|
#11
|
||||
|
||||
|
صيغ الأمر :
2 - للأمر صيغ صريحة وهي ثلاثة : فعل الأمر ، مثل قوله تعالى : { أقيموا الصّلاة } وقوله : { فاسعوا إلى ذكر اللّه } ، واسم فعل الأمر نحو : نزال ، والمضارع المقترن فاللّام الأمر نحو { لينفق ذو سعةٍ من سعته } . وصيغ غير صريحةٍ ، قال الشّاطبيّ : - أ - منها : ما جاء مجيء الإخبار عن تقرير الحكم ، نحو : { والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين } . - ب - ومنها : ما جاء مجيء مدحه أو مدح فاعله نحو : { ومن يطع اللّه ورسوله يدخله جنّاتٍ } . - ج - ومنها : ما يتوقّف عليه المطلوب ، كالمفروض في مسألة ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب ، كغسل جزءٍ من الرّأس ، لاستيفاء غسل الوجه . دلالة صيغة الأمر الصّريحة : 3 - اختلف الأصوليّون في دلالة صيغة ( افعل ) غير المقترنة بما يعيّن معناها . فهي عند الجمهور حقيقة في الوجوب ، وعند أبي هاشمٍ وكثيرٍ من الأصوليّين حقيقة في النّدب وهو أحد قولي الشّافعيّ ، وقيل : مشترك بينهما اشتراكاً لفظيّاً ، وروي هذا عن الشّافعيّ . وقيل : إنّها موضوعة لمشتركٍ بينهما وهو الاقتضاء حتماً كان أو ندباً ، وروي هذا عن أبي منصورٍ الماتريديّ ، ونسب إلى مشايخ سمرقند . 4 - الأمر الوارد بعد الحظر هو للإباحة عند الأكثر ، ومنهم الشّافعيّ والآمديّ كقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها » . وللوجوب عند عامّة الحنفيّة وهو المرويّ عن القاضي والمعتزلة واختاره الرّازيّ ، وتوقّف فيه إمام الحرمين . واختار ابن الهمام والشّيخ زكريّا الأنصاريّ أنّه يرجع الحكم لما كان عليه قبل الحظر إباحةً أو وجوباً . ورود الأمر لغير الوجوب : 5 - ترد صيغة الأمر لغير الوجوب في أكثر من عشرين معنًى ، منها : الالتماس والتّهديد . اقتضاء الأمر للتّكرار : 6 - الأمر لطلب الفعل مطلقاً لا يقتضي التّكرار عند الحنفيّة ، فيبرأ بالفعل مرّةً ويحتمل التّكرار ، واختاره الرّازيّ والآمديّ . وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ : هو لازم مدّة العمر إن أمكن ، وعلى هذا جماعة من الفقهاء والمتكلّمين . وذهب كثير من أهل الأصول إلى أنّها للمرّة ، ولا يحتمل التّكرار ، وهو قول أكثر الشّافعيّة . أمّا إن قيّد بشرطٍ ، نحو { وإن كنتم جنباً فاطّهّروا } أو بالصّفة نحو { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما } فإنّه يقتضي التّكرار ، بتكرّر الشّرط أو الصّفة ، وقيل بالوقف في ذلك . دلالة الأمر على الفور أو التّراخي : 7 - الصّحيح عند الحنفيّة أنّ الأمر لمجرّد الطّلب ، فيجوز التّأخير كما يجوز البدار ، وعزي إلى الشّافعيّ وأصحابه . واختاره الرّازيّ والآمديّ . وقيل : يوجب الفور ، وعزي إلى المالكيّة والحنابلة والكرخيّ ، واختاره السّكّاكيّ والقاضي . وتوقّف الإمام في أنّه للفور أو للقدر المشترك بين الفور والتّراخي . الأمر بالأمر : 8 - من أمر غيره أن يأمر آخر بفعلٍ ما فليس هذا أمراً للمأمور الثّاني على المختار عند الأصوليّين . فقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين » ليس أمراً منه للصّبيان بالصّلاة . لكن إن أفهمت القرينة أنّ الواسطة مجرّد مبلّغٍ كان الأمر بالأمر أمراً للمأمور الثّاني ، ومنه « أنّ عمر أخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض ، فقال : مره فليراجعها » . وليس من موضوع هذه المسألة ما لو صرّح الأمر بالتّبليغ نحو قوله : ( قل لفلانٍ يفعل كذا ) فإنّ هذا أمر للثّاني بلا خلافٍ . تكرار الأمر : 9 - إذا كرّر الآمر الأمر قبل أن ينفّذ المأمور الأمر الأوّل ، فقد يتعيّن الثّاني للتّأكيد ، كما في نحو : صم هذا اليوم ، صم هذا اليوم ، إذ لا يصام اليوم مرّتين . ونحو : اسقني اسقني ، فإنّ الحاجة الّتي دعت إلى طلب الماء تندفع بالشّرب الأوّل . فإن دار الثّاني بين التّأسيس والتّأكيد فقيل : يحمل على التّأسيس احتياطاً ، ويكون المطلوب الإتيان بالفعل مكرّراً . وقيل : يحمل على التّأكيد لكثرته في الكلام . امتثال الآمر يقتضي الإجزاء : 10 - المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجهه كما طلب مع الشّرائط والأركان ، يستلزم الإجزاء اتّفاقاً ، إذا فسّر الإجزاء بالامتثال . أمّا إن فسّر الإجزاء بسقوط القضاء ، فإنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يسقطه كذلك عند الجمهور ، خلافاً للقاضي عبد الجبّار المعتزليّ . تعارض الأمر والنّهي : 11 - النّهي عند الأصوليّين يترجّح على الأمر ، لأنّ دفع المفسدة المستفادة من النّهي أولى من جلب المنفعة ، ولذا يترجّح حديث النّهي عن الصّلاة في الأوقات المكروهة على حديث الأمر بصلاة ركعتين قبل الجلوس في المسجد ، في حقّ من دخل المسجد قبيل غروب الشّمس مثلاً . وفي هذه المسائل المتقدّمة خلافات وتفصيلات أوسع ممّا تقدّم ، فليرجع إليها ضمن مباحث الأمر من كتب أصول الفقه ، والملحق الأصوليّ . الأحكام الفقهيّة إجمالاً : طاعة الأوامر : 12 - تجب طاعة أوامر اللّه تعالى الّتي تقتضي الوجوب ، وكذلك أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم . ويطاع سواهما في غير المعصية ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ، ما لم يؤمر بمعصيةٍ » فيطاع الأبوان ووليّ الأمر ونوّابه في غير الحرام . ( ر : طاعة ) . الأمر في الجنايات : 13 - من أمر إنساناً بقتل إنسانٍ فقتله ، فالقصاص على القاتل دون الآمر ، إن كان القاتل مكلّفاً ، لكن إن كان للآمر ولاية على المأمور ، أو خاف المأمور على نفسه لو لم يفعل ، ففي وجوب القصاص عليهما أو على أحدهما خلاف وتفصيل . ينظر في ( إكراه ، وقتل ، وقصاص ) ضمان الآمر : 14 - من أمر غيره بعملٍ ، فأتلف شيئاً ، فالضّمان على المتلف لا على الآمر ، ويستثنى من ذلك صور منها : أن يكون الآمر سلطاناً أو أباً ، أو يكون المأمور صغيراً أو مجنوناً أو أجيراً لدى الآمر . وفي ذلك تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( ضمان وإكراه ) . الإيجاب أو القبول بصيغة الأمر : 15 - إذا قال : بعني هذا الثّوب بعشرين ، فقال : بعتك بها ، انعقد البيع وصحّ . وكذا لو قال البائع : اشتر منّي هذا الثّوب بكذا ، فقال : اشتريته به ، لصدق حدّ الإيجاب والقبول عليهما . وكذا في التّزويج ، لو قال لرجلٍ : زوّجني ابنتك ، فقال : زوّجتكها ، ينعقد النّكاح . وهذا بخلاف الاستفهام أو التّمنّي مثلاً ، فلا ينعقد بهما العقد . كما لو قال : أتبيعني هذا الثّوب بكذا فقال : بعتكه بها . وفي ذلك تفصيل ، وفي بعضه خلاف ( ر : صيغة ، عقد ، زواج ) . امرأة * التّعريف : 1 - المرء هو الإنسان ، والأنثى منه ( مرأة ) بإضافة تاء التّأنيث ، وقد تلحق بها همزة الوصل فتصبح ( امرأة ) وهي اسم للبالغة . وهذا في اللّغة والاصطلاح . إلاّ أنّها في بعض الأبواب كالمواريث تصدق على الصّغير والكبير . الحكم الإجماليّ : 2 - يمكن إجمال ما يتعلّق بالمرأة من أحكامٍ غالباً فيما يأتي : أ - المرأة كإنسانٍ لها حقّ الرّعاية في طفولتها من تربيةٍ وتعليمٍ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من كانت له ابنة فأدّبها فأحسن تأديبها ، وعلّمها فأحسن تعليمها ، وأوسع عليها من نعم اللّه الّتي أسبغ عليه ، كانت له منعةً وسترةً من النّار » . وإذا رشدت كانت لها ذمّتها الماليّة المستقلّة ، وصار لها حرّيّة التّعبير عن إرادتها ، ولذلك لا تزوّج بدون إذنها . ب - والمرأة كأنثى ، مطالبة بالمحافظة على مظاهر أنوثتها ، فلها أن تتزيّن بزينة النّساء ، ويحرم عليها التّشبّه بالرّجال . ومطالبة كذلك بالتّستّر وعدم الاختلاط بالرّجال الأجانب أو الخلوة بهم ، ولذلك تقف في الصّلاة متأخّرةً عن صفوف الرّجال . ج - والمرأة كمسلمةٍ ، مطالبة بكلّ التّكاليف الشّرعيّة الّتي فرضها اللّه على عباده ، مع الاختلاف عن الذّكر في بعض هيئات العبادة . د - والمرأة اختصّها اللّه سبحانه وتعالى بالحيض والحمل والولادة ، وترتّب على ذلك بعض الأحكام الفقهيّة كالتّخفيف عنها في العبادات في هذه الحالات . هـ - ولضعف المرأة في الخلقة والتّكوين ، فإنّها لا تتولّى من الأعمال ما يحتاج إلى بذل الجهد الجسديّ والذّهنيّ كالإمارة والقضاء ، ولم يفرض عليها الجهاد في الجملة ، وكانت شهادتها على النّصف من شهادة الرّجل . و - ولأنّ المرأة أكثر حناناً وشفقةً من الرّجل كان حقّها في الحضانة مقدّماً على الرّجل . ز - والأصل أن يكون عمل المرأة هو رعاية بيتها وزوجها وأولادها ، لذلك كانت نفقتها على زوجها ولو كانت غنيّةً . وكان الرّجل قوّاماً عليها ، يقول اللّه تعالى : { الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم } . وتفصيل كلّ هذه الأمور ينظر في مصطلح ( أنوثة ) . الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر * التّعريف : 1 - الأمر في اللّغة : كلام دالّ على طلب الفعل ، أو قول القائل لمن دونه : افعل . وأمرت بالمعروف : أي بالخير والإحسان . ويقول ابن الأثير : المعروف اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة اللّه والتّقرّب إليه ، والإحسان إلى النّاس ، وكلّ ما ندب إليه الشّرع من المحسّنات ، ونهى عنه من المقبّحات . وهو من الصّفات الغالبة أي معروف بين النّاس إذا رأوه لا ينكرونه . والأمر بالمعروف في اصطلاح الفقهاء : هو الأمر باتّباع محمّدٍ صلى الله عليه وسلم ودينه الّذي جاء به من عند اللّه ، وأصل المعروف : كلّ ما كان معروفاً فعله جميلاً غير مستقبحٍ عند أهل الإيمان ، ولا يستنكرون فعله . أمّا النّهي عن المنكر ، فإنّ النّهي في اللّغة : ضدّ الأمر ، وهو قول القائل لمن دونه : لا تفعل . والمنكر لغةً : الأمر القبيح . وفي الاصطلاح : المنكر ما ليس فيه رضى اللّه من قولٍ أو فعلٍ . فالنّهي عن المنكر في الاصطلاح : طلب الكفّ عن فعل ما ليس فيه رضى اللّه تعالى . هذا ، وقد عرّف الزّبيديّ الأمر بالمعروف بقوله : هو ما قبله العقل ، وأقرّه الشّرع ، ووافق كرم الطّبع . والنّهي عن المنكر : هو ما ليس فيه رضى اللّه تعالى من قولٍ أو فعلٍ . الألفاظ ذات الصّلة : أ - الحسبة : 2 - الاحتساب في اللّغة : العدّ والحساب ونحوه ، ومنه احتساب الأجر عند اللّه ، أي : طلبه كما في الحديث : « من مات له ولد فاحتسبه » أي : احتسب الأجر بصبره على مصيبته به ، قال صاحب اللّسان : معناه عدّ مصيبته به في جملة بلايا اللّه الّتي يثاب على الصّبر عليها . وفي الشّريعة يتناول كلّ مشروعٍ يؤدّى للّه تعالى ، كالأذان والإقامة وأداء الشّهادة . إلخ ، ولهذا قيل : القضاء باب من أبواب الحسبة . قال التّهانويّ : واختصّ في العرف بأمورٍ منها : إراقة الخمر وكسر المعازف وإصلاح الشّوارع . والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، والنّهي عن المنكر إذا ظهر فعله . والحسبة من الولايات الإسلاميّة الّتي يقصد بها الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ممّا ليس من اختصاص الولاة والقضاة وأهل الدّيوان ونحوهم . وممّا يقارب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : النّصح والإرشاد ، وقد سبقت المقارنة بينهما في مصطلح ( إرشاد ) . الحكم التّكليفيّ : 3 - اتّفق الأئمّة على مشروعيّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وحكى الإمام النّوويّ وابن حزمٍ الإجماع على وجوبه ، وتطابقت آيات الكتاب وأحاديث الرّسول صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين على أنّه من النّصيحة الّتي هي الدّين . قال اللّه تعالى : { ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } . وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » . قال الإمام الغزاليّ : الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أصل الدّين ، وأساس رسالة المرسلين ، ولو طوي بساطه ، وأهمل علمه وعمله ، لتعطّلت النّبوّة واضمحلّت الدّيانة ، وعمّت الفوضى ، وهلك العباد . إلاّ أنّهم اختلفوا بعد ذلك في حكمه ، هل هو فرض عينٍ ، أو فرض كفايةٍ ، أو نافلة ؟ أو يأخذ حكم المأمور به والمنهيّ عنه ، أو يكون تابعاً لقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد . على أربعة مذاهب : المذهب الأوّل : أنّه فرض كفايةٍ . وهو مذهب جمهور أهل السّنّة ، وبه قال الضّحّاك من أئمّة التّابعين والطّبريّ وأحمد بن حنبلٍ . المذهب الثّاني : أنّه فرض عينٍ في مواضع : أ - إذا كان المنكر في موضعٍ لا يعلم به إلاّ هو ، وكان متمكّناً من إزالته . ب - من يرى المنكر من زوجته أو ولده ، أو يرى الإخلال بشيءٍ من الواجبات . ج - والي الحسبة ، فإنّه يتعيّن عليه ، لاختصاصه بهذا الفرض . المذهب الثّالث : إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر نافلة ، وهو مذهب الحسن البصريّ وابن شبرمة . المذهب الرّابع : التّفصيل ، وقد اختلفوا على ثلاثة أقوالٍ : القول الأوّل : إنّ الأمر والنّهي يكون واجباً في الواجب فعله أو في الواجب تركه ، ومندوباً في المندوب فعله أو في المندوب تركه هكذا ، وهو رأي جلال الدّين البلقينيّ والأذرعيّ من الشّافعيّة . القول الثّاني : فرّق أبو عليٍّ الجبّائيّ من المعتزلة بين الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وقال : إنّ الأمر بالواجب واجب ، وبالنّافلة نافلة ، وأمّا المنكر فكلّه من بابٍ واحدٍ ، ويجب النّهي عن جميعه . القول الثّالث : لابن تيميّة وابن القيّم وعزّ الدّين بن عبد السّلام ، قالوا : إنّ مقصود النّهي عن المنكر أن يزول ويخلفه ضدّه ، أو يقلّ وإن لم يزل بجملته ، أو يخلفه ما هو مثله ، أو يخلفه ما هو شرّ منه ، والأوّلان مشروعان ، والثّالث موضع اجتهادٍ ، والرّابع محرّم . أركان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : 4 - عقد الغزاليّ في إحياء علوم الدّين مبحثاً جيّداً لأركانه ، وحاصله ما يلي : الأركان اللّازمة للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أربعة ، وهي : ( أ ) الأمر . ( ب ) ما فيه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ( المأمور فيه ) . ( ج ) نفس الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ( الصّيغة ) . ( د ) المأمور . ثمّ بيّن أنّ لكلّ ركنٍ من الأركان شروطه الخاصّة به على النّحو التّالي : أوّلاً : الآمر وشروطه : أ - التّكليف ، ولا يخفى وجه اشتراطه ، فإنّ غير المكلّف لا يلزمه أمر ، وما ذكر يراد به شرط الوجوب ، فأمّا إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلاّ العقل . ب - الإيمان ، ولا يخفى وجه اشتراطه ، لأنّ هذا نصرة للدّين ، فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصله ومن أعدائه . ج - العدالة : وقد اختلفوا في هذا الشّرط ، فاعتبرها قوم ، وقالوا : ليس للفاسق أن يأمر وينهى ، واستدلّوا بقوله تعالى : { أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم } . وقوله تعالى : { كبر مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون } . وقال آخرون : لا تشترط في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر العصمة من المعاصي كلّها ، وإلاّ كان خرقاً للإجماع ، ولهذا قال سعيد بن جبيرٍ : إذا لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إلاّ من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيءٍ . وقد ذكر ذلك عند مالكٍ فأعجبه . واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بأنّ لشارب الخمر أن يجاهد في سبيل اللّه ، وكذلك ظالم اليتيم ، ولم يمنعوا من ذلك لا في عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم ولا بعده . ثانياً : محلّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وشروطه : أ - كون المأمور به معروفاً في الشّرع ، وكون المنهيّ عنه محظور الوقوع في الشّرع . ب - أن يكون موجوداً في الحال ، وهذا احتراز عمّا فرغ منه . ج - أن يكون المنكر ظاهراً بغير تجسّسٍ ، فكلّ من أغلق بابه لا يجوز التّجسّس عليه ، وقد نهى اللّه عن ذلك فقال : { ولا تجسّسوا } وقال : { وأتوا البيوت من أبوابها } وقال : { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها } . د - أن يكون المنكر متّفقاً على تحريمه بغير خلافٍ معتبرٍ ، فكلّ ما هو محلّ اجتهادٍ فليس محلّاً للإنكار ، بل يكون محلّاً للإرشاد ، ينظر مصطلح ( إرشاد ) . ثالثاً : الشّخص المأمور أو المنهيّ : وشرطه أن يكون بصفةٍ يصير الفعل الممنوع منه في حقّه منكراً ، ولا يشترط كونه مكلّفاً ، إذ لو شرب الصّبيّ الخمر منع منه وأنكر عليه ، وإن كان قبل البلوغ . ولا يشترط كونه مميّزاً ، فالمجنون أو الصّبيّ غير المميّز لو وجدا يرتكبان منكراً لوجب منعهما منه . رابعاً : نفس الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : وله درجات وآداب . أمّا الدّرجات فأوّلها التّعريف ، ثمّ النّهي ، ثمّ الوعظ والنّصح ، ثمّ التّعنيف ، ثمّ التّغيير باليد ، ثمّ التّهديد بالضّرب ، ثمّ إيقاع الضّرب ، ثمّ شهر السّلاح ، ثمّ الاستظهار فيه بالأعوان والجنود . وسيأتي تفصيل ذلك . مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : 5 - يرى جمهور الفقهاء أنّ المراتب الأساسيّة للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ثلاث ، وذلك لحديث أبي سعيدٍ الخدريّ ، قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » فمن وسائل الإنكار التّعريف باللّطف والرّفق ، ليكون أبلغ في الموعظة والنّصيحة ، وخاصّةً لأصحاب الجاه والعزّة والسّلطان وللظّالم المخوف شرّه ، فهو أدعى إلى قبوله الموعظة . وأعلى المراتب اليد ، فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله ، وينزع المغصوب ، ويردّه إلى أصحابه بنفسه ، فإذا انتهى الأمر بذلك إلى شهر السّلاح ربط الأمر بالسّلطان . وقد فصّل الغزاليّ في الإحياء مراتب الأمر والنّهي وقسّمها إلى سبع مراتب ، تنظر في مصطلح ( حسبة ) . هذا ويجب قتال المقيمين على المعاصي الموبقات ، المصرّين عليها المجاهرين بها على كلّ أحدٍ من النّاس إذا لم يرتدعوا - وهذا بالنّسبة للإمام - لأنّنا مأمورون بوجوب التّغيير عليهم ، والنّكير بما أمكن باليد ، فإذا لم يستطع فلينكر بلسانه ، وذلك إذا رجا أنّه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ويتركوه ، فإن خاف على نفسه أو على عضوٍ من أعضائه ، أنكر بقلبه . فلو قدر واحد باليد وآخرون باللّسان تعيّن على الأوّل ، إلاّ أن يكون التّأثير باللّسان أقرب ، أو أنّه يتأثّر به ظاهراً وباطناً ، في حين لا يتأثّر بذي اليد إلاّ ظاهراً فقط ، فيتعيّن على ذي اللّسان حينئذٍ . 6- ولا يسقط الإنكار بالقلب عن المكلّف باليد أو اللّسان أصلاً ، إذ هو كراهة المعصية ، وهو واجب على كلّ مكلّفٍ ، فإن عجز المكلّف عن الإنكار باللّسان وقدر على التّعبيس والهجر والنّظر شزراً لزمه ، ولا يكفيه إنكار القلب ، فإن خاف على نفسه أنكر بالقلب واجتنب صاحب المعصية . قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه :" جاهدوا الكفّار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلاّ أن تكفهرّوا في وجوههم فافعلوا ". أخذ الأجر على القيام بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر : 7 - الأصل أنّ كلّ طاعةٍ لا يجوز الاستئجار عليها ، كالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والأذان والحجّ وتعليم القرآن والجهاد . وهو رأي للحنفيّة ومذهب الإمام أحمد ، لما روي عن عثمان بن أبي العاص قال : « إنّ آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن اتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً » وما رواه « عبادة بن الصّامت قال : علّمت ناساً من أهل الصّفّة القرآن والكتابة ، فأهدى إليّ رجل منهم قوساً ، قلت : قوس وليس بمالٍ ، أتقلّدها في سبيل اللّه ، فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقاً من نارٍ فاقبلها » وأجاز الشّافعيّ ومالك ومتأخّرو الحنفيّة ذلك ، وهو رواية عن أحمد ، وقال به أبو قلابة وأبو ثورٍ وابن المنذر ، " لأنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً بما معه من القرآن » وجعل ذلك يقوم مقام المهر . وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه » على أنّ المحتسب المعيّن يفرض له كفايته من بيت المال ، ما يفرض للقضاة وأصحاب الولايات ، بخلاف المتطوّع لأنّه غير متفرّغٍ لذلك . ( ر : إجارة ) . أمرد * التّعريف : 1 - الأمرد في اللّغة من المرد ، وهو نقاء الخدّين من الشّعر ، يقال : مرد الغلام مرداً : إذا طرّ شاربه ولم تنبت لحيته . وفي اصطلاح الفقهاء هو : من لم تنبت لحيته ، ولم يصل إلى أوان إنباتها في غالب النّاس والظّاهر أنّ طرور الشّارب وبلوغه مبلغ الرّجال ليس بقيدٍ ، بل هو بيان لغايته ، وأنّ ابتداءه حين بلوغه سنّاً تشتهيه النّساء . الألفاظ ذات الصّلة : الأجرد : 2 - الأجرد في اللّغة هو : من لا شعر على جسده ، والمرأة جرداء . وفي الاصطلاح : الّذي ليس على وجهه شعر ، وقد مضى أوان طلوع لحيته . ويقال له في اللّغة أيضاً : ثطّ وأثطّ . ( ر : أجرد ) أمّا إذا كان على جميع بدنه شعر فهو : أشعر . المراهق : 3 - إذا قارب الغلام الاحتلام ولم يحتلم فهو مراهق . فيقال : جارية مراهقة ، وغلام مراهق ، ويقال أيضاً : جارية راهقة وغلام راهق . الأحكام الإجماليّة المتعلّقة بالأمرد : أوّلاً : النّظر والخلوة : 4 - إن كان الأمرد غير صبيحٍ ولا يفتن ، فقد نصّ الحنفيّة والشّافعيّة على أنّه يأخذ حكم غيره من الرّجال . أمّا إن كان صبيحاً حسناً يفتن ، وضابطه أن يكون جميلاً بحسب طبع النّاظر ولو كان أسود ، لأنّ الحسن يختلف باختلاف الطّباع فله في هذه الصّورة حالتان : الأولى : أن يكون النّظر والخلوة وغير ذلك من الأمور المتعلّقة بالأمر بلا قصد الالتذاذ ، والنّاظر مع ذلك آمن الفتنة ، كنظر الرّجل إلى ولده أو أخيه الأمرد الصّبيح ، فهو في غالب الأحوال لا يكون بتلذّذٍ ، فهذا مباح ولا إثم فيه عند جمهور الفقهاء . الثّانية : أن يكون ذلك بلذّةٍ وشهوةٍ ، فالنّظر إليه حرام . وقد ذكر الحنفيّة والشّافعيّة أنّ الأمرد يلحق بالمرأة في النّظر إن كان بشهوةٍ ، ولو مع الشّكّ في وجودها ، وحرمة النّظر إليه بشبهةٍ أعظم إثماً ، قالوا : لأنّ خشية الفتنة به عند بعض النّاس أعظم منها . أمّا الخلوة بالأمرد فهي كالنّظر ، بل أقرب إلى المفسدة حتّى رأى الشّافعيّة حرمة خلوة الأمرد بالأمرد وإن تعدّد ، أو خلوة الرّجل بالأمرد وإن تعدّد . نعم إن لم تكن هناك ريبة فلا تحرم كشارعٍ ومسجدٍ مطروقٍ . ثانياً : مصافحة الأمرد : 5 - جمهور الفقهاء على حرمة مسّ ومصافحة الأمرد الصّبيح بقصد التّلذّذ ، وذلك لأنّ المسّ بشهوةٍ عندهم كالنّظر بل أقوى وأبلغ منه . ويرى الحنفيّة كراهة مسّ الأمرد ومصافحته . ثالثاً : انتقاض الوضوء بمسّ الأمرد : 6 - يرى المالكيّة ، وهو قول للإمام أحمد إنّه ينتقض الوضوء بلمس الأمرد الصّبيح لشهوةٍ . ويرى الشّافعيّة ، وهو القول الآخر لأحمد عدم انتقاضه . رابعاً : إمامة الأمرد : 7 - جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) على أنّه تكره الصّلاة خلف الأمرد الصّبيح ، وذلك لأنّه محلّ فتنةٍ . ولم نجد نصّاً للمالكيّة في هذه المسألة . خامساً : ما يراعى في التّعامل مع الأمرد وتطبيبه : 8 - التّعامل مع الأمرد الصّبيح من غير المحارم ينبغي أن يكون مع شيءٍ من الحذر غالباً ولو في مقام تعليمهم وتأديبهم لما فيه من الآفات . وعند الحاجة إلى معاملة الأمرد للتّعليم أو نحوه ينبغي الاقتصار على قدر الحاجة ، وبشرط السّلامة وحفظ قلبه وجوارحه عند التّعامل معهم ، وحملهم على الجدّ والتّأدّب ومجانبة الانبساط معهم . والأصل : أنّ كلّ ما كان سبباً للفتنة فإنّه لا يجوز ، حيث يجب سدّ الذّريعة إلى الفساد إذا لم يعارضها مصلحة . إمساك * التّعريف : 1 - من معاني الإمساك في اللّغة القبض . يقال : أمسكته بيدي إمساكاً : قبضته ، ومن معانيه أيضاً الكفّ يقال : أمسكت عن الأمر : كففت عنه . واستعمله الفقهاء أيضاً في هذين المعنيين في مواضع مختلفةٍ ، لأنّ مرادهم بالإمساك في الجنايات القبض باليد . فإذا أمسك رجل آخر فقتله الثّالث يقتل الممسك قصاصاً عند المالكيّة إذا كان الإمساك بقصد القتل ، وعند غيرهم لا يقتل كما سيأتي . ومرادهم بالإمساك في الصّيام : الكفّ عن المفطرات والامتناع عن الأكل والشّرب والجماع ، كما صرّحوا بذلك . الألفاظ ذات الصّلة : الاحتباس : 2 - الاحتباس لغةً : هو المنع من حرّيّة السّعي ، ويختصّ بما يحبسه الإنسان لنفسه . تقول : احتبست الشّيء : إذا اختصصته لنفسك خاصّةً . ويطلق الاحتباس عند الفقهاء على تسليم المرأة نفسها لزوجها ، كما قالوا : إنّ النّفقة جزاء الاحتباس . كما يطلقون الاحتباس أو الحبس على الوقف ، لما فيه من منع التّصرّف فيه ، وعلى هذا فالاحتباس أخصّ من الإمساك . الحكم الإجماليّ : يختلف حكم الإمساك باختلاف الموضوعات الّتي ذكر فيها : من الصّيام ، والصّيد ، والطّلاق ، والقصاص . أوّلاً : إمساك الصّيد : 3 - يطلق إمساك الصّيد على الاصطياد ، وعلى إبقاء الصّيد في اليد بدلاً من إرساله ، وقد اتّفق الفقهاء على أنّ إمساك صيد البرّ حرام إذا كان في حالة الإحرام ، أو كان في داخل حدود الحرم . وكذلك الدّلالة والإشارة إلى الصّيد والإعانة في قتله ، كما هو مبيّن في مصطلح ( إحرام ) على تفصيلٍ في ذلك . 4 - ويجوز الاصطياد بجوارح السّباع والطّير ، كالكلب والفهد والبازي والشّاهين ، ويشترط في الجارح أن يمسك الصّيد على صاحبه . بشرط كونه معلّماً . والإمساك على صاحبه شرط من شروط كون الكلب معلّماً عند الجمهور ، فإنّهم صرّحوا أنّ تعليم الكلب هو أنّه إذا أرسل اتّبع الصّيد . وإذا أخذه أمسكه على صاحبه . ولا يأكل منه شيئاً . حتّى لو أخذ صيداً فأكل منه لا يؤكل عند الجمهور ، بدليل قوله تعالى : { فكلوا ممّا أمسكن عليكم } إشارةً إلى أنّ حدّ تعليم الكلب وما هو في معناه هو الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه ، والكلب الّذي يأكل إنّما أمسك على نفسه لا على صاحبه ، فكان فعله مضافاً إليه لا إلى المرسل فلا يجوز أكله . واستدلّ لذلك بحديث « عديّ بن حاتمٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : فإن أكل فلا تأكل ، فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه » . وقال مالك وهو رواية عن أحمد : إنّ الإمساك ليس شرطاً في تعليم الحيوان الّذي يرسل إلى الصّيد . فالحيوان المعلّم هو الّذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر ، لأنّ التّعليم إنّما شرط حالة الاصطياد وهي حالة الاتّباع . أمّا الإمساك على صاحبه وترك الأكل فيكونان بعد الفراغ عن الاصطياد فلا يشترطان . وتفصيله في مصطلح ( صيد ) . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|