|
#11
|
||||
|
||||
|
الحديث التاسع
![]() ![]() الشرح هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري عنسعيد ابن المسيب وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة وخرجاه من رواية أبي الزنادعن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دعوني ما تركتكمإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيءفاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه وفي رواية له ذكر سببهذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنارسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يأيها الناس قد فرض الله عليكم الحجفحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم لوقلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكمفإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيءفأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه وخرجه الدارقطني من وجه آخرمختصرًا وقال فيه فنزل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} المائدة وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج وقالوا أفي كل عام وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من أبي فقال فلان فنزلت هذه الآية {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} المائدة وفيهما أيضًا عن قتادة عن أنس قال سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلمحتى أحفوه في المسألة فغضب فصعد المنبر فقال لا تسألوني اليوم عن شيء إلابينته فقام رجل كان إذا لاحى الرجل دعي إلى غير أبيه فقال يا رسول الله منأبي قال أبوك حذافة ثم أنشأ عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناوبمحمد رسولًا نعوذ بالله من الفتن وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} المائدة وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل من أبي ويقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي فأنزل الله هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} المائدة وخرج ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث أبي هريرة قال خرج رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجلفقال أين أنا فقال في النار فقام إليه آخر فقال من أبي قال أبوك حذافةفقام عمر رضي الله عنه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيًاوبالقرآن إماما إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلمبآبائنا قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} المائدة وروي أيضًا من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}المائدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال يا قوم كتبعليكم الحج فقام رجل فقال يا رسول الله أفي كل عام فأغضب رسول الله صلىالله عليه وسلم غضبًا شديدًا فقال والذي نفسي بيده لوقلت نعم لوجبت ولووجبت ما استطعتم وإذن لكفرتم فاتركوني ما تركتم فإذا أمرتكم بشيء فافعلواوإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه فأنزل الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}المائدة نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة فأصبحوا بهاكافرين فنهى الله تعالى عن ذلك ولكن انظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لاتسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عمالا يحتاج إليه ما يسوء السائل جوابه مثل سؤال السائل هل هو في النار أو فيالجنة وهل أبو ما ينسب إليه أو غيره وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنتوالعبث والاستهزاء كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم وقريب من ذلكسؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب وقال عكرمة وغيره إن الآية نزلت في ذلك ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاهالله عن عباده ولم يطلعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح ودلت أيضًاعلى نهى المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكونالسؤال سببًا لنزول التشديد فيه كالسؤال عن الحج هل يجب كل عام أم لا عظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وأعابها حتى ابتلي السائل به عينه قبل وقوعه بذلك في أهله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في المسائل إلا للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه يتألفهم بذلك فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم نهوا عن المسئلة كما في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسئلة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أيضًا عن أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع وفي المسند عن أبي أمامة قال كان الله قد أنزل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} المائدة قال فكنا قد كرهنا كثيرًا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قال فأتينا أعرابيًا فرشوناه بردا ثم قلنا له سل النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديثًا وفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال إن كان لتأتي على السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب وفي مسند البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} البقرة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} البقرة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} البقرة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} البقرة وذكر الحديث وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يسألونه عن حكم حوادثقبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له إنا لاقوا العدو غدًاوليس معنا مدى أفنذبح بالقصب وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعنطاعتهم وقتالهم وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها فبهذا الحديث وهو قولهصلى الله عليه وسلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهمواختلافهم على أنبيائهم وهو يدل على كراهة المسائل وذمها ولكن بعض الناسيزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لما يخشى حينئذ منتحريم ما لم يحرم أو إيجاب ما يشق القيام به وهذا قد أمن بعد وفاته صلىالله عليه وسلم ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهة المسائل بل له سبب آخر وهوالذي أشار إليه ابن عباس في كلامه الذي ذكرنا بقوله ولكن انتظروا فإذا نزلالقرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه ومعنى هذا أن جميع مايحتاج إليه المسلمون في دينهم لا بد أن يبينه الله في كتابه العزيز ويبلغذلك رسوله صلى الله عليه وسلم عنه فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال فإنالله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن اللهتعالى لا بد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال كما قال يبين الله لكم أنتضلوا وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليهوإنما الحاجة المهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله ثم اتباع ذلك والعملبه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسئل عن المسائل فيحيل على القرآن كماسأله عمر عن الكلالة فقال يكفيك آية الصيف وأشار رسول الله صلى الله عليهوسلم في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره واجتناب نهيه شغلا عنالمسائل فقال إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عنالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه ثميشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية وإنكان من الأمور العمليةبذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنهفيكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره وهكذا كان حال أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتابوالسنة فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمورقد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي ويثبط عن الجد في متابعةالأمر وقد سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال له رأيت النبي صلى اللهعليه وسلم يستلمه ويقبله فقال له الرجل أرأيت إن غلبت عنه أرأيت إن زوحمتفقال له ابن عمر اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله يستلمه وقبله خرجهالترمذي ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى اللهعليه وسلم ولا حاجة إلا فرض العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه فإنه يفترالعزم على التصميم عن المتابعة فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنمايحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه ذكرفتنا تكون في آخر الزمان فقال له عمر متى ذلك يا علي قال إذا تفقه لغيرالدين وتعلم لغير العمل والتمست الدنيا بعمل الآخرة وعن ابن مسعود رضي اللهعنه أنه قال كيف بكم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبيروتتخذ سنة فإن غيرت يومًا قيل هذا منكر قالوا ومتى ذلك قال إذا قلت أمناؤكموكثرت أمراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم وتفقه لغير الدين والتمست الدنيابعمل الآخرة خرجها عبدالرازق في كتابه ولهذا المعنى كان كثير من الصحابةوالتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها ولا يجيبون عن ذلك قال عمروبن مرة خرج عمر على الناس فقال أحرج عليكم أن تسألون عن ما لم يكن فإن لنافيما كان شغلا وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال لا تسألوا عما لم يكن فإنيسمعت عمر رضي الله عنه لعن السائل عما لم يكن، وكان زيد بن ثابت إذا سئل عنشيء يقول كان هذا فإن قالوا لا قال دعوه حتى يكون وقال مسروق سألت أبي بنكعب عن شيء فقال أكان بعد فقلت لا فقال أجمعنا يعني أرحنا حتى يكون فإذاكان اجتهدنا لك رأينا وقال الشعبي سئل عمار عن مسئلة فقال هل كان هذا بعدقالوا لا قال فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم وعن الصلت بن راشد قالسألت طاوسا عن شيء فانتهرني فقال أكان هذا قلت نعم قال آلله قلت آللهأصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال يأيها الناس لاتعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهبكم هاهنا وهاهنا فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاءقبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال وفق وقدخرجه أبو داود في كتاب المراسيل مرفوعًا من طريق ابن عجلان عن طاوس عن معاذبن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجلوا بالبلية قبلنزولها فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون أن يكون منهم من إذا قال سددووفق وأنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل هاهنا وهاهنا ومعنى إرساله أن طاوسا لميسمع من معاذ وخرجه أيضًا من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبيمرسلًا وروى الحجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم سمعت الزبير بن سعيدرجلًا من بني هاشم قال سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى يسألوا عن ما لا ينزلتبيينه فإذا فعلوا ذلك ذهب بهم هاهنا وهاهنا وقد روى الصنابحي عن معاوية عنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات خرجه الإمام أحمد رحمهالله وفسره الأوزاعي وقال هي شداد المسائل وقال عيسى بن يونس هي ما لايحتاج إليه من كيف وكيف ويروي من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلمقال سيكون قوم من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل المسائل أولئك شرار أمتي وقالالحسن شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يعمون بها عباد الله وقالالأوزاعي إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقي على لسانهالمغاليط فلقد رأيتهم أقل الناس علمًا وقال ابن وهب عن ما لكم أدركت هذهالبلدة وإنهم ليكرهون الإكثار الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل وقالأيضًا سمعت مالكا وهو يعيب كثرة الكلام وكثرة الفتيا ثم قال يتكلم كأنه جملمغتلم يقول هو كذا هو كذا يهدر في كلامه وقال سمعت مالكا يكره الجواب فيكثرة المسائل وقال قال الله عز وجل {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} الإسراء فلم يأته في ذلك جواب فكان مالك يكره المجادلة عن السنن وقال أيضًا الهيثم بن جميل قلت لمالك يا أبا عبدالله الرجل يكون ععالمًا بالسنن يجادل عنها قال لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت قال إسحق بن عيسي كان مالك يقول المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل وقال وهب سمعت مالكًا يقول المراء في العلم يقسي القلب ويؤثر الضغن وكان أبو شريح الإسكندراني يومًا في مجلسه فكثرت المسائل فقال قد درنت قلوبكم منذ اليوم فقوموا إلى أبي حميد خالد ابن حميد صقلوا قلوبكم وتعلموا هذه الرغائب فإنها تجدد العبادة وتورث الزهادة وتجر الصداقة وأقلوا المسائل إلا ما نزل فإنها تقسي القلب وتورث العداوة وقال الميموني سمعت أبا عبدالله يعني أحمد يسأل عن مسألة فقال وقعت هذهالمسألة بليتم بها بعد وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمان فمن أتباع أهلالحديث من سد باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسولهوصار حامل فقه غير فقيه ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبلوقوعها ما يقع في العادة منها وما لا يقع واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلكوكثرة الخصومات فيه والجدال عليه حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب ويستقرفيها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء ويقترن ذلك كثيرًا بنيةالمغالبة وطلب العلو والمباهاة وصرف وجوه الناس وهذا مما ذمه العلماءالربانيون ودلت السنة على قبحه وتحريمه وأما فقهاء أهل الحديث العاملون بهفإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن الصحيحة وكلامالصحابة والتابعين لهم بإحسان وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفةصحيحها وسقيمها ثم التفقه فيها وفهمها والوقوف على معانيها ثم معرفة كلامالصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائلالحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك وهذا هو طريق الإمامأحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين وفي معرفة هذا شغل شاغل عنالتشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به ولا يقع وإنما يورث التجادل فيهكثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال، وكان الإمام أحمد كثيرًا إذاسئل عن شيء من المسائل المحدثة المتولدات التي لا تقع يقول دعونا من هذهالمسائل المحدثة وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان السقطي نظرت في الأمرفإذا هو الحديث والرأي فوجدت في الحديث ذكر الرب عز وجل وربوبيته وإجلالهوعظمته وذكر العرش وصفة الجنة والنار وذكر النبيين والمرسلين والحلالوالحرام والحث على صلة الأرحام وجماع الخير فيه ونظرت في الرأي فإذا فيهالمكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام وجماع الشر فيه وقال أحمد بن شبويه من أراد علم القبر فعليه بالآثار ومن أراد علم الخير فعليه بالرأي ومن سلك طريقه لطلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها ولابد أن يكون سلوك هذا الطريق خلاف أئمة أهل الدين المجمع على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوز ومهالك وأخذ بما لا يجوز الأخذ به وترك ما يجب العمل به وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله عز وجل والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله وسلوك طريقه والعمل بذلك ودعاء الخلق إليه ومن كان كذلك وفقه الله وسدده وألهمه رشده وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر ومن الراسخين في العلم وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم قال نافع بن زيد يقال الراسخون في العلم المتواضعون لله والمتذللون لله في مرضاته لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم أتاكم أهل اليمن هم أبر قلوبًا وأرق أفئدة الإيمان يماني والفقه يماني والحكمة يمانية وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري ومن كان على طريقه من علماء أهلاليمن ثم إلى مثل أبي موسى الخولاني وأويس القرني وطاوس ووهب بن منبهوغيرهم من علماء أهل اليمن وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين للهفكلهم علماء بالله يخشونه ويخافونه وبعضم أوسع علمًا بأحكام الله وشرائعدينه من بعض ولم يكن تمييزهم عن الناس بكثرة قيل وقال ولا بحث ولا جدال،وكذلك معاذ ابن جبل رضي الله عنه أعلم الناس بالحلال والحرام وهو الذي يحشريوم القيامة أمام العلماء برتوة ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها بلقد سبق عنه كراهة الكلام فيما لا يقع وإنما كان ععالمًا بالله وععالمًابأصول دينه رضي الله عنه وقد قيل للإمام أحمد من نسأل بعدك قال عبدالوهاب الوراق قيل له إنه ليسله اتساع في العلم قال إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق وسئل عن معروفالكرخي فقال كان معه أصل العلم خشيةالله وهذا يرجع إلى قول بعض السلف كفىبخشية الله علمًا وكفى بالاغترار بالله جهلًا وهذا باب واسع يطول استقصاؤهولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه فنقول من لم يشتغل بكثرةالمسائل التي لا توجد مثلها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلمبل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله وقصده بذلك امتثال الأوامر واجتنابالنواهي فهو ممن امتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثوعمل بمقتضاه ومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسله واشتغل بكثرةتوليد المسائل قد تقع وقد لا تقع وتكلف أجوبتها بمجرد الرأي خشي عليه أنيكون مخالفًا لهذا الحديث مرتكبًا لنهيه تاركًا لأمره واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وإنما هومن ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله واجتناب نواهي الله ورسوله فلوأن من أراد أن يعمل عملًا سأل عما شرع الله في ذلك العمل فامتثله وعما نهىعنه فيه فاجتنبه وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة وإنما يعمل العاملبمقتضى رأيه وهواه فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله وربما عسرردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها وفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذاالحديث وانتهي عما نهى عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره حصل له النجاة فيالدنيا والآخرة ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذر منهالنبي صلى الله عليه وسلم من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهمواختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم، وقوله صلى الله عليهوسلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتمقال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص فيارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب الاستطاعة وروى هذا عن الإمام أحمد رحمهالله ويشبه هذا قول بعضهم أعمال البر يعملها البر الفاجر وأما المعاصي فلايتركها إلا صديق وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليهوسلم قال له اتق المحارم تكن أعبد الناس وقالت عائشة رضي الله عنها من سرهأن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب وروي مرفوعًا وقال الحسن ما عبدالعابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه والظاهر أن ما ورد من تفضيلترك المحرمات على فعل الطاعات إنما أريد به على نوافل الطاعات وإلا فجنسالأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات لأن الأعمال مقصودة لذاتهاوالمحارم مطلوب عدمها ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال، وكذلك كان جنسترك الأعمال قد تكون كفرا كترك التوحيد وكترك أركان الإسلام أو بعضها علىما سبق بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه ويشهد لذلك قولابن عمر رضي الله عنهما لرد دانق من حرام أفضل من مائة ألف تنفق في سبيلالله وعن بعض السلف قال ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائةحجة وقال ميمون بن مهران ذكر الله باللسان حسن وأفضل منه أن يذكر اللهالعبد عند المعصية فيمسك عنها وقال ابن المبارك لأن أرد درهما من شبهة أحبإلى من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف وقال عمر بنعبدالعزيز ليست التقوى قيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك ولكنالتقوى أداء ما افترض الله وترك ما حرم الله فإن كان مع ذلك عمل فهو خيرإلى خير أو كما قال وقال أيضًا وددت أني لا أصلي غير الصلوات الخمس سوىالوتر وأن أؤدي الزكاة ولا أتصدق بعدها بدرهم وأن أصوم رمضان ولا أصوم بعدهيومًا أبدًا وأن أحج حجة الإسلام ثم لا أحج بعدها أبدًا ثم أعمد إلى فضلقوتي فأجعله فيما حرم الله على فأمسك عنه وحاصل كلامهم يدل على اجتنابالمحرمات وإن قلت فهي أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات فإن ذلك فرض وهذانفل وقال طائفة من المتأخرين إنما قال صلى الله عليه وسلم إذا نهيتكم عنشيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم لأن امتثال الأمر لايحصل إلا بعمل والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب وبعضها قد لا يستطاعفلذلك قيده بالاستطاعة كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة قال الله عزوجل {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقال في الحج {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}آل عمران وأما النهي فالمطلوب عدمه وذلك هو الأصل فالمقصود استمرار العدمالأصلي وذلك ممكن وليس فيه ما لا يستطاع وهذا فيه أيضًا نظر فإن الداعي إلىفعل المعاصي قد يكون قويا لا صبر معه للعبد على الامتناع مع فعل المعصيةمع القدرة عليها فيحتاج للكف عنها حينئذ إلى مجاهدة شديدة وربما كانت أشقعلى النفوس من مجرد مجاهدة النفوس على فعل الطاعات ولهذا يوجد كثيرًا منيجتهد في فعل الطاعات ولا يقوي على ترك المحرمات وقد سئل عمر عن قوم يشتهونالمعصية ولا يعملون بها فقال أولئك قوم امتحن الله قلوبهم للتقوى لهممغفرة وأجر عظيم وقال يزيد بن ميسرة يقول الله في بعض الكتب أيها الشاب التارك لشهوتهالمتبذل في شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي وقال ما أشد الشهوة فيالجسد إنها مثل حريق النار وكيف ينجو منها الحصوريون والتحقيق في هذا أنالله لا يكلف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به وقد أسقط عنهم كثيرًا منالأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم رحمة لهم وأما المناهي فلم يعذر أحدبارتكابها بقوة الداعي والشهوات بل كلفهم تركها على كل حال وإن ما أباح أنيتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة لا لأجلالتلذذ والشهوة ومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد رحمه الله إن النهيأشد من الأمر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان وغيره أنهقال استقيموا ولن تحصوا يعني لن تقدروا على الاستقامة كلها وروى الحكم بنحزن الكلفي قال وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعةفقام رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنىعليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال يأيها الناس إنكم لن تطيقوا ولنتفعلوا كل ما أمرتكم به ولكن سددوا وأبشروا أخرجه الإمام أحمد وأبو داودوفي قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم دليلعلى أن من عجز عن فعل المأمور به كله وقدر على بعضه فإنه يأتي بما أمكن منهوهذا مطرد في مسائل منها الطهارة فإذا قدر على بعضها وعجز عن الباقي إمالعدم الماء أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليهويتيمم للباقي وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور ومنها الصلاة فمنعجز عن فعل الفريضة قائمًا صلى قاعدا فإن عجز صلاها مضطجعا وفي صحيحالبخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلقائمًا فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك فإن عجز عن ذلك كلهأومأ بطرفه وصلي بنيته ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور ومنها زكاة الفطرفإذا قدر على إخراج بعض صاع لزمه ذلك على الصحيح فأما من قدر على صيام بعضالنهار دون تكملته فلا يلزمه ذلك بغير خلاف لأن صيام بعض اليوم ليس بقربةفي نفسه، وكذلك لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه لأن تبعيضالعتق غير محبوب للشارع بل أمر بتكملته بكل طريق وأما من فاته الوقوف بعرفةفي الحج فهل يأتي بما بقي منه من المبيت بمزدلفة ورمي الجمار أم لا بليقتصر على الطواف والسعي ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد أشهرهما أنهيقتصر على الطواف والسعي لأن المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعهوإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام وبذكره في الأيام المعدوداتلمن أفاض من عرفات فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمروالله أعلم
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الحديث, الرابع |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|