|
#11
|
||||
|
||||
|
أسباب الاستسقاء :
5 - الاستسقاء يكون في أربع حالاتٍ : الأولى : للمحلّ والجدب ، أو للحاجة إلى الشّرب لشفاههم ، أو دوابّهم ومواشيهم ، سواءٌ أكانوا في حضرٍ ، أم سفرٍ في صحراء ، أم سفينةٍ في بحرٍ مالحٍ . وهو محلّ اتّفاقٍ . الثّانية : استسقاء من لم يكونوا في محلٍّ ، ولا حاجة إلى الشّرب ، وقد أتاهم الغيث ، ولكن لو اقتصروا عليه لكان دون السّعة ، فلهم أن يستسقوا ويسألوا اللّه المزيد من فضله . وهو رأيٌ للمالكيّة والشّافعيّة . الثّالثة : استسقاء من كان في خصبٍ لم كان في محلٍّ وجدبٍ ، أو حاجةٍ إلى شربٍ . قال به الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة . الرّابعة : إذا استسقوا ولم يسقوا . اتّفقت المذاهب الأربعة : الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على تكرار الاستسقاء ، والإلحاح في الدّعاء ؛ لأنّ اللّه تعالى يحبّ الملحّين في الدّعاء ، ولقوله تعالى : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم } ولأنّ الأصل في تكرار الاستسقاء قوله صلى الله عليه وسلم : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول : دعوت فلم يستجب لي » ولأنّ العلّة الموجبة للاستسقاء هي الحاجة إلى الغيث ، والحاجة إلى الغيث قائمةٌ . قال أصبغ في كتاب ابن حبيبٍ : وقد فعل عندنا بمصر ، واستسقوا خمسةً وعشرين يوماً متواليةً يستسقون على سنّة الاستسقاء ، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهبٍ . إلاّ أنّ الحنفيّة قالوا بالخروج ثلاثة أيّامٍ فقط ، وقالوا : لم ينقل أكثر من ذلك . ولكن صاحب الاختيار قال : يخرج النّاس ثلاثة أيّامٍ متتابعةٍ . وروي أكثر من ذلك . أنواعه وأفضله : 6 - والاستسقاء على ثلاثة أنواعٍ . اتّفق على ذلك فقهاء المذاهب الأربعة ؛ لثبوت ذلك عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقد فضّل بعض الأئمّة بعض الأنواع على بعضٍ ، ورتّبوها حسب أفضليّتها . فقال الشّافعيّة والحنابلة : الاستسقاء ثلاثة أنواعٍ : النّوع الأوّل : وهو أدناها ، الدّعاء بلا صلاةٍ ، ولا بعد صلاةٍ ، فرادى ومجتمعين لذلك ، في المسجد أو غيره ، وأحسنه ما كان من أهل الخير . النّوع الثّاني : وهو أوسطها ، الدّعاء بعد صلاة الجمعة أو غيرها من الصّلوات ، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك . قال الشّافعيّ في الأمّ : وقد رأيت من يقيم مؤذّناً فيأمره بعد صلاة الصّبح والمغرب أن يستسقي ، ويحضّ النّاس على الدّعاء ، فما كرهت ما صنع من ذلك . وخصّ الحنابلة هذا النّوع بأن يكون الدّعاء من الإمام في خطبة الجمعة على المنبر . النّوع الثّالث : وهو أفضلها ، الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين ، وتأهّبٍ لها قبل ذلك ، على ما سيأتي في الكيفيّة . يستوي في ذلك أهل القرى والأمصار والبوادي والمسافرون ، ويسنّ لهم جميعاً الصّلاة والخطبتان ، ويستحبّ ذلك للمنفرد إلاّ الخطبة . وقال المالكيّة : الاستسقاء بالدّعاء سنّةٌ ، أي : سواءٌ أكان بصلاةٍ أم بغير صلاةٍ ، ولا يكون الخروج إلى المصلّى إلاّ عند الحاجة الشّديدة إلى الغيث ، حيث فعله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وأمّا الحنفيّة : فأبو حنيفة يفضّل الدّعاء والاستغفار في الاستسقاء ؛ لأنّه السّنّة ، وأمّا الصّلاة فرادى فهي مباحةٌ عنده ، وليست بسنّةٍ ، لفعل الرّسول لها مرّةً وتركها أخرى . وأمّا محمّدٌ فقد قال : الاستسقاء يكون بالدّعاء ، أو بالصّلاة والدّعاء ، والكلّ عنده سنّةٌ ، وفي مرتبةٍ واحدةٍ وأمّا أبو يوسف فالنّقل عنه مختلفٌ في المسألة ، فقد روى الحاكم أنّه مع الإمام ، وروى الكرخيّ أنّه مع محمّدٍ ، ورجّح ابن عابدين أنّه مع محمّدٍ . وقت الاستسقاء 7 - إذا كان الاستسقاء بالدّعاء فلا خلاف في أنّه يكون في أيّ وقتٍ ، وإذا كان بالصّلاة والدّعاء ، فالكلّ مجمعٌ على منع أدائها في أوقات الكراهة ، وذهب الجمهور إلى أنّها تجوز في أيّ وقتٍ عدا أوقات الكراهة . والخلاف بينهم إنّما هو في الوقت الأفضل ، ما عدا المالكيّة فقالوا : وقتها من وقت الضّحى إلى الزّوال ، فلا تصلّى قبله ولا بعده ، وللشّافعيّة في الوقت الأفضل ثلاثة أوجهٍ : الأوّل : ووافقهم عليه المالكيّة ، وهو الأولى عند الحنابلة : وقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد . وبهذا قال الشّيخ أبو حامدٍ الإسفرايينيّ وصاحبه المحامليّ في كتبه : المجموع ، والتّجريد ، والمقنع ، وأبو عليٍّ السّنجيّ ، والبغويّ . وقد يستدلّ له بحديث ابن عبّاسٍ الّذي روته السّنن الأربع عن إسحاق بن عبد اللّه بن كنانة قال : « أرسلني الوليد بن عتبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عبّاسٍ أسأله عن استسقاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متبذّلاً متواضعاً متضرّعاً ، حتّى أتى المصلّى ، فلم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير ، وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد » . الثّاني : أوّل وقتها وقت صلاة العيد ، وتمتدّ إلى صلاة العصر . وهو الّذي ذكره البندنيجيّ ، والرّويانيّ وآخرون . لما روت عائشة : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشّمس » لأنّها تشبهها في الوضع والصّفة ، فكذلك في الوقت ، إلاّ أنّ وقتها لا يفوت بالزّوال . الثّالث : وعبّر عنه الشّافعيّة بالصّحيح والصّواب ، وهو الرّأي المرجوح عند الحنابلة أيضاً : أنّها لا تختصّ بوقتٍ معيّنٍ ، بل تجوز في كلّ وقتٍ من ليلٍ أو نهارٍ ، إلاّ أوقات الكراهة على أحد الوجهين ، وهو الّذي نصّ عليه الشّافعيّ ، وبه قطع الجمهور ، وصحّحه المحقّقون . وممّن قطع به صاحب الحاوي ، وصحّحه الرّافعيّ في المحرّر ، وصاحب جمع الجوامع ، واستصوبه إمام الحرمين . واستدلّوا له بأنّها لا تختصّ بيومٍ كصلاة الاستخارة ، وركعتي الإحرام وغيرهما . وقالوا : إنّ تخصيصها بوقتٍ كصلاة العيد ليس له وجهٌ أصلاً . ولأنّ الشّافعيّ نصّ على ذلك وأكثر الأصحاب . وقال ابن عبد البرّ : الخروج إليها عند زوال الشّمس عند جماعةٍ من العلماء . وأمّا الحنفيّة : فلم يذكر عندهم وقتٌ لها ، ولم يتكلّموا في تحديده . وقد يكون هذا ؛ لأنّ السّنّة عند الإمام في الاستسقاء الدّعاء ، والدّعاء في كلّ وقتٍ ، وليس له زمانٌ معيّنٌ . مكان الاستسقاء : 8 - اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّ الاستسقاء يجوز في المسجد ، وخارج المسجد . إلاّ أنّ المالكيّة لا تقول بالخروج إلاّ في وقت الشّدّة إلى الغيث ، والشّافعيّة والحنابلة يفضّلون الخروج مطلقاً ، لحديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما . « خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذّلاً متواضعاً متضرّعاً حتّى أتى المصلّى ، فلم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير ، وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد » . وقال الشّافعيّة : يصلّي الإمام في الصّحراء ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلاّها في الصّحراء ؛ ولأنّه يحضرها غالب النّاس والصّبيان والحيّض والبهائم وغيرهم ، فالصّحراء أوسع لهم وأرفق . وقال الحنفيّة بالخروج أيضاً ، إلاّ أنّهم قالوا : إنّ أهل مكّة وبيت المقدس يجتمعون في المسجدين ، وقال بعضهم : ينبغي كذلك لأهل المدينة أن يجتمعوا في المسجد النّبويّ ؛ لأنّه من أشرف بقاع الأرض ، إذ حلّ فيه خير خلق اللّه صلى الله عليه وسلم وعلّل ابن عابدين جواز الاجتماع في مسجد الرّسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ينبغي الاجتماع للاستسقاء فيه ، إذ لا يستغاث وتستنزل الرّحمة في المدينة المنوّرة بغير حضرته ومشاهدته صلى الله عليه وسلم في كلّ حادثةٍ . الآداب السّابقة على الاستسقاء : 9 - أورد الفقهاء آداباً يستحبّ فعلها قبل الاستسقاء ، فقالوا : يعظ الإمام النّاس ، ويأمرهم بالخروج من المظالم ، والتّوبة من المعاصي ، وأداء الحقوق ؛ ليكونوا أقرب إلى الإجابة ، فإنّ المعاصي سبب الجدب ، والطّاعة سبب البركة .. قال تعالى : { ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السّماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } وروى أبو وائلٍ عن عبد اللّه قال : « إذا بخس المكيال حبس القطر » وقال مجاهدٌ في قوله تعالى : { ويلعنهم اللاعنون } قال : دوابّ الأرض تلعنهم يقولون : يمنع القطر بخطاياهم . كما يترك التّشاحن والتّباغض ؛ لأنّها تحمل على المعصية والبهت ، وتمنع نزول الخير . بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : « خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلانٌ وفلانٌ فرفعت » . الصّيام قبل الاستسقاء : 10 - اتّفقت المذاهب على الصّيام ، ولكنّهم اختلفوا في مقداره ، والخروج به إلى الاستسقاء . لأنّ الصّيام مظنّة إجابة الدّعاء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة لا تردّ دعوتهم : الصّائم حين يفطر ... » ولما فيه من كسر الشّهوة ، وحضور القلب ، والتّذلّل للرّبّ . قال الشّافعيّة ، والحنفيّة ، وبعض المالكيّة : يأمرهم الإمام بصوم ثلاثة أيّامٍ قبل الخروج ، ويخرجون في اليوم الرّابع وهم صيامٌ . وقال بعض المالكيّة بالخروج بعد الصّيام في اليوم الرّابع مفطرين ؛ للتّقوّي على الدّعاء ، كيوم عرفة . وقال الحنابلة بالصّيام ثلاثة أيّامٍ ، ويخرجون في آخر أيّام صيامهم . الصّدقة قبل الاستسقاء : 11 - اتّفقت المذاهب على استحباب الصّدقة قبل الاستسقاء ، ولكنّهم اختلفوا في أمر الإمام بها ، قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، والحنفيّة ، وهو المعتمد عند المالكيّة : يأمرهم الإمام بالصّدقة في حدود طاقتهم . وقال بعض المالكيّة : لا يأمرهم بها ، بل يترك هذا للنّاس بدون أمرٍ ؛ لأنّه أرجى للإجابة ، حيث تكون صدقتهم بدافعٍ من أنفسهم ، لا بأمرٍ من الإمام . آدابٌ شخصيّةٌ : 12 - اتّفق الفقهاء على آدابٍ شخصيّةٍ ، يستحبّ أن يفعلها النّاس قبل الاستسقاء ، بعد أن يعدهم الإمام يوماً يخرجون فيه ؛ لحديث عائشة المتقدّم عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « وعد النّاس يوماً يخرجون فيه » فيستحبّ عند الخروج للاستسقاء : التّنظّف بغسلٍ وسواكٍ ؛ لأنّها صلاةٌ يسنّ لها الاجتماع والخطبة ، فشرع لها الغسل ، كصلاة الجمعة . ويستحبّ : أن يترك الإنسان الطّيب والزّينة ، فليس هذا وقت الزّينة ، ولكنّه يقطع الرّائحة الكريهة ، ويخرج في ثيابٍ بذلةٍ ، وهي ثياب مهنته ، ويخرج متواضعاً خاشعاً متذلّلاً متضرّعاً ماشياً ، ولا يركب في شيءٍ من طريقه ذهاباً إلاّ لعذرٍ ، كمرضٍ ونحوه . والأصل في هذا حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذّلاً متخشّعاً متضرّعاً » وهي مستحبّاتٌ لم يرد فيها خلافٌ . الاستسقاء بالدّعاء : 13 - قال أبو حنيفة : إنّ الاستسقاء هو دعاءٌ واستغفارٌ ، وليس فيه صلاةٌ مسنونةٌ في جماعةٍ . فإن صلّى النّاس وحداناً جاز ، لقوله تعالى : { فقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السّماء عليكم مدراراً } الآية ، وقد استدلّ له كذلك بحديث عمر رضي الله عنه واستسقائه بالعبّاس رضي الله عنه من غير صلاةٍ ، مع حرصه على الاقتداء برسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقد علّل ابن عابدين رأي أبي حنيفة فقال : الحاصل أنّ الأحاديث لمّا اختلفت في الصّلاة بالجماعة وعدمها على وجهٍ لا يصحّ معه إثبات السّنّيّة ، لم يقل أبو حنيفة بسنّيّتها ، ولا يلزم من قوله هذا أنّها بدعةٌ ، كما نقل بعض المتعصّبين ، بل هو قال بالجواز ، والظّاهر أنّ المراد النّدب والاستحباب ، لقوله في الهداية : لمّا فعله الرّسول صلى الله عليه وسلم مرّةً وتركه أخرى لم يكن سنّةً ؛ لأنّ السّنّة ما واظب عليه . والفعل مرّةً والتّرك أخرى يفيد النّدب . وأمّا المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ومحمّدٌ من الحنفيّة : فقالوا بسنّيّة الدّعاء وحده ، وبسنّيّته مع صلاةٍ له على التّفصيل الّذي تقدّم . الاستسقاء بالدّعاء والصّلاة : 14 - المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة قالوا : الاستسقاء يكون بالصّلاة والدّعاء والخطبة ، للأحاديث الواردة في ذلك . وقال أبو حنيفة : لا خطبة في الاستسقاء ، وما تقدّم من رواية أنسٍ لا يثبت الخطبة ؛ لأنّ طلب السّقيا من رسول اللّه وقع له صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فالخطبة سابقةٌ في هذه الحادثة على الإخبار بالجدب . تقديم الصّلاة على الخطبة وتأخيرها : 15 - في المسألة ثلاثة آراءٍ : الأوّل : تقديم الصّلاة على الخطبة ، وهو قول المالكيّة ، ومحمّد بن الحسن ، والرّاجح عند الحنابلة ، وهو الأولى عند الشّافعيّة ، وعليه جماعة الفقهاء ؛ لقول أبي هريرة : « صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ركعتين ثمّ خطبنا » ولقول ابن عبّاسٍ : صنع في الاستسقاء كما يصنع في العيد ؛ ولأنّها صلاةٌ ذات تكبيراتٍ ، فأشبهت صلاة العيد . الثّاني : تقديم الخطبة على الصّلاة وهو رأيٌ للحنابلة ، وخلاف الأولى عند الشّافعيّة ، وروي ذلك عن ابن الزّبير ، وأبان بن عثمان ، وهشام بن إسماعيل ، واللّيث بن سعدٍ ، وابن المنذر ، وعمر بن عبد العزيز . ودليله ما روي عن أنسٍ وعائشة : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطب وصلّى » ، وروي عن عبد اللّه بن زيدٍ قال : « رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا خرج يستسقي حوّل إلى النّاس ظهره ، واستقبل القبلة يدعو ، ثمّ حوّل رداءه ، ثمّ صلّى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة » . متّفقٌ عليه . الثّالث : هو مخيّرٌ في الخطبة قبل الصّلاة أو بعدها ، وهو رأيٌ للحنابلة ؛ لورود الأخبار بكلا الأمرين ، ودلالتها على كلتا الصّفتين . كيفيّة صلاة الاستسقاء : 16 - لا يعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافٌ في أنّها ركعتان ، واختلف في صفتها على رأيين : الرّأي الأوّل ، وهو للشّافعيّة ، والحنابلة ، وقولٌ لمحمّدٍ ، وسعيد بن المسيّب ، وعمر بن عبد العزيز : يصلّيها ركعتين يكبّر في الأولى سبعاً ، وخمساً في الثّانية مثل صلاة العيد ، لقول ابن عبّاسٍ في حديثه المتقدّم : وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد ، ولما روي عن جعفر بن محمّدٍ عن أبيه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمر كانوا يصلّون صلاة الاستسقاء يكبّرون فيها سبعاً وخمساً » . الرّأي الثّاني : وهو للمالكيّة ، والقول الثّاني لمحمّدٍ ، وهو قول الأوزاعيّ ، وأبي ثورٍ ، وإسحاق : تصلّى ركعتين كصلاة النّافلة والتّطوّع ؛ لما روي عن عبد اللّه بن زيدٍ : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استسقى فصلّى ركعتين » وروى أبو هريرة نحوه ، ولم يذكرا التّكبير ، فتنصرف إلى الصّلاة المطلقة . واتّفقت المذاهب على الجهر بالقراءة في الاستسقاء ؛ لأنّها صلاةٌ ذات خطبةٍ ، وكلّ صلاةٍ لها خطبةٌ فالقراءة فيها تكون جهراً ؛ لاجتماع النّاس للسّماع ، ويقرأ بما شاء ، ولكن الأفضل أن يقرأ فيهما بما كان يقرأ في العيد ، وقيل : يقرأ بسورتي ق ونوحٍ ، أو يقرأ بسورتي الأعلى والغاشية ، أو بسورتي الأعلى والشّمس . وحذف التّكبيرات أو بعضها أو الزّيادة فيها لا تفسد الصّلاة . وقال الشّافعيّة : ولو ترك التّكبيرات أو بعضها أو زاد فيهنّ لا يسجد للسّهو ، ولو أدرك المسبوق بعض التّكبيرات الزّائدة فهل يقضي ما فاته من التّكبيرات ؟ قالوا : فيها القولان ، مثل صلاة العيد . كيفيّة الخطبة ومستحبّاتها : 17 - قال الشّافعيّة ، والمالكيّة ، ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة : يخطب الإمام خطبتين كخطبتي العيد بأركانهما وشروطهما وهيئاتهما ، وفي الجلوس إذا صعد المنبر وجهان كما في العيد أيضاً ، لحديث ابن عبّاسٍ المتقدّم ؛ ولأنّها أشبهتها في التّكبير وفي صفة الصّلاة . وقال الحنابلة ، وأبو يوسف من الحنفيّة ، وعبد الرّحمن بن مهديٍّ : يخطب الإمام خطبةً واحدةً يفتتحها بالتّكبير ، لقول ابن عبّاسٍ : لم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير ، وهذا يدلّ على أنّه ما فصل بين ذلك بسكوتٍ ولا جلوسٍ ؛ ولأنّ كلّ من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين . ولا يخرج المنبر إلى الخلاء في الاستسقاء ؛ لأنّه خلاف السّنّة . وقد عاب النّاس على مروان بن الحكم عند إخراجه المنبر في العيدين ، ونسبوه إلى مخالفة السّنّة . ويخطب الإمام على الأرض معتمداً على قوسٍ أو سيفٍ أو عصاً ، ويخطب مقبلاً بوجهه إلى النّاس . وقد صرّح المالكيّة بأنّ الخطبة على الأرض مندوبةٌ ، وعلى المنبر مكروهةٌ . أمّا إذا كان المنبر موجوداً في الموضع الّذي فيه الصّلاة ، ولم يخرجه أحدٌ ففيه رأيان : الجواز ، والكراهة . وقال الحنفيّة ، والحنابلة ، والشّافعيّة في القول المرجوح : يكبّر في الخطبة كما في صلاة العيد . وقال المالكيّة ، والشّافعيّة في الرّاجح عندهم : يستبدل بالتّكبير الاستغفار ، فيستغفر اللّه في أوّل الخطبة الأولى تسعاً ، وفي الثّانية سبعاً ، يقول : أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ، ويختم كلامه بالاستغفار ، ويكثر منه في الخطبة ، ومن قوله تعالى : { استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً } الآية ، ويخوّفهم من المعاصي الّتي هي سبب الجدب ، ويأمرهم بالتّوبة ، والإنابة والصّدقة والبرّ . وقال الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمالكيّة : يستقبل الإمام النّاس في الخطبة مستدبراً القبلة ، حتّى إذا قضى خطبته توجّه بوجهه إلى القبلة يدعو . وقال الحنابلة : يستحبّ للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة ؛ لما روى عبد اللّه بن زيدٍ : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي ، فتوجّه إلى القبلة يدعو » وفي لفظٍ : « فحوّل إلى النّاس ظهره واستقبل القبلة يدعو » . صيغ الدّعاء المأثورة : 18 - يستحبّ الدّعاء بما أثر عن النّبيّ ، ومن ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم « أنّه كان يدعو في الاستسقاء فيقول : اللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً غدقاً مجلّلاً سحّا عامّاً طبقاً دائماً . اللّهمّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين . اللّهمّ إنّ بالبلاد والعباد والخلق من اللّأواء والضّنك ما لا نشكو إلاّ إليك . اللّهمّ أنبت لنا الزّرع ، وأدرّ لنا الضّرع ، واسقنا من بركات السّماء ، وأنبت لنا من بركات الأرض . اللّهمّ إنّا نستغفرك إنّك كنت غفّاراً ، فأرسل السّماء علينا مدراراً ، فإذا مطروا . قالوا : اللّهمّ صيّباً نافعاً . ويقولون : مطرنا بفضل اللّه وبرحمته » . وروي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر ، حين قال له الرّجل : يا رسول اللّه هلكت الأموال ، وانقطعت السّبل ، فادع اللّه أن يغيثنا . فرفع يديه وقال : اللّهمّ أغثنا ، اللّهمّ أغثنا ، اللّهمّ أغثنا » . وروي عن الشّافعيّ قوله : « ليكن من دعائهم في هذه الحالة : اللّهمّ أنت أمرتنا بدعائك ، ووعدتنا إجابتك ، وقد دعوناك كما أمرتنا ، فأجبنا كما وعدتنا ، اللّهمّ امنن علينا بمغفرة ما قارفنا ، وإجابتك في سقيانا ، وسعة رزقنا ، فإذا فرغ من دعائه أقبل على النّاس بوجهه ، وحثّهم على الطّاعة ، وصلّى على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ودعا للمؤمنين والمؤمنات ، وقرأ آيةً من القرآن أو آيتين ، ويكثر من الاستغفار ، ومن قوله تعالى : { استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً ، يرسل السّماء عليكم مدراراً ، ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنّاتٍ ويجعل لكم أنهاراً } . وروي عن عمر رضي الله عنه أنّه استسقى فكان أكثر دعائه الاستغفار ، وقال : لقد استسقيت بمجاديح السّماء . رفع اليدين في الدّعاء في الاستسقاء : 19 - استحبّ الأئمّة رفع اليدين إلى السّماء في الدّعاء ، لما روى البخاريّ عن أنسٍ قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلاّ في الاستسقاء » . وأنّه يرفع حتّى يرى بياض إبطيه . وفي حديثٍ لأنسٍ « فرفع الرّسول صلى الله عليه وسلم ورفع النّاس أيديهم » وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قريبٌ من ثلاثين حديثاً في رفع اليدين في الاستسقاء . وذكر الأئمّة : أنّه يدعو سرّاً وجهراً ، فإذا دعا سرّاً دعا النّاس سرّاً ، فيكون أبلغ في البعد عن الرّياء . وإذا دعا جهراً أمّن النّاس على دعاء الإمام . ولهذا يستحبّ أن يدعو بعض الدّعاء سرّاً ، وبعضه جهراً ، ويستقبل القبلة في دعائه متضرّعاً خاشعاً متذلّلاً تائباً . الاستسقاء بالصّالحين : 20 - اتّفق جمهور الفقهاء على استحباب الاستسقاء بأقارب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبالصّالحين من المسلمين الّذين عرفوا بالتّقوى والاستقامة ، لأنّ عمر رضي الله عنه استسقى بالعبّاس وقال : اللّهمّ إنّا كنّا إذا قحطنا توسّلنا إليك بنبيّك فتسقينا ، وإنّا نتوسّل بعمّ نبيّنا فاسقنا ، فيسقون . وروي أنّ معاوية استسقى بيزيد بن الأسود فقال : « اللّهمّ إنّا نستسقي بخيرنا وأفضلنا ، اللّهمّ إنّا نستسقي بيزيد بن الأسود . يا يزيد ارفع يديك إلى اللّه تعالى ، فرفع يديه ورفع النّاس أيديهم ، فثارت سحابةٌ من المغرب كأنّها ترسٌ ، وهبّ لها ريحٌ ، فسقوا حتّى كاد النّاس ألاّ يبلغوا منازلهم . التّوسّل بالعمل الصّالح : 20م ـ ويستحبّ أن يتوسّل كلٌّ في نفسه بما قدّم من عملٍ صالحٍ . واستدلّ على هذا بحديث ابن عمر في الصّحيحين عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في قصّة أصحاب الغار ، وهم الثّلاثة الّذين آووا إلى الغار ، فأطبقت عليهم صخرةٌ ، فتوسّل كلّ واحدٍ بصالح عمله ، فكشف اللّه عنهم الصّخرة ، وقشع الغمّة ، وخرجوا يمشون . تحويل الرّداء في الاستسقاء : 21 - قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، والمالكيّة : يستحبّ تحويل الرّداء للإمام والمأموم ، لفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم له ، ولأنّ ما فعله الرّسول صلى الله عليه وسلم ثبت في حقّ غيره ، ما لم يقم دليلٌ على اختصاصه به . وقد عقل المعنى في ذلك ، وهو التّفاؤل بقلب الرّداء ، ليقلب اللّه ما بهم من الجدب إلى الخصب . وهو خاصٌّ بالرّجال دون النّساء عند الجميع . وقال محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، وابن المسيّب ، وعروة ، والثّوريّ ، واللّيث : إنّ تحويل الرّداء مختصٌّ بالإمام فقط دون المأموم ؛ لأنّه نقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم دون أصحابه . وقال أبو حنيفة : لا يسنّ تقليب الرّداء ؛ لأنّه دعاءٌ فلا يستحبّ تحويل الرّداء فيه ، كسائر الأدعية . كيفيّة تقليب الرّداء : 22 - قال الحنابلة ، والمالكيّة ، وهو رأيٌ للشّافعيّة ، وقول أبان بن عثمان ، وعمر بن عبد العزيز ، وهشام بن إسحاق ، وأبو بكر بن محمّد بن حزمٍ : يقلب المستسقون أرديتهم ، فيجعلون ما على اليمين على اليسار ، وما على اليسار على اليمين ، ودليلهم في ذلك ما روى أبو داود بإسناده عن عبد اللّه بن زيدٍ ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حوّل رداءه ، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر ، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن » . وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك ، وقد نقل تحويل الرّداء جماعةٌ ، كلّهم نقلوه بهذه الصّفة ، ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه جعل أعلاه أسفله . وقال محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، والشّافعيّة في الرّأي الرّاجح : إن كان الرّداء مدوّراً بأن كان جبّةً يجعل الأيمن على الأيسر ، والأيسر على الأيمن ، وإن كان الرّداء مربّعاً يجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أنّه استسقى وعليه رداءٌ ، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها ، فلمّا ثقلت عليه جعل العطاف الّذي في الأيسر على عاتقه الأيمن ، والّذي على الأيمن على عاتقه الأيسر » ، ويبدأ بتحويل الرّداء عند البدء بالدّعاء والتّضرّع إلى اللّه تعالى . المستسقون : 23 - اتّفق الفقهاء على ، أنّ السّنّة خروج الإمام للاستسقاء مع النّاس ، فإذا تخلّف فقد أساء بترك السّنّة ، ولا قضاء عليه . |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الموسوعة, الفقهية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|