الجامعة العالمية للقراءات القرآنية والتجويد ترحب بكم

عدد مرات النقر : 12,630
عدد  مرات الظهور : 201,739,115

عدد مرات النقر : 57,627
عدد  مرات الظهور : 204,045,503
عدد مرات النقر : 55,363
عدد  مرات الظهور : 205,721,856
عدد مرات النقر : 59,011
عدد  مرات الظهور : 205,721,842
عدد مرات النقر : 54,208
عدد  مرات الظهور : 204,045,495

الإهداءات




عدد مرات النقر : 39,062
عدد  مرات الظهور : 136,354,114
عدد مرات النقر : 52,735
عدد  مرات الظهور : 150,136,243

عدد مرات النقر : 32,937
عدد  مرات الظهور : 131,873,096
عدد مرات النقر : 34,411
عدد  مرات الظهور : 127,686,441

عدد مرات النقر : 30,692
عدد  مرات الظهور : 134,803,872
عدد مرات النقر : 32,055
عدد  مرات الظهور : 127,453,285
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #361  
قديم 05-03-2012, 07:45 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

وقد علق الشيخ محمد القحطاني على هذا الأثر –المنقول عن ابن عباس- بقوله: (وفي عصرنا الحاضر عصر المادة والدنيا قد أصبحت محبة الناس في الأغلب على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً.
ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالرجوع إلى الله والاجتماع على الحب فيه والبغض فيه والولاء وله والبراء ممن أمرنا الله بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) .
إذن فعلاج الوهن الذي أصاب هذا المبدأ الإسلامي العظيم إنما يكون بالرجوع إلى الجماعة وترك الفرقة، وبتحكيم الكتاب والسنة وتدبرهما وفهمهما وبالعودة إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم.
الدليل الرابع: قول تعالى: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: 1].
وقال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9].
فقد حث سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمات على إصلاح ذات البين، وعلى الإصلاح بين المؤمنين إذا حصل بينهم ما يفرق جماعتهم، وما يكدر عليهم صفو ألفتهم، وما ذلك إلا ليبقى المجتمع المسلم مترابطاً متحاباً متآلفاً.
وإذا كان فساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، فإن إصلاح ذات البين هو من أعظم القربات إلى الله عز وجل، لكن قد ينتبه المسلمون إلى إصلاح ذات البين في الأمور الدنيوية، من نكاح وبيوع وميراث وما إلى ذلك، ويغفلون عن إصلاح ذات البين فيما هو أعظم وأهم ألا وهو الاختلاف فيما لا يجوز الاختلاف فيه بحال وهو أمر الدين نفسه من عقائد وسلوك وعبادات والتي مبناها على النص والتوقيف.
موقف السلف الصالح من إصلاح ذات البين في العقائد والسلوك والعبادة:
إذا نظرنا إلى سيرة سلفنا الصالح في هذا الموضوع نجد نماذج كثيرة من العلماء الأعلام الذين كانت لهم جهود موفقة في رد أهل البدع والمخالفين لأهل السنة إلى الحق.
فها هو ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى الخوارج في عقر دارهم، ويناظرهم، ويزيل شبهاتهم، فيرجع منهم من شاء الله له الهداية والسلامة، ويبقى القليل فقط على بدعتهم لسيطرة أهوائهم عليهم.
وها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يثبت في الميدان وحده، ويعلن عقيدة السلف ويظهرها في أحلك الظروف وأصعبها، ويناظر خصومه بالكتاب والسنة دون أن يخشى في الله لومة لائم، حتى لو كان الرأي المخالف لأهل السنة يتبناه السلطان، ويفرض على المسلمين فرضا بالقوة .
وها هو عبد العزيز الكناني رحمه الله لا يصبر لحظة واحدة عندما يسمع بخبر ظهور بدعة بشر المريسي ومن معه في العراق فيسافر من مكة إلى هناك بعد أن استخار الله ولجأ إليه بالدعاء أن يوفقه إلى إظهار الحق وقمع البدعة، وإقامة الحجة على خلقه، وفور وصوله إلى العراق قام بمناظرة المبتدعة جميعاً وهو وحده، فأقام عليهم الحجة، وأظهره الله عز وجل عليهم، مع أنه كان معرضاً نفسه للقتل إذا لم يستطع إقناع الأمير وإفحام الخصوم.
وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يناظر المبتدعة بكل طوائفهم وفرقهم جماعات وأفراداً، كمناقشته لفرقة البطائحية ، وكمناقشته للبكري، فأفحمهم، وأقام الحجة عليهم، وأظهره الله على خصومه، والتزم السنة خلق كثير، وظهرت السنة وسطع نورها فاستبانت لكل ذي بصيرة، وانتشرت بين الناس، ولازالت مناظراته، وعلمه، ونصرته للسنة يجني المسلمون ثمارها إلى يومنا هذا.
وكم من الأمثلة الكثيرة في تاريخ سلفنا الصالح المضيء لهذه المسألة المهمة ألا وهي إقامة الحجة على الناس ونشر العلم النافع، ونصر السنة، وقمع البدعة، وإصلاح ذات البين إصلاحاً علمياً صحيحاً لا كما ينادي به بعض المصلحين في عصرنا من الإصلاحات التلفيقية العاطفية.
لقد قام العلماء الأجلاء من سلفنا الصالح بواجبهم خير قيام، ونصروا دين الله عز وجل وأظهروا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وحاربوا البدع والضلالات. حتى وصل الأمر بهؤلاء العلماء الأفاضل أن جعلوا إظهار السنة ومحاربة البدعة أفضل من التنسك والنوافل من صيام وقيام وما إلى ذلك، وعللوا ذلك بأن التنسك والصيام والقيام يعود نفعه على الشخص نفسه فقط ولا يتعداه إلى غيره، أما نصرة دين الله وإظهار سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقمع البدع فيعود نفعها ويعم خيرها المسلمين جميعاً.
وما قام به علماء أهل السنة من نصرة لدين الله يعتبر علماً من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمته بخبر يفرح له كل من كان متابعاً لسنته وسائراً على هديه صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله)) .
ولنا عبرة عظيمة وعظة بليغة في سيرة سلفنا الصالح ومنهجهم النبوي القويم في الدعوة إلى الله وإبلاغه إلى الناس، وفيما يلي بعض العبر والعظات:
الأولى:
يجب على من أنعم الله عليهم باقتفاء أثر السلف الصالح، والسير على منهج النبوة، ونور الله أفهامهم وبصائرهم، ورزقهم العلم النافع المستقى من مشكاة النبوة ومن النبع الصافي أن يسعوا في إصلاح ذات بين المسلمين الذين مزقتهم الفرق الضالة المبتدعة، ومزقت صفوفهم الحزبيات الضيقة والانتماءات الطائفية.
الثانية:
إن من أوجب الواجبات على العلماء وطلبة العلم في وقتنا هذا وفي كل وقت الدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة وإظهار دين الله عز وجل، وتبصير المسلمين بدينهم، وحثهم على العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحذيرهم من البدع والانحرافات والضلالات، وإزالة الشبهات التي زرعها أولئك المبتدعة الضالون بين أفراد المسلمين ومجتمعاتهم، وفي ذلك اقتفاء للأثر وائتساء بمن مضى من خير البشر.
الثالثة:
يجب على العلماء وطلبة العلم إخلاص دعوتهم لله ومن مقتضيات ذلك ولوازمه أن لا يحزبوا الناس حولهم، بل يكون ربطهم للناس بالكتاب والسنة والعقيدة الصحيحة والمنهج السليم، ويكون تعبيد الناس لله رب العالمين.
ولا ينبغي ولا يجوز بحال أن تكون الدعوة إلى حزب أو طائفة أو شيخ معين، فلا معبود بحق إلا الله، ولا متبوع إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا انتماء إلا إلى الإسلام، ولا سبيل إلا السنة، ولا منهج إلا منهج أهل السنة والجماعة.
الرابعة:
ليثبت كل من كان على الطريق الصحيح والمنهج القويم على ما هو عليه متكلاً على الله، مخلصاً له الدين، مرتقياً في درجات الكمال والتقى فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
المطلب الثاني: الأدلة من السنة في الحث على الجماعة والأمر بلزومها
الحديث الأول:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)) .
يقول النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث العظيم: (وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده, وهو اتباع كتابه العزيز, وحدوده والتأدب بأدبه. والحبل يطلق على العهد, وعلى الأمان, وعلى الوصلة, وعلى السبب, وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم, ويوصلون بها المتفرق, فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تفرقوا)) فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين, وتآلف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام) .
لقد اعتبر النووي رحمه الله لزوم جماعة المسلمين وتآلف المسلمين فيما بينهم إحدى قواعد الإسلام، وهذه القاعدة التي يؤصلها النووي بناء على ما جاء في الحديث الصحيح، هي قول علماء السلف قاطبة، وسيأتي ذكر بعض النقولات عنهم مما يبين ذلك ويؤكده.
الحديث الثاني:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((نضر الله عبداً سمع مقالتي هذه فحملها, فرب حامل الفقه فيه غير فقيه، ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم، إخلاص العمل لله عز وجل, ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين, فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) .
الحديث الثالث:
خطب عمر رضي الله عنه بالشام فقال: ((قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقامي فيكم. فقال: استوصوا بأصحابي خيراً، ثم الذين يلونهم, ثم الذين لونهم, ثم يفشوا الكذب حتى يعجل الرجل بالشهادة قبل أن يسألها, وباليمين قبل أن يسألها, فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة, فإن الشيطان مع الواحد ومن الاثنين أبعد، فمن سرته حسنته, وساءته سيئته فهو مؤمن)) .
ففي هذين الحديثين الأمر الصريح بلزوم جماعة المسلمين، ولقد وقفت على كلام نفيس للإمام الشافعي رحمه الله يبين فيه معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بلزوم جماعة المسلمين. فبعد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله لحديث عمر السابق قال:
(قال: فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم؟
- قلت: لا معنى له إلا واحد.
- قال: فكيف لا يحتمل إلا واحداً؟
- قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئاً، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.
1320- ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها) .
ونستخلص من كلام الشافعي رحمه الله أن المقصود بلزوم جماعة المسلمين أن يتحقق في الشخص أمران:
الأول:
أن يتبع ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم. وهذا خاص بأمر الأحكام والمعاملات.
الثاني:
أن يقول بما تقول به جماعتهم. وهذا خاص بأمر الاعتقاد. والله أعلم.
والمقصود هنا الكلام على المراد بمعنى لزوم جماعة المسلمين. أما من هي الجماعة المراد لزومها فسيأتي له مزيد بيان وتفصيل في الفصل القادم من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
الحديث الرابع:
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي – تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: نعم دعاة على أبواب جهنم, من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: هم من جلدتنا, ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) .
قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث ((دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)) (قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج, والقرامطة, وأصحاب المحنة, وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم, ووجوب طاعته وإن فسق, وعمل المعاصي) .
ونلاحظ أن النووي رحمه الله قد أورد هذا الحديث تحت باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال, وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة .
وقال ابن حجر رحمه الله في ثنايا شرحه لهذا الحديث: (قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين, وترك الخروج على أئمة الجور) .
ثم ذكر قول الطبري بأن الأمر هنا في الحديث للوجوب، وساق ما ذكره الطبري من أقوال في المراد بالجماعة، إلى أن قال: (قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزاباً فلا يتبع أحداً في الفرقة, ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر) .
ويتبين لنا من كلام العلماء في شرحهم لحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أمور:
الأول: وجوب ملازمة جماعة المسلمين.
الثاني: عدم الخروج على أئمة الجور.
الثالث: اعتزال الفرق عندما لا يكون للمسلمين إمام ولا جماعة.
الحديث الخامس:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النار)) .
الحديث السادس:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبداً – قال- يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذَّ شذَّ في النار)) .
الحديث السابع:
عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((يد الله على الجماعة, فإذا شذَّ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاة ذئب الغنم)) .
الحديث الثامن:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة, فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)) .
الحديث التاسع:
عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((اثنان خير من واحد، وثلاث خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لن يجمع أمتي إلا على هدى)) .
الحديث العاشر:
عن كعب بن عاصم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إن الله تعالى قد أجار لي على أمتي من ثلاث: لا يجوعوا، ولا يجتمعوا على ضلالة، ولا يستباح بيضة المسلمين)) .
نلاحظ أن الأحاديث الستة السابقة متقاربة الألفاظ، وقد جعلت التعليق عليها جميعها بعد سردها لهذا السبب، وهي تدل على أمور منها:
الأول:
أنَّ أمة الإسلام لا تجتمع على ضلالة، والمراد هنا هو إجماع العلماء خاصة.
يقول المباركفوري رحمه الله عند شرحه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق: (الحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق, والمراد إجماع العلماء, ولا عبرة بإجماع العوام لأنه لا يكون عن علم).
الثاني:
حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم، أمته على الجماعة، وعلى اعتبار أن المراد باجتماع الأمة هو إجماع العلماء، فإن العوام تبع لهم في ذلك, وعليهم متابعة العلماء, وعدم الخروج عما أجمعوا عليه من أمور الدين.
الثالث:
الوعيد الشديد لمن فارق الجماعة، ويفهم هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ومن شذَّ شذَّ في النار)) .
الرابع:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)) .
الخامس:
وفي الأحاديث بشرى لمن امتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن لزم الجماعة، ويفهم هذا من وجهين:
الوجه الأول:
بصريح العبارة حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((يد الله مع الجماعة))
الوجه الثاني:
بمفهوم المخالفة حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((ومن شذَّ شذَّ في النار)) . فدل هذا على أن من لزم الجماعة فهو في الجنة, وقد جاء التصريح بهذه البشرى في حديث عمر رضي الله عنه حيث جاء فيه: ((من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)) .
الحديث الحادي عشر:
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجماعة رحمة, والفرقة عذاب)) .
وهذا الأمر العظيم الذي قرره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الشريف هو من الأصول الإعتقادية لأهل السنة والجماعة, حيث أدرجه الإمام الطحاوي رحمه الله ضمن بيان عقيدة أهل السنة والجماعة بقوله: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً) .
الحديث الثاني عشر:
عن الحارث الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات...)). فذكر الحديث بطوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع والطاعة, والهجرة والجهاد في سبيل الله, فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع)) .
فالأمر بالجماعة والائتلاف هو أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، وأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأمته، والأمر للوجوب كما هو معلوم ومقرر في علم الأصول، وعلى قدر امتثال المؤمنين لهذا الأمر تكون سعادتهم في الدنيا، وحسن العاقبة في الآخرة.
وتوجد أحاديث أخرى في الباب تعاضد الأحاديث السابقة وتدل إجمالاً على ما دلت عليه.
فمنها حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) .
ومنها حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم, وتراحمهم, وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) .
ومن الأحاديث التي رويت مرفوعة بسند ضعيف وصحت موقوفة على ابن مسعود رضي الله عنه ما رواه اللالكائي بسنده عن ثابت بن قطبة قال: (سمعت ابن مسعود وهو يخطب. وهو يقول: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به, وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة) .
المبحث الثاني: ذم التفرق والاختلاف
الفرع الأول الأدلة من الكتاب على ذم التفرق والتحذير منه
يلاحظ الباحث في آيات القرآن الكريم أن الآيات التي جاءت في ذم الفرقة أكثر عدداً من الآيات التي جاءت في الحث على الجماعة، ولا غرابة في ذلك لأن الجماعة هي الأصل وملازمتها هو الواجب والمطلوب، أما مفارقة الجماعة فأمر طارئ وحادث وهو مع ذلك أمر خطير وشنيع، فلذلك جاءت الآيات الكثيرة التي تحذر منه وتحمل في ثناياها الوعيد الشديد لمن ترك الجماعة وفارقها.
وفيما يلي ذكر هذه الأدلة:
الدليل الأول:
قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 105-107].
قال ابن جرير رحمه الله يعني بذلك جل ثناؤه: (ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرقوا من أهل الكتاب، واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، من بعد ما جاءهم البينات، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جرأة على الله، وأولئك لهم يعني ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم، يقول جل ثناؤه: "فلا تفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم) .
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ} [آل عمران: 105]: ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) .
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآيات السابقة: (ينهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم) .
ثم ساق الإمام ابن كثير رحمه الله حديث الافتراق الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله ثم قال: (وقد ورد هذا الحديث من طرق) وذلك إشارة إلى توثيقه وتقويته.
وقال القرطبي رحمه الله: (فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبتعدين منه المسودي الوجوه، وأشدهم طرداً وإبعاداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية، والخبر كما بينا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وقد قال ابن القاسم: وقد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الإخلاص تجنب المعاصي) .
وقال الشوكاني رحمه الله في تفسير الآية: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ}: (هم اليهود والنصارى عند جمهور المفسرين، وقيل: هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل: الحرورية، والظاهر الأول، والبينات الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة لعدم الاختلاف) .
أما قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. فقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: (يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة – قاله ابن عباس رضي الله عنهما) .
والقول الذي ذكره ابن كثير رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما منقول عن الإمام مالك رحمه الله كما نص على ذلك الشاطبي بقوله: (وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: ما آية من كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} إلى قوله {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}. قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ فرأيته يتأولها لأهل الأهواء. ورواه ابن القاسم وزاد: قال مالك: إنما هذه الآية لأهل القبلة) .
الدليل الثاني:
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].
قال ابن جرير رحمه الله: (يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم أيها الناس في هاتين الآيتين من قوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151]. وأمركم بالوفاء به، هو صراطه، يعني طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده (مستقيماً) يعني: قويماً لا أعوجاج به عن الحق (فاتبعوه). يقول: فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجاً تسلكونه فاتبعوه (ولا تتبعوا السبل) يقول: ولا تسلكوا طريقاً سواه، ولا تركبوا منهاجاً غيره، ولا تبغوا ديناً خلافه من اليهودية والنصرانية والمجوسية، وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات (فتفرق بكم عن سبيله) يقول: فيشتت بكم إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق، ولا أديان أتباعكم إياها (عن سبيله)، يعني عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه، وهو الإسلام الذي وصى به الأنبياء وأمر به الأمم قبلكم) .
ثم ذكر ابن جرير رحمه الله بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً. فقال: هذا سبيل الله، ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطاً، فقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}. ثم ذكر بسنده أيضاً أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم، في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا... الآية}) .
وقال ابن كثير رحمه الله: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}. وفي قوله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]. ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا. قاله مجاهد وغير واحد) .
ثم ساق ابن كثير رحمه الله حديث ابن مسعود وذكر تخريجه.
وقال الشوكاني رحمه الله في تفسير الآية: (قال ابن عطية: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية، والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد) .
إلى أن قال رحمه الله: "وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا: {قُلْ تَعَالَوْاْ} إلى ثلاث آيات، ثم قال: فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه)) .
الدليل الثالث:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159].
ذكر ابن جرير رحمه الله أن علي بن أبي طالب قرأ: (فارقوا دينهم) .
قال: "وكأن عليا ذهب بقوله (فارقوا دينهم) خرجوا فارتدوا عنه من المفارقة، وأما الجمهور فقرأوا (فرقوا) . ثم قال: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأت بكل واحدة منهما أئمة من القراء، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه، وذلك أن كل ضال فلدينه مفارق) .
ثم ذكر بعد ذلك الأقوال عن السلف في المقصودين بتلك الآية. فقال بعضهم: عنى بذلك اليهود والنصارى . ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول ثم قال: (وقال آخرون: عنى بذلك: أهل البدع من هذه الأمة الذين اتبعوا متشابه القرآن دون محكمه) . ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول .
ثم قال ابن جرير رحمه الله في تفسير الآية: (فكان من فارق دينه الذي بعث به صلى الله عليه وسلم، من مشرك ووثني ويهودي ونصراني ومتحنف مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضل به عن الصراط المستقيم والدين القيم، ملة إبراهيم المسلم، فهو برئ من محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد نه برئ، وهو داخل في عموم قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}) . إلى أن قال: (وأما قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ} فإنه يقول: أنا الذي إلي أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك دونك، ودون كل أحد إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم، وفرقتهم دينهم فأهلكهم بها، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضل مني عليهم) .
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: (والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه (وكانوا شيعاً) أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى: 13] الآية. وفي الحديث: ((نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد)) فهذا هو الصراط المستقيم هو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برءآء منها كما قال الله تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ}) .
وقال البغوي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (قوله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ}. قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف هنا وفي سورة الروم، أي خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون: (فَرَّقُواْ) مشدداً، أي جعلوا دين الله وهو واحد، دين إبراهيم عليه السلام الحنيفية، أدياناً مختلفة فتهود قوم وتنصر قوم يدل عليه قوله عم وجل: {وَكَانُواْ شِيَعًا}. أي: صاروا فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي، وقيل: هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة) . ثم استشهد بحديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعظنا موعظة بليغة رفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا: فقال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإن من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)).
ثم ذكر حديث الافتراق. ثم قال: "قوله عز وجل: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. قيل: لست من قتالهم في شيء نسختها آية القتال، وهذا على قول من يقول: المراد منه اليهود والنصارى، ومن قال أراد بالآية أهل الأهواء قال: المراد من قوله لست منهم في شيء أي أنت بريء منهم وهم منك براء، تقول العرب إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي: كل واحد منا بريء من صاحبه، {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ} يعني: في الجزاء والمكافأت، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}. إذا ردوا للقيامة" .
رد مع اقتباس
  #362  
قديم 05-03-2012, 07:45 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

وقال الشوكاني رحمه الله: (قرأ حمزة والكسائيس (فارقوا دينهم) وهي قراءة علي بن أبي طالب، أي تركوا دينهم خرجوا عنه، وقرأ الباقون فرقوا بالتشديد إلا النخعي فإنه قرأ بالتخفيف. والمعنى: أنهم جعلوا ينهم تفرقاً فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه، قيل المراد بهم اليهود والنصارى، وقد ورد في معنى هذا، في اليهود قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4]. وقيل المراد بهم المشركون عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة، وقيل الآية عامة في جميع الكفار وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، وهذا هو الصواب لأن اللفظ يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب وطوائف المشركين وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام، ومعنى شيعاً فرقاً وأحزاباً، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحداً مجتمعاً، ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب ويباين الحق) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: (يتوعد تعالى، الذين فرقوا دينهم، أي شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه نصيباً من الأسماء، التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئاً، كاليهودية والنصرانية، والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئاً، ويجعله دينه، ويدع مثله. أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة، من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة.
ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية) .
الدليل الرابع:
قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118-119].
قال ابن جرير رحمه الله: يقول تعالى ذكره: "ولو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد". كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}. يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.
وقوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}. يقول تعالى ذكره: (ولا يزال الناس مختلفين {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. ثم اختلف أهل التأويل في الاختلاف الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به، فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان، فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء، ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى من بين يهودي ونصراني ومجوسي، ونحو ذلك. وقال قائلوا هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان) .
ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول، فذكر عن عطاء والحسن أقوالهم في ذلك. ثم قال: (وعن مجاهد {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} قال: أهل الباطل. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. قال: أهل الحق) .
ثم ذكر ابن جرير رحمه الله بسنده عن قتادة: (قوله {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. فأهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم) .
ثم قال ابن جرير رحمه الله: (وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير، وهذا غني) . ونسب هذا القول إلى الحسن البصري رحمه الله.
ثم قال ابن جرير: -أيضا- (وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. فآمن بالله، وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله. وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]. ففي ذلك دليل واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبر عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبراً عن اختلافهم في الرزق لم يعقب ذلك بالخبر عن عقابهم وعذابهم) .
وقال ابن جرير رحمه الله: (وأما قوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم) ثم ذكر بأسانيده من قال بهذا القول.
وذكر بسنده عن الحسن البصري رحمه الله قال: (خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه) .
وذكر عن الحسن أيضاً: (قال {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}، قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافاً يضرهم) . وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما: (قوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: خلقهم فريقين. فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم يختلف، وذلك قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105]) .
وذكر عن عطاء رحمه الله في قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}. قال: يهود نصارى ومجوس {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. قال: من جعله على الإسلام {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: مؤمن وكافر .
وذكر عن أشهب أنه قال: سئل مالك عن قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: خلقهم ليكونوا فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير .
ثم قال ابن جرير رحمه الله: (وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمة خلقهم) .
ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول. ومنهم مجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة وابن عباس .
ثم قال ابن جرير: (وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره، ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل. والآخر أهل حق ثم عقب ذلك بقوله {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} فعم بقوله {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميسر لما خلق له) .
ثم رد على شبهة الجبرية بقوله: (فإن قال قائل: فإن كل تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفين غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربهم، وأن يكون المتمتعون هم الملومين؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت. وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. فهداه للحق، ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم، فمعنى اللام في قوله {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} بمعنى (على) كقولك للرجل. أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي) .
وقال ابن كثير رحمه الله: (وقوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم، قال عكرمة مختلفين في الهدى، قال الحسن البصري مختلفين في الرزق يسخر بعضهم بعضاً، والمشهور الصحيح الأول. وقوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. أي المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي وخاتم الرسل والأنبياء فاتبعوه وصدقوه وآزروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضاً) .
ثم ساق حديث الافتراق، وسيأتي ذكر طرقه وتخريجه في الفصل الثالث من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر الأثر التالي عن طاوس: (عن ابن أبي نجيح عن طاوس أن رجلين اختصما إليه فأكثروا فقال طاوس: اختلفتما وأكثرتما فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا فقال طاووس: كذبت. فقال: أليس الله يقول: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}؟ قال لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة) .
وقال القرطبي رحمه الله: (وقيل: الإشارة بذلك للاختلاف والرحمة، وقد يشار بـ (ذلك) إلى شيئين متضادين، كقوله تعالى: {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68]. ولم يقل بين ذينك ولا تينك، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]. وقال: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110] وكذلك قوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: 58].
وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى، لأنه يعم، أي ولما ذكر خلقهم) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: (يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء. ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالون مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق فيما قاله، والضلال في قول غيره.
{إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}. فهداهم على العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية، والتوفيق الإلهي. وأما من عداهم، فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم.
وقوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي: اقتضت حكمته، أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذي هدى الله، والفريق الذي حقت عليه الضلالة. ليتبين للعباد عدله، وحكمته، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات، التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء) .
الدليل الخامس:
قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 30-32].
يقول ابن جرير رحمه الله: (وقوله {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}. يقول: ولا تكونوا من المشركين الذين بدلوا دينهم، وخالفوه ففارقوه {وَكَانُوا شِيَعًا} يقول: وكانوا أحزاباً فرقاً كاليهود والنصارى) .
ويقول ابن كثير رحمه الله: (فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة.
وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء وهذه الأمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل صلى الله عليه وسلم، عن الفرقة الناجية منهم فقال: ((من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) ) .
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: ({مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} مع أن الدين واحد، وهو إخلاص العبادة لله وحده وهؤلاء المشركون، فرقوه. منهم من يعبد الأوثان والأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم يهود، ومنهم نصارى.
ولهذا قال: {وَكَانُواْ شِيَعًا}. أي: كل فرقة، تحزبت وتعصبت، على نصر ما معها من الباطل، ومنابذة غيرهم ومحاربتهم {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. من العلوم المخالفة لعلوم الرسل {فَرِحُونَ} به، ويحكمون لأنفسهم بأنه الحق، وأن غيرهم على باطل.
وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقاً، كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين، في التفرق، بل الدين واحد، والرسول واحد، والإله واحد.
وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها الله وربطها أتم ربط. فما بال ذلك كله يلغى ويبنى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية، أو فروع خلافية، يضلل بها بعضهم بعضاً، ويتميز بها بعضهم على بعض؟
فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان، وأعظم مقاصده، التي كاد بها المسلمين؟
وهل السعي في جمع كلمتهم، وإزالة ما بينهم من الشقاق، المبني على ذلك الأصل الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل الله، وأفضل الأعمال المقربة إلى الله؟) .
الدليل السادس:
قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
قال ابن جرير رحمه الله: ({أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أن اعملوا به على ما شرع لكم وفرض) إلى أن قال: (وقوله {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} يقول: ولا تختلفوا في الدين الذي أمرتم بالقيام به، كما اختلف الأحزاب من قبلكم) . ثم ذكر بسنده عن قتادة (قوله {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة) .
وقال ابن كثير رحمه الله: ({أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أي: وصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالأئتلاف والجماعة ونهاهم عن الإفتراق والاختلاف) .
وقال البغوي رحمه الله: (بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة) .
وقال الشوكاني رحمه الله: ({أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أي: توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه) .
إلى أن قال رحمه الله: ({وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أي: لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله وطاعة رسله وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة، وتتعارض فيها الأمارات وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد ومواطن الخلاف) .
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: (قال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
{وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل، وتحزبكم أحزاباً وشيعاً، يعادي بعضكم بعضاً، مع اتفاقكم على أصل دينكم) .
الفرع الثاني: الأدلة من السنة على ذم التفرق والتحذير منه
الحديث الأول:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من فارق الجماعة شبراً فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه)).
الحديث الثاني:
وعن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله أمرني بالجماعة وأنه من خرج من الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)).
الحديث الثالث:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((من فارق الجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية)).
المقصود بمفارقة الجماعة هنا، الجماعة التي لها إمام منتصب، فلا يجوز الخروج على هذا الإمام ولا نكث بيعته، ويؤيد هذا أن هذه الأحاديث الثلاثة قد وردت بألفاظ أخرى متقاربة وفيها: ((من خرج من السلطان شبراً)) بدل ((من خرج من الجماعة شبراً)). والحديث مروي عن ابن عباس نفسه رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية)).
وفي رواية عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية)).
قال ابن حجر رحمه الله: (وقوله (شبراً) بكسر المعجمة وسكون الموحدة وهي كناية عن معصيته السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق) .
إلى أن قال: (والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافراً بل يموت عاصياً) .
وقال أيضاً: (في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها) .
الحديث الرابع:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة – وفي رواية (ويغضب لعصبته ويقاتل لعصبته وينصر عصبته) فقتل فقتله جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه)).
وهذا الحديث مثل الأحاديث السابقة في الدلالة.
قال النووي رحمه الله في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: ((مات ميتة جاهلية)): (هي بكسر الميم أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم) . وقال أيضاً: (قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن قاتل تحت راية عمية)) هي بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضاً، قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور قال إسحاق بن راهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية) .
وفي معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة)). قال النووي رحمه الله: (ومعناه إنما يقاتل عصبية لقومه وهواه) .
وحول معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها)). قال النووي: (ومعناه لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله) .
الحديث الخامس:
عن عرفجة بن شريح الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: ((إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان)). وفي رواية (فاقتلوه).
وفي رواية للنسائي عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه)).
قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: (فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدراً، فقوله صلى الله عليه وسلم، فاضربوه بالسيف وفي الرواية الأخرى فاقتلوه معناه: إذا لم يندفع إلا بذلك) .
الحديث السادس:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك الجماعة)).
قال النووي رحمه الله: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((والتار لدينه المفارق للجماعة)) فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام قال العلماء ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما وكذا الخوارج والله أعلم) .
وقال ابن حجر رحمه الله: (والمراد بالجماعة جماعة المسلمين أي فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعاً) .
قلت: وهذا الذي ذكره العلماء وقع في تاريخ سلفنا الصالح ما يؤيده كقتال أبو بكر رضي الله عنه للمرتدين ومانعي الزكاة، وكقتال علي رضي الله عنه للخوارج، وللذين غالوا فيه والهوه وكقتل بعض الأئمة للمبتدعة: كقتل الجعد بن درهم بن صفوان.
الحديث السابع:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)). وفي بعض الروايات: ((هي الجماعة)).
قال المباركفوري رحمه الله عند شرحه للحديث: (قال العلقمي: قال شيخنا: ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتاباً قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله عليه وسلم، لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب، لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضاً، بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف. وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئاً فشيئاً إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة والثالثة والسبعون هم: أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية. انتهى باختصار يسير) .
وقال ابن أبي العز الحنفي في تعليقه على حديث الافتراق في (شرح الطحاوية): (فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة) .
وهذا ما عليه جمهور علماء السلف من أن المقصود بالفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة.
وأما الفرقة المخالفة لأهل السنة والجماعة فحكمهم مبني على مسألة (تكفير أهل البدع)، ولعلماء أهل السنة تفصيل طويل في هذه المسألة وخلاصته:
1- أن البدع ليست على درجة واحدة، فمنها البدع المكفرة التي تخرج صاحبها من دائرة الإسلام، ومنها البدع التي هي أقل درجة، ولا تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام.
2- ونتيجة للتفريق السابق، فإن المحققين من أهل العلم لا يدخلون غلاة أهل البدع الذين بدعهم مكفرة ضمن الثنتين والسبعين فرقة، ويجعلون حكم الثنتين والسبعين فرقة – بناء على ذلك – حكم أهل الوعيد من أهل الكبائر والمعاصي من هذه الأمة الذين لهم حكم الإسلام في الدنيا، ويدخلون تحت مشيئة الله تعالى في الآخرة، فإن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم ثم مآلهم إلى الجنة. وهذا هو أمثل الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم.
وفي حديث الافتراق فوائد عظيمة أشير إلى بعض منها:
الأولى:
دل الحديث على أهمية أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به، والتمسك بسنته، والتزام طريقته، فالابتداع في الدين خطره عظيم، ومخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ضررها جسيم. ولذلك كان من أهم الضوابط التي وضعها الإسلام للزوم الجماعة: الحث على ملازمة السنة والتمسك بها، والنهي عن البدعة والتحذير منها.
وقد بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في حديث الافتراق أمرين:
أولهما:
البشرى بالجنة لمن اتبع سبيله، وكان على ما كان عليه هو صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
الثاني:
الوعيد الشديد لمن خالف هديه وسنته.
الثانية:
يستنبط من قوله صلى الله عليه وسلم، (إلا واحدة) أن الحق واحد لا يتعدد. وهذه المسألة موضع خلاف بين العلماء، فمنهم من يرى بأن كل مجتهد مصيب، وهم الذين يطلق عليهم اسم (المصوبة)، ومنهم من يرى بأن الحق واحد لا يتعدد، وهم الذين يطلق عليهم اسم (المخطئة) ولاشك أن الأدلة مع الفريق الثاني، ويعتبر حديث الافتراق من الأدلة القوية التي تؤيد ما ذهبوا إليه.
قال الشاطبي: (إن قوله عليه الصلاة والسلام: (إلا واحدة) قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرق أيضاً لم يقل (إلا واحدة) ولأن الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق، لأنها الحاكمة بين المختلفين لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. إذ رد التنازع إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة) .
الحديث الثاني:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رجلاً قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: ((كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقاً على الحديث السابق: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق، لأن كلا القارئين كان حسناً فيما قرأه، وعلل ذلك: بأن من كان قلنا اختلفوا فهلكوا) .
رد مع اقتباس
  #363  
قديم 05-03-2012, 07:46 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

إلى أن قال: (واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة، الذي يورث الأهواء تجده من هذا الضرب، وهو: أن يكون كل واحد من المختلفين مصيباً فيما يثبته، أو في بعضه، مخطئاً في نفي ما عليه الآخر) .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم، أن الاختلاف في الكتاب سبب هلاك من كان قبلنا، فعن عبد الله بن عمرو قال: (هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرف في وجهه الغضب، فقال: ((إنما أهلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب)).
وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو: أن نفرا كانوا جلوساً بباب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: ((أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم. أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيء. انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا عنه)).
وتوجد أحاديث أخرى كثيرة في ذم الفرقة والتحذير منها، وفيما يلي أسرد بعضاً منها إجمالاً:
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان ذئب ابن آدم كذئب الغنم يأتي إليها فيأخذ الشاذة والقاصية والناحية)).
وعن زكريا بن سلام يحدث عن أبيه عن رجل قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: ((يا أيها الناس عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ثلاث مرات)). قالها إسحاق (أحد الرواة) ).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عمل لله في الجماعة فأصاب تقبل الله منه وإن أخطأ غفر الله له، ومن عمل لله في الفرقة فإن أصاب لم يقبل الله منه وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار)).
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: دخلت مع ابن عمر رضي الله عنهما على عبد الله بن مطيع فقال: مرحباً بأبي عبد الرحمن ضعوا له وسادة فقال: إنما جئتك لأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((من نزع يداً من طاعة الله فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية)).
وعن فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامة ومات عاصياً، وأمة أو عبد فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده)).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((ترك السنة الخروج من الجماعة)).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((سألت ربي عز وجل ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل. وسألت أن لا يظهر عليهم عدوهم، ففعل. وسألت أن لا يلبسهم شيعاً فأبى علي)).
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ((لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله أخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً خطا ثم قال: ((هذا سبيل الله)). ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)). ثم تلا قول الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
وعن مجاهد: ((ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)) قال: (البدع والشبهات) .
وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران بينهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا. وفي رواية (ولا تتفرقوا)، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والستور حدود الله عز وجل، والأبواب محارم الله تعالى، والداعي على الصراط كتاب الله جل وعلا، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله تبارك وتعالى في قلب كل مسلم)).
الفصل الثاني: الاعتصام بالكتاب والسنة
تمهيد:
حيث إن الكتاب والسنة هما المصدر الأساسي للحق، والنبع الصافي لدين الإسلام، وهما المنهج الكامل لحياة البشر، وهما الميزان الصحيح الذي توزن به الأقوال والأفعال، جاءت الأدلة في الحث على أتباعهما، والعمل بهما، والاعتصام بهما، والرد إليهما عند التنازع والاختلاف.
ولا يكون للمسلمين شأن، ولا عز ولا نصر، ولا فلاح في الدنيا، ولا نجاة في الآخرة، إلا بامتثال أوامر الله تعالى وطاعته، وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والأدلة في هذا الموضوع كثيرة جداً، وفيا يلي ذكر لبعضها.
المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم
جاءت آيات كثيرة بالأمر بطاعة الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بأسلوب الترغيب تارة، نحو قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132].
{وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
وبأسلوب الترهيب تارة أخرى، نحو قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].
وقوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92].
كما جاءت آيات تمدح المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مع البشرى العظيمة لهم بالفوز والفلاح، نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].
وأمر سبحانه عباده المؤمنين بالتحاكم إلى الكتاب والسنة عند التنازع، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59].
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (قال مجاهد وغير واحد من السلف: أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة) .
وقال القرطبي في المقصود بالرد إلى الله والرسول: (أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم, هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة، وهو الصحيح) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (أمر برد كل ما تنازع الناس فيه، من أصول الدين وفروعه، على الله والرسول، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، أو عمومهما، أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى، يقاس عليه ما أشبهه. لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما فالرد إليهما شرط في الإيمان) .
بل نجد من الآيات التي تنفي الاختيار عن كل مؤمن ومؤمنة، إذا حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في أمر ما من الأمور.
يقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في زينب بنت جحش رضي الله عنها حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه فامتنعت ثم أجابت، إلا أنها خطاب لكل مؤمن ومؤمنة، وعامة في كل الأمور.
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ههنا، ولا رأي ولا قول) .
واستدل القرطبي بهذه الآية على أن صيغة افعل للوجوب في أصل وضعها، قال: (لأن الله تبارك وتعالى نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب. والله أعلم) .
وقال الشيخ السعدي: (أي: لا ينبغي ولا يليق، من اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما) .
ونهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتقدموا بين يدي الله رسوله. فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1].
وقد ذكر ابن كثير أقوالاً عن السلف الصالح في معنى قوله تعالى: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. منها : عن ابن عباس قال: (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة) . وعن الضحاك: (لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم) . وقال سفيان الثوري: ({لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. بقول ولا فعل) .
وقال الشيخ السعدي في بيان ما يستنبط من الآية الكريمة: (هذا متضمن للأدب مع الله تعالى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتعظيم والاحترام له، وإكرامه.
فأمر الله عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان بالله ورسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أمورهم. وأن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، فلا يقولوا حتى يقول، ولا يأمروا حتى يأمر.
فإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو: عنوان سعادة العبد وفلاحه, وبفواته تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي) .
المبحث الثاني: الأدلة من السنة النبوية
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنتي)) .
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: ((قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظتنا موعظة مودِّع، فاعهد إلينا بعهد. فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، وسترون بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة)) .
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بوقوع الاختلاف وحصوله في أمته، فأوصى أصحابه رضوان الله عليهم – ويدخل في الخطاب كافة الأمة- بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين عند وقوع الاختلاف.
فالتزام السنة هو الحل عند وقوع البدع، لذلك نرى من فقه الإمام مالك رحمه الله أنه ذكر حديث الاعتصام بالكتاب والسنة في باب النهي عن القول بالقدر.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) .
يقول ابن حجر في أثناء كلامه على هذا الحديث: (وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مستكرهاً، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي دونوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف, واجتنب ما أحدثه الخلف) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم, واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)) .
قال ابن حجر في شرح الحديث: (فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله، ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به, فإن كان من العلميات يتشاغل بتصديقه, واعتقاد حقيته، وإن كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلاً وتركاً) .
هذا هو الموقف الصحيح الذي يجب على كل مسلم أن يتخذه مع كتاب ربه عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, التعليم والفهم، ثم التصديق, والعمل, والامتثال.
فبهذا المسلك والمنهج نال السابقون رضوان الله عنهم، وجزاهم ربهم تبارك وتعالى بذلك التوفيق والنصر، والعز في الدنيا، والجنة والنعيم المقيم في الآخرة.
وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله)) .
قال الخطابي رحمه الله في شرح الحديث: (يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، فتحيروا وضلوا) .
وقال ابن بطة رحمه الله محذراً المسلمين من شر هؤلاء المنكرين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم: (وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قوماً يريدون إبطال الشريعة, ودروس آثار العلم والسنة، فهم يموهون على من قل علمه، وضعف قلبه، بأنهم يدعون إلى كتاب الله، ويعملون به، وهم من كتاب الله يهربون، وعنه يدبرون، وله يخالفون، وذلك أنهم إذا سمعوا سنة رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواها الأكابر عن الأكابر، ونقلها أهل العدالة والأمانة، ومن كان موضع القدوة والأمانة، وأجمع أئمة المسلمين على صحتها، أو حكم فقهاؤهم بها، عارضوا تلك السنة بالخلاف عليها، وتلقوها بالردِّ لها. وقالوا لمن رواها عندهم: تجد هذا في كتاب الله؟ وهل نزل هذا في القرآن؟ وائتوني بآية من كتاب الله حتى أصدق بهذا) .
فحكم عليهم بخبث النية وسوء الطويَّة، وأنهم يريدون هدم دين الإسلام، وإبطال الشريعة. قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8].
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم، يخالف في أن فرض الله عز وجل أتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه بأن الله عز وجل لم يجعل لأحد بعده إلا أتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, واحد لا يختلف في أن الفرض الواجب قبول الخبر عن الرسول إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله).
وفي الحديث السابق إثبات لحجية السنة، وأنها واجبة الأتباع على كل مسلم.
وفيه ردٌّ صريح على الذين أنكروا حجية السنة قديماً كالرافضة، والمعتزلة وغيرهم، وحديثاً كالقرآنيين، والمستشرقين، وتلاميذهم كأمثال: أبي رية, ورشاد خليفة، وغيرهما.
السنة من الوحي:
تعتبر السنة النبوية جزء من الوحي، قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].
وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
وعن حسان بن عطية: قال: (كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل القرآن عليه يعلمه إياها كما يعلمه القرآن) .
وقال ابن حزم رحمه الله: (لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه، فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم, ووجدناه عز وجل يقول واصفاً لرسوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4]. فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن.
الثاني: وحي مروي منقول, غير مؤلف, ولا معجز النظام, ولا متلو، لكنه مقروء.
وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا) .
فالقرآن الكريم، والسنة النبوية من مشكاة واحدة، وهي داخلة في ذلك الوعد الصادق بالحفظ والضمان الأكيد، حيث قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وكان من مظاهر ذلك الحفظ ما نراه ونلمسه من جهود جهابذة السنة الذين بذلوا جهوداً عظيمة لحفظها، والذب عنها, وغربلتها، وتمييز صحيحها من سقيمها، والتأليف في العلوم التي تخدمها.
فكان من آثار هؤلاء الجهابذة ما تزخر به المكتبات الإسلامية – على مدى العصور – من مؤلفات قيمة في السنة وعلومها وشروحها .
المبحث الثالث: الأدلة من أقوال السلف الصالح
عن محمد بن سيرين قال: (كانوا لا يختلفون عن ابن مسعود في خمس: أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير السنة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وأن أكيس الكيس التقى، وأن أحمق الحمق الفجور) .
وعن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: (قلت لابن عباس: أوصني، قال: عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع ).
وعن مالك بن أنس قال: (كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من اهتدى بها مهتدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) .
وعن الزهري قال: (كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة) .
وهكذا نرى توافر الأدلة على هذا الأصل العظيم، فلا يستقيم دين امرئ مسلم إلا إذا تمسك بهذا الأصل، واتخذه منهاجاً يسير عليه، ويثبت عليه حتى الممات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة، وترجم عليه أهل العلم في الكتب كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، كما ترجم عليه البخاري, والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين) .
وقد كان هذا الأصل من الأصول التي اتفق عليها سلف هذه الأمة، فكان ذلك من أعظم نعم الله عليهم، يقول شيخ الإسلام: (وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم، اعتصامهم بالكتاب، والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه, ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات, والآيات البيانات أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم) .
وقد عبر اللالكائي عن هذه الحقيقة الناصعة في أول كتابه أصول السنة بقوله: (أما بعد: فإن أوجب ما على المرء معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله عباده من فهم توحيده وصفاته، وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها، والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول، وأوضح حجة ومعقول، كتاب الله الحق المبين. ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار والمتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها والمقام عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مما أحدثها المضلون. فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين. واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين. ثم من اقتدى بهم من الأئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين، واجتهد في سلوك سبيل المتقين, وكان من الذين اتقوا والذين هم محسنون. فمن أخذ في مثل هذه المحجة, وداوم بهذه الحجج على منهاج الشريعة أحسن في دينه التبعة، في العاجلة والآجلة. وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها) .
فيجب على كل مسلم أن يحرص كل الحرص على الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بما أجمع عليه السلف الصالح، وأن يجعل ذلك ميزاناً يزن به ما اختلف فيه الناس بعد القرون الفاضلة من الأقوال والأفعال والمعتقدات وغيرها.
الفصل الثالث: ذم البدع
المبحث الأول: تعريف البدع
المطلب الأول: البدعة لغة
وأصل مادة بَدَعَ للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: {بَدِيعُ السَّموَاتِ والأرْضِ} [البقرة: 117] أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى: {قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِن الرُّسُل} [الأحقاف: 9]، أي ما كنت أوَّل من جاءَ بالرسالة من الله إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنَّه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه.
ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة: فمن هذا المعنى سُمِّيَ العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة .
المطلب الثاني: البدعة اصطلاحاً
البدعة.. عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه. وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنَّما يخصها بالعبادات، وأمَّا على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد. فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنَّما قُيِّدت بالدين لأنَّها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضاً فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خُصَّ منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنَّما خاصَّتها أنَّها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كلِّ ما ظهر لبادي الرأْي أنَّه مخترع مما هو متعلق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأُصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنَّها وإن لم توجد في الزمان الأوَّل فأُصولها موجودة في الشرع.
(فإن قيل): فإنَّ تصنيفها على ذلك الوجه مخترع.
(فالجواب): أنَّ له أصلاً في الشرع، ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سُلِّم أنَّه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة،
فعلى القول بإثباتها أصلاً شرعياً لا إشكال في أنَّ كلَّ علم خادم للشريعة داخلٌ تحت أدلته التي ليست بمأْخوذة من جزئي واحد؛ فليست ببدعة البتَّة.
وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة، لأنَّ كلَّ بدعة ضلالة من غير إشكال، كما يأتي بيانه إن شاء الله.
ويلزم من ذلك أن يكون كَـتْبُ المصحف وجَمْعُ القرآن قبيحاً، وهو باطل بالإجماع فليس إذاً ببدعة.
ويلزم أن يكون دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة.
وإذا ثبت جزئيٌ في المصالح المرسلة، ثبت مطلق المصالح المرسلة.
فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة، بدعة أصلاً.
وقوله في الحد تضاهي الشرعية يعني: أنَّها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة:
منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائماً لا يقعد، ضاحياً لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة.
رد مع اقتباس
  #364  
قديم 05-03-2012, 07:46 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ومنها: التزام الكيفيات والهَيْئَات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، وما أشبه ذلك.
ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته.
وثَمَّ أوجهٌ تضاهي بها البدعةُ الأمورَ المشروعة، فلو كانت لا تضاهي الأمورَ المشروعة لم تكن بدعة، لأنَّها تصير من باب الأفعال العادية.
وقوله: يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها.
وذلك أنَّ أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك. لأنَّ الله تعالى يقول: {وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فكأنَّ المبتدع رأى أنَّ المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أنَّ ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ.
وقد تبين بهذا القيد أنَّ البدع لا تدخل في العادات. فكل ما اختُرِع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية.
وأمَّا الحد على الطريقة الأُخرى فقد تبين معناه إلا قوله: يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
ومعناه أنَّ الشريعة إنَّما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأْتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته. لأنَّ البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلَّقت بالعبادات فإنَّما أراد بها أن يأتي تعبُّده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه. وإن تعلقت بالعادات فكذلك، لأنَّه إنَّما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها.
وقد ظهر معنى البدعة وما هي في الشرع والحمد لله .
المبحث الثاني: ذم البدع
المطلب الأول: الأدلة من النظر على ذمِّ البدع
أمَّا النظر فمن وجوه:
(أحدها) أنَّه قد عُلِمَ بالتجارب والخبرة، أنَّ العقول غير مستقلة بمصالحها، استجلاباً لها، أو مفاسدها، استدفاعاً لها. لأنَّها إما دنيوية أو أُخروية.
فأمَّا الدنيوية فلا يستقل باستدراكها على التفصيل البتَّة لا في ابتداء وضعها أوَّلاً، ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها، إما في السوابق، وإما في اللواحق، لأنَّ وضعها أوَّلاً لم يكن إلا بتعليم الله تعالى.
فلولا أنْ منَّ الله على الخلق ببعثة الأنبياء لم تستقم لهم حياة، ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم وهذا معلوم بالنظر في أخبار الأوَّلين والآخرين.
وأمَّا المصالح الأُخرويَّة، فأبعد عن مصالح المعقول من جهة وضع أسبابها، وهي العبادات مثلاً. فإنَّ العقل لا يشعر بها على الجملة، فضلاً عن العلم بها على التفصيل.
فعلى الجملة، العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي. فالابتداع مضادٌ لهذا الأصل، لأنَّه ليس (له) مستندٌ شرعيٌ بالفرض، فلا يبقى إلا ما ادَّعوه من العقل.
فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها، ما رام تحصيله من جهتها، فصارت كالعبث.
(الثاني) أنَّ الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، لأن الله تعالى قال فيها: {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لكَمُ الإسلامَ دِيناً} [المائدة: 3]. وفي حديث العِرباض بن سارية: ((وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إنَّ هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ قال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي))الحديث .
فالمبتدع إنَّما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله:
إنَّ الشريعة لم تتم، وأنَّه بقي منها أشياءُ يجب أو يستحب استدراكها، لأنَّه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كلِّ وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.
قال ابن الماجشون: سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأنَّ الله يقول: {اليوم أكملتُ لكم دينكم} فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً.
(الثالث) أنَّ المبتدع معاندٌ للشرع ومشاقٌّ له، لأنَّ الشارع قد عين لمطالب العبد طرقاً خاصة على وجوه خاصة، وقَصَرَ الخَلْقَ عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد وأخبر أنَّ الخير فيها، وأنَّ الشر في تعدِّيها ـ إلى غير ذلك، لأنَّ الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنَّه إنَّما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. فالمبتدع رادٌ لهذا كله، فإنَّه يزعم أنَّ ثمَّ طُرُقاً أُخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عيَّنَه بمتعيّن، كأنَّ الشارع يعلم، ونحن أيضاً نعلم. بل ربما يُفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنَّه علم ما لم يعلمه الشارع.
وهذا إن كان مقصوداً للمبتدع فهو كفرٌ بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.
(الرابع) أنَّ المبتدع قد نَزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع، لأنَّ الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك، لأنَّه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون. وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس. ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام.
هذا الذي ابتدع في دين الله قد صيَّر نفسه نظيراً ومضاهياً (لله) حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف باباً؛ ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع.
(الخامس) أنَّه اتباع للهوى لأنَّ العقل إذا لم يكن متبعاً للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة؛ وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنَّه ضلال مبين. ألا ترى قول الله تعالى: {يا داودُ إنَّا جعلناكَ خليفةً في الأرضِ فاحكمْ بينَ النَّاسِ بالحقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عن سبيلِ الله، إنَّ الَّذينَ يَضِلُّونَ عن سبيلِ الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نَسُوا يومَ الحِساب} [ص: 26]
فَحَصَرَ الحكمَ في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجرداً إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك. وقال {ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَوَاهُ} [ الكهف: 28] فجعل الأمر محصوراً بين أمرين، اتباع الذكر، واتباع الهوى، وقال {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ الله} [ القصص: 50]
وهي مثل ما قبلها. وتأملوا هذه الآية فإنَّها صريحة في أنَّ من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه، فلا أحد أضل منه.
وهذا شأْن المبتدع، فإنَّه اتبع هواه بغير هدى من الله. وهدى الله هو القرآن.
وما بينته الشريعة وبينته الآية أنَّ اتباع الهوى على ضربين: أحدهما، أن يكون تابعاً للأمر والنهي فليس بمذموم ولا صاحبه بضال.
والآخرُ أن يكون هواه هو المقدم بالقصد الأوَّل، والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى الله فكان أضل الناس وهو يظن أنَّه على هدى.
وهنا معنى يتأكد التنبيه عليه، وهو أنَّ الآية المذكورة عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين:
أحدهما: الشريعة، ولا مِرْية في أنَّها علم وحق وهدى؛ والآخر الهوى، وهو المذموم، لأنَّه لم يذكر في القرآن إلا في سياق الذم، ولم يجعل ثمَّ طريقاً ثالثاً. ومن تتبع الآيات، ألفى ذلك كذلك .
المطلب الثاني: الأدلة من النقل على ذم البدع
وأمَّا النقل فمن وجوه:
(أحدها) ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ابتدع في دين الله في الجملة. فمن ذلك:
1- قول الله تعالى: {وأنَّ هذا صِراطِي مُسْتقِيماً فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [ الأنعام: 153] فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السُّنَّة، والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع. وليس المراد سبل المعاصي، لأنَّ المعاصي من حيث هي معاصٍ لم يضعها أحد طريقاً تُسْلك دائماً على مضاهاة التشريع. وإنَّما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات.
ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: ((خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً طويلاً، وخطَّ لنا سليمان خطاً طويلاً، وخطَّ عن يمينه وعن يساره فقال: هذا سبيلُ الله. ثم خطَّ لنا خطوطاً عن يمينه ويساره وقال: هذه سُبُل، وعلى كلِّ سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا هذه الآية: {وأنَّ هذا صِراطِي مُستَقِيماً فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} -يعني الخطوط- {فَتَفَرَّقَ بِكمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153])) .
قال بكر بن العلاء: أحسبُه أراد شيطاناً من الإنس وهي البدع والله أعلم.
وعن مجاهد في قوله: {ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}، قال: (البدع والشبهات) .
2- قول الله تعالى: {وعلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنْها جائِرٌ ولَوْ شَاءَ لهَداكُمْ أجْمَعِينَ} [ النحل: 9] فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائرٌ عن الحق؛ أي عادلٌ عنه، وهي طرق البدع والضلالات، أعاذنا الله من سلوكها بفضله. وكفى بالجائر أن يحذَّر منه. فالمساق يدل على التحذير والنهي.
عن التستري: {قصد السبيل} طريق السُّنَّة، {ومنها جائرٌ} يعني إلى النار، وذلك الملل والبدع.
وعن مجاهد (قصد السبيل) أي: المقتصد منها بين الغلو والتقصير، وذلك يفيد أنَّ الجائر هو الغالي أو المقصِّر، وكلاهما من أوصاف البدع.
3- {إنَّ الَّذِين فَرَّقوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْىءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلىَ الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كَانُوا يَفْعَلُونَ} [ الأنعام: 159].
قال ابن عطيَّة: (هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوءِ المعتقد)
قال القاضي (إسماعيل): ظاهر القرآن يدل على أنَّ كلَّ من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية؛ لأنَّهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعاً.
(الثاني): ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة تكاد تفوق الحصر، إلا أنَّا نذكر منها ما تيسر مما يدل على الباقي ونتحرى في ذلك - بحول الله- ما هو أقرب إلى الصحة. فمن ذلك:
1- ما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ)) وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ)) وهذا الحديث عدَّه العلماءُ ثلث الإسلام، لأنَّه جمع وجوه المخالفة لأمره عليه السلام. ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية.
2- وخرَّج مسلمٌ عن جابر بن عبدالله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: ((أمَّا بعد فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأُمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة)) .
وفي رواية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: ((من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلِ الله فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأُمور محدثاتها وكل محدثة بدعة)) .
3- وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أُجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) .
4- وروى الترمذي وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله؟ كأنَّ هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وإن كان عبداً حبشياً. فإنَّه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأُمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة))
5- وفي الصحيح عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: ((يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي. قال فقلت: هل بعد ذلك الشر من شر؟ قال: نعم دعاة على نار جهنم من أجابهم قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا. قال: نعم هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأْمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن إمام ولا جماعة؟ قال: فاعتزل تلك الفِرقَ كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) .
6- ومما جاء في هذا الباب أيضاً ما خرَّج ابنُ وضاح ونحوه لابن وهب عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سيكون في أُمتي دجالون كذَّابون يأْتونكم بِبِدْعٍ من الحديث لم تسمعوه أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يفتنونكم)) .
(الثالث): ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم في ذمِّ البدع وأهلها وهو كثير.
1- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال: (اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتم) .
2- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّه قال يوماً: (إنَّ مِن ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيه القرآن، حتى يأْخذه المؤمن والمنافق، والرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والعبد، والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأْت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع فإنَّ ما ابتدع ضلالة، وأُحذِّركم زَيْغَةَ الحكيم فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق.
قال الراوي: قلت لمعاذ: وما يدريني يرحمك الله أنَّ الحكيم قد يقول كلمة ضلالة، وأنَّ المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى! اجتنب من كلام الحكيم غير المشتهرات التي يقال فيها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه، فإنَّه لعله أن يراجع وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته فإنَّ على الحق نوراً) .
ومما جاء عمن بعد الصحابة رضي الله عنهم:
1- عن أبي إدريس الخولاني أنَّه قال: (لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفاءها، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها) .
2- وعن الفضيل بن عياض: (اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإيَّاك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين).
1- وعن ابن المبارك قال: (اعلم أي أخي! إنَّ الموت كرامة لكل مسلم لقي الله على السُّنَّة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وَحْشَتَنَا وذهابَ الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع. وإلى الله نشكو عظيم ما حَلَّ بهذه الأُمة من ذهاب العلماء وأهل السُّنَّة، وظهور البدع) .
المبحث الثالث: خطورة البدعة وآثارها السيئة
البدعة لا يُقْبَلُ معها عمل:
كبدعة القدرية حيث قال فيها عبدالله بن عمر رضي الله عنه: (إذا لقيت أُولئك فأخبرهم أنِّي بريءٌ منهم، وأنَّهم بُرَءَاءُ مني، فوالذي يحلف به عبدالله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أُحُدٍ ذهباً فأنفقه ما تَقَبَّله الله منه حتى يؤمن بالقدر) .
ومثله حديث الخوارج وقوله فيه: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية - بعد قوله - تَحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم)) الحديث .
وإذا ثبت في بعضهم هذا لأجل بدعته فكل مبتدع يُخاف عليه مثل من ذُكِر، فإنَّ كون المبتدع لا يقبل منه عمل، إما أن يراد أنَّه لا يُقبل له بإطلاق على أي وجه وقع، من وِفاق سنة أو خلافِها، وإما أن (يراد) أنَّه لا يقبل منه ما ابتدع فيه خاصة دون ما لم يبتدع فيه.
فأمَّا الأوَّل: فيمكن على أحد أوجهٍ ثلاثة:
1- أن يكون على ظاهره من أنَّ كلَّ مبتدع أي بدعة كانت؛ فأعماله لا تقبل معها - داخلتها تلك البدعة أم لا-.
2- أن تكون بدعته أصلاً يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، فإنَّ عامة التكليف مبنيٌ عليه، لأنَّ الأمر إنَّما يَرِد على المُكلَّف من كتاب الله أو من سنة رسوله. وما تَفَرَّع منهما راجع إليهما.
3- أنَّ صاحب البدعة في بعض الأُمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذي يُصيِّر اعتقاده في الشريعة ضعيفاً، وذلك يبطل عليه جميع عمله. بيان ذلك أمثلة:
- منها أن يُشْرِكَ العقلَ مع الشرع في التشريع، وإنَّما يأتي الشرع كاشفاً لما اقتضاه العقل، فيا ليت شعري هل حكَّم هؤلاء في التعبد لله شَرْعَه أم عقولَهم؟ بل صار الشرع في نِحْلَتِهم كالتابع المعين لا حاكماً متبعاً، وهذا هو التشريع الذي لم يبق للشرع معه أصالة، فكلُ ما عمل هذا العامل مبنياً على ما اقتضاه عقله، وإن شَرَّك الشرع فعلى حكم الشركة لا على إفراد الشرع.
- ومنها أنَّ المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعدُ، فلا يكون لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [ المائدة: 3] معنى يعتبر به عندهم.
وأمَّا الثاني: وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة فيظهر أيضاً، وعليه يَدُلُّ الحديث المتقدِّم ((كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ)) والجميع من قوله: ((كل بدعة ضلالة)) . أي أنَّ صاحبها ليس على الصراط المستقيم، وهو معنى عدم القبول، وفاق قول الله: {وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [ الأنعام: 153]، وصاحبُ البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام، ولا على الصيام دون الزكاة، ولا على الزكاة دون الحج، ولا على الحج دون الجهاد، إلى غير ذلك من الأعمال، لأنَّ الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع، وهو الهوى والجهل بشريعة الله.
صاحب البدعة تُنْـزَع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، فإنَّ الله تعالى بعث إلينا محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلاً، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلاً، ولا من مصالحنا الأُخروية قليلاً ولا كثيراً، حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم لزوال الريب والالتباس، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس، فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة، والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلاً، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة. قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا} [ آل عمران: 103]، بعد قوله: {اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [ آل عمران: 102] فأشعرَ أنَّ الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقاً، وأنَّ ما سوى ذلك تفرقة، لقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُوا} والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة، لأنَّه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام.
الماشي إليه والموقِّر له مُعين على هدم الإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) الحديث
فإنَّ الإيواء بجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر لأنَّ المشي إليه والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته والشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به والعمل بما ينافيه.
وأيضاً فإنَّ توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم:
إحداهما: التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنَّه أفضل الناس، وأنَّ ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السُّنَّة على سنتهم.
والثانية: أنَّه إذا وُقِّـرَ من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المُحرِّض له على إنشاء الابتداع في كلِّ شيءٍ. فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه، وعلى ذلك دلَّ النقل عن السلف زيادة إلى صحة الاعتبار، لأنَّ الباطل إذا عُمِل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس، لأنَّ المحلَّ الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين.
صاحبها ملعون على لسان الشريعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) وعد من الإحداث، الاستنان بسنة سوء لم تكن.
يزداد من الله بعداً. لما رُوِيَ عن الحسن أنَّه قال: صاحب البدعة ما يزداد لله اجتهاداً، صياماً وصلاة، إلا ازداد من الله بعداً.
وعن أيوب السِّخْتِياني قال: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً) .
ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج ((يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم ـ إلى أن قال ـ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة)) فبين أوَّلاً اجتهادهم ثم بيَّن آخراً بُعْدهُمْ من الله تعالى.
البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام. لأنَّها تقتضي التفرق شِيَعاً.
وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [ الأنعام: 103]، وقوله: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى.
وقد بيَّن عليه الصلاة والسلام أنَّ فساد ذات البيْنِ هي الحالقة وأنَّها تحلق الدين، هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.
وأوَّل شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم وَيَدَعُون الكفار. ثم يليهم كل من كان له صَوْلة منهم بقرب الملوك فإنَّهم تناولوا أهل السُّنَّةِ بكل نَكالٍ وعذاب وقتل.
ثم يليهم كل من ابتدع بدعة فإنَّ من شأْنهم أن يُثَبِّطوا الناس عن اتباع الشريعة ويذمونهم.
وأيضاً فإنَّ أهل السُّنَّةِ مأْمورون بعداوة أهل البدع وقد حذَّر العلماءُ من مصاحبتهم ومجالستهم، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء. لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة مما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين لا على التعادي مطلقاً. كيف ونحن مأْمورون بمعاداتهم وهم مأْمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟
وأما أنها مانعة من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم لما في الصحيح قال: ((أوَّل من يُكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنَّه سيؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ـ إلى قوله ـ فيقال لم يزالوا مرتدين على أعقابهم)) الحديث ، ففيه أنَّه لم يذكر لهم شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهر من أوَّل الحديث أنَّ ذلك الارتداد لم يكن ارتداد كفرٍ لقوله: ((وإنَّه سيؤتى برجال من أمتي)) ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لما نُسبوا إلى أُمته، ولأنَّه عليه السلام أتى بالآية وفيها: {وَإنْ تَغْفِرْ لهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ} [ المائدة: 118]، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهم خارجون عن الإسلام جملة لما ذكرها، لأنَّ من مات على الكفر لا غفران له البتة، وإنَّما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عملُه عن الإسلام لقول الله تعالى: {إنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [ النساء: 116].
وأمَّا أنَّ على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة؛ فلقوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [ النحل: 25] ولما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من سَنَّ سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها)) الحديث .
وأمَّا أنَّ صاحبها ليس له من توبة فلما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله حَجَرَ التوبة على كلِّ صاحب بدعة))
ويدل على ذلك أيضاً حديث الفِرَق إذ قال فيه: ((وإنَّه سيخرج في أُمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواءُ، كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق، ولكنه قد يحمل على العموم العادي، إذ لا يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق، كما نُقِل عن عبدالله بن الحسن العنبري، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على عليّ رضي الله عنه، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم. ولكن الغالب في الواقع الإصرار.
رد مع اقتباس
  #365  
قديم 05-03-2012, 07:47 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ومن هنا قلنا: يبعد أن يتوب بعضهم لأنَّ الحديث يقتضي العموم بظاهره.
وسبب بعده عن التوبة: أنَّ الدخول تحت تكاليف الشريعة صعبٌ على النفس لأنَّه أمرٌ مخالف للهوى، وصادٌ عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جداً لأنَّ الحق ثقيل، والنفس إنَّما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل، لأنَّها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، والمبتدع لا بد له من تعلُّقٍ بشبهةِ دليل ينسبها إلى الشارع، ويدَّعِي أنَّ ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصوداً بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.
المبتدع يُلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى. لقوله تعالى: {إنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَينَالهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الحياةِ الدُّنْيا وكذلِك نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [ الأعراف: 152] قال الله تعالى: {وَكذلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ} فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم، من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله حسبما أخبر في كتابه في قوله تعالى: {قَدْ خَسِر الَّذِينَ قتَلُوا أولاَدهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْم وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ الله افْتِراءً علَى الله} [ الأنعام: 140]
فإذاً كلُّ من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي في عِزِّهِ وجَبَرِيَّتِهِ فهم في أنفسهم أذلاء، وأيضاً فإنَّ الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال. ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك استخفى ببدعته وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التَّقِيَّة.
البعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم: لحديث البخاري عن أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((أنا على حوضي أنتظر من يرد عليَّ، فيؤخذ بناسٍ من دوني، فأقول: أمتي، فيقال: إنَّك لا تدري، مشوا القهقرى)) .
الخوف عليه من أن يكون كافراً. لأنَّ العلماء من السلف الأوَّل وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم مثل الخوارج والقدرية وغيرهم، ودل على ذلك ظاهر قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ} [ الأنعام: 159]، وقولـه: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [ آل عمران: 106]. وقد حكم العلماءُ بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم، والعلماءُ إذا اختلفوا في أمر: هل هو كفر أم لا؟ فكل عاقل يربأُ بنفسه أن يُنسب إلى خطة خسف كهذه بحيث يقال له: إنَّ العلماءَ اختلفوا: هل أنت كافر أم ضال غير كافر؟ أو يقال: إنَّ جماعة من أهل العلم قالوا بكفرِك وأنت حلال الدم.
يُخافُ على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله. لأنَّ صاحبها مرتكبٌ إثماً، وعاصٍ لله تعالى حتماً، ومن مات مُصِرَّاً على المعصية فيخاف عليه.
لأنَّ المبتدع مع كونه مُصِرَّاً على ما نُهِيَ عنه يزيد على المُصِرِّ بأنه معارضٌ للشريعة بعقله، غير مُسَلِّمٍ لها في تحصيل أمرِه، معتقداً في المعصية أنها طاعة، حيث حسَّن ما قبَّحه الشارع، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة نظره، فهو قد قبَّح ما حسَّنه الشارع، ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء الله.
اسوداد الوجه في الآخرة، لقوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجوهٌ} [ آل عمران: 106].
البراءَةُ منه في قوله: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ} [ الأنعام: 159]
وقال ابن عمر رضي الله عنه في أهل القدر: (إذا لقيت أُولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم بُرَآءُ مني) .
والآثار في ذلك كثيرة. ويعضدها ما رُوِيَ عنه عليه السلام أنه قال: ((المرءُ على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)) . ووجه ذلك ظاهر.
يخشى عليه الفتنة لما حكى عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال: سألت مالكاً عمن أحرم من المدينة وراءَ الميقات؟ فقال: هذا مخالف لله ورسوله، أخشى عليه الفتنة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة. أما سمعت قوله تعالى: {فلْيَحْذَرِ الَّذِين يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ} [النور: 63]، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُهلَّ من المواقيت.
المبحث الرابع: أنواع البدع
المطلب الأول: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية
قسم الشاطبي البدعة إلى قسمين: حقيقية, وإضافية. وعرف الحقيقية بأنها ما لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب, ولا من سنة, ولا من إجماع, ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل . وإن ادعى مبتدعها ومن تابعه أنها داخلة فيما استنبط من الأدلة، لأن ما استند إليه شبه واهية لا قيمة لها. فكأنها هي البدعة حقيقة وما عداها على المجاز .
ومن أمثلتها:
أولا: تحريم الحلال, أو تحليل الحرام استناداً إلى شبه واهية, وبدون عذر شرعي, أو قصد صحيح، روى الترمذي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي. فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا} [المائدة: 87-88]) ).
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك, فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثواب ثم قرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ}) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه: (فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد, ولا يستظل, ولا يتكلم, ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم, وليستظل, وليقعد, وليتم صومه)) .
وقد تبين من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لفت نظره هذا المنظر أثناء خطبته والناس قعود. رجل قائم في الشمس, فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك المنافي لرفق ويسر الشريعة السمحة، فأمر بتقويمه وقال: مروه فليتكلم، وليستظل, وليقعد, وليتم صومه.
فالله غني عن مشقة هذا التي لا فائدة وراءها، وأقره على ما فيه فائدة ولا مشقة معه وهو الصوم.
يقول ابن حجر في الحديث من الفوائد:
(إن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة, كالمشي حافياً, والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله. فلا ينعقد به النذر, فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره, وهو محمول على أنه لا يشق عليه, وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل) .
وروى البخاري بسنده: عن قيس بن أبي حازم قال: (دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم. فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل. هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين) . وفي ذلك ما يفيد أن تحريم الحلال مخالف للشرع, بل من عمل الجاهلية, فإحداثه على أنه مما يقرب إلى الله من البدع. وسواء في ذلك أكان التحريم مؤكداً بيمين أم لا.
ومما تقدم من الأحاديث نستنتج الأمور الآتية:
1- إن البدع قد بدأت بوادرها في عهد النبوة كما تبين من تحريم أناس بعض ما أحل الله. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك.
2- إن هذه البدع قد فعلها أصحابها بدافع التقرب إلى الله, فلم يقرهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنها بدعة محدثة.
3- إن ذلك كان في مجال العبادة فعلوها للتزود من الخير, ولكن ليس كل مريد للخير يسلك الطريق الصحيح الموصل إليه.
4- إن الرسول صلى الله عليه وسلم قاوم هذا الاتجاه وقوم هذه المغالاة.
(5) إن ذلك الإحداث والغلو كان منحصراً في أفراد لا جماعات, بخلاف ما وصل إليه حال المسلمين في هذا الزمان، فإن البدع أصبحت تشكل جماعات وأحزاباً مختلفة{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
أما تحليل الحرام فيتمثل في تلك الآراء الفاسدة التي تحلل الربا بشبه واهية، أو تفتي بعدم جواز قتل المرتد، مع ورود الأحاديث الصحيحة في ذلك، استناداً إلى ما لا يجوز الاستناد إليه كما فعل صاحب كتاب الحرية الدينية في الإسلام.
ثانياً: ومن البدع الحقيقية اختراع عبادة ما أنزل الله بها من سلطان, كصلاة سادسة مثلاً بركوعين في كل ركعة أو بغير طهارة.
ثالثاً: ومنها إنكار الاحتجاج بالسنة، أو تقديم العقل على النقل, وجعله أصلاً والشرع تابع له.
رابعاً: ومنها القول بارتفاع التكاليف عند الوصول إلى مرحلة معينة مع بقاء العقل وشروط التكليف، فلا تجب عند ذلك طاعات, ولا تحرم محرمات, بل يصير الأمر على حسب الهوى والرغبات.
خامساً: ومن هذه البدع تخصيص مكان كبئر, أو شجرة, أو نحوها بخصوصية معينة من اعتقاد جلب خير, أو دفع ضر, بلا استناد إلى خبر صحيح.
أما البدعة الإضافية فقد عرفها الشاطبي بأنها ما لها شائبتان:
إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة.
والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، أي أنها بالنسبة لأحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل، وبالنسبة للجهة الأخرى بدعة، لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو لأنها غير مستندة إلى شيء.
وسميت إضافية لأنها لم تخلص لأحد الطرفين، لا بالمخالفة الصريحة ولا بالموافقة الصريحة.
والفرق بين البدعة الحقيقية والإضافية من جهة المعنى أن الدليل على الإضافية من جهة الأصل قائم, ومن جهة الكيفيات, أو الأحوال, أو التفاصيل لم يقم عليها. مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة . ومن أمثلتها: ذكر الله تبارك وتعالى على هيئة الاجتماع بصوت واحد. فالذكر مشروع بل واجب, لكن أداؤه على هذه الكيفية غير مشروع, بل هو بدعة مخالفة للسنة, وعليه يحمل قول ابن مسعود للجماعة الذين كانوا يجتمعون في المسجد وفي أيديهم حصى, فيسبحون ويكبرون بأعداد معينة حيث قال لهم: (والله لقد جئتم ببدعة ظلماً, أو فضلتم أصحاب نبيكم علماً) . ومن أمثلته أيضاً: تخصيص يوم النصف من شعبان بصيام, وليلته بقيام، وإفراد شهر رجب بالصوم أو عبادة أخرى.
فالعبادات مشروعة, ومنها الصوم, لكن يأتي الابتداع من تخصيص الزمان أو المكان إذا لم يأت تخصيص ذلك في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والبدعة الإضافية أشد خطورة من الحقيقية من حيث الشبه التي يستند إليها المبتدع في فعلها، فإنك إذا سألته عن دليل ذلك قال: إنه يذكر الله, ويصوم لله, فهل الذكر والصيام محرمان؟ ومن ثم يستمرئها, ويداوم عليها, وقد لا يتوب منها في الغالب، ذلك أن الشبهات أخطر الأمور على الدين, فهي أخطر من الشهوات وإن كان الجميع خطيراً، لأن إبليس اللعين لما يئس من تضليل المسلمين بالمعاصي دخل عليهم من باب العبادة, فزين لهم البدع بحجة التقرب إلى الله. وهنا مكمن الخطر. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهذه المداخل الشيطانية قد جلَّاها ووضحها ابن الجوزي رحمه الله في كتابه تلبيس إبليس فليراجع.
المطلب الثاني: انقسام البدعة إلى فعلية وتركية
البدعة من حيث قيل فيها: إنَّها طريقة في الدين مخترعة ـ إلى آخره ـ يدخل في عموم لفظها البدعة التَّرْكِيَّةُ، كما يدخل فيه البدعة غير التَّرْكِيَّةِ فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم، فإنَّ الفعل ـ مثلاً ـ قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصداً.
فبهذا التَّرْك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعاً أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنَّه ترك ما يجوز تركه أو ما يُطْلب تركُه، كالذي يُحَرِّم على نفسه الطعام الفلاني من جهة أنَّه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك: بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض فإنَّ الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوي، فالترك مباح.
وكذلك إذا ترك ما لا بأس به، حذراً مما به البأس فذلك من أوصاف المتقين، وكتارك المتشابه، حذراً من الوقوع في الحرام، واستبراءً للدِّين والعِرض.
وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تديناً أو لا، فإن لم يكن تديناً فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك. ولا يسمى هذا الترك بدعة إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة: إنَّ البدعة تدخل في العادات. وأمَّا على الطريقة الأُولى فلا يدخل. لكن هذا التارك يصير عاصياً بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحلَّ الله.
وأمَّا إن كان الترك تديناً فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزاً شرعاً فصار الترك المقصود معارضة للشارع.
لأنَّ بعض الصحابة همَّ أن يُحرِّم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر إتيان النساء، وبعضهم هَمَّ بالاختصاء، مبالغةً في ترك شأْن النساء. وفي أمثال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رغب عن سنتي فليس مني)) .
فإذاً كلُّ من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارجٌ عن سُنَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، والعامل بغير السُّنَّةِ تديناً، هو المبتدع بعينه.
(فإن قيل) فتارك المطلوبات الشرعية نَدْباً أو وجوباً، هل يسمى مبتدعاً أم لا؟
(فالجواب) أنَّ التارك للمطلوبات على ضربين:
(أحدهما) أن يتركها لغير التدين إما كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية. فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان الترك جزئياً، وإن كان كلياً فمعصية حسبما تبين في الأُصول.
(الثاني) أن يتركها تديناً. فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع الله.
فإذاً قوله في الحد: طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يشمل البدعة التركية، كما يشمل غيرها، لأنَّ الطريقة الشرعية أيضاً تنقسم إلى ترك وغيره.
وسواءٌ علينا قلنا: إنَّ الترك فعل أم قلنا: إنَّه نفي الفعل.
وكما يشمل الحدُّ الترك يشمل أيضاً ضد ذلك.
وهو ثلاثة أقسام:
قسم الاعتقاد، وقسم القول، وقسم الفعل، فالجميع أربعة أقسام.
وبالجملة، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي، يتعلق به الابتداع .
فالبدعة تنقسم باعتبار فعلها إلى فعلية, وتركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم. فإن الفعل مثلاً قد يكون حلالاً بالشرع, فيحرمه الإنسان على نفسه بالحلف أو يتركه قصداً بغير حلف، فهذا الترك إما أن يكون لأم يعتبر مثله شرعاً أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حجر فيه, كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني من أجل أنه يضره في جسمه, أو عقله, أو دينه وما أشبه ذلك. وكالذي يمنع نفسه من تناول اللحم لكونه مصاباً بمرض الكلى فإنه يهيجه عليه. فلا مانع من الترك. بل إن قلنا يطلب التداوي للمريض كان الترك هنا مطلوباً، فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات وأصله قوله عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر, وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) .
رد مع اقتباس
  #366  
قديم 05-03-2012, 07:48 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

وجملة القول أن الابتداع إن دخل في الأمور العادية فهو لما فيها من معنى التعبد، فرجع الأمر إلى أن الابتداع المذموم لا يكون في العادي المحض، كالمخترعات في أمور الدنيا التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وترقى برقى الأمم والشعوب.
ولما كانت بذلك لا يمكن للناس حصر جزئياتها, ويعسر عليهم أن يتقيدوا بجزئيات مخصوصة منها ترك الشارع التصرف لكل أمة تدير شؤونها بما يوافق زمانها, وجاءهم بقواعد كلية تنطبق على كل أمة، وتصلح لكل زمان, فجعل العدل أساس الأعمال. واتقاء الشر مقدماً في أي حال من الأحوال، فمتى كان ذلك قصد الناس في أمورهم الدنيوية فليخترعوا ما شاءوا من الطرق النافعة، وليبتدعوا ما أرادوا من الحيل والأساليب الصحيحة، فإنه لا حجر في ذلك. أما إذا جاوز المخترعون العدل باختراعهم. وانصرفوا إلى الشر والإفساد في ابتداعهم، فتلك سنة سيئة ((ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)) .
ومما تقدم من الكلام على حكم الابتداع في نحو لبس الثياب, والأكل, والشرب, والمشي, والنوم, يتضح أن هذه أمور عادية, وقد دخلها التعبد, وقيدها الشارع بأمور لا خيرة فيها كنهي اللابس عن إطالة الثوب، وطلب التسمية عند الأكل والشرب, والنهي عن الإسراف فيهما، والنهي عن النوم عارياً على سطح ليس ستر، إلى غير ذلك من القيود التي قيد بها الشارع, فالأمور المذكورة عادية, ومن هذه الجهة لا يدخلها الابتداع، وإنما من الجهة التي رسمها الشارع فيها. فإذا خولف بها الوجه المشروع, واعتبر ذلك ديناً يتقرب به إلى الله تعالى كانت بدعاً, بل هي معصية وابتداع باعتبارين كما سبق في وضع المكوس. فهي باعتبار مخالفتها الأمر والنهي عصيان, ومن حيث التقرب بها إلى الله تعالى من الجهة المضادة للطريق التي رسمها تكون مذمومة.
المبحث الخامس: حكم البدعة
معلوم أن النهي عن البدع قد ورد على وجه واحد، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) . وهذا عام في كل بدعة.
وقد فصل الإمام الشاطبي رحمه الله القول في أحكام البدعة تفصيلاً لا يبقى بعده مجال للشك بأن كل بدعة محرمة. وإذا سلمنا أن منها ما هو مكروه فهو كراهة تحريم وليس كراهة تنزيه ...
قال الشاطبي: (ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة، فيبقى حكم الكراهية, وحكم التحريم. فاقتضى النظر انقسام البدعة إلى قسمين: فمنها بدعة محرمة، ومنها بدعة مكروهة. وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات، لا تعدو الكراهة والتحريم، فالبدع كذلك هذا وجه.
ووجه ثان: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة، فمنها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا} [الأنعام: 136].
وقال تعالى: {مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} [المائدة: 103] ).
قلت: ويلحق بالبحيرة والسائبة وما ذكر بعدهما ما يفعله المريدون في هذا الزمان من شيوخ الطرق الصوفية من النذور لمشايخهم, ووقف بعض أموالهم عليهم في الحياة وبعد الممات، حيث يعتنى بهذه الأموال كل العناية, فتترك بعض المواشي بحيث لا تحلب, ولا تركب, ولا تذبح، ولا يؤخذ صوفها ولا وبرها, ولا يتصرف فيها حتى تصل إلى مقام الشيخ أو تترك حتى تموت.
وقد حدثني بعض من هداهم الله إلى الحق بعد أن كان مغرقاً في التصوف أنه كان يخصص جل أمواله لشيخ الطريقة ويكتفي منها بما يسد رمقه ورمق عياله. وقال لي بعضهم - وكنت في زيارة لبعض البلاد الإسلامية -: إنه يخصص ثلث ماله لشيخ الطريقة، وذكر لي غير واحد ممن أثق به أن شيوخ الطرق يرهبونهم, ويهددونهم بالانتقام, وحدوث المصائب العظام، إذا لم يهبوا بعض أموالهم للشيخ، وقد يدعي زوراً وبهتاناً أنه من ذوي الشرف والسيادة - أي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - بقصد ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل. والله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29-30].
إن صرف هذه النذور والأموال لأصحاب القبور هو الشرك الأكبر بعينه. والكفر البواح الذي من أجله أرسل الله الرسل, وأنزل الكتب, فإلى متى يسكت علماء المسلمين عن هذا الشرك وذلك الضلال المبين, فاستيقظوا يا حماة التوحيد, واصدعوا بالحق يا رجال العقيدة, {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94].
ثم نعود إلى الإمام الشاطبي رحمه الله وهو يضرب أمثلة على البدع المكفرة والمخرجة عن الملة حيث يقول: (وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا شك فيه أنه كفر صراح) .
قلت: ومن الفرق المارقة من الدين بإجماع المسلمين فرق الباطنية من إسماعيلية, وقرامطة, ودروز, ونصيرية, وغلاة الرافضة القائلين بارتداد الصحابة, ونقص القرآن الكريم, ودعوى العصمة لغير الأنبياء, ونحو ذلك من كفرياتهم. وكذا من ظهر في هذا العصر من الفرق المارقة الملحدة مثل القاديانية والبهائية ومن على شاكلتها.
إذاً فالقسم الأول من البدع هي تلك البدع المكفرة بدون شك أو ريب كما أسلفنا. ثم بين الشاطبي القسم الثاني وهو ما دون الكفر, أو المشكوك في كفر صاحبه من عدمه. ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر, أو يختلف هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج, والقدرية, والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية اتفاقاً وليست بكفر, كبدعة التبتل, والصيام قائماً في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع, ومنها ما هو مكروه، كقراءة القرآن بالإدارة، والاجتماع للدعاء عشية عرفة.
فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة, فلا يصح مع هذا أن يقال: إنها على حكم واحد، هو الكراهة فقط، أو التحريم فقط .
ثم يذكر الشاطبي وجهاً ثالثاً لبيان أحكام البدع فيقول: (إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينيات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين. ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن للمكمل أن يكون في رتبة المكمَّل، فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد، ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد، فقد ظهر تفاوت رتبة المعاصي والمخالفات. وأيضاً فإن الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه، فليست مرتبة النفس كمرتبة الدين، وليس تستصغر حرمة النفس جنب حرمة الدين، فيبيح الكفر الدم, والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين.
ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس، ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص؟ فالقتل بخلاف العقل والمال، وكذلك سائر ما بقي، وإذا نظرت في مرتبة النفس تباينت المراتب، فليس قطع العضو كالذبح، ولا الخدش كقطع العضو, وهذا كله محل بيانه الأصول.
وإذا كان كذلك فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي, فكذلك يتصور مثلها في البدع، فمنها ما يقع في الضروريات - أي أنه إخلال بها -, ومنها ما يقع في رتبة الضروريات، ومنها ما يقع في الدين, أو النفس, أو النسل, أو العقل, أو المال) .
وإليك أخي القارئ تلخيصاً للأمثلة التي أوردها الإمام الشاطبي رحمه الله لبيان تأثير البدع على الكليات الخمسة وغيرها من الأضرار مع زيادة نافعة إن شاء الله.
1- مثال الابتداع في الدين: تحريم البحيرة, والسائبة, والوصيلة, والحام. والمقصود بذلك تحريم ما أحل الله بقصد التقرب به إلى الله تعالى مع كونه حلالاً. قلت ويلحق بهذا نحلة الطائفة التي يسمى أهلها بالنباتيين الذين يحرمون اللحوم وكل ما لم يكن نباتياً, ويقال إن منهم أبا العلاء المعري ومن على شاكلته من الفلاسفة.
2- ومثال وقوعه في النفس: نحل الهند في تعذيبهم أنفسهم بأنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، بأنواع القتل التي تفزع منها القلوب، وتقشعر منها الجلود، كالإحراق بالنار، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلا في زعمهم، والفوز الأكمل بعد الخروج من هذه الدار العاجلة.
قلت: ويلحق بهؤلاء بعض غلاة الشيعة – الرافضة – الذين يجتمعون في اليوم العاشر من المحرم بمناسبة استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنه فيضربون أنفسهم بالحديد, والأخشاب, بدعوى الحزن كل ما تمر هذه المناسبة . وكذلك بعض المتصوفة الذين اختاروا لأنفسهم طريق التقشف, والعيش في الغابات والبراري وهم حفاة عراة, وكل ذلك قلدوا فيه طوائف الهندوك, والبوذيين ومن على شاكلتهم.
3- ومثال ما يقع في النسل: ما ذكر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيها, ومعمولاً بها، ومتخذة فيها كالدين المنتسب, والملة الجارية التي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام، ولا غيره، بل كانت من جملة ما اخترعوا وابتدعوا, وهو على أنواع, فقد روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:
(الأول منها: نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته، أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
والثاني: نكاح الاستبضاع. كالرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا نكاح الاستبضاع.
والثالث: أن يجتمع الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة كلهم يصيبها, فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع منهم رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحب باسمه فيلحق به ولدها فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.
الرابع: أن يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت أحداهن ووضعت حملها جمعوا لها, ودعوا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به, ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم) .
قلت: ويلحق بهذا نكاح المتعة الذي حرمه الإسلام، كما دلت عليه السنة الصحيحة. ومع هذا فهو من أفضل الأنكحة عند الرافضة إلى اليوم.
قلت: ويلحق بهذا نكاح المتعة الذي حرمه الإسلام، كما دلت عليه السنة الصحيحة. ومع هذا فهو من أفضل الأنكحة عند الرافضة إلى اليوم.
4- ومثال ما يقع في العقل: أن الشريعة بينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].
وقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. وقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [يوسف: 40], وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في الاستقلال بالتشريع, وأنه محسن ومقبح في دين الله، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه. ومما لاشك فيه أن العقل يدرك الحسن والقبح في الجملة, لكنه لا يستقل بالحكم دون الشرع كما تقوله المعتزلة، ومن تحكيم العقل المجرد أن الخمر لما حرمت، ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهو يشربها. قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} [المائدة: 93]. الآية. تأولها قوم – فيما ذكر – على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت قوله {فِيمَا طَعِمُواْ} فذكر إسماعيل بن إسحاق عن علي رضي الله عنه قال: (شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا الآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ} الآية. قال: فكتب فيهم إلى عمر، قال فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين: نرى أنهم قد كذبوا على الله, وشرعوا في دينه ما لم يأذن به, فاضرب أعناقهم، وعلي رضي الله عنه ساكت، قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به. فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين) .
فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله بنص الكتاب، وشهد فيهم علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة، بأنهم شرعوا في دين الله وهذه البدعة بعينها فهذا وجه.
وأيضاً فإن بعض الفلاسفة الذين ظهروا بين المسلمين تأول فيها غير هذا وهو أنه إنما يشربها للنفع لا للهو، وعاهد الله على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية النافعة, أو غذاء صالح يصلح لحفظ الصحة. ويحكى هذا العهد عن ابن سيناء .
قلت: وقد قلد ابن سيناء وغيره من الإباحيين كثير من الناس في هذا العصر بتعاطي المخدرات والمفترات والتي هي أخطر من الخمر في تأثيرها على الصحة, والعقل, والمال, والدين قبل كل شيء. يروجونها بدعوى أنها منشطة, ومنسية للهموم والأحزان، وهي لا تزيدهم إلا هماً وغماً، كما قال فيها الشاعر: (وداوني بالتي كانت هي الداء) . وإن كثيراً من بلاد المسلمين تبيح قوانينها شرب الخمور, وتعاطيها دون حياء أو خجل أو خوف من الله عز وجل. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر, والحرير, والخمرة, والمعازف)) .
ولو نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم لوجدنا أن هذه الأمور قد استحلت, بل يعطى أصحابها تراخيص رسمية بموجب القانون. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومما له تأثير على العقل أيضاً أن بعض المبتدعة تحولوا في ذكرهم لله إلى حالة من الرقص والغناء مصحوبة بآلات الطرب واللهو، فربما رقصوا بدعوى الذكر حتى تغيب عقولهم, ويصيبهم الزار, فيقعون على الأرض, ويزعمون أنهم سكروا في حب الله عندما تذهب عقولهم تحت تأثير هذا الرقص والغناء. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
5- ومثال ما يقع في المال أن الكفار قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [ البقرة: 275]. فإنهم لما استحلوا العمل به احتجوا بقياس فاسد, فقالوا: إذا فسخ العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين, فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}[ البقرة: 275], ليس البيع مثل الربا. فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة المحدثات كسائر ما أحدثوه في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر .
قال علي محفوظ في كتابه الإبداع في مضار الابتداع رداً على من قاس الربا على البيع في الحل بعد أن أورد كلام الشاطبي.
وحاصله: (أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع, لوقوعه في مقابلة النص، على أن بينهما فارقاً، وهو أن من باع ثوباً مثلاً قيمته عشرة في الحال بأحد عشر، فإنه أخذ الزائد بغير عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً. لأنه ليس بمال حتى يكون في مقابلة الزائد. وهذا عين الربا لأنه زيادة لا يقابلها عوض في معاوضة مالية) .
قلت: وقد كثر الدعاة لإباحة الربا في هذا الزمان، ومما يؤسف له أن يكون بعض الناعقين بالدعوة إلى حله ممن يظن أنهم من أهل العلم، فقد صرحوا بإباحته على المنابر, وعبر وسائل الإعلام, متجاهلين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لعلل واهية, وتمحلات اخترعوها من بنيات أفكارهم, احتيالاً على تحليل ما حرم الله, وهذا شأن اليهود فإنهم عندما حرم الله عليهم لحوم الميتة أخذوا شحومها فجملوها - أي أذابوها - فباعوها فأكلوا ثمنها.
فقد روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه:
أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر, والميتة, والخنزير, والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) .
كما ظهر في هذا الزمان كثير من الحيل بقصد ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل مثل ما يسمى باليانصيب وغيره، من ألوان القمار, وكثير مما يجري في البورصات, والأسواق العالمية من الحيل, والمؤامرات, ناهيك عن انتشار البنوك الربوية في شتى بلاد العالم الإسلامي في كل مدينة وقرية. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وخلاصة القول إن البدع كلها حرام، وتتفاوت رتبها في دائرة الحرام، فمنها ما هو كفر صراح، ومنها ما هو مشكوك في كفر صاحبه, ومنها ما هو معصية لا يكفر صاحبها بلا نزاع، ومنها ما هو مكروه, وقد فصلنا أمثلة ذلك في أول الفصل.
هذا ويجدر بنا... أن ننبه إلى أن ما يجري عليه حكم المكروه من البدع، لا يعني به كراهية التنزيه، وقد نبه على ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله.
فإن إطلاق المكروه على ما هو مكروه تنزيهاً اصطلاح للمتأخرين لم يعرف عن المتقدمين من السلف، فلم يقولوا فيما لا حرج فيه إنه مكروه، ولم يكن شأنهم أن يقولوا فيما لا نص فيه هذا حلال وهذا حرام، لئلا يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116-117].
وإنما كانوا يقولون فيه هذا مكروه, أو أكره هذا, أولا أستحب هذا . وما أشار إليه الشاطبي هنا: من استعمال السلف لفظ المكروه بمعنى الحرام هو ما وضحه ابن القيم حيث بين أن في استعمال القرآن والسنة ما يشير إلى هذا كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء: 32]. وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ} [الأنعام: 152]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كره لكم قيل وقال...)) إلخ.
ومما يدل على أن البدع إذا عبر عنها بالكراهة فإنه يقصد بها كراهة التحريم هو ورود النهي عن البدع على وجه واحد، ونسبتها إلى الضلال على كل حال، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا إذا تأملنا حقيقة البدعة – جلت أو خفيت – وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات مخالفة تامة. فمرتكب المكروه يفعله متكلاً على العفو اللازم فيه, ورفع الحرج الثابت في الشريعة له. كما أن اعتقاده غير متزحزح، فهو يعتقد المكروه مكروهاً والحرام حراماً، ثم إنه يرى ترك المكروه أولى في حقه من الفعل, ويود لو لم يفعل، وعلى كل فطمعه في الإقلاع عن هذا المكروه, والتخلص من الوقوع فيه لا ينقطع.
أما مرتكب أدنى البدع فإنه يعد ما دخل فيه حسناً, بل يراه أولى مما حد له الشارع، ويزعم أن طريقه أهدى سبيلاً، ونحلته أولى بالأتباع، فهو يفعل ما يخالف, ولا يستشعر سوء ما يفعل، ويندر أن يتحرك قلبه نحو التوبة مما هو واقع فيه .
وعلى كل حال فالبدعة لها أمران:
أحدهما: أنها مضادة للشارع ومراغمة له, حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له.
والثاني: أن كل بدعة – وإن قلت – تشريع زائد, أو ناقص, أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقاً بما هو مشروع فيكون قادحاً في المشروع . ولذلك فإن البدع مع كونها محرمة فهي في أعلى درجات المحرم، وتكاد كلها أن تكون كبائر, فإن التشريع الزائد, أو الناقص, أو تغيير الأصل لو لم يكن بناء على اجتهاد خاطئ, أو تأويل غير مقبول لكان كفراً, وكل ما ذكر في شأن البدعة وما ورد فيها من الذم يرجح ذلك.
رد مع اقتباس
  #367  
قديم 05-03-2012, 07:48 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

انتهى نسح الموسوعة
رد مع اقتباس
  #368  
قديم 05-03-2012, 07:48 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الموسوعة, العقيدة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


عدد مرات النقر : 8,259
عدد  مرات الظهور : 204,045,594
عدد مرات النقر : 11,164
عدد  مرات الظهور : 204,045,593

الساعة الآن 02:32 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009