عن الصّبيّ حتّى يبلغ ... » وأمّا ردّته ، فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى عدم صحّة ردّته ، لأنّها ضرر محض . وذهب أبو حنيفة ومحمّد والمالكيّة إلى الحكم بصحّة ردّته ، وتجري عليه أحكام المرتدّين ما عدا القتل . ونقل في التّتارخانيّة والمنتقى رجوع أبي حنيفة إلى قول أبي يوسف . وأمّا حقوق اللّه سبحانه وتعالى الماليّة كالزّكاة ، فإنّها تجب في ماله عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ولا تجب في ماله عند الحنفيّة . وأمّا العقوبات المتعلّقة بحقوق اللّه سبحانه وتعالى كحدّ السّرقة وغيره ، فإنّها لا تقام على الصّبيّ ، وهذا محلّ اتّفاقٍ عند الفقهاء . ب - حقوق العباد : 21 - أمّا الماليّة منها كضمان المتلفات وأجرة الأجير ونفقة الزّوجة والأقارب ونحو ذلك فإنّها تجب في ماله ، لأنّ المقصود منها هو المال ، وأداؤه يحتمل النّيابة ، فيصحّ للصّبيّ المميّز أداؤه ، فإن لم يؤدّه أدّاه وليّه . وأمّا ما كان منها عقوبة القصاص ، فإنّه لا يجب عليه عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لأنّ فعل الصّبيّ لا يوصف بالتّقصير ، فلا يصلح سبباً للعقوبة لقصور معنى الجناية في فعله ، ولكن تجب في فعله الدّية ، لأنّها وجبت لعصمة المحلّ ، والصّبا لا ينفي عصمة المحلّ ، ولأنّ المقصود من وجوبها المال ، وأداؤه قابل للنّيابة ، ووجوب الدّية في ماله عند الحنفيّة ، وعلى عاقلته عند المالكيّة والحنابلة . وخالف الشّافعيّة في ذلك على الأصحّ عندهم ، حيث قالوا : إنّ عمد الصّبيّ في الجنايات عمد ، فتغلظ عليه الدّية ، ويحرم إرث من قتله . 22 - أمّا تصرّفاته الماليّة ، ففيها تفصيل على النّحو الآتي : - 1 - تصرّفات نافعة له نفعاً محضاً ، وهي الّتي يترتّب عليها دخول شيءٍ في ملكه من غير مقابلٍ ، مثل قبول الهبة والصّدقة والوصيّة والوقف ، وهذه تصحّ منه ، دون توقّفٍ على إجازة الوليّ أو الوصيّ ، لأنّها خير على كلّ حالٍ . - 2 - تصرّفات ضارّة بالصّغير ضرراً محضاً ، وهي الّتي يترتّب عليها خروج شيءٍ من ملكه من غير مقابلٍ ، كالهبة والصّدقة والوقف وسائر التّبرّعات والطّلاق والكفالة بالدّين ، وهذه لا تصحّ منه ، بل تقع باطلةً ، ولا تنعقد ، حتّى ولو أجازها الوليّ أو الوصيّ ، لأنّهما لا يملكان مباشرتها في حقّ الصّغير فلا يملكان إجازتها . - 3 - تصرّفات دائرة بين النّفع والضّرر بحسب أصل وضعها ، كالبيع والإجارة وسائر المعاوضات الماليّة ، وهذه يختلف الفقهاء فيها : فعند الحنفيّة يصحّ صدورها منه ، باعتبار ما له من أصل الأهليّة ، ولاحتمال أنّ فيها نفعاً له ، إلاّ أنّها تكون موقوفةً على إجازة الوليّ أو الوصيّ لنقص أهليّته ، فإذا أجازها نفذت ، وإن لم يجزها بطلت . وعند المالكيّة تقع صحيحةً لكنّها لا تكون لازمةً ، ويتوقّف لزومها على إجازة الوليّ أو الوصيّ . وعند الشّافعيّة والحنابلة لا يصحّ صدورها من الصّبيّ ، فإذا وقعت كانت باطلةً لا يترتّب عليها أيّ أثرٍ . المرحلة الرّابعة - البلوغ : 23 - البلوغ عند الفقهاء : قوّة تحدث للشّخص ، تنقله من حال الطّفولة إلى حال الرّجولة . وهو يحصل بظهور علامةٍ من علاماته الطّبيعيّة كالاحتلام ، وكالحبل والحيض في الأنثى ، فإن لم يوجد شيء من هذه العلامات كان البلوغ بالسّنّ . وقد اختلف الفقهاء في تقديره ، فقدّره أبو حنيفة بثماني عشرة سنةً للفتى ، وسبع عشرة سنةً للفتاة ، وقدّره الصّاحبان والشّافعيّ وأحمد بخمس عشرة سنةً ، والمشهور عند المالكيّة تقديره بثماني عشرة سنةً لكلٍّ من الذّكر والأنثى . وفي هذه المرحلة ، وهي مرحلة البلوغ ، يكتمل فيها للإنسان نموّه البدنيّ والعقليّ ، فتثبت له أهليّة الأداء الكاملة ، فيصير أهلاً لأداء الواجبات وتحمّل التّبعات ، ويطالب بأداء كافّة الحقوق الماليّة ، وغير الماليّة ، سواء أكانت من حقوق اللّه أم من حقوق العباد . وهذا كلّه إذا اكتمل نموّه العقليّ مع اكتمال نموّه البدنيّ ، أمّا إذا وصل إلى سنّ البلوغ ولم يكتمل نموّه العقليّ ، بأن بلغ معتوهاً أو سفيهاً ، فإنّه تجري عليه أحكام الصّبيّ المميّز ، ويستمرّ ثبوت الولاية عليه ، خلافاً لأبي حنيفة في السّفيه . المرحلة الخامسة – الرشد : 24- الرشد في اللغة : الصلاح وإصابة الصواب . والرشد عند الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة : حسن التصرف في المال ، والقدرة على استثماره واستغلاله استغلالاً حسناً . وعند الشافعية : صلاح الدين والصلاح في المال . وهذا الرشد قد يأتي مع البلوغ ، وقد يتاخر عنه قليلاً أو كثيراً ، تبعاً لتربية الشخص واستعداده وتعقد الحياة الاجتماعية وبساطتها ، فإذا بلغ الشخص رشيداً كملت أهليته ، و ارتفعت الولاية عنه وسلمت إليه أمواله باتفاق الفقهاء ، لقوله الله تعالى : { وابْتَلُوا اليتامى حتى إذا بَلَغُوا النكاحَ ، فإنْ آنَسْتُم منهم رُشْداً فادْفَعُوا إليهم أموالَهم } . وإذا بلغ غير الرشيد ، وكان عاقلاً كملت أهليته ، وارتفعت الولاية عند أبي حنيفة ، إلا أنه لا تسلم إليه أمواله ، بل تبقى في يد وليه أو وصيه حتى يثنت رشده بالفعل ، أو يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فإذا بلغ هذا السن سلمت إليه أمواله ، ولو كان مبذراً لا يحسن التصرف ، لأن منع المال عنه على سبيل الاحتياط والتأديب ، وليس على سبيل الحجر عليه ، لأن أبا حنيفة لا يرى الحجر على السفيه ، والإنسان بعد بلوغه هذه السن وصلاحيته لأن يكون جداً لا يكون أهلاً للتأديب . وقال المالكية والشافعية والحنابلة ، وهو قول عند أبي يوسف ومحمد من الحنفية : إن الشخص إذا بلغ غير رشيد كملت أهليته ، ولكن لا ترتفع الولاية عنه ، وتبقى أمواله تحت يد وليه أو وصيه حتى يثبت رشده ، لقول الله تعالى : { ولا تُؤْتُوا السفهاءَ أموالَكم التي جَعَلَ اللهُ لكم قِياماً ، وارْزُقُوهم فيها واكْسُوهم ، وقولُوا لهم قولاً معروفاً ، وابْتَلُوا اليتامى حتى إذا بَلَغُوا النكاحَ ، فإنْ آنَسْتُم منهم رُشْداً فادْفَعُوا إليهم أَمْوالَهم } فإنه منع الأولياء والأوصياء من دفع المال إليهم إلى السفهاء ، وناط دفع المال إليهم بتوافر أمرين : البلوغ والرشد ، فلا يجوز أن يدفع المال إليهم بالبلوغ مع عدم الرشد . أما إذا بلغ الشخص رشيداً ، ثم طرأ السفه عليه بعد ذلك ، فسيأتي الكلام عنه في هذا البحث ، بين عوارض الأهلية . عوارض الأهليّة : 25 - العوارض : جمع عارضٍ أو عارضةٍ ، والعارض في اللّغة معناه : السّحاب ، ومنه قوله تعالى : { فلمّا رَأوْهُ عارضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالوا هَذا عارضٌ مُمْطِرنا } . وأمّا العوارض في الاصطلاح فمعناها : أحوال تطرأ على الإنسان بعد كمال أهليّة الأداء ، فتؤثّر فيها بإزالتها أو نقصانها ، أو تغيّر بعض الأحكام بالنّسبة لمن عرضت له من غير تأثيرٍ في أهليّته . أنواع عوارض الأهليّة : 26 - عوارض الأهليّة نوعان : سماويّة ومكتسبة : فالعوارض السّماويّة : هي تلك الأمور الّتي ليس للعبد فيها اختيار ، ولهذا تنسب إلى السّماء ، لنزولها بالإنسان من غير اختياره وإرادته ، وهي : الجنون ، والعته ، والنّسيان ، والنّوم ، والإغماء ، والمرض ، والرّقّ ، والحيض ، والنّفاس ، والموت . والمكتسبة : هي تلك الأمور الّتي كسبها العبد أو ترك إزالتها ، وهي إمّا أن تكون منه أو من غيره ، فالّتي تكون منه : الجهل ، والسّكر ، والهزل ، والسّفه ، والإفلاس ، والسّفر ، والخطأ ، والّذي يكون من غيره الإكراه . وفيما يلي ما يتعلّق بهذه العوارض إجمالاً ، مع إحالة التّفصيل إلى العناوين الخاصّة بها . العوارض السّماويّة : أوّلاً : الجنون : 27 - الجنون في اللّغة مأخوذ من : أجنّه اللّه فجنّ ، فهو مجنون ، بالبناء للمفعول . وأمّا عند الأصوليّين فإنّه : اختلال للعقل يمنع من جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل . والجنون يؤثّر في أهليّة الأداء ، فهو مسقط للعبادات كالصّلاة والصّوم والحجّ . وفي زكاة مال المجنون خلاف ، مع مراعاة الفرق بين الجنون المطبق وغيره . وأمّا المعاملات ، فحكمه فيها حكم الصّبيّ غير المميّز ، فلا يعتدّ بأقواله لانتفاء تعقّله للمعاني . وأمّا أهليّة الوجوب ، فلا يؤثّر فيها الجنون ، فإنّ المجنون يرث ويملك لبقاء ذمّته ، والمتلفات بسبب أفعاله مضمونة في ماله كالصّبيّ الّذي لم يصل إلى سنّ التّمييز . وتفصيل الأحكام الخاصّة بالجنون تنظر في مصطلح : ( جنونٍ ) . ثانياً : العته : 28 - العته في اللّغة : نقصان العقل من غير جنونٍ أو دهشٍ . وفي الاصطلاح : آفة توجب خللاً في العقل ، فيصير صاحبها مختلط الكلام ، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء ، وبعضه كلام المجانين . والمعتوه في تصرّفاته كالصّبيّ المميّز ، فتثبت له أهليّة الأداء القاصرة ، إذ لا فرق بينه وبين الصّبيّ كما جاء في التّلويح ، إلاّ في مسألةٍ واحدةٍ وهي : أنّ امرأة المعتوه إذا أسلمت لا يؤخّر عرض الإسلام عليه ، كما لا يؤخّر عرضه على وليّ المجنون بخلاف الصّبيّ ، والفرق بينهما واضح ، فإنّ الصّبا مقدّر بخلاف العته والجنون . والتّفصيل في مصطلح : ( عتهٍ ) . ثالثاً : النّسيان : 29 - النّسيان في اللّغة مشترك بين معنيين : أحدهما : ترك الشّيء على ذهولٍ وغفلةٍ ، وهو خلاف التّذكّر . وثانيهما : التّرك عن تعمّدٍ ، ومنه قوله تعالى : { ولا تَنْسَوُا الفضلَ بينكم } . وفي الاصطلاح : عدم استحضار صورة الشّيء في الذّهن وقت الحاجة إليه . والنّسيان لا يؤثّر في أهليّة الوجوب ، ولا يؤثّر أيضاً في أهليّة الأداء لكمال العقل ، ومع ذلك فإنّ النّسيان عذر في حقوق اللّه تعالى في حقّ الإثم وعدمه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان ... » وللنّسيان أحكام تفصيلها في مصطلح : ( نسيانٍ ) . رابعاً : النّوم : 30 - النّوم : غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء . وفي الاصطلاح : فتور يعرض مع قيام العقل يوجب العجز عن إدراك المحسوسات والأفعال الاختياريّة واستعمال العقل . والنّوم لا ينافي أهليّة الوجوب لعدم إخلاله بالذّمّة ، إلاّ أنّه يوجب تأخير توجّه الخطاب بالأداء إلى حال اليقظة ، لأنّه في حال النّوم عاجز عن الفهم فلا يناسب أن يتوجّه إليه الخطاب حينئذٍ ، فإذا انتبه من النّوم أمكنه الفهم ، ولهذا فإنّ النّائم مطالب بقضاء ما فاته من الصّلوات في أثناء نومه ، وأمّا عبارات النّائم من الأقارير وغيرها فهي باطلة ، ولا يعتدّ بها . وتفصيل ذلك كلّه محلّه مصطلح : ( نومٍ ) . خامساً : الإغماء : 31 - الإغماء في اللّغة : الخفاء ، وفي الاصطلاح : آفة في القلب أو الدّماغ تعطّل القوى المدركة والحركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوباً . وهو ضرب من المرض ، ولذا لم يعصم منه النّبيّ عليه الصلاة والسلام . وتأثير الإغماء على المغمى عليه أشدّ من تأثير النّوم على النّائم ، ولذا اعتبر فوق النّوم ، لأنّ النّوم حالة طبيعيّة كثيرة الوقوع ، وسببه شيء لطيف سريع الزّوال ، والإغماء على خلافه في ذلك كلّه ، ألا ترى أنّ التّنبيه والانتباه من النّوم في غاية السّرعة ، وأمّا التّنبيه من الإغماء فغير ممكنٍ . وحكم الإغماء في كونه عارضاً من عوارض الأهليّة حكم النّوم ، فلزمه ما لزم النّوم ، ولكونه يزيد عنه جعله ناقضاً للوضوء في جميع الأحوال حتّى في الصّلاة . وتفصيل ذلك كلّه محلّه مصطلح : ( إغماءٍ ) . سادساً : الرّقّ : 32 - الرّقّ في اللّغة بكسر الرّاء : العبوديّة . وأمّا في الشّرع فهو : حجز حكميّ عن الولاية والشّهادة والقضاء وملكيّة المال والتّزوّج وغيرها . هذا والأحكام الخاصّة بالرّقيق يرجع إليها في مصطلح : ( رقٍّ ) . سابعاً : المرض : 33 - المرض في اللّغة : حالة خارجة عن الطّبع ضارّة بالفعل . وفي الاصطلاح : ما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاصّ . وهو لا ينافي أهليّة التّصرّفات ، أي ثبوته ووجوبه على الإطلاق ، سواء أكان من حقوق اللّه تعالى أم من حقوق العباد ، لأنّه لا يخلّ بالعقل ولا يمنعه من استعماله ، فيصحّ ما تعلّق بعبارته من العقود وغيرها ، ولكنّه لمّا كان سبب الموت بترادف الآلام ، وأنّه أي الموت عجز خالص ، كان المرض من أسباب العجز ، فشرعت العبادات معه بقدر المكنة ، لئلاّ يلزم تكليف ما ليس في الوسع ، فيصلّي قاعداً إن لم يقدر على القيام ، ومضطجعاً إن عجز عنه ، ويعتبر المرض سبباً للحجر على المريض مرض الموت حفظاً لحقّ الوارث وحقّ الغريم إذا اتّصل به الموت ، وذلك لأنّ المرض المميت هو سبب الحجر لا نفس المرض . هذا ، وتفصيل الأحكام الخاصّة بالمرض يرجع إليها في مصطلح ( مرضٍ ) ثامناً : الحيض والنّفاس : 34 - الحيض معناه في اللّغة : السّيلان ، ومنه الحوض . وفي الاصطلاح : الدّم الخارج من الرّحم لا لولادةٍ ولا لعلّةٍ . وأمّا النّفاس فمعناه في اللّغة : الولادة . وفي الاصطلاح : الدّم الخارج عقب فراغ الرّحم من الحمل . والحيض والنّفاس لا يؤثّران في أهليّة الوجوب ، ولا في أهليّة الأداء ، إلاّ أنّهما اعتبرا من العوارض لأنّ الطّهارة منهما شرط لصحّة كلّ عبادةٍ يشترط فيها الطّهارة كالصّلاة مثلاً . وتفصيل الأحكام الخاصّة بالحيض والنّفاس محلّه ( حيض ، ونفاس ) . تاسعاً : الموت : 35 - الأحكام المتعلّقة بالموت تتلخّص في أنّ تلك الأحكام إمّا دنيويّة أو أخرويّة ، والدّنيويّة من حيث التّكليف حكمها السّقوط إلاّ في حقّ المأتم ، أو ما شرع لحاجة نفسه أو لحاجة غيره . والأخرويّة حكمها البقاء ، سواء أكانت واجبةً له على الغير ، أم للغير عليه ، من الحقوق الماليّة والمظالم ، أوما يستحقّه من ثوابٍ بواسطة الطّاعات ، أو عقابٍ بواسطة المعاصي . هذا ، ومحلّ تفصيل هذه الأحكام مصطلح ( موتٍ ) |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|