الجامعة العالمية للقراءات القرآنية والتجويد ترحب بكم

عدد مرات النقر : 12,630
عدد  مرات الظهور : 201,637,187

عدد مرات النقر : 57,627
عدد  مرات الظهور : 203,943,575
عدد مرات النقر : 55,363
عدد  مرات الظهور : 205,619,928
عدد مرات النقر : 59,011
عدد  مرات الظهور : 205,619,914
عدد مرات النقر : 54,208
عدد  مرات الظهور : 203,943,567

الإهداءات




عدد مرات النقر : 39,062
عدد  مرات الظهور : 136,259,876
عدد مرات النقر : 52,735
عدد  مرات الظهور : 150,042,005

عدد مرات النقر : 32,937
عدد  مرات الظهور : 131,778,858
عدد مرات النقر : 34,411
عدد  مرات الظهور : 127,592,203

عدد مرات النقر : 30,692
عدد  مرات الظهور : 134,709,634
عدد مرات النقر : 32,055
عدد  مرات الظهور : 127,359,047
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 04-07-2012, 04:04 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفسير سورة التّين

مكية و آياتها ثمان

( التين و الزيتون و طور سينين و هذا البلد الأمين ) أقسم الله تعالى بالتين و الزيتون , و هو الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك , و منها بُعث المسيح عيسى بن مريم و أنزل عليه فيها الإنجيل , و أقسم بطور سيناء و هو الجبل الذي كلم الله موسى و ناداه فيه , من واديه الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة , و أقسم بهذا البلد الأمين الذي جعله الله حرما آمنا و يتخطف الناس من حوله و هو مكة الذي أسكن فيها إبراهيم إبنه , و أمه هاجر فيه . و أرسل فيه محمدا صلى الله عليه و سلم .
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ( " و التين و الزيتون و طور سينين و هذا البلد الأمين " إقساما منه بالأمكنة الشريفة المعظمة الثلاثة , التي ظهر فيها نوره هذا , و أنزل فيها كتبه الثلاثة : التوراة و الإنجيل و القرآن ) .

( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) تام الخلق , متناسب الأعضاء , منتصب القامة , لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرا أو باطنا شيئا , و مع هذه النعم العظيمة , التي ينبغي منه القيام بشكرها , فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم , مشتغلون باللهو و اللعب , قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمور , و سفاسف الأخلاق , فردهم الله إلى أسفل سافلين .

( ثم رددناه إلى أسفل سافلين ) أي جعلناه أسفل من سفل , و هم أصحاب النار , لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين .

( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) إلا من منّ الله عليه بالإيمان و العمل الصالح , و الأخلاق الفاضلة العالية , " فلهم " بذلك المنازل العالية و " أجر غير ممنون " أي غير مقطوع , بل لذات متوافرة , و أفراح متواترة , و نعم متكاثرة في أبدٍ لا يزول , ونعيم لا يحول .

( فما يكذبك بعد بالدين ) أي شيء يا ابن آدم يحملك على التكذيب بيوم الجزاء على الأعمال , و قد رأيت من آيات الله الكثيرة ما به يحصل لك اليقين , و من نعمه ما يوجب عليك أن لا تكفر بشيء مما أخبرك به .
و جُوِّز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم فيكون ذلك إنكار توبيخي للمكذبين له صلى الله عليه و سلم , بعدما ظهر لهم من دلائل صدقه و صحة مدعاه .

( أليس الله بأحكم الحاكمين ) أي بأحكم من حكم في أحكامه الذي لا يجور و لا يظلم أحدا , و من عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلم في الدنيا ممن ظلمه . قال أبو السعود " أي أليس الذي فعل ما ذكر بأحكم الحاكمين صنعا و تدبيرا , حتى يتوهم عدم الإعادة و الجزاء , و حيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين , تعين الإعادة و الجزاء , فالجملة تقرير لما قبلها "
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 04-07-2012, 04:04 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الشرح

مكية و آياتها ثمان آيات

( ألم نشرح لك صدرك ) أي نورناه و جعلناه فسيحا رحيبا واسعا لشرائع الدين و الدعوة إلى الله , و الإتصاف بمكارم الأخلاق , و الإقبال على الآخرة , و تسهيل الخيرات , فلم يكن ضيقا حرجا , لا يكاد ينقاد لخير , و لا تكاد تجده منبسطا .
و كما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج فيه و لا إصر و لا ضيق .

( ووضعنا عنك وزرك ) النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن له وزر حقيقة , لأنه كان محفوظا بحفظ الله تعالى فلم يسجد لصنم و لم يشرب خمرا و لم يقل أو يفعل إثما قط .
فالأنبياء و الرسل معصومون من الكبائر , و من الصغائر على الراجح , إذا ماهي ذنوب الأنبياء ؟ قال العلماء : ذنوب الأنبياء هي ما كان خلاف الأولى عن اجتهاد يعني يجتهد و لا يصيب الأولى , مثلما اجتهد النبي صلى الله عليه و سلم في أسرى بدر حيث قبل الفدية و أطلق سراحهم , فكان هذا اجتهاد , الله تعالى عاتبه عليه و قال " لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم " قاله الشيخ عبد العظيم بدوي في الدقيقة 53:01 .

( الذي أنقض ظهرك ) قال غير واحد من السلف أي أثقلك حمله . و الإنقاض : حصول النقيض و هو صوت فقرات الظهر , و قيل : صوت الجمل أو الرحل أو المركوب إذا ثقل عليه . فالإنقاض التثقيل في الحمل حتى يسمع له نقيض , أي صوت .

( و رفعنا لك ذكرك ) أي : أعلينا قدرك , و جعلنا لك الثناء الحسن العالي , الذي لم يصل إليه أحد من الخلق , فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسوله صلى الله عليه و سلم , كما في الدخول في الإسلام , و في الأذان و الإقامة و الخطب , و غير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله صلى الله عليه و سلم . و له في قلوب أمته من المحبة و الإجلال و التعظيم ما ليس لأحد غيره , بعد الله تعالى , فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيا عن أمته .

( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) بشارة عظيمة , أنه كلما وجد عسر و إن بلغ من الصعوبة ما بلغ فإنه في آخره التيسير الملازم له , حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه , كما قال تعالى " سيجعل الله بعد عسر يسرا " .
و تعريف " العسر " في الآيتين , يدل على أنه واحد , و تنكير " اليسر " يدل على تكراره , فلن يغلب عسر يسرين .

( فإذا فرغت فانصب ) إذا فرغت من أمور الدنيا و أشغالها و قطعت علائقها , فانصب في العبادة , و قم إليها نشيطا فارغ البال , و أخلص لربك النية و الرغبة . و عن ابن مسعود : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل . و قال ابن عباس " فإذا فرغت فانصب " : يعني في الدعاء . و قال زيد بن أسلم و الضحاك " فإذا فرغت " أي : من الجهاد " فانصب " أي في العبادة .

( و إلى ربك فارغب ) إرغب بعد كل عمل تقوم به في مثوبة ربك و عطائه و ما عنده من الفضل و الخير إذ هو الذي تعمل له و تنصب من أجله فلاترغب في غيره و لا تطلب سواه .
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 04-07-2012, 04:05 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الضحى

مكية و آياتها إحدى عشر آية

عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال " اشتكى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت يا محمد إنّي لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قد قربك منذ ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله عز وجل ( و الضحى و الليل إذا سجى ماودّعك ربّك و ما قلى ) " رواه البخاري و مسلم . و المرأة هي أم جميل العوراء إمرأة أبي لهب .
قلت ( عبد الحي ) : و روى مسلم أيضا عن جندب أنه قال : " أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه و سلم , فقال المشركون : قد وُدِّع محمد , فأنزل الله عزّ و جل ( و الضحى و الليل إذا سجى ماودّعك ربّك و ما قلى ) "

( و الضحى و الليل إذا سجى )
" الضحى " هو أول النهار من طلوع الشمس و ارتفاعها قيد رمح إلى ما قبل الزوال بقليل .
" و الليل إذا سجى " أي اشتدّ ظلامه
و معنى الآية : أن الله تعالى أقسم بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى , و بالليل إذا سجى و ادلهمّت ظلمته , على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه و سلم .

( ما ودّعك ربك ) أي ما تركك منذ اعتنى بك , و لا أهملك منذ رباك و رعاك , بل لم يزل يربيك أحسن تربية , و يعليك درجة بعد درجة

( و ما قلى ) و ما أبغضك , و القالي : المبغض , يعني ما هجرك عن بغض .

( و للآخرة خير لك من الأولى ) قال ابن جرير : " أي و للدار الآخرة , و ما أعد الله لك فيها , خير لك من الدار الدنيا و ما فيها " .
لهذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أزهد الناس في الدنيا , و أعظمهم لها إطراحا . و قال القاضي : " أو : لنهاية أمرك خير من بدايته ". فلم يزل صلى الله عليه و سلم في درج المعالي , و يمكن له الله دينه , و ينصره على أعدائه , و يسدد له أحواله , حتى مات , و قد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون و الآخرون , من الفضائل و النعم و قرة العين , و سرور القلب .

( و لسوف يعطيك ربك فترضى ) أي يعطيك من فواضل نعمه في العقبى حتى ترضى , و هذه عدّة كريمة شاملة لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من كمال النفس و علوم الأولين و الآخرين , و ظهور الأمر و إعلاء الدين , بالفتوح الواقعة في عصره عليه الصلاة و السلام , و في أيام خلفائه الراشدين و غيرهم من ملوك الإسلام , و فشوّ دعوته في مشارق الأرض و مغاربها , و لما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله تعالى , و بالجملة , فهذه الآية جامعة لوجوه الكرامة و أنواع السعادة و شتات الإنعام في الدارين , حيث أجمله ووكله إلى رضاه و هذا غاية الإحسان و الإكرام .

ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده و رسوله محمد , صلوات الله و سلامه عليه : ( ألم يجدك يتيما فآوى ) و ذلك أن أباه تُوفي و هو حَمل في بطن أمه , و قيل : بعد أن ولد , عليه السلام , ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب و له من العمر ست سنين , ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي و له من العمر ثماني سنين , فكفله عمه أبو طالب , ثم لم يزل يحوطه و ينصره و يَرفع من قدره و يُوقّره , و يكفّ عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره , هذا و أبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان , و كل ذلك بقدر الله و حُسن تدبيره , إلى أن تُوفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل , فأقدم عليه سفهاء قريش و جُهالهم , فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس و الخزرج , كما أجرى الله سُنَّته على الوجه الأتم و الأكمل , فلما وصل إليهم أوَوه و نَصروه و حاطوه و قاتلوا بين يديه , رضي الله عنهم أجمعين , و كل هذا من حفظ الله له و عنايته به .

( ووجدك ضالا فهدى ) أي غافلا عما أوحاه إليك من الهدى و الفرقان , فهداك إليه و جعلك إماما له , كما في آية " ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان " قال الشهاب : فالضلال مستعار من " ضل في طريقه " إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده لعدم ما يوصله للعلوم النافعة , من طريق الإكتساب .

( ووجدك عائلا ) أي فقيرا ( فأغنى ) فأغناك بمال خديجة الذي وهبته إياه , أو بما حصل لك من ربح التجارة , ثم بما فتح الله عليك من البلدان , التي جبيت لك أموالها و خراجها , فجمع له بين مقامي , الفقير الصابر و الغني الشاكر , صلوات الله و سلامه عليه .

( فأمام اليتيم فلا تقهر ) كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم , و لا تذله و تنهره و تهنه , و لكن أحسن إليه و تلطفه به .

( و أما السائل فلا تنهر ) لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه , بنهر و شراسة خلق , بل أعطه ما تيسر عندك أو ردّه بمعروف و إحسان , و هذا يدخل فيه السائل للمال , و السائل للعلم , و لهذا كان المعلم مأمورا بحسن الخلق مع المتعلم , و مباشرته بالإكرام و التحنن عليه , فإن في ذلك معونة له على مقصده , و إكراما لمن كان يسعى في نفع العباد و البلاد .

( و أما بنعمة ربك فحدّث ) و النعم هذه تشمل الدينية و الدنيوية , فالدنيوية : كما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله , فحدث بنعمة الله عليك و أوسع في البذل على الفقراء , أما الدينية : فاشكر نعمة الإيمان و الإحسان و الوحي و العلم و الفرقان و ذلك بالتحدث بها إبلاغا و تعليما و تربية و هداية .
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 04-07-2012, 04:05 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الليل

مكية و آياتها إحدى و عشرون آية

( و الليل إذا يغشى ) أي يعم الخلق بظلامه .

( و النهار إذا تجلى ) ظهر بزوال ظلمة الليل أو تبين بطلوع الشمس .

و الليل و النهار هما آيتان من آيات الله الدالتان على ربوبيته تعالى الموجبة لألوهيته .

( و ما خلق الذكر و الأنثى ) و هو كقوله تعالى " و خلقناكم أزواجا " و كقوله تعالى " و من كل شيء خلقنا زوجين " .

( إن سعيكم لشتى ) أي إن عملكم أيها الناس لمختلف , منه الحسنات الموجبة للسعادة و الكمال في الدارين , و منه السيئات الموجبة للشقاء في الدارين - أي دار الدنيا و الآخرة - .

( فأما من أعطى ) أي أعطى ما أمر بإخراجه من العبادات المالية , كالزكوات , و الكفارات و النفقات , و الصدقات , و الإنفاق في وجوه الخير .

( و اتقى ) ما نُهي عنه , من المحرمات و المعاصي , على اختلاف أجناسها .

( و صدق بالحسنى ) أي صدّق ب " لا إله إلا الله " و ما دلت عليه , من جميع العقائد الدينية , و ما ترتب عليها من الجزاء الأخروي .

( فسنيسره لليسرى ) أي فسنهيئه و نوفقه للطريقة اليسرى , التي هي السلوك في طريق الحق , فنيسر له فعل كل خير , و نيسر له ترك كل شر , لأنه أتى بأسباب التيسير , فيسر الله له ذلك .

( و أما من بخل ) أي بالنفقة في سبيل الله , و منع ما وهب الله له من فضله من صرفه في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها. فلم يعط حق الله فيه و لم يتصدق متطوعا في سبيل الله .

( و استغنى ) بماله وولده و جاهه فلم يتقرب إلى الله تعالى بطاعته في ترك معاصيه و لا في أداء فرائضه , و لم ير نفسه مفتقرة غاية الإفتقار إلى ربها , الذي لا نجاة و لا فوز و لا فلاح , إلا بأن يكون هو محبوبها و معبودها , الذي تقصده و تتوجه إليه .

( و كذّب بالحسنى ) أي بوجود المثوبة للحسنى , لمن آمن الحق , لاسغنائه بالحياة الدنيا و احتجابه بها عن عالم الآخرة .

( فسنيسره للعسرى ) أي للطريقة العسرى المؤدية إلى الشقاء الأبدي , و هي العمل بما يكرهه الله تعالى و لا يرضاه من الذنوب و المعاصي و الآثام ليكون ذلك قائده إلى النار , قال الله تعالى " و نُقلّب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرة و نذرهم في طغيانهم يعمهون " .

( و ما يغني عنه ماله إذا تردّى ) يخبر تعالى بأن من بخل و استغنى و كذب بالحسنى حفاظا على ماله و شحا به و بخلا أن ينفقه في سبيل ربه هذا المال لا يغني عنه شيئا يوم القيامة إذا ألقي به في نار جهنم فتردى ساقطا فيها على أم رأسه .

( إن علينا للهدى ) أي علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة , حيث خلقنا الخلق للإصلاح في الأرض , أن نبين لهم طريق الهدى ليجتنبوا مواقع الردى , و قد فعل سبحانه ذلك بإرسال الرسل , و إنزال الكتب , و التمكين من الإستدلال و الإستبصار , بخلق العقل و هبة الإختيار .

( و إنّ لنا للأخرة و الأولى ) أي ملكا و خلقا , ليس له فيهما مشارك فليرغب الراغبون إليه في الطلب , و لينقطع رجاؤهم عن المخلوقين . و الآية أيضا فيها إشارة إلى تناهي عظمته و تكامل قهره و جبروته , و إن من كان كذلك , فجدير أن يبادر لطاعته و يحذر من معصيته .

( فأنذرتكم نارا تلظى ) أي تستعر و تتوقد . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منها دماغه " رواه البخاري . و الأخمص هو المتجافي من الرجل عن الأرض . و في رواية لمسلم " إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان و شراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل , ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا , و إنه لأهونهم عذابا " . و الشراك هو أحد سيور النعل , الذي يكون على وجهها و على ظهر القدم .

( لا يصلاها إلا الأشقى ) لا يدخلها و يصطلي بحرها خالدا فيها أبدا إلا الأشقى أي الأكثر شقاوة و هو المشرك , و قد يدخلها الشقي من أهل التوحيد و يخرج منها بتوحيده , حيث لم يكذب و لم يتول , و لكن فجر و عصى , و ما أشرك و ما تولى .

( الذي كذب ) بالحق الذي جاءه .

( و تولى ) عن آيات ربه و براهينها التي وضح أمرها و بهر نورها , عنادا و كفرا .

( و سيجنبها الأتقى ) أي و سيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى , ثم فسره بقوله تعالى ( الذي يؤتي ماله يتزكى ) أي يصرف ماله في طاعة ربه , ليزكي نفسه و ماله و ما وهبه الله من دين و دنيا .

( و ما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) فهو ينفق ما ينفقه في سبيل الله خاصة و ليس ما ينفقه من أجل أن عليه لأحد من الناس فضلا أو يداً فهو يكافئه بها لا لا , و إنما هو ينفق ابتغاء رضا ربه تعالى لا غير .

( و لسوف يرضى ) و لسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات .

و قد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق , حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك . و لا شك أنه داخل فيها , و أولى الأمة بعمومها , فإن لفظها لفظ العموم , و هو قوله تعالى " و سيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى و ما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى " , و لكنه مقدم الأمة و سابقهم في جميع هذه الأوصاف و سائر الأوصاف الحميدة .
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 04-07-2012, 04:05 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الشمس

مكية و آياتها خمس عشرة آية

أقسم الله تعالى بهذه الآيات العظيمة , على النفس المفلحة , و غيرها من النفوس الفاجرة , فقال :

( و الشمس و ضحاها ) قال ابن جرير : أقسم الله بالشمس و نهارها , لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار . قال الراغب " الضحى " انبساط الشمس و امتداد النهار , و به سمي الوقت . و حقيقته - كما قال الشهاب - تباعد الشمس عن الأفق المرئيّ و بروزها للناظرين . و قال الإمام : يقسم بالشمس نفسها ظهرت أو غابت لأنها خلق عظيم . و يقسم بضوئها لأنه مبعث الحياة و مجلي الهداية في عالمها الفخيم .

( و القمر إذا تلاها ) أي تبع الشمس في المنازل و النور . قال الإمام : و ذلك في الليالي البيض , من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة . و هو قسم بالقمر عند امتلائه أو قربه مع الإمتلاء . إذ يضيء الليل كله مع غروب الشمس إلى الفجر . و هو قسم في الحقيقة بالضياء في طور آخر من أطواره , و هو ظهوره و انتشاره الليل كله .

( و النهار إذا جلاّها ) أي جلّى ما على وجه الأرض و أوضحه , و ذلك عند انتفاخ النهار و انبساطه , لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الإنجلاء .

( و الليل إذا يغشاها ) أي يغشي وجه الأرض , فيكون ما عليها مظلما .
فتعاقب الظلمة و الضياء , و الشمس و القمر , على هذا العالم , بانتظام و إتقان , و قيام لمصالح العباد , أكبر دليل على أنه الله بكل شيء عليم , و على كل شيء قدير , و أنه المعبود وحده , الذي كل معبود سواه فباطل .

( و السماء و ما بناها ) أي و من رفعها , و صيّرها بما فيها من الكواكب كالسقف أو القبة المحكمة المزينة المحيطة بنا .

( و الأرض و ما طحاها ) أي بسطها من كل جانب , لافتراشها و ازدراعها و الضرب في أكنافها , فتمكن الخلق حينئذ من الإنتفاع بها , بجميع وجوه الإنتفاع .

( و نفس و ما سواها ) أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة , كما قال تعالى " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " , و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " كل مولود يولد على الفطرة , فأبواه يُهوّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمَجِّسانه , كما تولد البهيمة بهيمة جَمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " رواه البخاري و مسلم , و قال صلى الله عليه و سلم : " يقول الله عز و جل : إني خلقت عبادي حُنفاء فجاءَتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم " رواه مسلم .

( فألهمها فجورها و تقواها ) بين لها الخير و الشر , أي ما تعمله من الصالحات و ما تتجنّبه من المفسدات .

( قد أفلح من زكَّاها ) أي طهر نفسه من الذنوب , و نقّاها من العيوب , و رقّاها بطاعة الله , و علاّها بالعلم النافع و العمل الصالح .

( و قد خاب من دسّاها ) أي أخفى نفسه الكريمة , بالتدنس بالرذائل و الدنو من العيوب و الإقتراف للذنوب , و ترك ما يكملها و ينميها , و استعمال ما يشينها و يدسيها .

( كذّبت ثمود بطغواها ) أي بسبب طغيانها و ترفعها عن الحق و مجاوزتها الحدّ في الفجور , و عتوها على رسل الله . و المراد بهذا الإخبار إنذار قريش من خطر استمرارها على التكذيب , و تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم و المؤمنين .

( إذ انبعث أشقاها ) أي أشقى القبيلة , هو قُدَار بن سالف عاقر الناقة , و هو أحمير ثمود , و هو الذي قال تعالى " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر " . و كان هذا الرجل عزيزا فيهم شريفا في قومه نسيبا رئيسا مطاعا .

( فقال لهم رسول الله ) و هو صالح عليه السلام , محذّرا .

( ناقة الله و سقياها ) أي : احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء , و لا تعتدوا عليها في سقياها الذي اختصه الله به في يومها . و كان عليه السلام تقدم إليهم عن أمر الله أن للناقة شرب يوم و لهم شرب آخر , غير يوم الناقة . كما بينته آية الشعراء في قوله " هذه ناقة لها شرب و لكم شرب يوم معلوم و لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم " .

( فكذَّبوه ) أي : كذّبوه فيما جاءهم به سواء رسالته و دعوته إلى عبادة الله وحده , أو تحذيره لهم من حلول العذاب عليهم إنهم لمسوا الناقة بسوء .

( فعقروها ) أي قتلوها . قال في النهاية : أصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف و هو قائم , ثم اتسع حتى استعمل في القتل و الهلاك .
و ذلك أنهم أجمعوا على منعها الشرب و رضوا بقتلها . و عن رضا جميعهم قتلها قاتلها و عقرها من عقرها . و لذلك نسب التكذيب و العقر إلى جميعهم .

( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ) أهلكهم و أزعجهم بسبب كفرهم به و تكذيبهم رسوله و عقرهم ناقته , استهانة به و استخفاف بما بعث به . فأرسل عليهم الصيحة من فوقهم , و الرجفة من تحتهم , فأصبحوا جاثمين على ركبهم , لا تجد منهم داعيا و لا مجيبا .

( فسوّاها ) أي فسوى الدمدمة عليهم جميعا , فلم يفلت منهم أحد . فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء .

( و لا يخاف عقباها ) قال ابن عباس : لا يخاف الله من أحد تبعة , و كذا قال مجاهد و الحسن , و بكر بن عبد الله المزني , و غيرهم . فالله تعالى لا يخشى تبعة إهلاكهم لأنه العزيز الذي لا يغالب , و القاهر الذي لا يخرج عن قهره و تصرفه مخلوق , الحكيم في كل ما قضاه و شرعه .
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 04-07-2012, 04:06 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسر سورة البلد

مكية و آياتها عشرون آية

( لا أقسم بهذا البلد ) يقسم الله تعالى بالبلد الأمين , الذي هو مكة المكرمة , أفضل البلدان على الإطلاق .

( و أنت حل بهذا البلد ) قال مجاهد : ما أصبت - يعني الرسول صلى الله عليه و سلم - فيه فهو حلال لك , و قال قتادة : أنت به من غير حرج و لا إثم , و قال الحسن البصري : أحلها الله له ساعة من نهار . و هذا المعنى الذي قالوه قد ورد به الحديث المتفق على صحته : ( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات و الأرض , فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة , لا يُعضَد شجره و لا يختلى خلاه , و إنما أحلت لي ساعة من نهار , و قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس , ألا فليبلغ الشاهد الغائب ) . و في لفظ آخر ( فإن أحد ترخَّص بقتال رسول الله فقولوا : إن الله أذن لرسوله و لم يأذن لكم ) رواه البخاري و مسلم .

( ووالد و ما ولد ) قال مجاهد و قتادة و سعيد بن جبير و الحسن البصري و غيرهم : يعني بالوالد آدم , و ما ولد ولده , قال ابن كثير : و هذا الذي ذهب إليه مجاهد و أصحابه حسن قوي , لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى و هي المساكن أقسم بعده بالساكن , و هو آدم أبو البشر وولده . و اختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده , قال : و غير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل , و لا خبر بخصوص ذلك و لا برهان , يجب التسليم له بخصوصه , فهو على عمومه كما عمه .

( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) أي في شدة , يكابد الأمور و بعالجها في أطواره كلها , من حمله إلى أن يستقر به القرار , إما في الجنة و إما في النار .
و فيه تسلية للنّبي صلوات الله عليه , مما كان يكابده من قريش , من جهة أن الإنسان لم يخلق للراحة في الدنيا , و أن كل ما كان أعظم فهو أشد نصبا .

( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) أي أن لن تقوم قيامة , و لن يقدر على مجازاته و قهره و غلبته , مع أن ما هو فيه من المكابدة يكفي لإيقاظه من غفلته و اعترافه بعجزه .

( يقول أهلكت مالا لُّبَدًا ) أي : كثير , بعضه فوق بعض . و سمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات و المعاصي إهلاكا , لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق , و لا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم و الخسار و التعب و القلة , لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير , فإن هذا قد تاجر مع الله , و ربح أضعافا أضعافا ما أنفق .

( أيحسب أن لم يره أحد ) أيحسب أن لم يطلع الله تعالى على باطنه و نيته , حين ينفق ماله في السمعة و الرياء و المباهاة لا على ما ينبغي في مراضي الله , بل قد رآه الله , و حفظ عليه أعماله , ووكل به الكرام الكاتبين , لكل ما عمله من خير و شر .

( ألم نجعل له عينين و لسانا و شفتين ) للجمال و البصر و النطق , و غير ذلك من المنافع الضرورية فيها . قال السيد المرتضى : هذا تذكير بنعم الله عليهم ... و ما تفضل به عليهم من الآلات التي يتوصلون بها إلى منافعهم , و يدفعون بها المضار عنهم .

( و هديناه النجدين ) أي بيّنا له طريق الخير و الشر , و السعادة و الشقاء , بما أودعناه في فطرته و بما أرسلنا به رسلنا و أنزلنا به كتبنا .
و نظير هذه الآية قوله تعالى " إنّا خلقنا الإنسان من نُطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا . إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إما كفورا " .

( فلا اقتحم العقبة ) قال ابن زيد : أي : أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة و الخير .

( و ما أدراك ما العقبة ) أي أي شيء أعلمك ما اقتحم العقبة ؟ و في الإستفهام زيادة تقريرها و كونها عند الله تعالى بمكانة رفيعة .

( فك رقبة ) أي فكها من الرق , بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها , و من باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار. قال رسول لله صلى الله عليه و سلم : " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار , حتى إنه ليعتق باليد اليد , و بالرجل الرجل , و بالفرج الفرج " رواه البخاري و مسلم , و قال صلى الله عليه و سلم : " من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار , عضوا بعضو " صححه الألباني .

( أو إطعام في ذي مسغبة ) قال ابن عباس و عكرمة و مجاهد و الضحاك و قتادة و غير واحد : ذي مجاعة , و السَّغب : هو الجوع , قال إبراهيم النخعي : في يوم الطعام فيه عزيز . فيطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجة .

( يتيما ذا مقربة ) أي أطعم في مثل هذا اليوم يتيما ذا قرابة منك , قال السيد المرتضى : و هذا حض على تقديم ذوي النسب و القربى المحتاجين , على الأجانب في الإفضال . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الصدقة على المسكين صدقة , و على ذي الرحم اثنتان , صدقة و صلة " . صححه الألباني .

( أو مسكينا ذا متربة ) أي فقيرا مُدقعا لاصقا بالتراب من الحاجة و الضرورة , قال ابن عباس : " ذا متربة " هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له , و لا شيء يقيه من التراب , و قال عكرمة : هو الفقير المديون المحتاج , و قال سعيد بن جبير : هو الذي لا أحد له . قال ابن كثير : و كل هذه - الأقوال - قريبة المعنى .

( ثم كان من الذين آمنوا ) أي : ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة , مؤمن بقلبه , و يعمل الصالحات بجوارحه من كل قول و فعل , واجب أو مستحب , محتسب ثواب ذلك عند الله عز و جل , كما قال تعالى " و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا " , و قال " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن " .

( و تواصوا بالصبر ) على طاعة الله و عن معصيته و على أقدار الله المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضا على الإنقياد لذلك , و الإتيان به كاملا منشرحا به الصدر , مطمئنة به النفس .

( و تواصوا بالمرحمة ) للخلق , من إعطاء محتاجهم , و تعليم جاهلهم , و القيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه , و مساعدتهم على المصالح الدينية و الدنيوية , و أن يحب لهم ما يحب لنفسه , و يكره لهم ما يكره لنفسه , أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف , الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة ( أولئك أصحاب الميمنة ) لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه و حقوق عباده , و تركوا ما نهوا عنه و هذا عنوان السعادة و علامتها .

( و الذين كفروا بأياتنا ) أي بأدلتنا و أعلامنا من الكتب و الرسل و غير ذلك من آيات الأنفس و الآفاق , التي بكل يرتقي إلى معرفة الصراط التي يجب الإستقامة عليه في الإعتقاد و العمل .

( هم أصحاب المشئمة ) أي الشؤم على أنفسهم , أو جهة الشمال التي فيها الأشقياء , قال الإمام : أهل اليمين , في لسان الدين الإسلامي عنوان السعداء , و أهل الشمال عنوان الأشقياء .

( عليهم نار مؤصدة ) أي : مطبقة عليهم , فلا محيد لهم عنها و لا خروج لهم منها , و هي كناية عن حبسهم المخلد فيها و سد سبل الخلاص منها . أجارنا الله و إياكم بفضله و كرمه منها .
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 04-07-2012, 04:07 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الفجر

مكية و آياتها ثلاثون آية

( و الفجر ) أقسم الله تعالى الفجر , الذي هو آخر الليل و مقدمة النهار , لما في إدبار الليل و إقبال النهار , من الآيات الدالة عل كمال قدرة الله تعالى . و أنه وحده المدبر لجميع الأمور , الذي لا نبغي العبادة إلا له , و يقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة , يحسن أن يقسم الله بها . و جائز أن يكون قد أراد تعالى فجر يوم معين , فعن مسروق و مجاهد و محمد بن كعب أن المراد به هو فجر يوم النحر خاصة , و هو خاتمة الليالي العشر .

( و ليال عشر ) هي العشر الأول من شهر ذي الحجة , و فيها الأضحى , و الوقوف بعرفة , الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان , فما رُئِي الشيطان أحقر و لا أدحر منه في يوم عرفة , لما يرى من تَنَزُّل الأملاك و الرحمة من الله لعباده , و يقع فيها كثير من أفعال الحج و العمرة , و هذه أشياء معظمة , مستحقة لأن يقسم الله بها . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام "- يعني عشر ذي الحجة - قالوا : و لا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : " و لا الجهاد في سبيل الله , إلا رجلا خرج بنفسه و ماله , ثم لم يرجع من ذلك بشيء " . رواه البخاري .

( و الشفع و الوتر ) قال ابن جرير : و الصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذِكره أقسم بالشفع و الوتر , و لم يخصص نوعا من الشفع و لا من الوتر , دون نوع , بخبر و لا عقل , و كل شفع و وتر , فهو مما أقسم به . مما قاله أهل التأويل أنه داخل في قسمه هذا , لعموم قسمه بذلك .

( و الليل إذا يسر ) مقبلا أو مدبرا فهو بمعنى و الليل إذا سار و السير يكون صاحبه ذاهبا أو آيبا .

( هل في ذلك قسم لذي حجر ) أي : لذي عقل و لب و حجا و دين , و إنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال و الأقوال . قال ابن جرير : أي : هل فيما أقسمت به من هذه الأمور مقنع لذي حجر . و إنما عُني بذلك : أن في هذا القسم مكتفى لمن عقل عن ربه , مما هو أغلظ منه في الأقسام .

( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) ألم تعلم علما يقينيّا كيف عذب ربك عادا , فيعذب هؤلاء أيضا , لاشتراكهم فيما يوجبه من جحود الحق و المعاصي . و عاد قبيلة من العرب البائدة , و تلقب بإرم أيضا , كانوا متمردين عتاة جبارين , خارجين عن طاعته مكذبين لرسله , جاحدين لكتبه , فذكر تعالى كيف أهلكهم و دمرهم , و جعلهم أحاديث و عبر , و هؤلاء عاد الأولى هم أولاد عاد بن إرم بن عَوص بن سام بن نوح , قاله ابن إسحاق و هم الذين بعث الله فيهم رسوله هودا عليه السلام , فكذبوه و خالفوه , فأنجاه الله من بين أظهرهم و من آمن معه منهم , و أهلكهم بريح صرصر عاتية " سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية , فهل ترى لهم من باقية " . و قد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع , ليعتبر بمصرعهم المؤمنون .

( ذات العماد ) كانوا يسكنون بيوت الشَّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد لأنهم ينتجعون الغيوث و ينتقلون إلى الكلأ حيث كان , ثم يرجعون إلى منازلهم في الأحقاف في حضر موت .
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 04-07-2012, 04:08 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

( التي لم يُخلق مثلها في البلاد ) أي في العِظم و البطش و الأيدي , فقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة و أقواهم بطشا , و لهذا ذكَّرهم هود عليه السلام بتلك النعمة و أرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال : " و اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح و زادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تُفلحون " . و قال تعالى " فأمّا عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق و قالوا من أشدُّ منّا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة " .

( و ثمود ) هم قوم صالح عليه السلام .

( الذين جابوا الصخر بالواد ) أي قطعوا صخر الجبال , واتخذوا فيها بيوتا لهم و مساكن تقيهم برد الشتاء القارص و حر الصيف اللافح , قال تعالى " و كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين " , و المراد بالواد واديهم الذي كان بين جبلين من جبالهم التي ينحتون منها البيوت و هو وادي القرى .

( و فرعون ذي الأوتاد ) أي الجنود الذين يشدون له أمره , أو هي أوتاد يشد بها من يعذّبه إذ كان له أربعة أوتاد إذا أراد قتل من كفر به و خرج عن طاعته قيد كل يد بوتد و كل رجل بوتد و يقتله , أو هي القوى و العَدد و العُدد التي تم له بها ملكه , و رسخ بطشه و سلطانه .

( الذين طغوا في البلاد ) هذا الوصف عائد إلى عاد و ثمود و فرعون و من تبعهم , فإنهم طغوا في بلاد الله , و آذوا عباد الله , في دينهم و دنياهم , و لهذا قال " فأكثروا فيها الفساد "

( فأكثروا فيها الفساد ) و العمل بالكفر و شُعبه , من جميع أجناس المعاصي , و سعوا في محاربة الرسل و صد الناس عن سبيل الله , فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبا و سوط عذاب .

( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) أي : أنزل عليهم رجزا من السماء , و أحل بهم عقوبة لا يَرُدُّها عن القوم المجرمين , بما طغوا في البلاد و أفسدوا فيها , و قد بيّن تعالى إهلاكهم مفصلا في غير ما سورة و آية , فأهلك عاد بالريح الصرصر , و ثمود بالصيحة العاتية , و فرعون بالغرق في البحر .

( إن ربك لبالمرصاد ) أي لهؤلاء الذين قصّ نبأ هلاكهم , و لكل جبار عات و طاغية ظالم , فالله تعالى يرصد خلقه فيما يعملون و يجازي كلا بسعيه في الدنيا و الآخرى , و سيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله , و يقابل كلا بما يستحقه , و هو المنزه عن الظلم و الجور .

( فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعّمه فيقول ربي أكرمني ) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه الله تعالى فأكرمه بالمال و الولد و الجاه و نعمه بالأرزاق و الخيرات ليختبره في ذلك , فيعتقد أن ذلك من الله إكراما له , فيقول مفاخرا , ربي فضلني على غيري لمالي من فضائل و مزايا لم تكن لهؤلاء الفقراء , و الأمر ليس كذلك , بل هو ابتلاء و امتحان كما قال تعالى " أيحسبون أنّما نمدُّهم به من مال و بنين , نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " .

( و أمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) و أما إذا اختبره و ضيّق عليه رزقه لينظر تعالى هل يصبر العبد المختبر أو يجزع , فيقول ربي أهانن أي أذلني فأفقرني .

( كلاّ ) أي ليس كل من نعّمته في الدنيا فهو كريم عليّ , و لا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لديّ , فإن الله يعطي المال من يحب و من لا يحب , و يضيق على من يحب و من لا يحب , و إنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين , إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك , و إذا كان فقيرا بأن يصبر , فيثيبه الله على ذلك الثواب الجزيل , و إن كان ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل .

( بل لا تكرمون اليتيم ) الذي فقد أباه و كاسبه , و احتاج إلى جبر خاطره و الإحسان إليه . فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه , و هذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم و عدم الرغبة في الخير .

( و لا تحضون على طعام المسكين ) لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء و المساكين , و يحث بعضهم على بعض في ذلك .
و ذلك لأجل الشح على الدنيا و محبتها الشديدة المتمكنة من القلوب و لهذا قال تعالى " و تأكلون التراث أكلا لمّا و تحبون المال حبّا جمّا " .
قال الإمام : و إنما ذكر التحاض على الطعام , و لم يكتف بالإطعام فيقول " و لم تطعموا المسكين " ليصرح لك بالبيان الجليّ أن أفراد الأمة متكافلون و إنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , مع إلتزام كلّ لما يأمر به , و ابتعاده عما ينهى عنه .

( و تأكلون التراث ) أي الميراث .

( أكلاً لمّا ) أي : من أي جهة حصل لهم , من حلال أو حرام . قال بكر بن عبد الله : اللمّ : الإعتداء في الميراث , يأكل ميراثه و ميراث غيره .

( و تحبون المال حبّا جمّا ) أي جمعه و كنزه , حبّا كثيرا شديدا , و هذا كقوله تعالى " بل تؤثرون الحياة الدنيا و الآخرة خير و أبقى " , " كلا بل تحبون العاجلة و تذرون الآخرة " .

( كلاّ ) ردع لهم عن ذلك , و إنكار لفعلهم . و ما بعده وعيد عليه بالإخبار عن ندمهم و تحسرهم حين لا ينفعهم الندم .
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 04-07-2012, 04:09 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

( إذا دكت الأرض دكّا دكّا ) أي حركت حركة شديدة و زلزلت زلزالا قويا , و سويت الأرض و الجبال , فلم يبقى عليها شاخص البتّة .

(
و جاء ربك
) لفصل القضاء بين خلقه , و ذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه و سلم , بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد , فكلهم يقول : لست بصاحب ذاكم , حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه و سلم فيقول : " أنا لها , أنا لها " فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك , و هي أول الشفاعات , و هي المقام المحمود , فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء .

(
و الملك صفا صفا
) و تجيء الملائكة الكرام , أهل السماوات كلهم , صفا بعد صف , كل سماء يجيء ملائكتها صفا , يحيطون بمن دونهم من الخلق , و هذه الصفوف صفوف خضوع و ذل للملك الجبار .

(
و جيء يومئذ بجهنم ) تقودها الملائكة بالسلاسل , قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يُؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام , مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " . رواه مسلم
.

(
يومئذ يتذكر الإنسان
) ما قدمه من خير و شر .

(
و أنّى له الذكرى
) أي : و كيف تنفعه الذكرى ؟ فقد فات أوانها , و ذهب زمانها .

ثم يقول متحسرا على ما فرط في جنب الله (
ياليتني قدمت لحياتي ) يعني : يندم على ما كان سلف منه من المعاصي – إن كان عاصيا – و يود لو كان ازداد من الطاعات – إن كان طائعا – كما روى الإمام أحمد بن حنبل عن محمد بن أبي عَميرة – و كان من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم – قال : " لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرمًا في طاعة الله , لََحَقِرَهُ يوم القيامة , و لودَّ أنه يُردَّ إلى الدنيا كيْما يزداد من الأجر و الثواب " . إسناده صحيح
.
و في الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها و كمالها , و في تتميم لذَّتها , هي الحياة في دار القرار , فإنها دار الخلد و البقاء .

(
فيومئذ لا يعذب عذابه أحد
) أي : ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه .

(
و لا يوثق وثاقه أحد
) أي : و ليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم , عز و جل , فإنهم يقرنون بسلاسل من نار , و يسحبون على وجوههم في الحميم , ثم في النار يسجرون , فهذا جزاء المجرمين من الخلائق الظالمين .

و أما من اطمأن إلى الله و آمن به و صدق رسله , فيقال له :
(
يا أيتها النفس المطمئنة
) إلى صادق وعد الله ووعيده في كتابه و على لسان رسوله فآمنت و اتقت و تخلت عن الشرك و الشر فكانت مطمئنة بالإيمان و ذكر الله قريرة العين بحب الله و رسوله و ما وعدها الرحمن .

(
إرجعي إلى ربك
) إلى جواره و ثوابه و ما أعد لعباده في جنته .

(
راضية مرضية
) راضية عن الله , و عن ما أكرمها به من الثواب , و الله قد رضي عنها .

(
فادخلي في عبادي
) أي في جملة عبادي الصالحين الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون .

(
و ادخلي جنتي ) و هذا يقال لها عند الإحتضار , و في يوم القيامة , كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره و عند قيامه من قبره , و كذلك ها هنا .
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 04-07-2012, 04:09 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الغاشية

مكية و آياتها ست و عشرون آية

( هل أتاك حديث الغاشية ) هذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم يقول فيه هل أتاك نبأ الغاشية – و هي من أسماء يوم القيامة – و خبرها العظيم وحديثها المهيل المخيف , إن لم يكن أتاك , فقد أتاك الأن , إنه حديث القيامة التي تغشى الناس بأهوالها و صعوبة مواقفها و اشتداد أحوالها , و إليك عرضا سريعا لبعض ما يجري فيها :

( وجوه يومئذ خاشعة ) من الذل و الفضيحة و الخزي , و هي وجوه أهل الكفر بالحق و الجحود له .
و ذكر الوجوه هنا كناية عن أصحابها إذ يطلق الوجه و يراد به الذات .

( عاملة ناصبة ) تاعبة في العذاب من جر السلاسل و الأغلال , و تكليف أشق الأعمال .

( تصلى نارا حامية ) أي تدخل نارا متناهية في الحرارة , تحيط بهم من كل مكان .

( تسقى من عين آنية ) أي بلغت غايتها في شدة الحر , قال تعالى " و إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه " فهذا شرابهم .

( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) و هو من جنس الشوك , قبيح اللون خبيث الطعم منتن الريح , ترعاه الإبل مادام رطبا , فإذا يبس تحامته , و هو سم قاتل . قال ابن جرير : الضريع عند العرب نبت يقال له الشِبْرِق , و تسميه أهل الحجاز الضريع , إذا يبس .
و لا منافاة بين هذه الآية و آية " و لا طعام إلاّ من غسلين " لأن العذاب ألوان , و المعذبون طبقات , فمنهم أكلة الزقوم , و منهم أكلة الغسلين , و منهم أكلة الضريع .

( لا يسمن و لا يغني من جوع ) لا يحصل به مقصود , و لا يندفع به محذور , فلا يخصب بدن , و لا يسكن داعية النفس و لا نهمها من أجله .

هذه حال من كفر و فجر , كفر بالله و بآياته و لقائه و رسوله , أو فجر عن طاعة الله و رسوله فترك الفرائض و غشي المحارم .

( وجوه يومئذ ناعمة ) أي : قد جرت عليهم نضرة النعيم , فنضرت أبدانهم , و استنارت وجوههم , و سروا غاية السرور .

( لسعيها راضية ) أي : راضية بما قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة , و الإحسان إلى عباد الله , إذ وجدت ثوابه مدخرا مضاعفا , فحمدت عقباه , و حصل لها كل ما تتمناه .

( في جنة عالية ) عالية في محالها و منازلها , فمحلها في أعلى عليين , و منازلها مساكن عالية , لها غرف و من فوق الغرف غرف مبنية يشرفون منها على ما أعد الله لهم من الكرامة .

( لا تسمع فيها لاغية ) أي : لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو و باطل , فضلا عن الكلام المحرم , بل كلامهم كلام حسن نافع مشتمل على ذكر الله تعالى , و ذكر نعمه المتواترة عليهم , و على الآداب المستحسنة بين المتعاشرين الذي يسر القلوب , و يشرح الصدور .

( فيها عين جارية ) أي : لا انقطاع لها .
و ليس المراد بها عينا واحدة , و إنما هذا إسم جنس , يعني : فيها عيون جاريات يفجرونها و يصرفونها كيف شاؤوا , و أنَّى أرادوا .

( فيها سرر مرفوعة ) و السرر جمع سرير . و هي المجالس المرتفعة في ذاتها , و بما عليها من الفرش اللينة الوطيئة , إذا جلسوا عليها رأوا جميع ما خولوه من النعيم و الملك .

( و أكواب موضوعة ) أي : أوانٍ ممتلئة من أنواع الأشربة اللذيذة , قد وضعت بين أيديهم , و أعدت لهم , و صارت تحت طلبهم و اختيارهم , يطوف بها عليهم الولدان المخلدون . و الكوب هو إناء لا أُذن له .

( و نمارق مصفوفة ) وسائد من الحرير و الإستبرق و غيرهما مما لا يعلمه إلا الله , قد صُفت للجلوس و الإتكاء عليها , و قد أريحوا عن أن يضعوها , و يَصُفُّوها بأنفسهم .

( و زرابي مبثوثة ) أي : البسط الحسان , مملوءة بها مجالسهم , مفروشة هنا و هناك لمن أراد الجلوس عليها .

يقول الله تعالى حثًّا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه و سلم , و لغيرهم من الناس , أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده :

( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) فإنها خَلق عجيب , و تركيبها غريب , فإنها في غاية القوة و الشدة , و هي مع ذلك تلين للحمل الثقيل , و تنقاد للقائد الضعيف , و تصبر على الجوع و العطش , و تكتفي بما يتيسر لها من شوك و شجر و غير ذلك , مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم , و تؤِكل , و ينتفع بوبرها , و يشرب لبنها . و قد نبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل .

( و إلى السماء كيف رفعت ) أي : كيف رفعها الله عز و جل , عن الأرض هذا الرفع العظيم , بغير عمد يدعمها و لا سند يسندها . و كيف رفعت كواكبها رفعا سحيق المدى , و أمسك كل منها في مداره إمساكا لا يختل سيره و لا يفسد نظامه .

( و إلى الجبال كيف نصبت ) أي : جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية , بهيئة باهرة , حصل بها استقرار الأرض و ثباتها عن الإضطراب بأهلها , و جعل فيها ما جعل من المنافع و المعادن .

( و إلى الأرض كيف سطحت ) أي بسطت و مهدت , حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق , فمدت مدًا واسعًا , و سهلت غاية التسهيل . ليستقروا على ظهرها , و يتمكنوا من حرثها و غرسها , و البنيان فيها , و سلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها .
و اعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة , قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها , كما دل على ذلك النقل و العقل و الحس و المشاهد , كما هو مذكور معروف عند أكثر الناس , خصوصا في هذه الأزمنة , التي وقف الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد , فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا , الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر . و أما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر و السعة , فيكون كرويا مسطحا , و لا يتنافى الأمران , كما يعرف ذلك أرباب الخبرة .

ففي هذه الآيات -" أفلا ينظرون .... سطحت "- نبّه الله تعالى البدوي على الإستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه , و السماء التي فوق رأسه , و الجبل الذي تجاهه , و الأرض التي تحته , على قدرة خالق ذلك و صانعه , و أنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك , و أنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه . قال الزمخشري : و المعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق , حتى لا ينكروا اقتداره على البعث , فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله عليه و سلم و يؤمنوا و يستعدوا للقائه .

( فذكّر إنما أنت مذكّر , لست عليهم بمسيطر ) أي فذكّر – يا محمد – الناس بما أرسلت به إليهم , فإنما عليك البلاغ و علينا الحساب , و لهذا قال " لست عليهم بمسيطر " أي لم تبعث مسيطرا عليهم , مسلطا موكّلا بأعمالهم , فإذا قمت بما عليك , فلا عليك بعد ذلك لوم , قال تعالى " و ما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد " .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله , فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها , و حسباهم على الله عز و جل " , ثم قرأ " فذكّر إنما أنت مذكّر , لست عليهم بمسيطر " رواه مسلم .

( إلا من تولى و كفر ) أي : تولى عن العمل بأركانه , و كفر بالحق بجنانه و لسانه , و هذه كقوله تعالى " فلا صدق و لا صلى , و لكن كذّب و تولّى "

( فيعذّبه الله العذاب الأكبر ) أي : الشديد الدائم , و هو عذاب الآخرة

( إنّ إلينا إيابهم ) أي رجوعهم إلينا لا إلى غيرنا , بالموت و البعث .

( ثم إنّ علينا حسابهم ) أي : نحن نحاسبهم على أعمالهم و نجازيهم بها , إن خيرا فخير , و إن شرا فشر . لذا فلا يضرك يا رسولنا إعراضهم و لا توليهم , و حسبك تذكيرهم فمن اهتدى نجا و نجاته لنفسه , و من ضلّ فإنما يضل عليها إذ عاقبة ضلاله و هي الخسران التام عائدة عليه .
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 04-07-2012, 04:09 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الأعلى

مكية و آياتها تسع عشرة آية

( سبح اسم ربك الأعلى ) أي نزه ربك عما يصفه به المشركون من الولد و الشريك و نحوهما , كقوله " سبحان ربك ربّ العزّة عمّا يصفون " . و الأعلى صفة للرب تبارك و تعالى دالة على علوه على خلقه فالخلق كله تحته و هو قاهر له و حاكم فيه .

( الذي خلق فسوّى ) أي أوجد من العدم المخلوقات و سوّى خلقها كل مخلوق في أحسن الهيئات , فعدل أجزاءه و سوّى بينها فلا تفاوت فيها , و يدل هذا على أنه صادر عن عالم , و إنه صنعة حكيم كما قال الزمخشري .

( و الذي قدر فهدى ) أي قدّر الأشياء في كتاب المقادير من خير و غيره و هدى كل مخلوق إلى ما قدره له أو عليه فهو طالب له حتى يدركه في زمانه و مكانه و على الصورة التي قدر عليها . قال صلى الله عليه و سلم : " إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنة , و كان عرشه على الماء " رواه مسلم .

( و الذي أخرج المرعى ) أي : أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات و العشب الكثير , فرتع فيها الناس و البهائم و كل حيوان .

( فجعله غثاء أحوى ) أي جعله بعد خضرته و نضرته جافا يابسا تطير به الريح , و " أحوى " أي أسود , لأن النبات إذا يبس تغيّر إلى " الحوّة " و هي السواد .

هذه خمس آيات , الآية الأولى تضمنت الأمر بتنزيه إسم الله , و الأربع بعدها في التعريف به سبحانه و تعالى حتى يعظم إسمه و تعظيم ذاته و تنزه عن الشريك و الصحابة و الولد .

( سنقرئك فلا تنسى ) قال الزمخشري : بشره الله بإعطاء آية بينة , و هي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي , و هو أميّ لا يكتب و لا يقرأ , فيحفظه و لا ينساه .
و هذه بشارة كبيرة لعبده و رسوله محمد صلى الله عليه و سلم , أن الله سيعلمه علما لا ينساه . قال الرازي : هذه آية تدل على المعجزة من وجهين : - إحداهما : إنه كان رجلا أميّا فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة و لا تكرار و لا كتبة , خارق للعادة , فيكون معجزا . – ثانيهما : إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة , فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل , و قد وقع , فكان هذا إخبارا عن الغيب , فيكون معجزا .

( إلا ما شاء الله ) مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة , مثل قوله تعالى " ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم بأن الله على كل شيء قدير "

( إنه يعلم الجهر و ما يخفى ) أي : يعلم ما يجهر به العباد و ما يخفونه من أقوالهم و أفعالهم , لا يخفى عليه من ذلك شيء .

( و نيسرك لليسرى ) أي نسهل عليك أفعال الخير و أقواله , و نشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا , لا اعوجاج فيه و لا حرج و لا عسر .

( فذكّر إن نفعت الذكرى ) أي ذكّر بشرع الله و آياته مادامت الذكرى مقبولة , و الموعظة مسموعة , سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه .
و مفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى , بأن كان التذكير يزيد في الشر , أو ينقص من الخير , لم تكن الذكرى مأمورا بها , بل منهيا عنها , فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين : منتفعون و غير منتفعين .

فأما المنتفعون , فقد ذكرهم الله بقوله ( سيذّكر من يخشى ) أي سيذكّر و يتعظ من يخشى عقاب الله لإيمانه به و معرفته له .

و أما غير المنتفعين فذكرهم بقوله ( و يتجنّبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ) أي يدخل النار الكبرى نار يوم القيامة .

( ثم لا يموت فيها و لا يحيى ) أي لا يموت فيستريح و لا يحيا حياة تنفعه , بل هي مضرة عليه , لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب , و أنواع النكال . قال الله تعالى " لا يُقضى عليهم فيموتوا و لا يُخفف عنهم من عذابها " , و قال صلى الله عليه و سلم " أما أهل النار الذي هم أهلها , فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون ... " رواه مسلم .

( قد أفلح من تزكى ) أي فاز و ظفر من تطهر من دنس الشرك و المعاصي , و عمل بما أمره الله به .

( و ذكر اسم ربه فصلى ) أي : إتصف بذكر الله , و انصبغ به قلبه , فأوجب له ذلك العمل بما يرضي الله , خصوصا الصلاة , التي هي ميزان الإيمان .

( بل تؤثرون الحياة الدنيا ) أي تقدمونها على الآخرة , و تختارون نعيمها المنغص المكدر الزائل على الآخرة .

( و الآخرة خير و أبقى ) أي : ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا و أبقى , فإن الدنيا دنيّة فانية , و الآخرة شريفة باقية , فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى , و يهتم بما يزول عنه قريبا , و يترك الإهتمام بدار البقاء و الخلد ؟!

( إن هذا لفي الصحف الأولى , صحف إبراهيم و موسى ) أي إن قوله تعالى " قد أفلح من تزكى " إلى قوله " خير و أبقى " مذكور في كل من صحف إبراهيم و كانت له عشر صحف و لموسى التوراة .
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 04-07-2012, 04:10 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الطارق

مكية و آياتها سبع عشرة آية

( والسماء و الطارق ) هذا قسم إلهي – قال العلماء : افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم و تشويق إليه – حيث أقسم تعالى بالسماء و ما جعل فيها من الكواكب النيرة .

( و ما أدراك ما الطارق ) تفخيم من شأنه بالإستفهام عنه الدال على تهويله و تعظيمه . ثم فسره بقوله " و النجم الثاقب " .

( النجم الثاقب ) قال قتادة و غيره : إنما سمي النجم طارقا , لأنه إنما يرى بالليل و يختفي بالنهار , و يؤيده ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري " نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا " , أي : يأتيهم فجأة بالليل . و " الثاقب " : أي المضيء . كأنه يثقب ظلمة الليل و ينفذ فيه , فيبصر بنوره و يهتدي به . و قال السدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها . و قال عكرمة : هو مضيء و محرق للشياطين .

و المقسم عليه هو قوله تعالى ( إن كل نفس لّمّا عليها حافظ ) أي أن كل نفس عليها حافظ – أي مهيمن عليها رقيب , و هو الله تعالى كما في آية " و كان الله على كل شيء رّقيبا " – يحفظ أعمالها فيحصى عليها ما تكسب من خير أو شر لتحاسب عليها و تجزي بها و هذا إثبات للبعث الآخر بطريقة الكناية .

( فلينظر الإنسان مّما خلق ) فليتدبر خلقته و مبدأه و من أي شيء خلقه . و هذا تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خُلق منه , و إرشاد له إلى الإعتراف بالمعاد , لأن من قدر على البَدَاءة فهو قادر على الإعادة بطريق أولى , كما قال " و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه " .

( خُلق من ماء دافق ) يعني : المني , يخرج دفقا من الرجل و من المرأة فيتولد منهما الولد بإذن الله عز و جل .

( يخرج من بين الصلب و التّرائب ) قال الإمام : الصلب هو كل عظم من الظهر فيه فقار . و يعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر . و قد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقا لإسم الجزء على الكل , و الترائب موضع القلادة من الصدر .
قال بعض علماء الطب : الترائب جمع تريبة و هي عظام الصدر في الذكر و الأنثى . و يغلب إستعمالها في موضع القلادة من الأنثى .
قال الإمام : و معنى الآية أن المنيّ باعتبار أصله و هو الدم , يخرج من شيء ممتد بين الصلب – أي فقرات الظهر في الرجل – و الترائب أي عظام صدره . و ذلك الشيء الممتد بينهما هو الأبهر " الأورطي " و هو أكبر شريان في الجسم يخرج من القلب خلف الترائب و يمتد إلى آخر الصلب تقريبا . و منه تخرج عدة شرايين عظيمة , و منها شريانان طويلان يخرجان منه بعد شرياني الكليتين , و ينزلان إلى أسفل البطن حتى يصلا إلى الخصيتين , فيغذيانهما . و من دمهما يتكون المنيّ في الخصيتين و يسميان شرياني الخصيتين , أو الشريانين المنويين فلذا قال تعالى عن المنيّ " يخرج من بين الصلب و الترائب " لأنه يخرج من مكان بينهما و هو الأورطي أو الأبهر . و هذه الآية على هذا التفسير , تعتبر من معجزات القرآن العلمية .

( إنه على رجعه لقادر ) فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق , يخرج من هذا الموضع الصعب , قادر على رجعه في الآخرة , و إعادته للبعث و النشور و الجزاء .

( يوم تبلى السرائر ) أي تظهر و تعرف خفيات الضمائر , و يبقى السر علانية و المكنون مشهورا , فيظهر برّ الأبرار , و فجور الفجار . و قد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " يرفع لكل غادر لواء في إسته , يقال : هذه غَدْرة فلان بن فلان " .

( فما له من قوة و لا ناصر ) أي ليس لهذا الكافر و المكذب بالبعث و الحياة الثانية ما له قوة يدفع بها عن نفسه عذاب ربّه و لا ناصر ينصره فيخلصه من العذاب .

ثم أقسم الله تعالى قسما ثانيا على صحة القرآن فقال :

( و السماء ذات الرجع ) أي المطر , يسمى رجعا لأنه تعالى يرجعه وقتا فوقتا إلى العباد , و لولاه لهلكوا و هلكت مواشيهم .

( و الأرض ذات الصدع ) أي و الأرض ذات التشقق عن النبات و الزروع المختلفة .

( إنه لقول فصل ) أي إن القرآن حق و صدق , بيّن واضح , و حكم عدل في كل مختلف فيه من الحق و الباطل .

( و ما هو بالهزل ) أي و ليس القرآن باللعب الباطل , بل هو الحق من الله الذي لا باطل معه .

( إنهم يكيدون كيدا ) أي إن المكذبين بالقرآن و الجاحدين لحقه يمكرون مكرا لإبطال أمر الله و إطفاء نوره .

( و أكيد كيدا ) أي و أنا أمكر بهم و أكيد لهم كيدا , لإظهار الحق , و لو كره الكافرون . و لدفع ما جاؤوا به من الباطل , و يعلم بهذا مَنِ الغالب , فإن الآدمي أضعف و أحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده .

( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) أي لا تستعجل لهم عقابهم و أنظرهم قليلا , و سترى ماذا أحل بهم من العذاب و النكال و العقوبة و الهلاك – كما قال تعالى " نمتّعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ " - , فقد كتبنا في كتاب عندنا " لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز " .
و قد أنجز الله وعده لرسوله و المؤمنين فلم يمض إلاّ سنوات قلائل , و لم يبق في مكة من سلطان إلا الله , و لا معبود يعبد إلا الله .
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 04-07-2012, 04:10 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة البروج

مكية و آياتها إثنتان و عشرون آية

( والسماء و البروج ) هذا قسم من أعظم الأقسام إذ أقسم تعالى فيه بالسماء ذات المنازل المشتملة على منازل الشمس و القمر , و الكواكب المنتظمة في سيرها , على أكمل ترتيب و نظام دال على كمال قدرة الله تعالى و رحمته , و سعة علمه و حكمته . قال ابن جرير : هي منازل الشمس و القمر , و هي إثنا عشر برجا , تسير الشمس في كل واحد منها شهرا , و يسير القمر في كل واحد يومين و ثلثا , فذلك ثمانية و عشرون منزلا , و يستتر ليلتين .

( و اليوم الموعود ) و هو يوم القيامة , الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه , و يضم فيه أولهم و آخرهم , و قاصيهم و دانيهم , ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون .

( و شاهد و مشهود ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " اليوم الموعود يوم القيامة و اليوم المشهود يوم عرفة و الشاهد يوم الجمعة " حسنه الإمام الألباني .

و المقسم عليه , ما تضمنه هذا القسم من آيات الله الباهرة , و حِكمه الطاهرة , و رحمته الواسعة , و قيل : إن المقسم عليه قوله " قتل أصحاب الأخدود " .

( قتل أصحاب الأخدود ) أي لعن أصحاب الأخدود و الدعاء عليهم بالهلاك , و الأخدود حفرة في الأرض مستطيلة .
و هذا خبر عن قوم من الكفار عَمَدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله , عز و جل , فقهروهم و أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم , فأبوا عليهم , فحفروا لهم في الأرض أخدودا و أججوا فيه نار , و أعدوا لها و قودا يسعرونها به , ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم , فقذفوهم فيها , و لهذا قال تعالى " قتل أصحاب الأخدود , النّار ذات الوقود , إذ هم عليها قعود , و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود " .

( النار ذات الوقود ) النار ذات الحَطب الجزل الموقد به .

( إذ هم عليها قعود ) أي على حافات الأخدود قاعدين يتشفون من المؤمنين .

( و هم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) و هم على ما يفعلون بالمؤمنين من الإلقاء في النار و الإرتداد عن الإسلام حضور يشاهدون احتراق الأجساد الحية و ما تفعل بها النيران , لا يرقّون لهم , و هذا من أعظم ما يكون من التجبر و قساوة القلب , لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله و معاندتها , و محاربة أهلها و تعذيبهم بهذا العذاب , الذي تنفطر منه القلوب , و حضورهم إياهم عند إلقائهم فيها .

( و ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) أي و ما عابوا عنهم شيئا سوى إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه , المنيع الحميد في جميع أفعاله و أقواله و شرعه و قدره , و إن كان قد قدّر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به , فهو العزيز الحميد , و إن خفي سبب ذلك على كثير من الناس .

( الذي له ملك السماوات و الأرض ) من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما , ليس لغيره ملك في شيء معه .

( و الله على كل شيء شهيد ) أي على كل شيء من أفاعيل هؤلاء الفجرة أصحاب الأخدود و غيرهم , شاهد شهودا لا يخفى عليه منه مثقال ذرة , و هو مجازيهم عليه .
أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله , أن يبطش بهم العزيز المقتدر , أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله , ليس لأحد على أحد سلطة , من دون إذن المالك ؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم , مجازٍ لهم على فعالهم ؟ كلا إن الكافر في غرور , و الظالم في جهل و عمى عن سواء السبيل .

( إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات ) أي فتنوهم عن دينهم فأحرقوهم بالنار , و الآية عامة ليست خاصة بأصحاب الأخدود , و لا بكفار قريش , و إنما عامة في كل من يفتن المؤمنين و المؤمنات في دينهم فيصرفهم عنه بأنواع من التعذيب , و جزاؤهم ما ذكر في الآية و هو عذاب جهنم و عذاب الحريق , إلا من تاب قبل موته .

( ثم لم يتوبوا ) بعد فتنتهم للمؤمنين و المؤمنات , لم يتوبوا عن كفرهم و فتنتهم , و لم يقلعوا عما فعلوا , و يندموا على ما أسلفوا .
قال الحسن البصري : أنظروا إلى هذا الكرم و الجود , هم قتلوا أولياءه و أهل طاعته , و هو يدعوهم إلى التوبة و المغفرة .

( فلهم عذاب جهنم و لهم عذاب الحريق ) أي العذاب الشديد المحرق , و ذلك أن الجزاء من جنس العمل .

( إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات ) أي من هؤلاء المفتونين و غيرهم ( لهم ) أي في نشأتهم الأخرى ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) أنهار من الماء و اللبن و الخمر و العسل ( ذلك الفوز الكبير) أي التام الذي لا فوز مثله , لأنه نجاة من النار أولا و دخول الجنة ثانيا , قال تعالى " فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " .

لما ذكر تعالى ما توعد به الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات من أجل إيمانهم أخبر رسوله – صلى الله عليه و سلم – معرّضا بمشركي قومه و طغاتهم الذين آذوا المؤمنين في مكة من أجل إيمانهم أخبره بقوله :
( إن بطش ربك لشديد ) أي إن عقوبته لأهل الجرائم و الذنوب العظام لقوية شديدة , فإنه تعالى ذو القوة المتين .

( إنه هو يُبدئ و يُعيد ) أي من قوته و قدرته التامة يبدئ الخلق ثم يعيده كما بدأه , بلا ممانع و لا مدافع . قال الإمام : " و هو في كل يوم يبدئ الخلق من نبات و حيوان و غيرهما , ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى , ثم هو يعيد الناس في اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه " . و الذي يبدئ و يعيد لا يكون بطشه إلا قويا شديدا .

( و هو الغفور الودود )
" الغفور " الذي يغفر الذنوب جميعا لمن تاب – و لو كان الذنب من أي شيء كان – و يعفو عن السيئات لمن استغفره و أناب .
" الودود " أي المحب لمن أطاعه و أخلص له .
و في اقتران الودود بالغفور سر لطيف , حيث يدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله و أنابوا , غفر لهم ذنوبهم و أحبهم , فلا يقال : بل تُغفر ذنوبهم , و لا يَرجع إليهم الود , كما قاله بعض الغالطين .

( ذو العرش المجيد ) أي : صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق . فمن عظمته أنه وسع السماوات و الأرض و الكرسي , فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة , بالنسبة لسائر الأرض , و خص الله العرش بالذكر , لعظمته , و لأنه أخص المخلوقات بالقرب منه تعالى , و هذا على قراءة الجر , يكون " المجيد " نعتا للعرش , و أما على قراءة الرفع , فإنّ "المجيد" نعت لله - و كلاهما معنى صحيح - , و المجد سعة الأوصاف و عظمتها .

( فعّال لما يريد ) أي لا يريد شيئا إلا فعله , فلا يحول بينه و بين مراده شيء , لأنه لا معقب لحكمه , و لا يسأل عما يفعل , لعظمته و قهره و حكمته و عدله .

( هل أتاك حديث الجنود , فرعون و ثمود ) أي : هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس , و أنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد , لما طغوا و بغوا و كفروا و عصوا ؟ نعم قد أتاك , قال ابن جرير : " قد أتاك ذلك , و علمته , فاصبر لأذى قومك إياك , لما نالوك به من مكروه , كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي , و لا يثنينّك عن تبليغهم رسالتي , كما لم يثن الذين أرسلوا إلا هؤلاء , فإن عاقبة من لم يصدقك و يؤمن بك منهم , إلى عطب و هلاك , كالذي كان من هؤلاء الجنود " .
فالجملة تقرير لقوله " إن بطش ربك لشديد " أي : إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما , أخذ عزيز مقتدر .

( بل الذين كفروا في تكذيب ) أي : لا يزالون مستمرين على التكذيب و العناد , لا تنفع فيهم الآيات , و لا تُجدي لديهم العظات , لأنه تكذيب ناشئ من الكبر و الحسد و الجهل فلذا هم لم يؤمنوا بعد .

( و الله من ورائهم مُّحيط ) أي : هم في قبضته و تحت قهره و سلطانه لا يخفى عليه منهم شيء , و لا يحول بينه و بينهم أحد , فمتى ما أراد أخذهم فعل .

( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) يرد بهذا على المشركين الذين قالوا في القرآن إنه سحر و شعر و أساطير الأولين فقال : ليس هو كما قالوا و ادّعوا و إنما هو قرآن مجيد بالغ الغاية في المجد و الشرف و السمو و العلو في ألفاظه و معانيه , و ما يحمل من هدي و تشريع و أنه في مناعته لا تصل إليه أيدي الخلق بالتحريف و التبديل إذ هو في لوح محفوظ من التغيير و الزيادة و النقص , محفوظ من الشياطين فلا تمسه و لا تقربه , و هذا يدل على جلالة القرآن و جزالته , و رفعة قدره عند الله تعالى .
و اللوح المحفوظ هو الذي أثبت الله فيه كل شيء , و هو في الملأ الأعلى .
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 04-07-2012, 04:11 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الإنشقاق

و تسمى كذلك سورة إذا السماء انشقت , و هي مكية و آياتها خمس و عشرون آية .

يقول تعالى مبينا لما يكون في يوم القيامة من تغيير الأجرام العظام :

( إذا السماء انشقت ) أي انصدعت و تقطعت , و تمايز بعضها من بعض , و انتثرت نجومها , و خسف بشمسها و قمرها .

( و أذنت لربّها ) أي : استمعت لربها و أطاعت أمره فيما أمرها به من الإنشقاق .

( و حقّت ) أي : و حق لها أن تطيع أمره , لأنه العظيم الذي لا يُمَانَع و لا يغالب , بل قد قهر كل شيء و ذل له كلّ شيء .

( و إذا الأرض مدت ) أي بُسطت ووسعت و جعلت مستوية , و ذلك بنسف جبالها و آكامها , حتى صارت تسع أهل الموقف على كثرتهم .

( و ألقت ما فيها ) أي ما في جوفها من الكنوز و الأموات .

( و تخلّت ) حتى لم يبق شيء في باطنها .

( و أذنت لربّها و حقّت ) أي : انقادت له في التخلية , و حق لها ذلك , و إعادة الآية للتنبيه على أن ذلك تحت سلطان الجلال الإلهيّ و قهره و مشيئته .

( يا أيها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه ) قال ابن جرير : " أي إنك عامل إلى ربك عملا فملاقيه به , خيرا كان أو شرا " . ثم تلاقي الله يوم القيامة , فلاتعدم منه جزاء بالفضل إن كنت سعيدا , أو بالعدل إن كنت شقيا . و لهذا ذكر تفصيل الجزاء بعد هذه الآية . و المعنى المراد به في الآية : فليكن عملك مما ينجيك من سخطه , و يوجب لك رضاه , و لا يكن مما يسخطه عليك فتهلك .

( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) و هم من آمن و عمل صالحا و اتصف بما وصف به الأبرار , في غير ما آية .

( فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) قال ابن جرير : بأن ينظر في أعماله فيغفر له سيئها و يجازي على حسنها . فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في بعض صلاته : " اللهم حاسبني حسابا يسيرا " . فلما انصرف قلت : يا رسول الله , ما الحساب اليسير ؟ قال : " أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه , إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلَك " قال ابن كثير صحيح على شرط مسلم . " قلت ( عبد الحي) : قال الشيخ شعيب الأرنؤوط و رفاقه في تحقيق مسند الإمام أحمد حديث صحيح دون قوله : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول في صلاته اللهم حاسبني حسابا يسيرا ( 24215/40 )" .
و عنها أيضا قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من نوقش الحساب عذب " قالت : فقلت : أليس قال الله : " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " قال : " ليس ذاك الحساب , و لكن ذلك العَرْض , من نوقش الحساب يوم القيامة عذب " رواه البخاري و مسلم .

( و ينقلب إلى أهله مسرورا ) و يرجع إلى أهله – و هم الحور العين و النساء المؤمنات و الذرية الصالحة , أو قومه ممن يجانسه و يقارنه من أصحاب اليمين – فرحان مغتبطا بما أعطاه الله عز و جل .

( و أما من أوتي كتابه وراء ظهره ) أي : أعطي كتاب عمله بشماله – حيث تغل اليمنى مع عنقه – من وراء ظهره , و هو على هيئة المغضوب عليه .

( فسوف يدعو ثبورا ) أي يُنادي بالهلاك – و هو أن يقول : واثبوراه ! و واويلاه ! – من الخزي و الفضيحة , و ما يجد في كتابه من الأعمال التي قدمها و لم يتب منها .

( و يصلى سعيرا ) أي يدخل نارا مستعرة شديدة الإلتهاب تحيط به من كل جانب و يقلب على عذابها حتى ينضح فيها لحمه المرة بعد المرة و أبداً و العياذ بالله .

( إنه كان في أهله مسرورا ) لا يخاف الله و لا يرجو الدار الآخرة يعمل ما يشاء و يترك ما يشاء , لا يفكر في العواقب . منعما مستريحا من التفكر في الحق و الدعاء إليه و الصبر عليه . لا يهمه إلا أجوفاه , بطراً بالنعم , ناسيا لمولاه .

( إنّه ظنّ أن لا يحور ) أي لن يرجع إلى ربه , أو إلى الحياة بالبعث , لاعتقاده أنه يحيى و يموت و لا يهلكه إلا الدهر . فلم يكُ يرجو ثوابا و لا يخشى عقابا و لا يُبالي ما ركب من المآثم , على خلاف ما قيل عن المؤمنين " إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين " " إنّي ظننت أنّي ملاق حسابيه " .

( بلى ) أي ليحورن و ليرجعن إلى ربه حيّا كما كان قبل مماته , و يجازيه على أعماله خيرها و شرها .

( إنّ ربه كان به بصيرا ) أي عليما خبيرا , لا يخفى عليه من أمره شيء , و نتيجة لذلك تمّ له هذا الحساب و العقاب .

( فلا أقسم بالشّفق ) قال ابن جرير : " أقسم الله بالنهار مدبرا , و بالليل مقبلا " . و الشفق هو الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة , قال صلى الله عليه و سلم : " وقت المغرب مالم يغب الشفق " . رواه مسلم .

( و الليل و ما وسق ) أي و ما جمع من كل ذي روح من سابح في ماء و طائر في السماء و سارح في الغبراء , لأنه إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه .

( و القمر إذا اتسق ) أي اجتمع و تم نوره و صار كاملا و ذلك في الليالي البيض .

و جواب القسم قوله تعالى ( لتركبنّ طبقا عن طبق ) أي حالا بعد حال الموت الحياة , ثم العرض ثم الحساب , ثم الجزاء فهي أحوال و أهوال فليس الأمر كما تتصورون من أنه موت و لا غير .

( فما لهم لا يؤمنون ) أي ما للناس لا يؤمنون , أي شيء منعهم من الإيمان بالله و رسوله و الدار الآخرة مع كثرة الآيات و قوة الحجج و سطوع البراهين .

( و إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) أي : لا يخضعون للقرآن , و لا ينقادون لأوامره و نواهيه .

( بل الذين كفروا يكذبون ) أي : يعاندون الحق بعدما تبين , فلا يستغرب عدم إيمانهم و عدم انقيادهم للقرآن , فإن المكذب بالحق عنادا , لا حيلة فيه . قال الإمام : لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم , و لم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم , بلى , قد أبلغ و أقنع فيما بلغ , و لكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان , و يصدهم عن الإذعان , فليس منشأ التكذيب قصور الدليل . و إنما هو تقصير المستدل و إعراضه عن هدايته .

( و الله أعلم بما يوعون ) أي : بما يسرون في صدورهم من حقية التنزيل , و إن أخفوه عنادا , أو بما يضمرون من البغي و المكر , فسيجزيهم عليه و لذا قال ( فبشرهم بعذاب أليم ) أي : فأخبرهم – يا محمد – بأن الله عز و جل قد أعد لهم عذابا أليما جزاء على تكذيبهم و إعراضهم و بغيهم .
و سميت البشارة بشارة , لأنها تؤثر في البشرة سرورا أو غما .

( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) هذا استثناء منقطع , يعني : لكن الذين آمنوا بقلوبهم , و عملوا الصالحات بجوارحهم لهم أجر في الدار الآخرة غير منقوص و لا مقطوع , بل هو أجر دائم مما لا عين رأت , و لا أذن سمعت , و لا خطر على قلب بشر .
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 04-07-2012, 04:12 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة المطففين

مدنية الأوائل مكية الأواخر و آياتها ست و ثلاثون آية

قال ابن عباس : " لما قدم نبي الله صلى الله عليه و سلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا , فأنزل الله " و يل للمطففين " , فحسَّنوا الكيل بعد ذلك " صححه الألباني .
و قال أحد الأنصار رضي الله عنه : كُنَّا أسوأ الناس كيلا , حتى إنه ليكون لأحدنا مكيالان مكيال يشتري به و آخر يبيع به و ما إن نزلت فينا ويل للمطففين حتى أصبحنا أحسن كيلا ووزنا . قال الفرّاء : فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا .

( ويل للمطففين ) يتوعد الله تعالى المطففين بالخسار و الهلاك . و التطفيف ها هنا : هو البَخْس في المكيال و الميزان , إما بالإزدياد إن اقتضى من الناس , و إما بالنقصان إن قضاهم .

( إذا اكتالوا على الناس يستوفون ) إذا اشتروا من الناس يأخذون كيلهم وافيا و زائدا , على إيهام أن بذلك تمام الكيل . و إذا فعلوا ذلك في الكيل الذي هو أجلّ مقدارا , ففي الوزن بطريق الأولى .

( و إذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون ) أي كالوا للناس أو وزنوا لهم , ينقصونهم حقهم الواجب لهم – و هو الوفاء و التمام – سواء بمكيال و ميزان ناقصين , أو بعدم ملء المكيال و الميزان , أو نحو ذلك .

فهذا سرقة لأموال الناس في الأخذ و الدفع , و لو في القليل , لأن من دَنُؤَت نفسه إلى القليل دل على فساد طويته و خبث ملكته , و أنه لا يقعده عن التوثب إلى الكثير إلا عجز أو رقابة .
و قد أمرنا الله تعالى بالوفاء بالكيل و الميزان فقال " و أوفوا الكيل إذا كلتم و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و أحسن تأويلا " , و قال " و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا تكلّف نفسا إلاّ وسعها " , و قال " و أقيموا الوزن القسط و لا تُخسروا الميزان " . و أهلك الله قوم شعيب و دمّرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال و الميزان .

( ألا يظن أولئك أنّهم مبعوثون ليوم عظيم ) أما يخاف أولئك من البعث و القيام بين يديّ من يعلم السرائر و الضمائر , في يوم عظيم الهول كثير الفزع , جليل الخطب , من خسر فيه أدخل نارًا حامية ؟ .

( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) يقومون حفاة عراة غُرْلاً – قلت " عبد الحي " : أي غير مختونين - , في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم , و يغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى و الحواس عنه .
عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " رواه البخاري و مسلم .
و روى الإمام أحمد عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " ( يوم يقوم النّاس لرب العالمين ) لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة , حتى إن العرق ليُلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم " قال الشيخ أحمد شاكر إسناده صحيح .
و عن المقداد بن الأسود الكندي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " إذا كان يوم القيامة أُدْنِيَت الشمس من العباد , حتى تكون قيدَ ميل أو ميلين , قال : فتصهرهم الشمس , فيكونون في العرق كقدر أعمالهم , منهم من يأخذه إلى عقبيه , و منهم من يأخذه إلى ركبتيه , و منهم من يأخذه إلى حَقْوَيه , و منهم من يلجمه إلجاما " رواه مسلم .

فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر , و إلا فلو آمنوا به , و عرفوا أنهم يقومون بين يدي الله , يحاسبهم على القليل و الكثير , لأقلعوا عن ذلك و تابوا منه .

( كلاّ ) ردع عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب و ضعف اعتقادهم به .

( إنّ كتاب الفُجّار ) و هذا شامل لكل فاجر من أنواع الكفرة و المنافقين و الفاسقين , و الكتاب ما كتب فيه من عملهم السيء و أحصي عليهم .

( لفي سجّين ) موضع في أسفل الخلق به أرواح الكافرين و الظالمين و كتب أعمالهم . و هو سجن مقيم و عذاب أليم . قال القاشانيّ : " لفي سجّين " في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة مظلمة أذلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة و دركاتها . و هو ديوان أعمال أهل الشرّ .

( و ما أدراك ما سجين ) أي و ما أعلمك يا رسولنا ما سجين . و الإستفهام للتهويل و تفخيم من شأن سجين .

( كتاب مرقوم ) أي مسطور بيّن الكتابة , مذكور فيه أعمالهم الخبيثة . و هو كتاب مفروغ منه , لا يزاد فيه أحد و لا ينقص منه أحد .

( ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين ) أي العذاب الأليم بوادي الويل يوم القيامة للمكذبين بالله و آياته و لقائه , المكذبين بيوم الجزاء و الحساب . و فيه إشعار بأن المطففين ممن يتناولهم هذا الوصف , لأن إصرارهم على التعدي و الإجترام يدل على عدم الظن بالبعث .

( و ما يكذب به إلا كل معتد أثيم ) و ما يكذب بيوم الجزاء و الحساب إلا كل معتد ظالم متجاوز للحد بالإفراط في أفعاله بالبغي و العدوان , مبالغ في ارتكاب أفانين الإثم و أنواع المعاصي .

( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) هذا بيان لذلك المعتدي الأثيم و هو أنه إذا قُرئت عليه آيات الله تذكيراً له و تعليمًا ردًّها بقوله أساطير الأولين أي هذه الحكايات من ترهات المتقدمين و أخبار الأمم الغابرين , ليس من عند الله تكبُّرا و عنادًا .

( كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسون ) أي : ليس الأمر كما زعموا و لا كما قالوا , إن هذا القرآن أساطير الأولين , بل هو كلام الله ووحيه و تنزيله على رسوله صلى الله عليه و سلم , و إنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرَّين – قال الحسن البصري : هو الذنب على الذنب , حتى يعمى القلب , فيموت . و كذا قال مجاهد و قتادة , و ابن زيد , و غيرهم – الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب و الخطايا . قال النبي صلى الله عليه و سلم : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكت في قلبه نكتة , فإن هو نزع و استغفر و تاب صُقل قلبه . فإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه , فهو الران الذي قال الله تعالى ( كلاّ بل ران على قلوبهم مّا كانوا يكسبون ) " صححه الألباني .

( كلاّ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) أي ردعا لهم و زجرا عن أقوالهم الباطلة و أعمالهم الفاسدة , أو بمعنى حق , إنهم محجوبون عن رؤية ربهم و خالقهم . قال ابن جرير : أي فلا يرونه و لا يرون شيئا من كرامته , فهم محجوبون عن رؤيته و عن كرامته . و تخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أن غيرهم غير محجوب فيرى الله تعالى و يرى كرامته . قال الإمام الشافعي : في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ . قال ابن كثير : و هذا الذي قاله الإمام الشافعي , رحمه الله , في غاية الحسن , و هو استدلال بمفهوم هذه الآية , كما دل عليه منطوق قوله ( وجوه يومئذ ناضرة , على ربها ناظرة ) . و كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة , رؤية بالأبصار في عَرَصات القيامة , و في روضات الجنات الفاخرة .

( ثم إنهم لصالوا الجحيم ) ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران , مصطلون بحرها معذبون بأنواع العذاب فيها .

( ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ) ثم يقال لهم على وجه التقريع و التوبيخ , و التصغير و التحقير " هذا " أي العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون حتى واصلتم كفركم و إجرامكم فحل بكم هذا الذي أنتم فيه الآن فذوقوا فلن تزدادوا إلا عذابا .

يتبع ...
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 04-07-2012, 04:12 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تتمة ...

لما ذكر الله تعالى أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة و أضيقها , ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها و أوسعها و أفسحها , فقال تعالى :

( إن كتاب الأبرار لفي عليين ) أي حقا إن كتاب أعمال هؤلاء الأبرار الذين كانوا لربهم طائعين - بأداء فرائضه و اجتناب نواهيه - في أعلى الجنة . قال القاشانيّ : أي ما كتب من صور أعمال السعداء و هيآت نفوسهم النورانية و ملكاتهم الفاضلة , في عليين . و هو مقابل للسجين , في علوه و ارتفاع درجته , و كونه ديوان أعمال أهل الخير .

( و ما أدراك ما عليون ) إستفهام للتفخيم و التعظيم بشأن عليين , إذ هو في أعلى مرتبة و أسمى منزلة .

( كتاب مرقوم ) أي محل شريف رقم بصور أعمالهم .

( يشهده المقربون ) أي يحضره المقربون من حضرة ذي الجلال , من الملائكة , و أرواح الأنبياء , و الصديقين و الشهداء , و ينوِّه الله بذكرهم في الملأ الأعلى .

( إن الأبرار لفي نعيم ) إن الأبرار – و هم أهل الطاعة و الصدق فيها , و هم أصحاب الكتب المودعة في عليين – لفي نعيم – و هو إسم جامع لنعيم القلب و الروح و البدن – عظيم دائم , و جنات فيها فضل عميم .

( على الأرائك ) أي على السرر المزينة بالفرش الحسان .

( ينظرون ) في ملكهم و ما أعطاهم الله من الخير و الفضل الذي لا ينقضي و لا يبيد , و ينظرون إلى وجه ربهم الكريم .

( تعرف في وجوههم نضر النعيم ) أي : تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم بهاء النعيم و نضارته و رونقه , فإن توالي اللذة و السرور , يكسب الوجه نورًا و حسنا و بهجة .

( يُسقون من رحيق ) يسقون من خمر من الجنة , صافية لا دنس فيها و لا غش . و الرحيق : من أسماء الخمر .

( مختوم ) أي : خُتم على أوانيه تكريما له لصيانته عن أن تمسه الأيدي على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم و يصان .

( ختامه مسك ) آخر هذا الشراب يفوح برائحة المسك الأذفر فهي طيبة الرائحة للغاية . قال ابن عباس : طيب الله لهم الخمر , فكان آخر شيء جعل فيها مسك , خُتم بمسك . و القصد لذة القطع بذكاء الرائحة و أرجها , على خلاف خمر الدنيا الخبيثة الطعم و الرائحة .

( و في ذلك ) أي النعيم المقيم , الذي لا يعلم مقداره و حسنه إلا الله .

( فليتنافس المتنافسون ) أي : يتسابقوا في المبادرة إليه و الأعمال الموصلة إليه , فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس , و أحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال .

( و مزاجه من تسنيم ) أي إن ذلك الرحيق يمزج لأصحاب اليمين بماء تسمى التسنيم .

( عينا يشرب بها المقربون ) هذا التسنيم يشربه المقربون صرفا أي خالصا بدون مزج , فهو أعلى أشربة الجنة على الإطلاق , لذلك كانت خالصة للمقربين , الذين هم أعلى الخلق منزلة , و ممزوجة بالرحيق و غيره من الأشربة اللذيذة لأصحاب اليمين .

( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون , و إذا مروا بهم يتغامزون ) يخبر تعالى عن المجرمين – الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك و المعاصي – أنهم كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين و يستهزؤون بهم , و يضحكون منهم , و يتغامزون بهم عند مرورهم عليهم , احتقارا لهم و ازدراء , لأنهم آمنوا بالله وحده و بما أوحاه إلى رسوله صلوات الله عليه , و نبذوا ما أَلْفَوْا عليه آباءهم . قال السيوطي : و في هذا دلالة على تحريم السخرية بالمؤمنين , و الضحك منهم , و التغامز عليهم .

( و إذا انقلبوا إلى أهلهم إنقلبوا فاكهين ) أي : رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم , مسرورين مغتبطين , متلذذين بالسخرية و حكاية ما يعيبون به أهل الإيمان , أو ما هم فيه من الشرك و الطغيان و التنعم الدنيا . و هذا من أعظم ما يكون من الإغترار أنهم جمعوا بين الإساءة و الأمن في الدنيا , حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله و عهد , أنهم من أهل السعادة , و قد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى , و أن المؤمنين ضالون , افتراء على الله , و تجروا على القول عليه بلا علم .

( و إذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ) أي : و إذا رأى أولئك المجرمون المؤمنين أشاروا إليهم و قالوا " إن هؤلاء لضالون " بتركهم دينهم و اعتناق دين محمد الجديد في نظرهم .

( و ما أرسلوا عليهم حافظين ) أي : و ما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم , حتى يحرصوا على رميهم بالضلال , و ما هذا منهم إلا تعنت و عناد و تلاعب , ليس له مستند و لا برهان , و لهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم .

( فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ) أي : يوم القيامة يضحكون حين يرونهم في غمرات العذاب يقلبون , و ضحكهم من الكفار ضحك المسرور بما نزل بعدوّه من الهوان و الصغار , بعد العزة و الكبر .

( على الأرائك ينظرون ) على السرر المزينة ينظرون إلى ما أوتوا من النعيم , و ما حل بالمجرمين من عذاب الجحيم .

( هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون ) أي : هل جوزي الكفار على ما كانو يقابلون به المؤمنين من الإستهزاء و التنقيص أم لا ؟ نعم قد جوزوا أوفر الجزاء و أتمه و أكمله .

و نظير هذه الآيات قوله تعالى " إخسئوا فيها و لا تكلمون , إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربنّا آمنا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الراحمين , فاتخذتموهم سِخريا حتى أنسوكم ذِكري و كنتم منهم تضحكون , إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون " .
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 04-07-2012, 04:13 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة الإنفطار

مكية و آياتها تسع عشرة آية

( إذا السماء انفطرت ) أي انشقت كما في آية " و يوم تشقّق السّماء بالغمام " .

( و إذا الكواكب انتثرت ) أي انفضّت و تساقطت .

( و إذا البحار فجّرت ) أي : اختلط ماؤها بعضه ببعض ملحها بعذبها لانكسار ذلك الحاجز الذي كان يفصلهما عن بعضهما لزلزلة الأرض إيذانا بخراب العالم .

( و إذا القبور بُعثرت ) إنقلب باطنها ظاهرها و أخرج ما فيها من الأموات .

( علمت نفس ما قدّمت و أخرت ) أي علمت كل نفس مكلفة ما قدمت من أعمال حسنة أو سيئة , و ما أخرت من أعمال لحقتها بعدها وذلك ما سنته من سنن الهدى أو سنن الضلالة . و هذا العلم يحصل للنفس أولا مجملا و ذلك عند ابيضاض الوجوه و اسودادها , و يحصل لها مفصلا عندما تقرأ كتاب أعمالها .

( يا أيّها الإنسان ما غرّك بربك الكريم ) أي : أي شيء خدعك و جرّأك على الكفر بربك الكريم و عصيانه بالفسق عن أمره و الخروج عن طاعته . و هو القادر على مؤاخذتك و الضرب على يديك ساعة ما كفرت به أو عصيته .
قال ابن القيّم : .. و إنّما غرَّه بربه الغَرور , و هو الشيطان , و نفسه الأمّارة بالسوء , و جهله و هواه . و أتى سبحانه بلفظ " الكريم " , و هو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الإغترار به و لا إهمال حقه .

( الذي خلقك فسواك فعدلك ) أي : جعلك سويّا معتدل القامة منتصبها , في أحسن الهيئات و الأشكال .

( في أي صورة ما شاء ركبك ) إن شاء بيضك أو سودك , طولك أو قصرك , جعلك ذكرا أو أنثى , إنسانا أو حيوانا , قردا أو خنزيرا , هل هناك من يصرفه عما أراد ذلك ؟ و الجواب لا أحد . إذا كيف يسوغ لك الكفر به و عصيانه و الخروج عن طاعته .

( كلاّ بل تكذبون بالدين ) كلاّ ما غركم كرم الله و لاحلمه , بل الذي جرأكم على الكفر و الظلم و الإجرام , تكذيب في قلوبكم بالمعاد و الجزاء و الحساب .

( و إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) و إن عليكم لملائكة حفظَة كراما يحفظون عليكم أعمالكم و يحصونها لكم و يكتبونها في صحائفكم . يعلمون ما تفعلون – و دخل في هذا أفعال القلوب , و أفعال الجوارح – في السر و العلن , فاللائق بكم أن تكرموهم و تجلوهم و تحترموهم .

( إن الأبرار لفي نعيم ) قال ابن جرير : أي إن الذين برّوا بأداء فرائض الله , و اجتناب معاصيه , لفي نعيم الجنان ينعمون فيها .

( و إن الفجار لفي جحيم ) إن الذين قصروا في حقوق الله و حقوق عباده , الذين فجرت قلوبهم , ففجر أعمالهم , لفي عذاب أليم في دار الدنيا و دار البرزخ و في دار القرار .

( يصلونها يوم الدين ) يعذبون بها أشد العذاب و ذلك يوم الجزاء على الأعمال . قال القرطبي : يصيبهم حرها و لهيبها و هذا قطعا بعد دخولها .

( و ما هم عنها بغائبين ) أي : لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة , و لا يخفف عنهم من عذابها , و لا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة , و لو يوما واحدا .

( و ما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين ) ففي هذا تهويل و تفخيم لأمر ذلك اليوم و تعظيم لشأنه .

( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا و الأمر يومئذ لله ) أي : لا يقدر أحد على نفع أحد و لا خَلاصه مما هو فيه , إلا أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى . و نذكر ها هنا حديث : " يا بني هاشم , أنقذوا أنفسكم من النار , لا أملك لكم من الله شيئا " رواه مسلم . و لهذا قال " الأمر يومئذ لله " , كقوله " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار " , و كقوله " الملك يومئذ الحق للرحمن " , و كقوله " مالك يوم الدين " . قال الرازي : و هو وعيد عظيم , من حيث إنه عرّفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر و الطاعة يومئذ , دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا , من مال وولد و أعوان و شفعاء .
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 04-07-2012, 04:14 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة التكوير

و تسمى سورة " إذا الشمس كورت " و هي مكية و آيها تسع و عشرون .

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنّه رأي عين فليقرأ " إذا الشّمس كورت " و " إذا السّماء انفطرت " و " إذا السماء انشقت " صححه الألباني

( إذا الشمس كورت ) أي أُزيلت من مكانها , و ألقيت عن فلكها , و مُحي ضوؤها . قال ابن جرير : التكوير جمع الشيء بعضه إلى بعض , و منه تكوير العمامة و جمع الثياب بعضها إلى بعض , فمعنى قوله " كوّرت " : جمع بعضها إلى بعض , ثم لفت فرمى بها , و إذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها . قال صلى الله عليه و سلم : " الشمس و القمر يكوران يوم القيامة " رواه البخاري .

( و إذا النجوم انكدرت ) أي تغيرت و تناثرت و تساقطت من أفلاكها على الأرض .

( و إذا الجبال سيّرت ) أي زالت عن أماكنها و نُسفت من أثر الرجفة و الزلزال الذي قطع أوصالها .

( و إذا العشار عطّلت ) أي تركت مهملة لا راعي لها و لا طالب , لما أصاب أهلها من الهول و الفزع . و العشار جمع عُشَراء و هي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم لا يزال إسمها كذلك حتى تضع , و خصها , لأنها أنفس أموال العرب إذ ذاك عندهم , على ما هو في معناها من كل نفيس .

( و إذا الوحوش حشرت ) أي جمعت من كل جانب و اختلطت , لما دهم أوكارها و مكامنها من الزلزال و التخريب , فتخرج هائمة مذعورة من أثر زلزال الأرض و تقطع أوصالها .

( و إذا البحار سجّرت ) أي أوقدت فصارت – على عظمها – نارًا تتوقد .

( و إذا النفوس زوّجت ) أي قرنت بأجسادها – بعد خلق الأجساد لها – ثم قرن كل صاحب عمل مع نظيره , فجمع الأبرار مع الأبرار , و الفجار مع الفجار , و زوج المؤمنون بالحور العين , و الكافرون بالشياطين , و هذا كقوله تعالى " و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا " " و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا " " احشروا الذين ظلموا و أزواجهم " .

( و إذا الموءودة سئلت , بأي ذنب قتلت ) يوم القيامة تسأل الموؤودة على أي ذنب قتلت , ليكون ذلك توبيخا و تقريعا و تهديدا لقاتلها , فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا ؟! و قال ابن عباس " و إذا الموءودة سئلت " أي : سألت , و كذا قال أبو الضحى : " سألت " أي : طلبت بدمها . و عن السدي و قتادة مثله .
و عن حسناء إبنة معاوية الصُّريمية , عن عمها قال : قلت يا رسول الله , من في الجنة ؟ قال : " النبي في الجنة , و الشهيد في الجنة , و المولود في الجنة , و الموؤودة في الجنة " صححه الألباني .
و الموؤودة هي المقتولة الصغيرة التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات , و خشية العار و الفقر , أو لنذرهم إياهم للآلهة , أو يقولون إن الإناث بنات الله , فألحقوا البنات بالله فهو أحق بها منا .
و كان للعرب تفنن في الوأد , فمنهم من إذا صارت بنته سداسية يقول لأمها : طيّبيها و زيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها , و قد حفر لها بئرا في الصحراء , فيبلغ بها البئر فيقول لها : انظري فيها , ثم يدفعها من خلفها و يهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض . و منهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع , حفر حفرة لتتمخّض على رأس الحفرة , فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة , و إن ولدت إبنا حبسته .
و قد اشتهر صعصعة بن ناجية بن عقال , جد الفرزدق بن غالب , بأنه كان ممن فدى الموءودات في الجاهلية , و نهى عن قتلهن . قيل إنه أحيا ألف موءودة , و قيل دون ذلك .
فالوأد كان عادة من أشنع العوائد في الجاهلية , مما يدل على نهاية القسوة و تمام الجفاء و الغلظة . قال الإمام : أنظر إلى هذه القسوة و غلظ القلب و قتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر و العار , كيف استبدلت بالرحمة و الرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب ؟ فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحوه هذه العادة القبيحة .

( و إذا الصحف نشرت ) قال ابن جرير : " أي صحف أعمال العباد نشرت لهم , بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات و السيئات " , فآخذ هذا كتابه بيمينه , و آخذ ذاك كتابه بشماله , أو من وراء ظهره .

( و إذا السماء كشطت ) أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة عند سلخها .

( و إذا الجحيم سعّرت ) أي : أوقد عليها فاستعرت , و التهبت إلتهابا لم يكن لها قبل ذلك . قال قتادة : و إنما يسعرها غضب الله و خطايا بني آدم .

( و إذا الجنة أزلفت ) أي قرّبت لأهلها ليدخلوها .

( علمت نفس ما أحضرت ) أي : إذ وقعت هذه الأمور , علمت كل نفس عند ذلك , ما قدمت من خير فتصير به إلى الجنة , أو شر فتصير به إلى النار , أي تبيّن لها عند ذلك ما كانت جاهلة به , و ما الذي كان فيه صلاحها من غيره .

( فلاأقسم بالخنس , الجواري الكنس ) قال الشيخ عبد العظيم بدوي : الخُنَّس هي النجوم تخنس – أي تختفي و تغيب عن الأنظار نهارا – بالنهار , و تظهر بالليل . " الجواري الكنّس " التي تجري في بروجها و منازلها و مواقعها طول الليل ثم تغيب مع طلوع الفجر .

( و الليل إذا عسعس ) أي أدبر و لم يبق إلا اليسير , و ذلك وقت السحر .

( و الصبح إذا تنفس ) قال ابن جرير : يعني وضَوْءُ النهار إذا أقبل و تبيّن .

و جواب القسم قوله تعالى ( إنّه لقول رسول كريم ) يعني : إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم , أي : ملك شريف حَسَن الخلق , بهي المنظر , و هو جبريل عليه الصلاة و السلام .
فالله تعالى قد أقسم بأعظم قسم على أن القرآن نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه و سلم , و ما يقول محمد صلى الله عليه و سلم هو كلام الله ووحيه صدقا و حقا .

( ذي قوّة ) أي على تحمل أعباء الرسالة , و على كل ما يؤمر به .
و من قوته أنه قلب ديار قوم لوط بهم فأهلكهم . فهو شديد الخَلْق , شديد البطش و الفعل .

( عند ذي العرش مكين ) أي جبريل عليه السلام مقرب عند الله تعالى , له منزلة رفيعة , و خصيصة من الله اختصه بها . قال أبو صالح في قوله " عند ذي العرش مكين " قال : جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن .
فجبريل عليه السلام له مكانة و منزلة فوق منازل الملائكة كلهم .

( مُطاع ثَمَّ ) له وجاهة , و هو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى , قال قتادة : " مطاع ثمّ " أي : في السماوات , يعني : ليس هو من أفناء الملائكة , بل هو من السادة و الأشراف , مُعْتَنى به , انتخب لهذه الرسالة العظيمة .

( أمين ) صفة لجبريل بالأمانة , و هذا عظيم جدا أن الرب عز و جل يزكي عبده و رسوله الملكي جبريل عليه السلام .
و هذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى , فإنه بعث به هذا الملك الكريم , الموصوف بتلك الصفات الكاملة . و العادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات , و أشرف الرسائل .

( و ما صاحبكم بمجنون ) أي : محمد صلى الله عليه و سلم ليس ممن يتكلم عن جِنَّة و يهذي هذيان المجانين " بل جاء بالحقّ و صدّق المرسلين " و هذا نفي لما كان يبهته به أعداؤه , صلى الله عليه و سلم , حسدا و لؤما . قال الشهاب : و في قوله " صاحبكم " تكذيب لهم بألطف وجه . إذ هو إيماء إلى أنه نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن , فأنتم أعرف به و بأنه أتم الخلق عقلا و أرجحهم نبلا و أكملهم و أصفاهم ذهنا . فلا يسند له الجنون إلا من هو مركب من الحمق و الجنون .

( و لقد رآه بالأفق المبين ) أي : رأى محمد صلى الله عليه و سلم جبريل عليه السلام بالأفق البيِّن – الذي هو أعلى ما يلوح للبصر – على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح و قد سدّ الأفق كله . و هي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء , و هي المذكورة في قوله تعالى " علّمه شديد القوى , ذو مرّة فاستوى , و هو بالأفق الأعلى , ثُمّ دنا فتدلّى , فكان قاب قوسين أو أدنى , فأوحى إلى عبده ما أوحى " .

( و ما هو على الغيب بضنين ) و ما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه , بل هو صلى الله عليه و سلم أمين أهل السماء و الأرض , الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين . فلم يبخل بشيء منه , بل بلَّغه و نشره و بذله لكل من أراده .

( و ما هو بقول شيطان رجيم ) و ما هذا القرآن بقول شيطان رجيم . و هو نفي لقولهم إنه كهانة , قال تعالى " و ما تنزّلت به الشياطين و ما ينبغي لهم و ما يستطيعون " .

( فأين تذهبون ) ينكر عليهم مسلكهم الشائن في تكذيب رسوله محمد صلى الله عليه و سلم و إتهامه بالسحر , و القرآن بالشعر و الكهانة و الأساطير .

( إن هو إلاّ ذكر للعالمين ) أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس , يتذكّرون به خالقهم و رازقهم و محييهم و مميتهم , و ما له عليهم من حق العبادة وواجب الشكر , و يتعضون به فيخافون ربهم فلا يعصونه بترك فرائض عليهم و لا بارتكاب ما حرمه عليهم .

( لمن شاء منكم أن يستقيم ) أي : من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن , فإنه منجاة له و هداية , لا هداية فيما سواه .

( و ما تشاءون إلا أن يشاء ربّ العالمين ) أي و ما تشاءون شيئا من فعالكم , إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم , و إقداركم عليها , و التخلية بينكم و بينها . و فائدة هذا الإخبار , و هو الإعلام بالإفتقار إلى الله تعالى , و أنه لا قدرة للعبد على ما لم يقدره الله عز و جل , فهو خاضع لسلطان مشيئته , مقهور تحت تدبيره و إرادته .
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 04-07-2012, 04:14 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة عبس

و تسمى سورة الصاخبة , و هي مكية و آيها اثنتان و أربعون .

ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش , و قد طمع في إسلامه , فبينما هو يخاطبه و يناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم – و كان ممن أسلم قديما – فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن شيء و يلح عليه , وَوَدَّ النبي صلى الله عليه و سلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل , طمعا و رغبة في هدايته . و عبس في وجه ابن أم مكتوم و أعرض عنه , و أقبل على الآخر , فأنزل الله عز و جل " عبس و تولى " .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أنزلت " عبس و تولى " في إبن أم مكتوم الأعمى , أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يقول : أرشدني . قالت : و عند رسول الله صلى الله عليه و سلم من عظماء المشركين . قالت : فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يُعرض عنه و يقبل على الآخر , و يقول : أترى بما أقول بأسا ؟ فيقول : لا , ففي هذا أنزل ) قال الشيخ الألباني صحيح الإسناد .
و إبن أم مكتوم هذا إسمه عبد الله , قال الشهاب : و هو مكيّ قرشيّ من المهاجرين الأولين , و كان النبي صلى الله عليه و سلم يستخلفه على المدينة في أكثر غزواته , و كان ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها .

( عبس و تولى ) أي النبي صلى الله عليه و سلم , و معنى عبس قطب ما بين عيينه كراهية لما نَابه و حصل له مما أزعجه , " و تولى " أعرض عنه .

( أن جاءه الأعمى ) أي لأجل أن جاء عبد الله بن أم مكتوم فقطعه عما هو مشغول به من دعوة بعض أشراف قريش للإسلام .

( و ما يدريك لعله يزّكى ) أي يريد زكاة نفسه و تطهير روحه بما يتعلمه منك .

( أو يذّكر فتنفه الذكر ) أي يعتبر و يتعظ فتنفعه موعظتك .

( أمّا من استغنى ) أي بماله و قوته و شرف قومه عن سماع القرآن و الهداية و الموعظة .

( فأنت له تصدّى ) أي تتعرض له مُقبلا عليه رجاء أن يسلم و يهتدي .

( و ما عليك ألاّ يزّكى ) أي و ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام , إنْ عليك إلا البلاغ . قال الرازي : أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم , إلى أن تعرض عمن أسلم , للإشتغال بدعوتهم .

( و أمّا من جاءك يسعى و هو يخشى ) جاءك مسرعا يجري وراءك يناديك بأحبّ الأسماء إليك يا رسول الله , و الحال أنه يخشى الله تعالى و يخاف عقابه فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب و العذاب .

( فأنت عنه تلهى ) أي تُعرض و تتشاغل بغيره .

و من هاهنا أمر الله عز و جل رسوله صلى الله عليه و سلم ألا يخص بالإنذار أحد , بل يساوي فيه بين الشريف و الضعيف , و الفقير و الغني , و السادة و العبيد , و الرجال و النساء , و الصغار و الكبار . ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم , و له الحكمة البالغة و الحجة الدامغة .
قال السيوطي في الإكليل : في هذه الآيات حث على الترحيب بالفقراء و الإقبال عليهم في مجالس العلم و قضاء حوائجهم , و عدم إيثار الأغنياء عليهم . قال الزمخشري : لقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا , فقد روي عن سفيان الثوري رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء .

( كلاّ ) لا تفعل مثل هذا مرة أخرى .

( إنّها تذكرة ) أي هذه الآيات و ما تحمل من عتاب حبيب إلى حبيب موعظة , يجب الإتعاظ بها و العمل بموجبها .

( فمن شاء ذكره ) أي عَمِل بهذا الوحي و التنزيل كقوله تعالى " و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر " .

( في صحف مكرمة , مرفوعة مطهرة ) صحف آيات التنزيل و سوره معظمة و موقرة عند الله تعالى , مرفوعة القدر و الرتبة , مطهرة من الدنس و الزيادة و النقص , و منزهة عن مس الشياطين لها .

( بأيدي سفرة , كرام بررة ) بأيدي ملائكة , خُلقهم كريم حسن شريف , و أخلاقهم و أفعالهم بارة طاهرة كاملة .
و من هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله و أقواله على السداد و الرشاد .

( قتل الإنسان ) لعن الإنسان – الكافر – و هذا الجنس الإنسان المكذب , لكثرة تكذيبه بلا مستند , بل بمجرد الإستبعاد و عدم العلم .

( ما أكفره ) أي ما حمله على الكفر و الكبر .

قال الرازي : " قتل الإنسان " تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب . و قوله " ما أكفره " تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح و المنكرات .

( من أي شيء خلقه ) أي من أي شيء حقير مهين خلقه ؟ و هذا تحقيرا له .

( من نطفة خلقه ) خلقه الله من ماء مهين , من نطفة قذرة .
أمن كان هذا حاله يليق به أن يكفر و يتكبر و يستغني عن الله ؟ فلينظر إلى مبدئه و منتهاه و ما بينهما . مبدأه نطفة مذرة و آخره جيفة قذرة , و هو بينهما حامل عذرة . كيف يكفر و كيف يتكبر ؟

( فقدّره ) أي أطوارا نطفة فعلقة فمضغة , ثم هيأه لما يصلح له و يليق به من الأعضاء و الأشكال , فسواه بشرا سويا . و كذلك قدّر أجله و رزقه و عمله و شقي أو سعيد .

( ثم السبيل يسّره ) ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه – اختاره ابن جرير - , أو يكون المعنى : يسر له الأسباب الدينية و الدنيوية , و هداه السبيل و بيّنه و امتحنه بالأمر و النهي قال تعالى " إنا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا كفورا " و هذا رجحه ابن كثير .

( ثم أماته فأقبره ) أي أكرمه بالدفن , فهيأ له من يقبره , و لم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض .

( ثم إذا شاء أنشره ) أي بعثه بعد موته للجزاء .

( كلاّ لمّا يقض ما أمره ) فيها قولان للعلماء : الأول : أن الإنسان لم يقض ما أمره الله به , فهو مُقَصِر في حق الله , لأنه مهما اجتهد في طاعة الله فهو مقصر في حق مولاه – قاله الشيخ عبد العظيم بدوي - . الثاني : أن الله تعالى لن يقوم بالبعث و النشور الآن حتى تنقضي المدة , و يفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أنه سيوجد منهم , و يخرج إلى الدنيا , و قد أمر به تعالى كونا و قدرا , فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق و أعادهم كما بدأهم . و هذا اختاره ابن كثير .

( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) أي فإن لم يشهد خلق ذاته , و عمي عن الآيات في نفسه , و أصر على جحوده توحيدَ ربه , فلينظر إلى طعامه و مأكله الذي هو أقرب الأشياء لديه . ماذا صنعنا في إحداثه و تهيئته لأن يكون غذاء صالحا لعله يذكر فيشكر . و كذلك فيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظاما بالية و ترابا متمزقا .

( إنا صببنا الماء صبّا ) أنزلنا المطر من السماء على الأرض بكثرة .

( ثم شققنا الأرض شقّا ) أي صدعناها بالنبات , حيث أسكنّا المطر فيها فدخل في تُخُومها و تخلّل في أجزاء الحبِّ المودَع فيها , فنبت و ارتفع و ظهر على وجه الأرض .

( فأنبتنا فيها ) أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة , و الأقوات الشهية .

( حبّا ) و هذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها , كالقمح و الشعير و الذرة .

( و عنبا و قضبا ) العنب معروف , و القضب هو : كل ما أكل من النبات رطبا , كالقثاء و الخيار و نحوهما . و سمي قضبا لأنه يقضب , أي يقطع مرة بعد أخرى .

( و زيتونا و نخلا ) الزيتون يؤكل حبا , و يدهن به زيتا , و يستصبح به . و نخلا يؤكل بلحا بسرا , و رطبا , و تمرا , و نيئا , و مطبوخا , و يعتصر منه رُبٌّ و خل .

( و حدائق غُلبا ) أي بساتين ذوات الأشجار المثمرة , عليها حوائط تحيط بها , " غلبا " أي ضخمة عظيمة , و عظمها إما لاتساعها البالغ حد البصر , أو لغلظ أشجارها و تكاثفها و إلتفافها .

( و فاكهة و أبّا ) و فاكهة أي مما يؤكل من ثمار الأشجار , من تين و عنب و خوخ و رمان , و غير ذلك . و الأبُّ هو المرعى الذي تأكله البهائم من العشب و النبات .

( متاعا لكم و لأنعامكم ) أي عيشة لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة .

فمن نظر في هذه النعم , أوجب له ذلك شكر ربه , و بذل الجهد في الإنابة إليه , و الإقبال على طاعته , و التصديق بأخباره .

( فإذا جاءت الصّاخة ) و هي صيحة القيامة و صوت زلزالها الهائل المصمّ للآذان , المزعج للأفئدة يومئذ , مما يرى الناس من الأهوال و شدة الحاجة لسالف الأعمال .

( يوم يفرّ المرء من أخيه , و أمّه و أبيه , و صاحبته و بنيه ) أي : يراهم , و يفر منهم , و يبتعد عنهم , لأن الهول عظيم , و الخطب جليل , و لاشتغاله بنفسه , و علمه بأنهم لا ينفعونه . و معنى صاحبته أي زوجته .

( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) أي قد أشغلته نفسه , و اهتم لفكاكها , و لم يكن له إلتفات إلى غيرها .
عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا " فقالت عائشة : يا رسول الله , فكيف بالعورات ؟ فقال : " لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " صححه الإمام الألباني . و غرلا : أي غير مختونين .

( وجوه يومئذ مسفرة , ضاحكة مستبشرة ) وجوه يومئذ مضيئة مشرقة , قد ظهر فيها السرور و البهجة , من ما عرفوا من نجاتهم , و فوزهم بالنعيم . و هذه الوجوه هي وجوه المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه , و قدموا من الخير و العمل الصالح ما ملأوا به صحفهم .

( ووجوه يومئذ عليها غبرة , ترهقها قترة ) ووجوه يومئذ عليها غبار و كدورة , تغشاها ظلمة و سواد , فهي وجوه سوداء مظلمة مدلهمة , قد أيست من كل خير , و عرفت شقاءها و هلاكها .

( أولئك هم الكفرة الفجرة ) أي : الكفرة قلوبهم , الفجرة في أعمالهم , الذين لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله , و ركبوا من محارمه , فجوزوا بسوء أعمالهم و خبث نياتهم .
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 04-07-2012, 04:15 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفسير سورة النازعات

و تسمى سورة الساهرة , و الطامة , و هي مكية و آيها ست و أربعون .

( و النّازعات غرقا ) أي الملائكة تنزع أرواح الفجار و الكفار عند الموت بشدّة

( و الناشطات نشطا ) أي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين الصالحين نشطا أي تسلها برفق .

( و السابحات سبحا ) أي الملائكة مترددات في الهواء صعودا و نزولا .

( فالسابقات سبقا ) أي الملائكة تبادر لأمر الله , فتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه .

( فالمدبرات أمرا ) الملائكة , الذين و كلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي و السفلي , من الأمطار , و النبات , و الأشجار , و الرياح , و البحار , و الأجنة , و الحيوانات , و الجنة , و النار , و غير ذلك .

هذه الآيات الخمس قسم من الله تعالى عظيم , أقسم به على أنه لابد من البعث و الجزاء و أنه واقع لا محالة , حيث كان المشركون ينكرون ذلك حتى لا يقفوا عند حد في سلوكهم فيواصلوا كفرهم و فسادهم جَرْيا وراء شهوتهم كل أيامهم و طيلة حياتهم قال تعالى " بل يريد الإنسان ليفجر أمامه " .
و تقدير جواب القسم بل تبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم إذ هو معهود في كثير من الإقسام في القرآن كقوله تعالى " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم و ذلك على الله يسير " .

( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرّادفة ) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هما النفختان الأولى و الثانية , قال الحسن : أما الأولى فتميت الأحياء , و أما الثانية فتحيي الموتى , ثم تلا " و نُفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلاّ من شاء الله ثمّ نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " .

( قلوب يومئذ واجفة ) أي شديدة الإضطراب ,خوفا من عظيم الهول النازل .

( أبصارها خاشعة ) أي أبصار أهلها ذليلة حقيرة , مما قد علاها من الكآبة و الحزن , من الخوف و الرعب .

( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة , أءذا كنّا عظاما نّخرة ) يعني : مشركي قريش و من قال بقولهم في إنكار المعاد , يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى القبور , و بعد تمزق أجسادهم و تفتت عظامهم , و نخورها قال ابن عباس : و هو العظم إذا بلى و دخلت الريح فيه .

( قالوا تلك إذا كرّة خاسرة ) يعنون أنهم إذا عادوا إلى الحياة مرة أخرى فإن هذه العودة تكون خاسرة , قال ابن زيد : و أي كرة أخسر منها ؟ أحيوا ثم صاروا إلى النار , فكانت كرّة سوء . و قال أبو السعود : هذا حكاية لكفر آخر لهم ,متفرع على كفرهم السابق ... أي قالوا ذلك بطريقة الإستهزاء , مشيرين إلى ما أنكروه من الردة في الحافرة .

( فإنما هي زجرة واحدة ) أي صيحة واحدة , و هو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث , فإذا الأولون و الآخرون قيام بين يدي الربّ عز وجل ينظرون . قال تعالى " و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " و قال تعالى " و ما أمر السّاعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " .

( فإذا هم بالسّاهرة ) أي على ظهر الأرض أحياء , فيجمعهم الله و يقضي بينهم بحكمه العدل و يجازيهم . و هذه الأرض لم يعمل عليها خطيئة , و لم يَهرَاق عليها دم قال تعالى " يوم تُبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار " .

( هل آتاك حديث موسى ) أي : هل سمعت بخبره ؟

( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) أي ناداه الله تعالى بالوادي المطهر المبارك – المسمى طوى - , و هو واد في أسفل جبل طور سيناء من برية فلسطين . و كلمه فيه , و امتنّ عليه بالرسالة و اختصه بالوحي و الإجتباء فقال له :

( إذهب إلى فرعون إنه طغى ) إذهب إلى فرعون إنه عتا و تكبر و ظلم فأفحش في الظلم و الفساد .

( فقل له هل لّك إلى أن تزكّى ) أي : هل لك في خصلة حميدة , و محمدة جميلة , يتنافس فيها أولوا الألباب , و هي أن تُزكّي نفسك و تطهرها من دنس الكفر و الطغيان , إلى الإيمان و العمل الصالح ؟

( و أهديك إلى ربك ) أي : أدلك إلى عبادة ربك , و أُبَيّن لك مواقع رضاه , من مواقع سخطه .

( فتخشى ) فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشيا بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير . قال الزمخشري : ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر , من خشى الله أتى منه كل خير , و من أَمِن اجترأ على كل شر .

( فأراه الآية الكبرى ) فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية , و دليلا واضحا على صدق ما جاء به من عند الله , و هي على ما قاله مجاهد , عصاه و يده . أي عصاه إذ تحولت ثعبانا مبينا , و يده إذ أخرجها بيضاء للناظرين . و إفرادهما لأنهما كالآية الواحدة في الدلالة , أو هي العصا لأنها كانت المقدمة و الأصل , و البقية كالتبع .

( فكذّب و عصى ) فكذب فرعون موسى فيما أتاه من الآيات المعجزة , و دعاها سحرا , و عصاه فيما أمره به من طاعة ربه و خشيته إياه .

( ثم أدبر يسعى ) أي يجتهد في مبارزة الحق و محاربته . و هو جمعُهُ السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى , عليه السلام , من المعجزة الباهرة .

( فحشر ) جمع رجاله و جنده .

( فنادى ) أي ناداه ليعدهم إلى حرب موسى .

( فقال أنا ربكم الأعلى ) يعني أنه لا ربّ فوقه , و بالتالي لا طاعة إلاّ له .

( فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى ) أي : انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة و نكالا لأمثاله من المشركين في الدنيا .

( إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى ) أي في أخذه لفرعون و ما أحل به من العذاب و الخزي , عظة و معتبرا لمن يخاف الله و يخشى عقابه , و يعلم أن هذه سنته في كل من يقاوم الحق و يحاربه , فإن نبأ الأولين عبرة للآخرين .

يقول الله تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه :

( أأنتم ) أيها الناس ( أشدُّ خلقا أم السماء ) ؟ يعني : بل السماء أشدّ خلقا منكم , فإن من رفع السماء على عظمها , هيّن عليه خلقهم و خلق أمثالهم , و إحياؤهم بعد مماتهم , كما قال سبحانه " لَخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس " و قوله تعالى " أوليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم " .
و الإستفهام هنا استفهام تقريري و هو إلجاؤهم إلى الإقرار و الإعتراف بأن خلق السماء أعظم من خلقهم إذًا كيف ينكرون البعث و الحياة الثانية .

( بناها ) قال ابن جرير : أي رفعها فجعلها للأرض سقفا .

( رفع سمكها فسوّاها ) أي : جعلها عالية البناء , بعيدة الفناء , مستوية الأرجاء , مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء .

( و أغطش ليلها ) أي : جعل ليلها مظلما أسود حالكا , قال ابن جرير : أضاف الليل إلى السماء , لأن الليل غروب الشمس , و غروبها و طلوعها فيها , فأضيف إليها لما كان فيها .

( و أخرج ضُحاها ) أي : جعل نهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا , و الضحى انبساط الشمس و امتداد النهار . و إيثار الضحى لأنه وقت قيام سلطان الشمس و كمال إشراقها .

( و الأرض بعد ذلك دحاها ) أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق , و إبراز الأضواء , بسط الله تعالى الأرض و مهدها لسكنى أهلها , و تقلبهم في أقطارها . أما خلق نفس الأرض ,فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى " قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين " إلى أن قال " ثم استوى إلى السماء و هي دخان فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " .

( أخرج منها ماءها ) بأن فجر منها عيونا و أجرى أنهارا .

( و مرعاها ) و هو ما يرعى من سائر الحبوب و الثمار و النبات و الأشجار .

( و الجبال أرساها ) أي قررها و أثبتها و أكّدها في أماكنها , لتستقر الأرض بأهلها .

( متاعا لكم و لأنعامكم ) أي انتفاعا لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد , و ينقضي الأجل .

( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي الداهية العظمى التي تطمّ – أي تلو و تغلب أمثالها من الأحداث الجسام – على كل هائلة من الأمور , فتغمر ما سواها بعظيم هولها كما قال تعالى " و الساعة أدهى و أمرّ " , و هي القيامة للحساب و الجزاء .

( يوم يتذكّر الإنسان ما سعى ) حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره و شره , و ذلك بعرضه عليه .

( و بُرِّزت الجحيم لمن يرى ) أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا .

( فأمّا من طغى ) أي أفرط في تعديه و مجاوزته حد الشريعة و الحق , إلى ارتكاب العصيان و الفساد و الضلال .

( و آثر الحياة الدنيا ) أي قدمها على أمر دينه و أخراه .

( فإن الجحيم هي المأوى ) فإن مصيره إلى الجحيم , و إن مطعمه من الزقوم , و مشربه من الحميم .

( و أمّا من خاف مقام ربّه ) أي : خاف القيام بين يدي الله عز و جل , و خاف حُكمَ الله فيه ,فأدى الفرائض و اجتنب النواهي .

( و نهى النفس عن الهوى ) أي : نهى نفسه عن هواها , فلم يجيبها في هوى يبغضه الله و لم يطعها في شيء حرمه الله , بل صار هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم .

( فإنّ الجنّة هي المأوى ) أي : منقلبه و مصيره و مرجعه إلى الجنة الفيحاء .

( يسألونك عن السّاعة أيّان مرساها ) أي يسألك يا رسولنا المتعنتون المكذبون المنكرون للبعث عن الساعة متى وقوعها و قيامها .

( فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) ليس علمها إليك و لا إلى أحد من الخلق , بل مَردها و مرجعها إلى الله عز و جل , فهو الذي يعلم وقتها على التعيين , كما قال تعالى في آية أخرى " يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات و الأرض لا تأتيكم إلا بغته يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله و لكن أكثر الناس لا يعلمون " .

( إنما أنت منذر من يخشاها ) إنما بعثتك لتنذر الناس و تحذرهم من بأس الله و عذابه , فمن خشي الله و خاف مقامه ووعيده , اتبعك فأفلح و أنجح , و الخيبة و الخسار على من كذبك و خالفك .

( كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) كأن هؤلاء المكذبين بها , و بما فيها من الجزاء و الحساب , يوم يشاهدون وقوعها , من عظيم هولها , لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا ساعة من نهار , بمقدار عشية – و هي ما بين الظهر إلى غروب الشمس - , أو ضحاها – و هي ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار - .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لتفسير, ميسرة, القران, سلسلة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


عدد مرات النقر : 8,259
عدد  مرات الظهور : 203,943,666
عدد مرات النقر : 11,164
عدد  مرات الظهور : 203,943,665

الساعة الآن 10:11 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009