|
#1
|
||||
|
||||
|
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قصة (لم أرحل الى الضفة الأخرى !) للمؤلفة زبيدة هرماس حفظها الله وقد قسمتها الى خمس محطات سردية (محطة البداية والاستهلال)، ثم (الظلام ) ف ( الوصول ) ف (الصدمة ) ف (العودة ) . (لم أرحل الى الضفة الأخرى!) - أيها الشباب ، اليوم مساء سينطلق المركب ، ستكونون كلكم على استعداد للدخول إلى "المريا " لأننا سنصل ليلا ، لا تنسوا أن كارلوس سيكون بانتظاركم هناك ، التعليمات كلها تطبق ، الجمل الاسبانية التي تعلمتم خلال شهرين ستسعفكم ، هؤلاء الأفارقة لا تعيروهم كبير اهتمام ، لقد تركوا الماس تحت أقدامهم وجائوا ليتسولوا الحديد لدى الاسبان ، أنتم تبحثون عن عملكم بعزة وكرامة ، لقد كان أجدادكم ملوك هذه البلاد ، لا بد إذن أن تحافظوا على شيء من نخوتهم ، أكثر عملكم سيكون في الحقول والضيعات ، لا تترددوا في جمع المال اللازم لبناء وطنكم . أحنى الجميع رؤوسهم وقد استهوتهم النصائح الغالية لمنظم الرحلة ، كما تملكهم الخوف الشديد من المجهول القادم رؤوف شاب بسيط لا يحسن السباحة ، فهو لا ينتمي إلى مدينة ساحلية ، ولم ير البحر في حياته إلا ثلاث مرات ، كل سلاحه هو تلك الجمل البسيطة التي تعلمها في كتاب:"تعلم الاسبانية في خمسة أيام ":اكتشف أن عقله كان مشغولا لدرجة أن خمسين يوما لم تكن كافية ليحفظ بتلعثم شديد جملا من مثل :"كيف حالك ؟، أبحث عن عمل ، لقد فقدت أوراق إقامتي ..."، إنها عبارات مرشحة ليتسلح بها إذا باغته البوليس الإسباني وهو يقيم في البلاد بطريقة غير قانونية ، كما أنه لبس سروالا جلديا تحت سروال الجينز الذي اقتناه خصيصا لرحلة السفر ، أما القبعة فقد غلفها من الداخل بقطعة بلاستيكية سميكة حتى لا يتبلل رأسه إذا باغت الموج المركب المغامر ، وضع بعض حبات الفول السوداني في جيبه وهرع إلى أقرب مخدع هاتفي وقال لأمه : - أمي ، الرحلة الليلة ، لا تنسيني من دعائك ، أعدك أن أعمل بجد وأعوضك عن بقراتك الثلاث بثلاثين ، اسألي الله أن يجعل لي البحر كالبساط ، وأن آتيك بما يلزم من المال . -وهل حصلت على جواز السفر هناك يا بني !. -أي جواز سفر يا أمي ؟ لقد أفهمتك مرارا أننا هنا سنهاجر بغير وثائق وأنا لم أحضر إلى هذا المكان لأحصل على جواز السفر ، ليس في جيبي إلا نسخة من شهادة "البكالوريا"، أتمنى هي أيضا أن تسعفني في الحصول على عمل شريف ، آه ... لاتنسي أرجوك ، اللهم اجعل لإبني البحر كالبساط ، هذا ما أريد منك أن تردديه . ردت أمه مستفهمة : - لم أفهم ماذا قلت عن البحر وما علاقته بالبساط يا بني !. - لاشيء .. لاشيء يا أمي ، قولي فقط : اللهم اجعل له البحر كما جعلته لطارق ابن زياد ويوسف ابن تاشفين ، ساعات قليلة من الإبحار وكانوا ملوكا في الضفة الأخرى . - وهل هما معك الآن يا بني في البحر ؟ أرجوك كن حذرا ولا تخالط الغرباء. -لا .. لا .. لا تخافي يا أمي ، ليتني كنت معهما ، فشتان بين رحلتي ورحلتهما ، البحر هو هو ، ولا هما معي ولا أنا معهما ، سأبسط لك كل حكايتي عندما أصل بعون الله ، ما يهمني الآن هو دعواتك لي بالستر والسلامة . - يسر الله أمرك يا بني ، وأسأله أن يحفظك من حوادث السير . - أمي العزيزة ، قولي من حوادث البحر ، أنسيتي عندما أوصيتك بالدعاء لي بالحفظ من الفتن ما ظهر منها وما بطن وكنت ترددين :" اللهم ارزقه الفتن ما ظهر منها وما بطن ".؟ - أذكرها جيدا يا رؤوف ، منذ أوصيتني يا بني وأنا أكررها ! -أرجوك توقفي يا أمي عن هذا الدعاء ، سأتزوج إن شاء الله امرأة متعلمة لتعلمك كيف تكتبين إسمك وتقرئين القرآن والدعاء ، تماما كما يدعو مقرئ الحرم المكي ليلة السابع والعشرين من رمضان ..هههه... -ضحكت الأم مستبشرة وقالت : - إنتبه لنفسك يا بني ، أتمنى أن يحييني الله حتى أرى أبنائك . -حسنا يا أمي ، سأودعك الآن ، لم يعد لدي من النقود ما يكفي ، إلى اللقاء بحول الله . شد حذائه الرياضي الذي دس فيه تحت القدم مباشرة بعض المال بالعملة الأوروبية ، ثم أطلق ساقيه للريح ليبقى قريبا من نقطة إنطلاق الرحلة عندما يجنح الظلام . تتبع
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#2
|
||||
|
||||
|
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مــــــلا حـــظــة أرجو من المشرفين وضعه في الركن الخاص به ولكم جزيل الشكر
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#3
|
||||
|
||||
|
( الظلام )
كان المرشحون للهجرة السرية يمسكون بحبل على الشاطئ بعد أن قطعوا مسافة طويلة سيرا على الأقدام يرشدهم شخص يداه خشنتان ومبللتان بالماء ، لم يكن عددهم يبدو قليلا من خلال أصوات حركاتهم ، ولم يكن أيضابوسع أحدهم أن يهمس للآخر لأنه لا يراه ، فقد كانت الليلة مظلمة جدا ، صاح منظم الرحلة بلهجة ممزوجة بين الإسبانية والمغربية مناديا عليهم بأرقامهم كالخراف الواحد تلو الآخر ، وعندما صعدو المركب الذي اهتدوا إليه بصعوبة وهم يمسكون ببعضهم ، كان مغربي يأمرهم بلهجة تطوانية بعدم الإكثار من الحركة لأن المركب لا يتحمل ، نطق رؤوف الشهادتين واستحضرصور الذين شاهد جثتهم يرمي بها البحر وتعرضها القنوات الفضائية، فقد كانوا هم أيضا على متن مركب يشق البحر كالذي يمتطي الآن ، استحضر صورة أمه الساذجة وهي تبكي عليه بعد موته ، تمثلت له البقرات الثلاث التي باعتها حتى يتمكن من دفع ثمن السفر ، تذكر بلدته الصغيرة وأهلها البسطاء ، فنزلت دمعة ساخنة على خذه وشعر بالندم يقطع قلبه ، ولكن أنى له التراجع وقد انطلق المركب وفيه امرأة أفريقية همست لمنظم الرحلة بفرنسية سنغالية أنها أعطت منوما لإبنها الصغير حتى لا يحدث صراخه إزعاجا ، أنى له التراجع ومعه من هم غرباء وأضعف حيلة منه ؟ ، في المركب أيضا شباب استهوتهم الرحلة إلى القارة الشقراء ، كان صوت الموج الهادر هو من يزمجر ويلف المكان ، ولا يقاومه صوت المحرك الصغير الذي يحرك المركب ، ما زاد من فزع رؤوف وذكره بما قرأ عن الأعماق الغامضة المظلمة العميقة للبحر ، تخيل أن سمك القرش سيبتلعه حينا وينتهي مفترسا بين فكيه الكبيرين ولا تعثر أمه المسكينة على قبر تقف عليه ويشفي لوعتها ، انكمش وبدأت أسنانه تصطك من الخوف والبرد ، وظل ينطق الشهادتين ويتوسل إلى الله أن ينجيه من الموت غرقا ، إنها أول مرة يشعر فيها أنه يموت جزءا جزءا ، وأن رصاصات الألم تستقر في قلبه الواحدة تلو الأخرى ، ازداد بكاؤه حتى كاد يسمع أنينه كان الذين من حوله لا تسمع لهم حركة ولا همس ، قطع الليل المظلم تنزل عليهم كسياط النار اللافحة !. يتبع
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#4
|
||||
|
||||
|
بارك الله فيكى
__________________
عندما تولد يأبن أدم * يؤذن فى أذنك من غير صلاه وعندما تمـــــــوت * يصلى عليك من غير أذان وكـــــــــأن حياتك * بين أذان وصــــــــــــــــلاه |
|
#5
|
||||
|
||||
|
شكرا أختي الكريمة هبة على المرور
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] التعديل الأخير تم بواسطة خديجة أحمد ; 06-28-2012 الساعة 09:54 AM |
|
#6
|
||||
|
||||
|
( الوصول )
مرت ثلاث ساعات على المركب وهويحمل آمالا وآلاما لتلك الكومة المتنوعة من البشر ، كل واحد يحمل معه قصة الرحلة ، هذا من الأدغال وذاك من الصحاري والقفار ، وآخر من المدن الصفيحية الخانقة ...يمضي بهم المركب غير مسؤول ولا مكثرت ، فهو يؤدي عمله كما خططله الربان ، لعله أحسن حالا منهم لجرأته على اختراق البحر في تلك الليلة المظلمة بلا وجل ، أما قائد الرحلة فلا يقل عنه جرأة ووثوقا مما حوله ،والظاهر أنه متعود ومتمرس أيضا ، تحدث فجأة في هاتف لا سلكي إلى أحد أصدقائه وقال : - ألو ...ألو...أسمعك جيدا ، أنا في النقطة السادسة ، كل شيء على ما يرام ...هل سمعتني ؟كل شيء على ما يرام . نزلت هذه الجمل بردا وسلاما على مسافري المركب ، وخففت مما يعتريهم من القلق والخوف منذ انطلاق الرحلة ، استطاع رؤوف أن يضحك على نفسه وهو يتصور كيف اشترى الخوف والفزع بذلك الثمن الباهض ، لم يكن يعلم أبدا أن الخوف يشترى بالمال ، عاود ابتسامة خفيفة وقال في نفسه: يا لمغامرتك يا رؤوف ، أية رحلة هاته التي كادت تقبض قلبك عن النبض ؟ ، بينما أغلق قائد الرحلةالهاتف وهو يتمتم بكلمات مشفرة مع محدثه ثم قال لهم : - اسمعوا جيدا ، لقد اقتربتم من الشاطئ ، سأتحول أنا إلى مركب آخر سيقلني الآن وأترككم لتتدبروا أمركم ، أنتم فقط على بعد قريب جدا من الشاطئ ، تذكروا كل التعليمات ... تذكروا كل التعليمات . لم يرد أحد بالسلب ولا بالإيجاب لإختلاط الخوف بالفرح في قلوبهم ، وبعد دقائق معدودة زحف المركب بنفسه نحو الشاطئ ثم توقف بعد أن غادره الربانان ، وقف رؤوف يختلجه الأمل والخوف في آن واحد ، وألقى برجله على الرمل المبلل بماء البحر وهو لا يصدق أن قدماه وطئت أخيرا أرض اسبانيا !، بينما سمع الآخرين يهرولون يمينا وشمالا ليتفرقوا بين الهضاب والحقول وعلى جنبات المعامل المجاورة ، لاحظوا أنه لم تكن هناك إنارة البتة ، ولكنهم تقدموا ليختفوا في أي مكان حتى تصعد شمس يومهم الأول بعد السفر كأنهم خفافيش الكهوف . - سمعوا من يناديهم فجأة قائلا بلهجة مغربية قوية : - ابقوا مكانكم أيها المشردون ، إنني أسمع حركاتكم وأعلم جيدا أنكم هنا ، ولولا أن بطاريتي ضعيفة لصوبت المصباح نحوكم ، عموما لا تخافوا مني فأنا لكم ناصح ، أنتم في المغرب ولستم في المريا ؟ ، لقد خدع العشرات قبلكم ، سأترككم ولكن تدبروا أمركم . تقدم أحدهم وقال : - لا تصدقوه ، ربما هو عميل للبوليس الاسباني حتى نتحرك من أماكننا ويقبضوا علينا ، تجمعوا من فضلكم وتأكدوا أنه انصرف . - يدعي أنه مجرد حارس ليلي لمحيط قريته . سكتوا برهة ثم سمعوه يقول ضاحكا : - أيها المغفلون ، أنتم في شمال المغرب ولستم في جنوب اسبانيا ، أفيقوا من سباتكم إني لكم من الناصحين . همسوا جميعا : - في شمال المغرب ؟ غير معقول ، لقد قطعنا البحر إلى الضفة الأخرى ، اللعنة ..اللعنة .. أنت كاذب .. أنت كاذب. - أقسم لكم بالله أنكم على كلم واحد من قريتي ، المركب الذي استقليتم تناول جرعة كبيرة من المخدرات ، لقد استدار جنوبا هههه ... هههه . ساد المكان هرج كبير وبدأ الأفارقة الذين لم يفهموا شيئا يتمتمون بلغاتهم متسائلين عما يحدث ، فهم لا يزالون يمنون أنفسهم ضانين أنهم نجوا من ويلات الحروب والمجاعات إلى الأبد ، وأن أوان السياحة في بلاد المستعمر القديم قد حان . قام رؤوف قائلا : - أرجو منكم أن تهدأوا ، هذا البدوي قد انصرف وربما كان كاذبا ، وربماكان أيضا من الصادقين ، ستكشف لنا أشعة شمس الصباح الحقيقة ، لسنا مستعجلين ولن ننخدع أبدا ، سنمكث هنا في هدوء تام حتى لا تهتدي إلينا شرطة الحدود وتقبض علينا ، لقد رأيتم كم قاصينا حتى وصلنا إلى هنا . رد آخر: ولكن .. أنسيت أنهم نصحونا بالإختفاء في الحقول فور وصولنا إلى الشاطئ ؟ ، ماذا لو ضبطونا مجتمعين هنا ؟ لقد أعيانا السفر ونحن لم نصل بعد ، وأرى أنه لا بد أن نكمل . قال آخر : وما الذي علينا فعله الآن ونحن لا نرى بعضنا من شدة الظلام ؟ . قال رؤوف مشفقا : -اسمعوا جيدا ، عند اقتراب الفجر وتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، سندخل بملابسنا ونخفي أجسادنا فوق الرمال تحت الموج ، سيتبين لنا ما إذا كنا في المغرب أم في إسبانيا ، إنني أشفق على نفسي ، وأشفق خصوصا على هذا الطفل الصغير الذي لا ذنب له فيما يحدث ، ليمسك كل منا بيد الآخر إذن . كانت كلمات رؤوف قد هدأت قليلا من روعهم جميعا ، أما هو فقد أطلق خياله يفكر فيما عليه فعله إذا كان حقا قد تعرض لعمليةسرقة فظيعة ، وأن شبكة التهجير نحو الضفة الأخرى هي مجرد عصابة وهمية ، وفورا تذكر أمه التي لم تفهم إلا أن ابنها ذهب لإحضار المال قصد شراء البقرات والزواج ودفع ثمن أداء فريضة حجها ، ثلاث بقرات سمان هن سلواها ومصدر رزقها ، تبيع لبنهن وتدخر ثمن ما يلدن للمساعدة في مصروف البيت ، تذكر والده الذي حفظ القرآن في البادية دون أن يفهم معانيه ، ما جعله يقرأه في المقبرة وفي بعض المناسبات مقابل أجر زهيد ، كثيرا ما كان يخالف تعاليم الإسلام لكونه حفظ الحروف دون المعاني ، لكم كانت تصرفاته تضايق رؤوف وهو يراه يحمل ما حفظ من كتاب الله العزيز من جنازة إلى جنازة ، شمله حزن حتى ظن أن البحر سيبلعه ، وخامره إحساس كبير أنه مازال في شواطئ المغرب فعلا ، لكنه ظل يطرد هذا الإحساس ، لولا أن الحارس الليلي تحدث بلهجة الواثق المشفق . يتبع
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#7
|
||||
|
||||
|
(الصدمة )
ماهي إلا لحظات حتى قرروا أن ينزلوا للإختفاء بين الأمواج قبل انبلاج الصبح ، أمسك كل منهم بيد الآخر ومياه البحر الباردة تلسعه لسعا ، خرسوا جميعا وتسمروا في أمكنتهم ، وعم الصمت المكان إلا من أنين الطفل الذي يبدو أن قطرات الماء الباردة قد أيقضته ، مكثواعلى تلك الحال حوالي الساعة ، وفجأة ، سمعوا نداء التكبير لأذان الفجر ، فقام رؤوف وصرخ : -اخرجوا من هذا الماء البارد فورا ، الأذان يصدح بالتكبير!، نحن في المغرب .. نحن في المغرب .. أخذ يجري بقوة نحو الشاطئ كالأحمق ، تبعوه جميعا وهم يصرخون : - ضاعت أموالنا .. ضاعت أحلامنا .. يللمصيبة .. يلهول ما حدث لنا .. كان الأفارقة يتبعونهم هائمين كالحمقى ، يستفسرون عما يجري ، أصبحوا يرون بعضهم البعض وتعرفوا على وجوههم بصعوبة ، أشفق رؤوف لحالهم بعد الذي جرى ، فأفهمهم أنهم ببساطة لم يرحلوا إلى الضفة الأخرى ، اشتد صراخهم وقام واحد منهم يحمل الرمال بكلتا يديه ويرمي بها شرقا وغربا دون اكتراث ، بينما سمع لبعضهم أنين الألم والوجع ، وبعد برهة بدأوا يتحسسون المكان الذي تواجدوا به فأمرهم رؤوف بالجلوس وقال : - لا بد أن نتدبر أمرنا ، نحن متأكدون أننا في المغرب فقط بالنسبة تسعين في المائة ، ما رأيكم لو كنا فعلا في اسبانيا؟، أقصد هذه العشرة في المائة ما زالت بحوزتنا ، من منكم يذهب ويتقصى الأمر وراء هذه الهضبة الرملية ويأتينا بالخبر اليقين ؟. تقدم شاب نحيل الجسم وقال : -هذا رأي وجيه ، اهدأوا وسأذهب وربما آتيتكم بخبر يسعدكم ، ولعل الأذان الذي سمعتم هو لأحد مسلمي الأندلس يصدح بالآذان وقت الفجر . ضحك رؤوف قليلا وقال في نفسه :"ربما رحلة هذا البحر أعادتنا إلى القرن العاشر ،سأجن إذا ظللت هنا ". أردف الشاب فزعا : - إذا تأخرت فاعلموا أن البوليس الإسباني قد أمسك بي ، عودوا إلى الماء واختفوا فورا لم تمر إلا ساعتان تقريبا حتى عاد الشاب رافع الرأس ومحملا بخبز محمص قديم حصل عليه من عند بعض الصيادين ووجهه ممتلئ غيضا فقال : - اللعين خوسي وصديقه ،غدرا بنا شر غدرة نحن على بعد عشرة كيلومترات فقط من المكان الذي انطلقنا منه ، قرروا الآن ماذا ستفعلون ، أنتم منذ اليوم جماعة من المغلفين .. عفوا المغفلين .. أنا معكم أحمل هذه الصفة ، يا للخسارة !. تجدد صراخهم وعويلهم ، ومنهم من تمدد على الرمال الباردة باكيا وحلق ببصره نحو السماء ، أما أحد الأفارقة فقد بدأ يتحدث مع نفسه بصوت عال كالأحمق باكيا ، حمل رجله العرجاء وقال بفرنسية مكسرة : - لقد قاسيت الأهوال في الغابون ، واخترقت الغابات والصحاري ، خشيت شرطة الحدود أكثر مما خشيت الأسود والأفاعي ،لقد أصبح الخوف يسكنني حتى في لحظات الأمان ،كنت أترقب حافلات القمامة في بلدكم متى تأتي وهي محملة ببقاياالطعام لأزاحم عليها الكلاب والفئران ، تذكرت أننا قرأنا ونحن صغار أن أجدادكم التجار هم من حملوا عز الإسلام إلينا جنوب الصحراء ، سخرت من نفسي وأنا أتسول في أسواقكم كعابر سبيل يهدده الجوع والمرض ، خوسي اللعين أمرني مرتين بتزويد الزبناء بالمخدرات ،غامرت وفعلت ، ولكنه أخذ مني في لحظة واحدة كل شيء .. كل شيء.. أموالي التي ادخرت ، وصحتي التي فقدت ..ها ..ها .. ها . مسح رؤوف دمعة على خده هو الآخر وتذكر أمه التي باعت البقرات لأجله ، فاستدرك مشفقا أنه أحسن حالا من هذا الغابوني البائس الذي يتكلم بحرقة وهو يسعل بسبب الزكام الشديد الذي أصابه ، لم يكن يرغب في أن يحكي كل منهم قصته فقال : - انظروا إلى هذا المركب البئيس ، احمدوا الله أنه أوصلنا إلى هنا ، كنت أظن في الليل أنني على متن يخت محترم للثمن الباهض الذي دفعت ، من شاء أن يركبه الآن ويكرر المغامرة فليفعل ، ومن شاء أن يتدبر أمره في بلده فليتفضل . قام أربعة شبان غاضبين وقالوا : - سنذهب ولو سيرا على الأقدام للبحث عن خوسي وعصابته وقتلهم ولو كانوا في بطن الحوت . ابتسم رؤوف وقد احمرت عيناه من شدة البكاء وقال : - أما أنا فلا حاجة لي في مغامرة جديدة ، ليست لدي وثيقة واحدة تثبت أنني أعطيتهم أموالي ، ولا أحب أن أدخل السجن بعد كل الذي حدث لي . تفرق كل منهم إلى سبيله بعد عناق وبكاء يعزي به بعضهم البعض . كان أول ما فعله رؤوف هو الذهاب معزيا نفسه إلى الميناء الصغير لعله يجد شغلا يسعفه ، أخرج قطعة نقدية وهاتف أمه ليخبرها أنه وصل إلى بلاد الإسبان في أمان ، وأن كل شيء تم على ما يرام ، احتاج أن يخرج نقود الأورو ويحولها من جديد إلى الدرهم المغربي وكله عزم على أن لا يتراجع ولا يستسلم ، فقل من يركب البحر ولا يأخذ منه درسا في المثابرة والصبر والقوة ، نزل إلى القرية وصادف رجلا في الطريق فقال له : - دلني على السوق فأنا غريب عن هذا المكان . اشترى سمكا قليلا في الميناء ونزل إلى القرية لبيعه ، لم يكن يحصل إلا على ما تحصل عليه سفن البسطاء الصغيرة من بقايا شباك السفن العملاقة التي تصيد في أعالي البحار وفق اتفاقيات معينة ، ومع ذلك فقد بدأ يتدرب على فنون التجارة قرب البحر . مرت سنة وأصبح ينزل في مركب أحد أصدقائه الذين تعرف عليهم ويقتسم معهم ربح اليوم . وبعد ثلاث سنوات اشترى بقعة صغيرة لبيع السمك في السوق ، تعلم مهارات صنع الشباك حتى أصبح خبيرا في اختيار خيوطها وعقدها .
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#8
|
||||
|
||||
|
( العودة )
في صيف السنة الرابعة قرر أن يسافر إلى بلدته بعد أن ظل يخبر أمه أنه في إسبانيا ، معه ما يشتري به بقرتين لأمه والكثير من الهدايا التي اقتناها قرب سبتة المحتلة . وفي القرية أقامت له الأم حفلا بمناسبة قدومه وبادرت إلى خطبة إبنة خاله حكيمة التي توقفت عن الدراسة بسبب بعد المسافة بين سكناها وبين المدرسة . اقترب منه والدها وهو يفتخر به قائلا : لقد أخرجت أختي إلى العالم رجلا أرى الإسبان كيف يتفوق ، سنقوم هذه الأيام بإجراءات عقد الزواج بينك وبين إبنتي ، وذلك حتى يتسنى لها إعداد جواز السفر مبكرا لتلحق بك إلى مدريد يا رؤوف . نظر إليه رؤوف حين جد الجد وهو يبتسم ابتسامة هادئة وقال : لم أرحل إلى الضفة الأخرى !. تمت بحمد الله
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#9
|
||||
|
||||
|
|
|
#10
|
||||
|
||||
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() هذه قصة من قصص الاخت فوزية حجبي وقد نقلتها هنا .. ! يحكى أن صمتها المتواصل كان يحرجه ، ويغرقه في نوبة اعتذارات .. تبدو بلهاء حينا ، ومريبة أحيانا أخرى ، وهو يسألها بإلحاح كل ليلة يعود فيها متأخرا ، إن تعشت جيدا ؟.. إن أخذت دواء القلب .. ودواء الضغط ؟ وهو يعلم جيدا أن تلك الأمراض المتفاوتة زمن الحدوث مضت إلى أجل علمه عند ربي.. إن أحكمت إغلاق النوافذ لكي لا تتأذى من برد عابر؟.. إن رأت الشريط الديني الذي أهداها إياه ؟.. إن كانت تريد أن يحضر لها شيئا من عند البقال ؟ .. هي لا تجيب إلا ب [ نعم ، ولا ، وربما ] وسرعان ما تغرق في صمت قاتل يحيله إلى كثلة من نار متأججة! ولو فتحت باب التفاصيل..لأراحته من موجات الشك العاتية التي ترتطم بداخله وتحدث زلزالا من الرعب اليومي بكل حواسه ، إذ تستنفره أدنى حركة منها ..أدنى نظرة.. أدنى كلمة.. وتوقظ في دماغه المحترق ذلك السؤال الكبير : ترى هل عرفت .. هل وصلها الخبر؟؟؟ .. ................................. يحكى أن جارتها خديجة التي تشتغل خادمة هي التي قدمت له كأس العصير في البيت الآخر |.. ـ هذا أنت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. قالت المساعدة بانصعاق واضح ووضعت كأس عصير الليمون على المائدة ، وانسحبت ناقمة على الرجال ومن تثق فيهم من النساء.. ................................. يحكى أنه تململ بحرج ظاهر وهو يجلس قربها ،ويسألها بصوت مختنق لا يكاد يبين : ـ هل رأيت اليوم خديجة ؟ ـرأيتها حين عادت من البيت الذي تعمل فيه مساعدة ..حكت لي أشياء وأشياء ! هي ذي ترد على أسئلتي بتفصيل وبتلميح أيضا !! ..هجس لنفسه بقلق.. أتراها عرفت ؟ واختنقت الكلمات في حلقه .. ـ وحلات ليا !... جيبي لي نشرب.. تمتم وهو يحاول أن يبدو متماسكا . وظل يسعل ويفحص ملامحها من وراء نظارته بتوجس!!! .. لو تفصح عن غضبها ؟!.. تصرخ في وجهه ..تضربه حتى !! ... فقط تنقذه من صمتها المريب ونظراتها التي تجلده كلما كان عند الأخرى الجديدة.. وعاد إليها متأخرا.. ـ نسيت ، قالت بصوت بلا ملامح .. أوصتني خديجة أن أقول لك أنها تحتاج إلى مبلغ ألف درهم .. سيدتها الشابة أخبرتها أن الرجل الذي تزوجته مؤخرا هو الذي سيتكلف بدفع أجرها ..لكنه لم يفعل حتى الآن ! .. اللئيم .. قالت سيدتها .. تزوج سرا ، وزوجته الأخرى في دار غفلون! .. ....................................... يحكى أنه بلع ريقه ، ومن فرط هلعه عض لسانه ، واختنقت الكلمات مرة أخرى في حلقه.. وبالكاد قال ـ قولي لها ، يكون خير .. وأحس بمغص شديد ورغبة داهمة في القيء وإفراغ مصارينه فركض صوب الحمام تتبعه بسمتها الماكرة ..ودمعات داهمة ستفسح لها سريرها ووسادتها ، إذ تخلو لخيبتها الكبيرة . [IMG]http://illi***.com/fa/empty.gif[/IMG] صمتها الذي
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
|
#12
|
||||
|
||||
|
جزاك الله خيرا خالتو
|
|
#13
|
||||
|
||||
|
وخيرا جزاك ابن الجامعة وجعل الجنة مثواك
بارك الله فيك ونفع بك
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts. اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR] |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| مريم, الأخرى, الضفة, إلى |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|