|
#11
|
||||
|
||||
|
ضمان هلاك المستغيث :
23 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ منع المستغيث عمّا ينقذ حياته - مع القدرة على إغاثته بلا ضررٍ يلحقه ، والعلم بأنّه يموت إن لم يغثه - يستوجب القصاص ، وإن لم يباشر قتله بيده . وذهب الحنابلة وأبو يوسف ومحمّدٌ إلى أنّ فيه الضّمان ( الدّية ) ، وسوّى أبو الخطّاب بين طلب الغوث ، أو رؤية من يحتاج للغوث بلا طلبٍ . وقال أبو حنيفة : لا ضمان ، لأنّه لم يباشر الفعل القاتل . حكم من أحجم عن إجابة المستغيث : الاستغاثة عند الإشراف على الهلاك : 24 - إذا استغاث المشرف على الهلاك من الجوع أو العطش وجبت إغاثته ، فإن منع حتّى أشرف على الهلاك ففي المسألة رأيان : الأوّل قال به الحنفيّة : للمستغيث أن يقاتل بالسّلاح ، إن كان الماء غير محرّزٍ في إناءٍ ، لما ورد عن الهيثم أنّ قوماً وردوا ماءً فسألوا أهله واستغاثوا بهم أن يدلّوهم على بئرٍ فأبوا ، فسألوهم أن يعطوهم دلواً فأبوا ، فقالوا لهم : إنّ أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت أن تقطع ، فأبوا أن يعطوهم ، فذكروا ذلك لعمر رضي الله عنه ، فقال لهم عمر : فهلاّ وضعتم فيهم السّلاح . فيه دليلٌ على أنّ لهم في الماء حقّ الشّفة . فإذا منع المستغاث بهم حقّ المستغيثين بقصد إتلافهم كان للمستغيثين أن يقاتلوهم عن أنفسهم . فأمّا إذا كان الماء محرّزاً ، فليس للّذي يخاف الهلاك من العطش أن يقاتل صاحب الماء بالسّلاح ، بل له أن يقاتله بغير سلاحٍ ، وكذلك في الطّعام ، لأنّه ملكٌ محرّزٌ لصاحبه ، ولهذا كان الآخذ ضامناً . وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يقاتل بالسّلاح ، ويكون دم المانع هدراً . الاستغاثة عند إقامة الحدّ : 25 - لإغاثة من سيتعرّض للحدّ حالتان : الأولى : قبل أن يصل أمره إلى الإمام ، أو الحاكم ، يستحبّ إغاثته بالعفو عنه والشّفاعة له عند صاحب الحقّ ، وعدم رفع أمره للحاكم . لما روي عن « صفوان بن أميّة أنّ رجلاً سرق برده فرفعه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه ، فقال : يا رسول اللّه قد تجاوزت عنه ، قال : فلولا كان هذا قبل أن تأتيني به يا أبا وهبٍ فقطعه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » . والثّانية : إذا وصل أمره إلى الحاكم ، فلا إغاثة ولا شفاعة . لما روت عائشة رضي الله عنها : « أنّ قريشاً أهمّتهم المرأة المخزوميّة الّتي سرقت ، فقالوا : من يكلّم فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلاّ أسامة حبّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ فكلّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : أتشفع في حدٍّ من حدود اللّه ؟ ، ثمّ قام فخطب ، قال : يا أيّها النّاس إنّما ضلّ من كان قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه ، وإذا سرق الضّعيف فيهم أقاموا عليه الحدّ ، وأيم اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمّدٍ سرقت لقطع محمّدٌ يدها » . الاستغاثة عند الغصب : 26 - اتّفقت المذاهب على أنّ المغصوب منه والمسروق منه يجب عليه أن يستغيث أوّلاً ، وأن يدفع الصّائل أو السّارق بغير القتل . فإذا لم يندفع ، أو كان ليلاً ، أو لم يغثه أحدٌ ، أو منعه الصّائل ، أو السّارق من الاستغاثة ، أو عاجله ، فله دفعه عن نفسه وعرضه وماله - وإن كان قليلاً - ولو بالقتل ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « من قتل دون ماله فهو شهيدٌ ، ومن قتل دون عرضه فهو شهيدٌ » وقد روي أنّ ابن عمر رأى لصّاً فأصلت عليه السّيف قال : فلو تركناه لقتله . وجاء رجلٌ إلى الحسن فقال : لصٌّ دخل بيتي ومعه حديدةٌ ، أقتله ؟ قال : نعم بأيّ شيءٍ قدرت . 27 – فإذا قتل المغصوب منه الغاصب ، أو المسروق منه السّارق بدون استغاثةٍ واستعانةٍ مع قدرته عليها ، وإمكان دفعه بما هو دون القتل ، ففي المسألة رأيان : الأوّل للحنفيّة : يجب القود . الثّاني للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يضمن القاتل ، لأنّه يمكن دفعه بغير القتل ، لأنّ المقصود دفعه فإذا اندفع بقليلٍ فلا يلزم أكثر منه ، وإن ذهب مولّياً لم يكن له قتله كأهل البغي . فإن فعل غير ذلك كان متعدّياً . الاستغاثة في الإكراه على الفاحشة : 28 - اتّفق الفقهاء على أنّ الاستغاثة عند الفاحشة علامةٌ من علامات الإكراه الّتي تسقط الحدّ عن المكرهة الأنثى ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « عفي عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » . استغراقٌ * التعريف : 1 - الاستغراق لغةً : الاستيعاب والشّمول . واصطلاحاً : هو استيفاء شيءٍ بتمام أجزائه وأفراده . 2 - وقد قسّم صاحب دستور العلماء استغراق اللّفظ إلى : استغراقٍ حقيقيٍّ ، واستغراقٍ عرفيٍّ . أ - فالاستغراق الحقيقيّ : هو أن يراد باللّفظ كلّ فردٍ ممّا يتناوله بحسب اللّغة ، أو الشّرع ، أو العرف الخاصّ ، مثل قوله تعالى : { عالم الغيب والشّهادة } . ب - والاستغراق العرفيّ : هو أن يراد باللّفظ كلّ فردٍ ممّا يتناوله بحسب متفاهم العرف ، مثل جمع الأمير الصّاغة ، أي كلّ صاغة بلده . 3 - أمّا الكفويّ ( أبو البقاء ) فقد قسّمه إلى ثلاثة أقسامٍ : أ - استغراقٌ جنسيٌّ مثل : لا رجل في الدّار . ب - استغراقٌ فرديٌّ مثل : لا رجل في الدّار . ج - استغراقٌ عرفيٌّ : وهو ما يكون المرجع في شموله وإحاطته إلى حكم العرف مثل : جمع الأمير الصّاغة . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث : 4 - ذكر الأصوليّون الاستغراق أثناء الكلام على تعريف العامّ ، فقالوا : العامّ هو اللّفظ المستغرق لجميع ما يصلح له ، أي يتناوله دفعةً واحدةً من غير حصرٍ . واعتبار الاستغراق في العامّ إنّما هو رأي الشّافعيّة وبعض الحنفيّة . أمّا عند عامّتهم فيكفي في العموم انتظام جمعٍ من المسمّيات ، كما صرّح به فخر الإسلام وغيره . وعلى هذا يكون الاستغراق أشمل من العموم . فلفظ الأسد يصدق أن يقال : إنّه مستغرقٌ لجميع ما يصلح له ، وليس بعامٍّ . الألفاظ الدّالّة على الاستغراق : 5 - هناك بعض الألفاظ تدلّ على الاستغراق ، كلفظ كلٍّ ، فإنّه يفيد استغراق أفراد المضاف إليه المنكّر ، مثل { كلّ نفسٍ ذائقة الموت } كما أنّها تفيد استغراق أجزاء المضاف إليه المفرد المعرفة ، نحو : كلّ زيدٍ حسنٌ ، أي كلّ أجزائه . كذلك الجمع المحلّى بالألف واللاّم يفيد الاستغراق : نحو : « ما رآه المسلمون حسناً » . 6 - وفي الموضوع تفصيلاتٌ كثيرةٌ تنظر في العموم في الملحق الأصوليّ . 7 - أمّا الفقهاء فيستعملون الاستغراق أيضاً بمعنى الاستيعاب والشّمول . ومن ذلك قولهم في الزّكاة : استغراق الأصناف الثّمانية في صرف الزّكاة عند البعض ، وللتّفصيل ينظر باب الزّكاة . استغفارٌ * التعريف : 1 - الاستغفار في اللّغة : طلب المغفرة بالمقال والفعال . وعند الفقهاء : سؤال المغفرة كذلك ، والمغفرة في الأصل : السّتر ، ويراد بها التّجاوز عن الذّنب وعدم المؤاخذة به ، وأضاف بعضهم : إمّا بترك التّوبيخ والعقاب رأساً ، أو بعد التّقرير به فيما بين العبد وربّه . ويأتي الاستغفار بمعنى الإسلام . قال اللّه تعالى : { وما كان اللّه معذّبهم وهم يستغفرون } أي يسلمون قاله مجاهدٌ وعكرمة . كذلك يأتي الاستغفار بمعنى الدّعاء والتّوبة ، وستأتي صلته بهذه الألفاظ . الألفاظ ذات الصّلة : أ - التّوبة : 2 - الاستغفار والتّوبة يشتركان في أنّ كلاًّ منهما رجوعٌ إلى اللّه سبحانه ، كذلك يشتركان في طلب إزالة ما لا ينبغي ، إلاّ أنّ الاستغفار طلبٌ من اللّه لإزالته . والتّوبة سعيٌ من الإنسان في إزالته . وعند الإطلاق يدخل كلٌّ منهما في مسمّى الآخر ، وعند اقترانهما يكون الاستغفار طلب وقاية شرّ ما مضى والتّوبة الرّجوع وطلب وقاية شرّ ما يخافه في المستقبل من سيّئات أعماله ، ففي التّوبة أمران لا بدّ منهما : مفارقة شيءٍ ، والرّجوع إلى غيره ، فخصّت التّوبة بالرّجوع والاستغفار بالمفارقة ، وعند إفراد أحدهما يتناول كلٌّ منهما الآخر . وعند المعصية يكون الاستغفار المقرون بالتّوبة عبارةٌ عن طلب المغفرة باللّسان ، والتّوبة عبارةٌ عن الإقلاع عن الذّنب بالقلب والجوارح . ب - الدّعاء : 3 - كلّ دعاءٍ فيه سؤال الغفران فهو استغفارٌ . إلاّ أنّ بين الاستغفار والدّعاء عموماً وخصوصاً من وجهٍ ، يجتمعان في طلب المغفرة ، وينفرد الاستغفار إن كان بالفعل لا بالقول ، كما ينفرد الدّعاء إن كان بطلب غير المغفرة . الحكم التّكليفيّ للاستغفار : 4 - الأصل في الاستغفار أنّه مندوبٌ إليه ، لقول اللّه سبحانه . { واستغفروا اللّه إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } يحمل على النّدب ، لأنّه قد يكون من غير معصيةٍ ، لكنّه قد يخرج عن النّدب إلى الوجوب كاستغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكالاستغفار من المعصية . وقد يخرج إلى الكراهة كالاستغفار للميّت خلف الجنازة ، صرّح بذلك المالكيّة . وقد يخرج إلى الحرمة ، كالاستغفار للكفّار . الاستغفار المطلوب : 5 - الاستغفار المطلوب هو الّذي يحلّ عقدة الإصرار ، ويثبت معناه في الجنان ، لا التّلفّظ باللّسان ، فإن كان باللّسان - وهو مصرٌّ على المعصية - فإنّه ذنبٌ يحتاج إلى استغفارٍ . كما روي : « التّائب من الذّنب ، كمن لا ذنب له ، والمستغفر من الذّنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربّه » ويطلب للمستغفر بلسانه أن يكون ملاحظاً لهذه المعاني بجنانه ، ليفوز بنتائج الاستغفار ، فإن لم يتيسّر له ذلك فيستغفر بلسانه ، ويجاهد نفسه على ما هنالك ، فالميسور لا يسقط بالمعسور . فإن انتفى الإصرار ، وكان الاستغفار باللّسان مع غفلة القلب ، ففيه رأيان : الأوّل : وصفه بأنّه توبة الكذّابين ، وهو قول المالكيّة ، وقولٌ للحنفيّة والشّافعيّة ، إلاّ أنّ المالكيّة جعلوه معصيةً لاحقةً بالكبائر ، وقال الآخرون : بأنّه لا جدوى منه فقط . الثّاني : اعتباره حسنةً وهو قول الحنابلة ، وقولٌ للحنفيّة والشّافعيّة ، لأنّ الاستغفار عن غفلةٍ خيرٌ من الصّمت وإن احتاج إلى استغفارٍ ، لأنّ اللّسان إذا ألف ذكراً يوشك أن يألفه القلب فيوافقه عليه ، وترك العمل للخوف منه من مكايد الشّيطان . صيغ الاستغفار : 6 - ورد الاستغفار بصيغٍ متعدّدةٍ ، والمختار منها ما رواه البخاريّ عن شدّاد بن أوسٍ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « سيّد الاستغفار أن تقول : اللّهمّ أنت ربّي لا إله إلاّ أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شرّ ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت » . 7 - ومن أفضل أنواع الاستغفار أن يقول العبد : « أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه » . وهذا على سبيل المثال وليس الحصر كما أنّ بعض الأوقات وبعض العبادات تختصّ بصيغٍ مأثورةٍ تكون أفضل من غيرها وينبغي التّقيّد بألفاظها ، وموطن بيانها غالباً كتب السّنّة والأذكار والآداب ، في أبواب الدّعاء والاستغفار والتّوبة . وإذا كانت صيغ الاستغفار السّابقة مطلوبةً فإنّ بعض صيغه منهيٌّ عنها ، ففي الصّحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يقولنّ أحدكم : اللّهمّ اغفر لي إن شئت ، اللّهمّ ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة فإنّ اللّه لا مستكره له » استغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم : 8 - استغفار النّبيّ عليه الصلاة والسلام واجبٌ عليه ، لقوله تعالى : { فاعلم أنّه لا إله إلاّ اللّه واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ، وقد ذكر الفقهاء والمفسّرون وجوهاً عديدةً في استغفاره صلى الله عليه وسلم منها : أنّه يراد به ما كان من سهوٍ أو غفلةٍ ، أو أنّه لم يكن عن ذنبٍ ، وإنّما كان لتعليم أمّته ، ورأي السّبكيّ : أنّ استغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يحتمل إلاّ وجهاً واحداً ، وهو : تشريفه من غير أن يكون ذنبٌ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى . وقد ثبت« أنّه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر في اليوم الواحد سبعين مرّةً ، ومائة مرّةٍ »، بل كان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم : « ربّ اغفر لي وتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الغفور مائة مرّةٍ » . الاستغفار في الطّهارة : أوّلاً : الاستغفار عقب الخروج من الخلاء : 9 - يندب الاستغفار بعد قضاء الحاجة ، وعند الخروج من الخلاء . روى التّرمذيّ أنّه « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال : غفرانك » . ووجه سؤال المغفرة هنا كما قال ابن العربيّ - هو العجز عن شكر النّعمة في تيسير الغذاء ، وإيصال منفعته ، وإخراج فضلته . ثانياً : الاستغفار بعد الوضوء : 10 - يسنّ الاستغفار ضمن الذّكر الوارد عند إتمام الوضوء روى أبو سعيدٍ الخدريّ رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من توضّأ فقال : سبحانك اللّهمّ ، وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك ، وأتوب إليك ، كتب في رقٍّ ، ثمّ جعل في طابعٍ ، فلم يكسر إلى يوم القيامة » وقد وردت صيغٌ أخرى تتضمّن الاستغفار عقب الانتهاء من الوضوء وأثناءه يذكرها الفقهاء في سنن الوضوء . الاستغفار عند دخول المسجد والخروج منه : 11 - يستحبّ عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، الاستغفار عند دخول المسجد وعند الخروج منه . لما ورد عن فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قالت : « كان رسول اللّه إذا دخل المسجد صلّى على محمّدٍ وسلّم ، وقال : ربّ اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج صلّى على محمّدٍ وسلّم ، وقال : ربّ اغفر لي ، وافتح لي أبواب فضلك » والوارد في كتب الحنفيّة أنّ المصلّي يقول عند دخول المسجد : « اللّهمّ افتح لي أبواب رحمتك » وعند خروجه : « اللّهمّ إنّي أسألك من فضلك » . الاستغفار في الصّلاة : أوّلاً - الاستغفار في افتتاح الصّلاة : 12 - جاء الاستغفار في بعض الرّوايات الّتي وردت في دعاء الافتتاح في الصّلاة ، وأخذ بذلك الشّافعيّة مطلقاً ، والحنفيّة والحنابلة في صلاة اللّيل ، منها ما رواه أبو بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه عن النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك ، وارحمني إنّك أنت التّوّاب الرّحيم » . ويكره الافتتاح في المكتوبة عند المالكيّة ومحلّ الاستغفار في دعاء الافتتاح يذكره الفقهاء في سنن الصّلاة ، أو في كيفيّة الصّلاة . ثانياً : الاستغفار في الرّكوع والسّجود والجلوس بين السّجدتين : 13 يسنّ الدّعاء بالمغفرة في الرّكوع عند الشّافعيّة ، والحنابلة . روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللّهمّ وبحمدك اللّهمّ اغفر لي يتأوّل القرآن »، أي يحقّق قوله تعالى : { فسبّح بحمد ربّك واستغفره } » متّفقٌ عليه . إلاّ أنّ الشّافعيّة يجعلون ذلك للمنفرد ، ولإمام قومٍ محصورين رضوا بالتّطويل . ولا يأتي بغير التّسبيح في الرّكوع عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، غير أنّ الحنفيّة يجيزون الاستغفار عند الرّفع من الرّكوع . 14 - وفي السّجود يندب الدّعاء بالمغفرة كذلك عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، لحديث عائشة السّابق . 15 - وفي الجلوس بين السّجدتين يسنّ الاستغفار عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو قولٌ عن أحمد ، والأصل في هذا ما روى حذيفة « أنّه صلّى مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السّجدتين : ربّ اغفر لي ، ربّ اغفر لي » . وإنّما لم يجب الاستغفار ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يعلّمه المسيء صلاته . والمشهور عند الحنابلة أنّه واجبٌ ، وهو قول إسحاق وداود ، وأقلّه مرّةً واحدةً ، وأقلّ الكمال ثلاثٌ ، والكمال للمنفرد ما لا يخرجه إلى السّهو ، وبالنّسبة للإمام : ما لا يشقّ على المصلّين . الاستغفار في القنوت : 16 - جاء الاستغفار في ألفاظ القنوت ، قنوت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقنوت عمر ، وألفاظه كبقيّة الألفاظ الواردة ، ولم نقف على أمرٍ يخصّه ، إلاّ ما ذكره المالكيّة والحنفيّة بأنّ الدّعاء بالمغفرة يقوم مقام القنوت عند العجز عنه . الاستغفار بعد التّشهّد الأخير : 17 - يندب الاستغفار بعد التّشهّد الأخير ، ورد في السّنّة « اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، وإنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت ، فاغفر لي مغفرةً من عندك ، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم » متّفقٌ عليه . كذلك ورد « اللّهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به منّي أنت المقدّم وأنت المؤخّر لا إله إلاّ أنت » الاستغفار عقب الصّلاة : 18 - يسنّ الاستغفار عقب الصّلاة ثلاثاً ، لما روي عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه قال :« من قال أستغفر اللّه العظيم الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ، ثلاث مرّاتٍ ، غفر اللّه ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر » ووردت رواياتٌ أخرى يذكرها الفقهاء في الذّكر الوارد عقب الصّلاة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : « من استغفر اللّه تعالى في دبر كلّ صلاةٍ ثلاث مرّاتٍ فقال : أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه غفر اللّه عزّ وجلّ ذنوبه وإن كان قد فرّ من الزّحف » الاستغفار في الاستسقاء : 19 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يحصل الاستسقاء بالاستغفار وحده . غير أنّ أبا حنيفة يقصره على ذلك ، مستدلاًّ بقول اللّه سبحانه { فقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السّماء عليكم مدراراً } لأنّ الآية دلّت على أنّ الاستغفار وسيلةٌ للسّقيا . بدليل { يرسل السّماء عليكم مدراراً } ولم تزد الآية الكريمة على الاستغفار ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنّه خرج إلى الاستسقاء ولم يصلّ بجماعةٍ ، بل صعد المنبر ، واستغفر اللّه ، وما زاد عليه ، فقالوا : ما استسقيت يا أمير المؤمنين ، فقال : لقد استسقيت بمجاديح السّماء الّتي بها يستنزل الغيث . 20 - وبقيّة الفقهاء والقائلون بندب صلاة الاستسقاء والخطبتين ، أو الخطبة الواحدة ، يسنّ عندهم الإكثار من الاستغفار في الخطبة ، وتبدّل تكبيرات الافتتاح الّتي في خطبتي العيدين بالاستغفار في خطبتي الاستسقاء عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، وصيغته كما أوردها النّوويّ في مجموعه " أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه " . ويكبّر كخطبتي العيدين عند الحنابلة ، ونفى الحنفيّة التّكبير ولم يتعرّضوا للاستغفار في الخطبة . الاستغفار للأموات : 21 - الاستغفار عبادةٌ قوليّةٌ يصحّ فعلها للميّت . وقد ثبت في السّنّة الاستغفار للأموات ، ففي صلاة الجنازة ورد الدّعاء للميّت بالمغفرة ، لكن لا يستغفر لصبيٍّ ونحوه . وتفصيل أحكامه يذكرها الفقهاء في صلاة الجنازة . وعقب الدّفن يندب أن يقف جماعةٌ يستغفرون للميّت ، لأنّه حينئذٍ في سؤال منكرٍ ونكيرٍ ، روى أبو داود بإسناده عن عثمان قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دفن الرّجل وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له التّثبّت فإنّه الآن يسأل » وصرّح بذلك جمهور الفقهاء . 22 - ومن آداب زيارة القبور عند الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة ، الدّعاء بالمغفرة لأهلها عقب التّسليم عليهم ، واستحسن ذلك الحنابلة . 23 - وهذا كلّه يخصّ المؤمن ، أمّا الكافر الميّت فيحرم الاستغفار له بنصّ القرآن والإجماع . الاستغفار عن الغيبة : 24 - اختلف العلماء في حقّ الّذي اغتاب ، هل يلزمه استحلال من اغتيب ، مع الاستغفار له ، أم يكفيه الاستغفار ؟ . الأوّل : إذا لم يعلم من اغتيب فيكفي الاستغفار ، وهو مذهب الشّافعيّة ، والحنابلة ، وقولٌ للحنفيّة ، ولأنّ إعلامه ربّما يجرّ فتنةً ، وفي إعلامه إدخال غمٍّ عليه . لما روى الخلاّل بإسناده عن أنسٍ مرفوعاً « كفّارة من اغتيب أن يستغفر له » . فإن علم فلا بدّ من استحلاله مع الاستغفار له . الثّاني : يكفي الاستغفار سواءٌ علم الّذي اغتيب أم لم يعلم ، ولا يجب استحلاله ، وهو قول الطّحاويّ من الحنفيّة . والمالكيّة على أنّه لا بدّ من استحلال المغتاب إن كان موجوداً ، فإن لم يجده ، أو أحداً من ورثته استغفر له . وفي استحلال الورثة خلافٌ بين الفقهاء يذكر في التّوبة . الاستغفار للمؤمنين : 25 - اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ التّعميم في الدّعاء بالمغفرة للمؤمنين والمؤمنات ، لخبر « ما من دعاءٍ أحبّ إلى اللّه تعالى من أن يقول العبد : اللّهمّ اغفر لأمّة محمّدٍ مغفرةً عامّةً » وفي روايةٍ أنّه « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في صلاةٍ ، وقمنا معه ، فقال أعرابيٌّ وهو في الصّلاة : اللّهمّ ارحمني ومحمّداً ، ولا ترحم معنا أحداً ، فلمّا سلّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال للأعرابيّ : لقد حجّرت واسعاً » . ولا بأس أن يخصّ الإنسان نفسه بالدّعاء ، لحديث أبي بكرة ، وأمّ سلمة ، وسعد بن أبي وقّاصٍ : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك ، وأسألك ... » إلخ وهذا يخصّ نفسه الكريمة ، ذلك ما لم يكن في القنوت ، وخلفه من يؤمّن ، لخبر ثوبان « لا يؤمّ رجلٌ قوماً فيخصّ نفسه بدعوةٍ دونهم ، فإن فعل فقد خانهم » الاستغفار للكافر : 26 - اتّفق الفقهاء على أنّ الاستغفار للكافر محظورٌ ، بل بالغ بعضهم فقال : إنّ الاستغفار للكافر يقتضي كفر من فعله ، لأنّ فيه تكذيباً للنّصوص الواردة الّتي تدلّ على أنّ اللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به ، وأنّ من مات على كفره فهو من أهل النّار . 27 - وأمّا من استغفر للكافر الحيّ رجاء أن يؤمن فيغفر له ، فقد صرّح الحنفيّة بإجازة ذلك ، وجوّز الحنابلة الدّعاء بالهداية ، ولا يستبعد ذلك من غيرهم ، كذلك استظهر بعضهم جواز الدّعاء لأطفال الكفّار بالمغفرة ، لأنّ هذا من أحكام الآخرة . تكفير الذّنوب بالاستغفار : 28 - الاستغفار إن كان بمعنى التّوبة فإنّه يرجى أن يكفّر به الذّنوب إن توافرت فيه شروط التّوبة ، يقول اللّه سبحانه : { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً } ويقول صلى الله عليه وسلم رسول اللّه : « من استغفر اللّه تعالى في دبر كلّ صلاةٍ ثلاث مرّاتٍ ، فقال : أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ، غفر له وإن كان قد فرّ من الزّحف » وقد قيل : لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار فالمراد بالاستغفار هنا التّوبة . 29 - فإن كان الاستغفار على وجه الافتقار والانكسار دون تحقّق التّوبة ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فالشّافعيّة قالوا : إنّه يكفّر الصّغائر دون الكبائر ، وقال المالكيّة والحنابلة : إنّه تغفر به الذّنوب ، ولم يفرّقوا بين صغيرةٍ وكبيرةٍ ، وهو ما صرّحت به بعض كتب الحنفيّة . لقوله صلى الله عليه وسلم : « الاستغفار ممحاةٌ للذّنوب » . الاستغفار عند النّوم : 30 - يستحبّ الاستغفار عند النّوم مع بعض الأدعية الأخرى ، ليكون الاستغفار خاتمة عمله إذا رفعت روحه ، روى التّرمذيّ عن أبي سعيدٍ : « من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ثلاث مرّاتٍ غفر اللّه له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر » . الدّعاء بالمغفرة للمشمّت : 31 - يسنّ للعاطس أن يدعو بالمغفرة لمن شمّته بقوله : " يرحمك اللّه " فيقول له العاطس : " يغفر اللّه لنا ولكم " أو يقول له : " يهديكم اللّه ويصلح بالكم " أو يقول : " يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم " ، لما في الموطّأ عن نافعٍ أنّ ابن عمر كان إذا عطس فقيل له : يرحمك اللّه ، قال : يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم . اختتام الأعمال بالاستغفار : 32 - المتتبّع للقرآن الكريم والأذكار النّبويّة يجد اختتام كثيرٍ من الأعمال بالاستغفار ، فقد أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم في آخر حياته بالاستغفار بقوله تعالى : { فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّاباً } . 33 - وفي اختتام الصّلاة ، وتمام الوضوء يندب الاستغفار كما تقدّم . 34 - والاستغفار في نهاية المجلس كفّارةٌ لما يقع في المجلس من لغطٍ ، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه ، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : سبحانك اللّهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك ، إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك » . 35 - ومن آكد أوقات الاستغفار : السّحر - آخر اللّيل - لقوله تعالى : { وبالأسحار هم يستغفرون } وللخبر الصّحيح : « ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلةٍ إلى سماء الدّنيا حين يبقى ثلث اللّيل الأخير ، فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ » . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|