|
#11
|
||||
|
||||
|
أسباب الاشتباه :
8 - قد ينشأ الاشتباه نتيجة خفاء الدّليل بسببٍ من الأسباب ، كالإجمال في الألفاظ واحتمالها التّأويل ، ودوران الدّليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه ، ودورانه بين العموم والخصوص ، واختلاف الرّواية بالنّسبة للحديث ، وكالاشتراك في اللّفظ ، أو التّخصيص في عامّه ، أو التّقييد في مطلقه ، كما ينشأ الاشتباه عند تعارض الأدلّة دون مرجّحٍ . كما أنّ النّصوص في دلالتها ليست على وضعٍ واحدٍ ، فمنها ما دلالته على الأحكام ظنّيّةٌ ، فيجتهد الفقهاء للتّعرّف على ما يدلّ عليه النّصّ ، وقد يتشابه الأمر عليهم نتيجة ذلك ، إذ من الحقائق الثّابتة اختلاف النّاس في تفكيرهم ، وتباين وجهات نظرهم . والاشتباه النّاشئ عن خفاءٍ في الدّليل يعذر المجتهد فيه ، بعد بذله الجهد واستفراغه الوسع ، ويكون فيما انتهى إليه من رأيٍ قد اتّبع الدّليل المرشد إلى تعرّف قصد الشّارع . وبيان ذلك فيما يلي : أ - اختلاف المخبرين : 9 - ومن ذلك ما لو أخبره عدلٌ بنجاسة الماء ، وأخبره آخر بطهارته . فإنّ الأصل عند تعارض الخبرين وتساويهما تساقطهما ، وحينئذٍ يعمل بالأصل وهو الطّهارة ، إذ الشّيء متى شكّ في حكمه ردّ إلى أصله ، لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ ، والأصل في الماء الطّهارة . ومن هذا القبيل ما لو أخبر عدلٌ بأنّ هذا اللّحم ذبحه مجوسيٌّ ، وأخبر عدلٌ آخر أنّه ذكّاه مسلمٌ ، فإنّه لا يحلّ لبقاء اللّحم على الحرمة الّتي هي الأصل . إذ حلّ الأكل متوقّفٌ على تحقّق الذّكاة الشّرعيّة . وبتعارض الخبرين لم يتحقّق الحلّ ، فبقيت الذّبيحة على الحرمة . ب - الإخبار المقتضي للاشتباه : 10 - وهو الإخبار الّذي اقترنت به قرائن توقع في الاشتباه . مثال ذلك : أن يعقد على امرأةٍ ، ثمّ تزفّ إليه أخرى بناءً على أنّها زوجته ، ويدخل بها على هذا الاعتقاد ، ثمّ يتبيّن أنّها ليست المرأة الّتي عقد عليها . فإن وطئها فإنّه لا حدّ عليه اتّفاقاً ، لأنّه اعتمد دليلاً شرعيّاً في موضع الاشتباه ، وهو الإخبار . وقد أورد الفقهاء فروعاً كثيرةً مثل هذا الفرع ، وهي مبنيّةٌ على هذا الأساس . ت - تعارض الأدلّة ظاهراً : 11 - لا يوجد بين أدلّة الأحكام الشّرعيّة في واقع الأمر تعارضٌ ، لأنّها جميعها من عند اللّه تعالى . أمّا ما يظهر من التّعارض بين الدّليلين فلعدم العلم بظروفهما وشروط تطبيقهما ، أو بما يراد بكلٍّ منهما على سبيل القطع ، أو لجهلنا بزمن ورودهما ، وغير ذلك ممّا يرتفع به التّعارض . فمن الاشتباه بسبب تعارض الأدلّة في الظّاهر ما إذا سرق الوالد من مال ولده ، إذ أنّ نصوص العقاب على السّرقة تشمل في عمومها هذه الواقعة . فاللّه سبحانه وتعالى يقول : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما ... } . غير أنّه قد جاء في السّنّة ما يفيد حلّ مال الابن لأبيه . فقد روي أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « أنت ومالك لأبيك » وقوله : « إنّ أطيب ما أكل الرّجل من كسبه ، وإنّ ولده من كسبه » ووجود مثل هذا ينتج اشتباهاً في الحكم يترتّب عليه إسقاط الحدّ ، لأنّ من أعظم الشّبهات أخذ الرّجل من مالٍ جعله الشّرع له ، وأمره بأخذه وأكله . وقال أبو ثورٍ وابن المنذر بإقامة الحدّ . وتفصيل ذلك في مصطلح ( سرقةٌ ) . ومن الاشتباه النّاشئ عن تعارض الأدلّة في الظّاهر ما ورد بالنّسبة لطهارة سؤر الحمار ، فقد روي عن عبد اللّه بن عبّاسٍ أنّه كان يقول :" الحمار يعتلف القتّ والتّبن فسؤره طاهرٌ وعن جابرٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل : أنتوضّأ بما أفضلت الحمر ؟ قال : نعم ، وبما أفضلت السّباع كلّها » ، وروي عن عبد اللّه بن عمر أنّه كان يقول :" إنّه رجسٌ" والتّوقّف في الحكم عند تعارض الأدلّة واجبٌ . فلذلك كان مشكوكاً فيه ، والمراد بالشّكّ التّوقّف عن إعطاء حكمٍ قاطعٍ ، لتعارض الأدلّة . قال ابن عابدين : الأصحّ أنّ سؤر الحمار مشكوكٌ في طهوريّته ( أي كونه مطهّراً ، لا في طهارته في ذاته ) وهو قول الجمهور . وسببه تعارض الأخبار في لحمه ، وقيل : اختلاف الصّحابة في سؤره ، وقد استوى ما يوجب الطّهارة والنّجاسة فتساقطا للتّعارض ، فيصار إلى الأصل ، وهو هنا شيئان : الطّهارة في الماء ، والنّجاسة في اللّعاب ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، فبقي الأمر مشكلاً ، نجساً من وجهٍ ، طاهراً من وجهٍ . ث - اختلاف الفقهاء : 12 - من ذلك ما قاله الفقهاء من عدم وجوب الحدّ بالوطء في نكاحٍ مختلفٍ فيه ، كالنّكاح بلا وليٍّ ، فالحنفيّة يجيزونه . وسقوط الحدّ بسبب ذلك قول أكثر أهل العلم ، لأنّ الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهةٌ ، والحدود تدرأ بالشّبهات ويرجع في تفصيل ذلك إلى باب ( حدّ الزّنى ) . ومن ذلك المصلّي بالتّيمّم إذا رأى سراباً ، وكان أكبر رأيه أنّه ماءٌ ، فإنّه يباح له أن ينصرف ، وإن استوى الأمران لا يحلّ له قطع الصّلاة ، وإذا فرغ من الصّلاة ، إن ظهر أنّه كان ماءً يلزمه الإعادة ، وإلاّ فلا . نصّ على ذلك الحنفيّة . والشّافعيّة والحنابلة على أنّ من تيمّم لفقد الماء فوجده أو توهّمه بطل تيمّمه إن لم يكن في صلاةٍ . ويحصل هذا التّوهّم برؤية سرابٍ . ومحلّ بطلانه بالتّوهّم إن بقي من الوقت زمنٌ لو سعى فيه إلى ذلك لأمكنه التّطهّر به والصّلاة فيه . وإذا بطل التّيمّم بتوهّم وحود الماء فإنّه بطلانه بالظّنّ أو الشّكّ أولى ، سواءٌ أتبيّن له خلاف ظنّه أم لم يتبيّن ، لأنّ ظنّ وجود الماء مبطلٌ للتّيمّم . وعند المالكيّة : إن وجد الماء بعد الدّخول في الصّلاة فيجب عليه إتمامها . ونصّ الحنابلة على أنّ من خاف على نفسه أو ماله إذا ما طلب الماء ساغ له التّيمّم ، ولو كان خوفه بسبب ظنّه فتبيّن عدم السّبب . مثل من رأى سواداً باللّيل ظنّه عدوّاً ، فتبيّن أنّه ليس بعدوٍّ بعد أن تيمّم وصلّى لم يعد لكثرة البلوى . وقيل : يلزمه الإعادة ، لأنّه تيمّم من غير سببٍ مبيحٍ للتّيمّم . ج – الاختلاط : 13 – يقصد به اختلاط الحلال بالحرام وعسر التّمييز بينهما . كما لو اختلطت الأواني الّتي فيها ماءٌ طاهرٌ بالأواني الّتي فيها ماءٌ نجسٌ ، واشتبه الأمر ، بأن لم يمكن التّمييز بينهما ، فإنّه يسقط استعمال الماء ، ويجب التّيمّم عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو قول سحنونٍ من المالكيّة ، لأنّ أحدهما نجسٌ يقيناً ، والآخر طاهرٌ يقيناً ، لكن عجز عن استعماله لعدم علمه فيصار إلى البدل . وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح ( ماءٌ ) . ومن هذا القبيل ما إذا اشتبهت عليه ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ ، وتعذّر التّمييز بينها ، ولم يجد ثوباً طاهراً بيقينٍ ، وليس معه ما يطهّرهما به ، واحتاج إلى الصّلاة ، فالحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة ، ومذهب الشّافعيّة خلافاً للمزنيّ ، أنّه يتحرّى بينها ، ويصلّي بما غلب على ظنّه طهارته . وقال الحنابلة وابن الماجشون من المالكيّة : لا يجوز التّحرّي ويصلّي في ثياب منها بعدد النّجس منها ، ويزيد صلاةً في ثوبٍ آخر . وقال أبو ثورٍ والمزنيّ : لا يصلّي في شيءٍ منها كالأواني . وإنّما يتحرّى - عند من قال بذلك - إذا لم يجد ثوباً طاهراً ، أو ما يطهّر به ما اشتبه عليه من الثّياب . وإذا تحرّى فلم يترجّح أحدهما على الآخر صلّى في أحدهما . والقائلون بالتّحرّي هنا قالوا : لأنّه لا خلف للثّوب في ستر العورة ، بخلاف الاشتباه في الأواني ، لأنّ التّطهّر بالماء له خلفٌ وهو التّيمّم . ح - الشّكّ ( بالمعنى الأعمّ يشمل أيضاً الظّنّ والوهم ) : 14 - ومن ذلك ما قالوه فيمن أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث من أنّه لا وضوء عليه ، إذ اليقين لا يزول بالشّكّ ، وهو ما ذهب إليه فقهاء المذاهب ، غير أنّه نقل عن مالكٍ أنّه قال : من أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث ابتدأ الوضوء ، وقد روى ابن وهبٍ عن مالكٍ أنّه قال : أحبّ إليّ أن يتوضّأ ، وهذا يدلّ على أنّ الوضوء عند مالكٍ في ذلك إنّما هو استحبابٌ واحتياطٌ ، كما أجمعوا على أنّ من أيقن بالحدث وشكّ في الوضوء أنّ شكّه لا يعتبر وعليه الوضوء ، لأنّه المتيقّن . والمراد بالشّكّ هنا مطلق التّردّد سواءٌ أكان على السّواء أم كان أحد طرفيه أرجح . وعلى هذا فلا فرق بين أن يغلب على ظنّه أحدهما أو يتساوى الأمران عندهما ، لأنّ غلبة الظّنّ إذا لم تكن مضبوطةً بضابطٍ شرعيٍّ لا يلتفت إليها ، ولأنّه إذا شكّ تعارض عنده الأمران ، فيجب سقوطهما كالبيّنتين إذا تعارضتا ، ويرجع إلى اليقين وقالوا : من تيقّن الطّهارة والحدث معاً واشتبه عليه الأمر فلم يعلم الأخير منهما والأسبق فيعمل بضدّ ما قبلهما ، فإن كان قبل ذلك محدثاً فهو الآن متطهّرٌ ، لأنّه تيقّن الطّهارة بعد ذلك الحدث وشكّ في انتقاضها ، لأنّه لا يدري هل الحدث الثّاني قبلها أو بعدها . وإن كان متطهّراً وكان يعتاد التّجديد فهو الآن محدثٌ ، لأنّه متيقّنٌ حدثاً بعد تلك الطّهارة وشكّ في زواله ، لأنّه لا يدري هل الطّهارة الثّانية متأخّرةٌ عنه أم لا . ومن هذا القبيل ما قالوه في الصّائم لو شكّ في غروب الشّمس ، فإنّه لا يصحّ له أن يفطر مع الشّكّ ، لأنّ الأصل بقاء النّهار . ولو أفطر وهو شاكٌّ ولم يتبيّن الحال بعد ذلك فعليه القضاء اتّفاقاً . أمّا إذا شكّ الصّائم في طلوع الفجر فالمستحبّ له ألاّ يأكل لاحتمال أن يكون الفجر قد طلع ، فيكون الأكل إفساداً للصّوم فيتحرّز عنه ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . ولو أكل وهو شاكٌّ فإنّه لا يحكم بوجوب القضاء عليه ، لأنّ فساد الصّوم مشكوكٌ فيه ، إذ الأصل بقاء اللّيل فلا يثبت النّهار بالشّكّ ، وإلى هذا اتّجه فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وقال المالكيّة : من أكل شاكّاً في الفجر فعليه القضاء مع الحرمة ، وإن كان الأصل بقاء اللّيل ، هذا بالنّسبة لصوم الفرض . وقيل : وفي النّفل أيضاً . كما قيل مع الكراهة لا الحرمة . ومن أكل معتقداً بقاء اللّيل أو حصول الغروب ثمّ طرأ الشّكّ ، فعليه القضاء بلا حرمةٍ . د - الجهل : 15 - ومن ذلك الأسير في دار الحرب ، إذا لم يعرف دخول رمضان ، وأراد صومه ، فتحرّى وصام شهراً عن رمضان فتبيّن أنّه أخطأ . فإذا كان صام قبل حلول شهر رمضان فعلاً لم يجزئه ، لأنّه أدّى الواجب قبل وجوبه ووجود سببه ، وهو مشاهدة الشّهر ، ونقل الشّيرازيّ عن الأصحاب من الشّافعيّة قولاً آخر بالإحزاء ، لأنّه عبادةٌ تفعل في السّنة مرّةً ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ ، كالوقوف بعرفة إذا أخطأ النّاس ووقفوا قبل يوم عرفة ، ثمّ قال : والصّحيح أنّه لا يجزئه ، لأنّه تيقّن الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء ، فلم يعتدّ بما فعله ، كما لو تحرّى في وقت الصّلاة فصلّى قبل الوقت . وإن تبيّن أنّ الشّهر الّذي صامه كان بعد رمضان صحّ . وإذا كان الشّهر الّذي صامه ناقصاً ، ورمضان الّذي صامه النّاس تامّاً صام يوماً ، إذ لا بدّ من موافقة العدد ، لأنّ صوم شهرٍ آخر بعده يكون قضاءً ، والقضاء يكون على قدر الفائت . وعند الشّافعيّة وجهٌ آخر اختاره أبو حامدٍ الإسفرايينيّ بالإجزاء ، لأنّ الشّهر يقع على ما بين الهلالين ، ولهذا لو نذر صوم شهرٍ ، فصام شهراً نقاصاً بالأهلّة أجزأه . ثمّ قال الشّيرازيّ : والصّحيح عندي أنّه يجب عليه صوم يومٍ . ومن ذلك الاشتباه في القبلة بالنّسبة لمن يجهلها . فقد نصّ فقهاء المذاهب على أنّ من اشتبهت عليه جهة القبلة ، ولم يكن عالماً بها ، سأل من بحضرته ممّن يعلمها من أهل المكان . وحدّ الحضرة أن يكون بحيث لو صاح به سمعه . فإذا تحرّى بنفسه وصلّى دون سؤالٍ ، وتبيّن له بعد ذلك أنّه لم يصب القبلة ، أعاد الصّلاة ، لعدم إجزاء التّحرّي مع القدرة على الاستخبار ، لأنّ التّحرّي دون الاستخبار ، إذ الخبر ملزمٌ له ولغيره ، بينما التّحرّي ملزمٌ له دون غيره ، فلا يصار إلى الأدنى مع إمكان الأعلى ، أمّا إذا لم يكن بحضرته أحدٌ يرجع إليه في ذلك ، أو كان وسأله ولم يجبه ، أو لم يدلّه ثمّ تحرّى ، فإنّ صلاته تصحّ ، حتّى لو تبيّن له بعد ذلك أنّه أخطأ ، لما روي عن عامر بن ربيعة أنّه قال : « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ مظلمةٍ ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجلٍ منّا على حياله - أي قبالته - فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل قول اللّه سبحانه { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } » . ولأنّ العمل بالدّليل الظّاهر واجبٌ إقامةً للواجب بقدر الوسع ، وإقامةً للظّنّ مقام اليقين لتعذّره . ولما روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّ " قبلة المتحرّي جهة قصده إن تحرّى ثمّ قبل الصّلاة أخبره عدلان من أهل الجهة أنّ القبلة إلى جهةٍ أخرى ، أخذ بقولهما ولا عبرة بالتّحرّي . ذ - النّسيان : 16 - ومن ذلك المرأة إذا نسيت عادة حيضها ، واشتبه عليها الأمر بالنّسبة للحيض والطّهر ، بأن لم تعلم عدد أيّام حيضها المعتادة ، ولا مكان هذه الأيّام من الشّهر فإنّها تتحرّى ، فإن وقع تحرّيها على طهرٍ تعطى حكم الطّاهرات ، وإن كان على حيضٍ أعطيت حكمه ، لأنّ غلبة الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة . وإن تردّدت ولم يغلب على ظنّها شيءٌ فهي المحيّرة ، وتسمّى المضلّلة ، لا يحكم لها بشيءٍ من الطّهر أو الحيض على التّعيين ، بل تأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام ، لاحتمال كلّ زمانٍ يمرّ عليها من الحيض والطّهر والانقطاع ، ولا يمكن جعلها حائضاً دائماً لقيام الإجماع على بطلانه ، ولا طاهراً دائماً لقيام الدّم ، ولا التّبعيض لأنّه تحكّمٌ ، فوجب الأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام للضّرورة . وتفصيل أحكامها في مصطلح ( استحاضةٌ ) . س - وجود دليلٍ غير قويٍّ على خلاف الأصل : 17 - ومن ذلك ما قاله فقهاء الحنفيّة وابن شبرمة والثّوريّ وابن أبي ليلى في إثبات الشّفعة بسبب الجواز ، أو بسبب الشّركة في مرافق العقار ، ووافقهم الشّافعيّة في الصّحيح عندهم بالنّسبة للشّريك في ممرّ الدّار ، بأن كان للمشتري طريقٌ آخر إلى الدّار ، أو أمكن فتح بابٍ لها إلى شارع . وأمّا جمهور الفقهاء فيقصرونها على الشّركة في نفس العقار المبيع فقط ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ، لأنّ الشّفعة تثبت على خلاف الأصل ، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاءٍ منه ، وإجبارٌ له على المعاوضة ، ولما روى جابرٌ من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الشّفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة » وبما روي عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قسمت الأرض وحدّت فلا شفعة فيها » . ومقتضى الأصل أن لا يثبت حقّ الأخذ بالشّفعة أصلاً ، لكنّها ثبتت فيما لا يقسم بالنّصّ الصّريح غير معقول المعنى ، فبقي الأمر في المقسوم على الأصل ، أو ثبت معلولاً بدفع ضررٍ خاصٍّ وهو ضرر القسمة . وما استدلّ به الحنفيّة ومن معهم من أحاديث ، فإنّ في أسانيدها مقالاً . قال ابن المنذر : الثّابت عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديث جابرٍ - السّابق ذكره - وما عداه من الأحاديث الّتي استدلّ بها الحنفيّة ومن معهم ، كالحديث الّذي رواه أبو رافعٍ « الجار أحقّ بسقبه » ، والحديث الّذي رواه سمرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « جار الدّار أحقّ بالدّار » . فإنّ فيها مقالاً . على أنّه يحتمل أنّه أراد بالجار الشّريك ، فإنّه جارٌ أيضاً . فكلّ هذا أورث شبهةً عند الجمهور ، لأنّ ما استدلّ به الحنفيّة غير قويٍّ ، وجاء على خلاف الأصل ، ولذا لم يثبتوا الشّفعة بسبب الجوار والشّركة في مرافق العقار ، وقصروها على الشّركة في العقار نفسه . وبناءً على هذا الاشتباه : لو قضى قاضٍ بها لا يفسخ قضاؤه . ومن الاشتباه النّاجم عن وجود دليلٍ غير قويٍّ على خلاف الأصل : ما قاله الحنفيّة من أنّ دلالة العامّ الّذي لم يخصّص قطعيّه ، فيدلّ على جميع الأفراد الّتي يصدق عليها معناه . فإذا دخله التّخصيص كانت دلالته ظنّيّةً . بينما يرى جمهور الأصوليّين أنّ دلالة العامّ في جميع أحواله ظنّيّةٌ ، إذ الأصل أنّه ما من عامٍّ إلاّ وخصّص . وما دام العامّ لا يكاد يخلو من مخصّصٍ ، فإن هذا يورث شبهةً قويّةً تمنع القول بقطعيّته في إفادة الشّمول والاستغراق ، ويترتّب على هذا الخلاف أنّ الحنفيّة يمنعون تحصيص عامّ الكتاب والسّنّة المتواترة ابتداءً بالدّليل الظّنّيّ ، خلافاً للجمهور . وعلى هذا فقد ذهب الحنفيّة إلى تحريم أكل ذبيحة المسلم ، إذا تعمّد ترك التّسمية عليها ، لعموم قوله تعالى : { ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه } ولم يخصّصوا هذا العموم بحديث : « ذبيحة المسلم حلالٌ ، ذكر اسم اللّه أو لم يذكره » ، لأنّه خبر آحادٍ ، وقد وافقهم المالكيّة والحنابلة في تحريم ذبيحة المسلم إذا ترك التّسمية عمداً ، بينما الشّافعيّة يجيزون أكلها ، لأنّ دلالة العامّ عندهم ظنّيّةٌ ، فيجوز تحصيصه بما هو ظنّيٌّ ، وإن كرهوا تعمّد التّرك . وتفصيل ذلك في ( تذكيةٌ ، وتسميةٌ ) . ومن هذا القبيل أيضاً : اختلاف الفقهاء في سرقة ما قيمته نصابٌ من الماء المحرّز ، فالأصل في الماء المحرّز أنّه مالٌ متقوّمٌ ، وأنّه ملكٌ لمن أحرزه ، ولا شركة فيه ولا شبهة الشّركة ، وقد ورد النّهي عن « بيع الماء إلاّ ما حمل » . ولهذا قال جمهور الفقهاء بوجوب القطع ، يقول ابن رشدٍ : اختلف الفقهاء في الأشياء الّتي أصلها مباحٌ ، هل يجب في سرقتها القطع ؟ فذهب الجمهور إلى أنّ القطع في كلّ متموّلٍ يجوز بيعه وأخذ العوض فيه ، وعمدتهم عموم الآية الموجبة للقطع ، يقول اللّه تعالى : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما } وعموم الآثار الواردة في اشتراط النّصاب ، ومنها ما ثبت عن السّيّدة عائشة رضي الله عنها أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « لا تقطع يد السّارق إلاّ في ربع دينارٍ فصاعداً » . ويقول الدّسوقيّ : ويجب القطع وإن كان المسروق محقّراً كماءٍ وحطبٍ ، لأنّه متموّلٌ ما دام محرّزاً ، ولو كان مباح الأصل . وهذا مذهب الشّافعيّة ، والقول المشهور عن أبي يوسف . لكنّ أبا حنيفة ومحمّد بن الحسن ، والحنابلة يرون عدم القطع ، لأنّه لا يتموّل عادةً ، ولأنّ الإباحة الأصليّة تورث شبهةً بعد الإحراز ، ولأنّ التّافه لا يحرّز عادةً ، أو لا يحرّز إحراز الخطير ، وينتهون إلى أنّ الاعتماد على معنى التّفاهة دون إباحة الأصل ، وإن كان منهم من يرى أنّ السّبب شبهة الشّركة . ش - الإبهام مع عدم إمكان البيان : 18 - ومن ذلك ما إذا طلّق الرّجل إحدى زوجتيه ، دون تعيين واحدةٍ منهما ، ثمّ مات قبل البيان ، فيحدث الاشتباه بسبب ذلك فيمن وقع عليها الطّلاق . فالحنفيّة يفصّلون في هذه المسألة أحكام المهر المسمّى ، وحكم الميراث ، وحكم العدّة . فأمّا حكم المهر فإن كانتا مدخولاً بهما فلكلّ واحدةٍ منهما جميع المهر ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما تستحقّ جميع المهر ، منكوحةً كانت أو مطلّقةً . وإن كانتا غير مدخولٍ بهما فلهما مهرٌ ونصف مهرٍ بينهما ، لكلّ واحدةٍ . منهما ثلاثة أرباع المهر ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما يحتمل أن تكون زوجةً متوفّى عنها ، ويحتمل أن تكون مطلّقةً . فإن كانت زوجةً متوفّى عنها تستحقّ جميع المهر ، لأنّ الموت بمنزلة الدّخول ، وإن كانت مطلّقةً تستحقّ النّصف فقط ، لأنّ النّصف سقط بالطّلاق قبل الدّخول ، فلكلّ واحدةٍ منهما كلّ المهر في حالٍ ، والنّصف في حالٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فيتنصّف ، فيكون لكلّ واحدةٍ ثلاثة أرباع مهرٍ . وأمّا حكم الميراث ، فهو أنّهما يرثان منه ميراث امرأةٍ واحدةٍ ، ويكون بينهما نصفين في الأحوال كلّها ، لأنّ إحداهما منكوحةٌ بيقينٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فيكون قدر ميراث امرأةٍ واحدةٍ بينهما بالسّويّة . وأمّا حكم العدّة ، فعلى كلّ واحدةٍ منهما عدّة الوفاة وعدّة الطّلاق ، أيّهما أطول ، لأنّ إحداهما منكوحةٌ والأخرى مطلّقةٌ ، وعلى المنكوحة عدّة الوفاة ، وعلى المطلّقة عدّة الطّلاق ، فدارت كلّ واحدةٍ من العدّتين في حقّ كلّ واحدةٍ من المرأتين بين الوجوب وعدم الوجوب ، والعدّة يحتاط في إيجابها ، ومن الاحتياط القول بوجوبها على كلّ واحدةٍ منهما . والمالكيّة يوافقون الحنفيّة في حكم الميراث والصّداق . ولم نقف على نصٍّ لهم بالنّسبة للعدّة . ولهم في الصّداق تفصيلٌ يرجع إليه في مصطلح ( صداقٌ ) . أمّا الشّافعيّة فإنّهم بالنّسبة للميراث يرون أنّه يوقف للزّوجتين من ماله نصيب زوجةٍ إلى أن يصطلحا ، لأنّه قد ثبت إرث إحداهما بيقينٍ ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فإن قال وارث الزّوج : أنا أعرف الزّوجة منهما ففيه قولان : أحدهما : يرجع إليه ، لأنّه لمّا قام مقامه في استلحاق النّسب قام مقامه في تعيين الزّوجة . والثّاني : لا يرجع إليه ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما زوجةٌ في الظّاهر ، وفي الرّجوع إلى بيانه إسقاط وارثٍ مشاركٍ ، والوارث لا يملك إسقاط من يشاركه في الميراث . وقيل : إنّه في صورة ما إذا طلّق إحدى زوجتيه دون تعيينٍ لا يرجع إلى الوارث قولاً واحداً ، لأنّه اختيار شهوةٍ . وبالنّسبة للعدّة فإنّهم قالوا : إن لم يدخل بهما اعتدّت كلّ واحدةٍ منهما أربعة أشهرٍ وعشراً ، لأنّ كلّ واحدةٍ منهما يجوز أن تكون هي الزّوجة ، فوجبت العدّة عليهما ليسقط الفرض بيقينٍ . وإن دخل بهما ، فإن كانتا حاملين اعتدّتا بوضع الحمل ، لأنّ عدّة الطّلاق والوفاة في الحمل واحدةٌ . وإن كانتا من ذوات الشّهور اعتدّتا بأربعة أشهرٍ وعشرٍ ، لأنّها تجمع عدّة الطّلاق والوفاة ، وإن كانتا من ذوات الأقراء اعتدّتا بأقصى الأجلين . وأمّا المهر فلم نجد نصّاً في المسألة . وأمّا الحنابلة فقد نصّوا على أنّ من طلّق واحدةً من نسائه ، ومات قبل البيان ، أخرجت بالقرعة ، فمن تقع عليها القرعة فلا ميراث لها . وقد روي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه ، وهو قول أبي ثورٍ ، لأنّه إزالة ملكٍ عن الآدميّ فتستعمل فيه القرعة عند الاشتباه ، كالعتق . ولأنّ الحقوق تساوت على وجهٍ تعذّر تعيّن المستحقّ فيه من غير قرعةٍ ، فينبغي أن تستعمل فيه القرعة ، كالقسمة بين النّساء في السّفر . فأمّا قسمة الميراث بين الجميع ففيه إعطاء من لا تستحقّ وإنقاض المستحقّ ، وفي وقف قسمة الميراث إلى غير غايةٍ تضييعٌ لحقوقهنّ ، وحرمان الجميع منع الحقّ عن صاحبه يقيناً . ومن ذلك ما قالوه في ميراث الغرقي والهدمى والحرقى ، لأنّ من شروط الإرث تحقّق حياة الوارث وقت وفاة المورّث . وبالنّسبة للغرقى والهدمى والحرقى الّذين بينهم توارثٌ ماتوا معاً أو متعاقبين ، ولم يعلم أيّهم أسبق موتاً ، فإنّ ذلك يترتّب عليه اشتباهٌ عند التّوريث ، إذ لا يدرى أيّهم أسبق موتاً ، ولذا فإنّ جمهور الفقهاء قالوا : يمتنع التّوارث بينهم ، وإنّما توزّع تركة كلٍّ منهم على ورثته الأحياء دون اعتبارٍ لمن مات معه ، إذ لا توارث بالشّكّ ، وهو المعتمد ، لاحتمال موتهم معاً أو متعاقبين ، فوقع الشّكّ في الاستحقاق ، واستحقاق الأحياء متيقّنٌ ، والشّكّ لا يعارض اليقين . وتفصيله في ( إرثٌ ) . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|