الجامعة العالمية للقراءات القرآنية والتجويد ترحب بكم

عدد مرات النقر : 12,630
عدد  مرات الظهور : 201,779,578

عدد مرات النقر : 57,627
عدد  مرات الظهور : 204,085,966
عدد مرات النقر : 55,363
عدد  مرات الظهور : 205,762,319
عدد مرات النقر : 59,011
عدد  مرات الظهور : 205,762,305
عدد مرات النقر : 54,208
عدد  مرات الظهور : 204,085,958

الإهداءات




عدد مرات النقر : 39,062
عدد  مرات الظهور : 136,392,497
عدد مرات النقر : 52,735
عدد  مرات الظهور : 150,174,626

عدد مرات النقر : 32,937
عدد  مرات الظهور : 131,911,479
عدد مرات النقر : 34,411
عدد  مرات الظهور : 127,724,824

عدد مرات النقر : 30,692
عدد  مرات الظهور : 134,842,255
عدد مرات النقر : 32,055
عدد  مرات الظهور : 127,491,668
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-09-2011, 02:35 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الأول

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
متن الحديث

عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل امريء مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) . رواه البخاري و مسلم في صحيحهما .


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الشرح

لقد نال هذا الحديث النصيب الأوفر من اهتمام علماء الحديث ؛ وذلك لاشتماله على قواعد عظيمةٍ من قواعد الدين ، حتى إن بعض العلماء جعل مدار الدين على حديثين : هذا الحديث ، بالإضافة إلى حديث عائشة رضي الله عنها : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ؛ ووجه ذلك : أن الحديث السابق ميزان للأعمال الظاهرة ، وحديث الباب ميزان للأعمال الباطنة .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
والنيّة في اللغة : هي القصد والإرادة ، فيتبيّن من ذلك أن النيّة من أعمال القلوب ، فلا يُشرع النطق بها ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتلفظ بالنية في العبادة ، أما قول الحاج : " لبيك اللهم حجاً " فليس نطقاً بالنية ، لكنه إشعارٌ بالدخول في النسك ، بمعنى أن التلبية في الحج بمنـزلة التكبير في الصلاة ، ومما يدل على ذلك أنه لو حج ولم يتلفّظ بذلك صح حجه عند جمهور أهل العلم .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وللنية فائدتان : أولاً : تمييز العبادات عن بعضها ، وذلك كتمييز الصدقة عن قضاء الدين ، وصيام النافلة عن صيام الفريضة ، ثانياً : تمييز العبادات عن العادات ، فمثلاً : قد يغتسل الرجل ويقصد به غسل الجنابة ، فيكون هذا الغسل عبادةً يُثاب عليها العبد ، أما إذا اغتسل وأراد به التبرد من الحرّ ، فهنا يكون الغسل عادة ، فلا يُثاب عليه ، ولذلك استنبط العلماء من هذا الحديث قاعدة مهمة وهي قولهم : " الأمور بمقاصدها " ، وهذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وفي صدر هذا الحديث ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إنما الأعمال بالنيات ) ، أي : أنه ما من عمل إلا وله نية ، فالإنسان المكلف لا يمكنه أن يعمل عملاً باختياره ، ويكون هذا العمل من غير نيّة ، ومن خلال ما سبق يمكننا أن نرد على أولئك الذين ابتلاهم الله بالوسواس فيكررون العمل عدة مرات ويوهمهم الشيطان أنهم لم ينووا شيئا ، فنطمئنهم أنه لا يمكن أن يقع منهم عمل باختيارهم من غير نيّة ، ما داموا مكلفين غير مجبرين على فعلهم .

ويستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإنما لكل امريء ما نوى ) وجوب الإخلاص لله تعالى في جميع الأعمال ؛ لأنه أخبر أنه لا يخلُصُ للعبد من عمله إلا ما نوى ، فإن نوى في عمله اللهَ والدار الآخرة ، كتب الله له ثواب عمله ، وأجزل له العطاء ، وإن أراد به السمعة والرياء ، فقد حبط عمله ، وكتب عليه وزره ، كما يقول الله عزوجل في محكم كتابه : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ( الكهف : 110 ) .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وبذلك يتبين أنه يجب على الإنسان العاقل أن يجعل همّه الآخرةَ في الأمور كلها ، ويتعهّد قلبه ويحذر من الرياء أو الشرك الأصغر ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى ذلك : ( من كانت الدنيا همّه ، فرّق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له ، ومن كانت الآخرة نيّته ، جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ) رواه ابن ماجة .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ومن عظيم أمر النيّة أنه قد يبلغ العبد منازل الأبرار ، ويكتب له ثواب أعمال عظيمة لم يعملها ، وذلك بالنيّة ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما رجع من غزوة تبوك : ( إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيراً ، ولا قطعتم وادياً ، إلا كانوا معكم ، قالوا يا رسول الله : وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ، حبسهم العذر ) رواه البخاري .

و لما كان قبول الأعمال مرتبطاً بقضية الإخلاص ، ساق النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً ليوضح الصورة أكثر ، فقال : ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ، وأصل الهجرة : الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام ، أو من دار المعصية إلى دار الصلاح ، وهذه الهجرة لا تنقطع أبداً ما بقيت التوبة ؛ فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه الإمام أحمد في مسنده و أبوداود و النسائي في السنن ، وقد يستشكل البعض ما ورد في الحديث السابق ؛ حيث يظنّ أن هناك تعارضاً بين هذا الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا هجرة بعد الفتح ) كما في " الصحيحين " ، والجواب عن ذلك : أن المراد بالهجرة في الحديث الأخير معنىً مخصوص ؛ وهو : انقطاع الهجرة من مكة ، فقد أصبحت دار الإسلام ، فلا هجرة منها .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
على أن إطلاق الهجرة في الشرع يراد به أحد أمور ثلاثة : هجر المكان ، وهجر العمل ، وهجر العامل ، أما هجر المكان : فهو الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وأما هجر العمل : فمعناه أن يهجر المسلم كل أنواع الشرك والمعاصي ، كما جاء في الحديث النبوي : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) متفق عليه ، والمقصود من هجر العامل : هجران أهل البدع والمعاصي ، وذلك مشروط بأن تتحقق المصلحة من هجرهم ، فيتركوا ما كانوا عليه من الذنوب والمعاصي ، أما إن كان الهجر لا ينفع ، ولم تتحقق المصلحة المرجوّة منه ، فإنه يكون محرماً .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ومما يُلاحظ في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خصّ المرأة بالذكر من بين متاع الدنيا في قوله : ( أو امرأة ينكحها ) ، بالرغم من أنها داخلة في عموم الدنيا ؛ وذلك زيادة في التحذير من فتنة النساء ؛ لأن الافتتان بهنّ أشد ، مِصداقاً للحديث النبوي : ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) متفق عليه ، وفي قوله : ( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ، لم يذكر ما أراده من الدنيا أو المرأة ، وعبّر عنه بالضمير في قوله : ( ما هاجر إليه ) ، وذلك تحقيراً لما أراده من أمر الدنيا واستهانةً به واستصغاراً لشأنه ، حيث لم يذكره بلفظه .

ومما يستفاد من هذا الحديث - علاوة على ماتقدم - : أن على الداعية الناجح أن يضرب الأمثال لبيان وإيضاح الحق الذي يحمله للناس ؛ وذلك لأن النفس البشرية جبلت على محبة سماع القصص والأمثال ، فالفكرة مع المثل تطرق السمع ، وتدخل إلى القلب من غير استئذان ، وبالتالي تترك أثرها فيه ، لذلك كثر استعمالها في الكتاب والسنة ، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ، والحمد لله رب العالمين.





نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-09-2011, 02:50 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الثاني

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

مراتب الدين
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه ، ووضح كفيه على فخذيه ، وقال : " يا محمد أخبرني عن الإسلام " ، فقال له : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) ، قال : " صدقت " ، فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال : " أخبرني عن الإيمان " قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ، قال : " صدقت " ، قال : " فأخبرني عن الإحسان " ، قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، قال : " فأخبرني عن الساعة " ، قال : ( ما المسؤول بأعلم من السائل ) ، قال : " فأخبرني عن أماراتها " ، قال : ( أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان ) ثم انطلق فلبث مليا ، ثم قال : ( يا عمر ، أتدري من السائل ؟ ) ، قلت : "الله ورسوله أعلم " ، قال : ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) رواه مسلم .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



الشرح

هذا الحديث عظيم القدر ، كبير الشأن ، جامع لأبواب الدين كله ، بأبسط أسلوب ، وأوضح عبارة ، ولا نجد وصفا جامعا لهذا الحديث أفضل من قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) .

وقد تناول الحديث الذي بين أيدينا حقائق الدين الثلاث : الإسلام والإيمان والإحسان ، وهذه المراتب الثلاث عظيمة جدا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى علق عليها السعادة والشقاء في الدنيا والآخرة ، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق ، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر ، تليها دائرة الإيمان فالإحسان ، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، ومما سبق يتبيّن لك سر العتاب الرباني على أولئك الأعراب الذين ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان ، وهو لم يتمكّن في قلوبهم بعد ، يقول الله في كتابه : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) ، فدل هذا على أن الإيمان أخصّ وأضيق دائرةً من الإسلام .

وإذا أردنا التعمّق في فهم المراتب السابقة ، فإننا نجد أن الإسلام : هو التعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع ، والاستسلام له بطاعته ظاهرا وباطنا ، وهو الدين الذي امتن الله به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، وجعله دين البشرية كلها إلى قيام الساعة ، ولا يقبل من أحد سواه ، وللإسلام أركان خمسة كما جاء في الحديث ، أولها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وفي الجمع بينهما في ركن واحد إشارة لطيفة إلى أن العبادة لا تتم ولا تُقبل إلا بأمرين : الإخلاص لله تعالى ، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما جاء في قوله تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ( الكهف : 110 ) .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
والملاحظ هنا أن الحديث فسّر الإسلام هنا بالأعمال الظاهرة ، وذلك لأن الإسلام والإيمان قد اجتمعا في سياق واحد ، وحينئذ يفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة كما أشرنا ، ويفسر الإيمان بالأعمال الباطنة من الاعتقادات وأعمال القلوب .

أما الإيمان فيتضمن أمورا ثلاثة : الإقرار بالقلب ، والنطق باللسان ، والعمل بالجوارح والأركان ، فالإقرار بالقلب معناه أن يصدق بقلبه كل ما ورد عن الله تعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم من الشرع الحكيم ، ويسلّم به ويذعن له ، ولذلك امتدح الله المؤمنين ووصفهم بقوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } ( الحجرات : 15 ) ، ويقابل ذلك النفاق ، فالمنافقون مسلمون في الظاهر ، يأتون بشعائر الدين مع المسلمين ، لكنهم يبطنون الكفر والبغض للدين .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
والمقصود بالنطق باللسان هو النطق بالشهادتين ، ولا يكفي مجرد الاعتراف بوجود الله ، والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم دون أن يتلفّظ بالشهادتين ، بدليل أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر ، كما قال عزوجل : { قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله } ( يونس : 31 ) ، ولكنهم امتنعوا عن قول كلمة التوحيد ، واستكبروا : { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } ( الصافات : 35 ) ، وها هو أبوطالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقر بنبوة ابن أخيه ، ويدافع عنه وينصره ، بل كان يقول:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة لوجدتني سمحا بذاك مبينا

فلم ينفعه ذلك ، ولم يخرجه من النار ؛ لأنه لم يقبل أن يقول كلمة الإيمان ومفتاح الجنة ، ولهذا كانت هذه الكلمة هي التي تعصم أموال الناس ، وتحقن دماءهم ، ففي الحديث الصحيح : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله ) متفق عليه ، وقد أجمع العلماء على أن من لم ينطق الشهادتين بلسانه مع قدرته ، فإنه لا يُعتبر داخلاً في الإسلام .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
أما العمل بمقتضى هذا الإيمان ، فهو قضية من أعظم القضايا التي غفل الناس عن فهمها ، فالإيمان لا يمكن أن يتحقق إلا بالعمل ، والشريعة مليئة بالنصوص القاطعة الدالة على ركنيّة العمل لصحّة الإيمان ، فقد قال تعالى : { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين } ( النور : 47 ) ولا شك أن ترك العمل بدين الله من أعظم التولي عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وبهذا يتبين لك ضلال من ابتعد عن نور الله ، وترك العمل بشريعته ، فإذا نصحته بصلاة أو زكاة احتج لك بأن الإيمان في القلب ، ونسي أن العمل يصدق ذلك أو يكذبه - كما قال الحسن البصري رحمه الله - ، إذ لو كان إيمانه صادقا لأورث العمل ، وأثمر الفعل ، كما قيل :
والدعاوى مالم يقيموا عليها بينـات أصحابها أدعياء

وإذا كان الإيمان متضمنا لتلك الأمور الثلاثة ، لزم أن يزيد وينقص ، وبيان ذلك : أن الإقرار بالقلب يتفاوت من شخص لآخر ، ومن حالة إلى أخرى ، فلا شك أن يقين الصحابة بربهم ليس كغيرهم ، بل الشخص الواحد قد تمرّ عليه لحظات من قوة اليقين بالله حتى كأنه يرى الجنة والنار ، وقد تتخلله لحظات ضعف وفتور فيخفّ يقينه ، كما قال حنظلة رضي الله عنه : " نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا " ، إذاً فإقرار القلب متفاوت ، وكذلك الأقوال والأعمال ؛ فإن من ذكر الله كثيرا ليس كغيره ، ومن اجتهد في العبادة ، وداوم على الطاعة ، ليس كمن أسرف على نفسه بالمعاصي والسيئات.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وأسباب زيادة الإيمان كثيرة ، منها : معرفة أسماء الله وصفاته ؛ فإذا علم العبد صفة الله " البصير " ابتعد عن معصية الله تعالى ، لأنه يستشعر مراقبة الله له ، وإذا قرأ في كتاب الله قوله : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } اطمأن قلبه ، ورضي بقضاء الله وقدره ، ومنها : كثرة ذكر الله تعالى ؛ لأنه غذاء القلوب ، وقوت النفوس ، مصداقا لقوله تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) ، ومن أسباب زيادة الإيمان : النظر في آيات الله في الكون ، والتأمل في خلقه ، كما قال تعالى : { وفي الأرض آيات للموقنين ، وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 20 - 21 ) ، ومنها : الاجتهاد في العبادة، والإكثار من الأعمال الصالحة .

ثم تناول الحديث - الذي بين أيدينا - مرتبة الإحسان ، وهي أعلى مراتب الدين وأشرفها ، فقد اختص الله أهلها بالعناية ، وأيدهم بالنصر ، قال عزوجل : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ( النحل : 128 ) ، والمراد بالإحسان هنا قد بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، وهذه درجة عالية ولا شك ، لأنها تدل على إخلاص صاحبها ، ودوام مراقبته لله عزوجل .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ثم سأل جبريل عليه السلام عن الساعة وعلاماتها ، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها مما اختص الله بعلمه ، وهي من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله ، لكنه بين شيئا من أماراتها ، فقال : ( أن تلد الأمة ربتها ) ، يعني أن تكون المرأة أمة فتلد بنتا ، وهذه البنت تصبح سيدة تملك الإماء ، وهذا كناية عن كثرة الرقيق ، وقد حصل هذا في الصدر الأول من العهد الإسلامي ، أما العلامة الثانية : ( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان ) ، ومعناه أن ترى الفقراء الذين ليسوا بأهل للغنى ولا للتطاول ، قد فتح الله عليهم فيبنون البيوت الفارهة ، والقصور الباهرة .

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علما نافعا ، وعملا صالحا متقبلا ، والحمد لله رب العالمين .



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-09-2011, 03:05 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الثالث


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



أركان الإسلام
عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ) رواه البخاري و مسلم .

_________________________________________________
الشرح


الإسلام في حقيقته هو اتباع الرسل عليهم السلام فيما بعثهم الله به من الشرائع في كل زمان ، فهم الطريق لمعرفة مراد الله من عباده ، فكان الإسلام لقوم موسى أن يتبعوا ما جاء به من التوراة ، وكان الإسلام لقوم عيسى اتباع ما أنزل عليه من الإنجيل ، وكان الإسلام لقوم إبراهيم اتباع ما جاء به من البينات والهدى ، حتى جاء خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ، فأكمل الله به الدين ، ولم يرتض لأحد من البشر أن يتعبده بغير دين الإسلام الذي بَعث به رسوله ، يقول الله عزوجل : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } ( آل عمران : 85 ) ، فجميع الخلق بعد محمد صلى الله عليه وسلم ملزمون باتباع هذا الدين ، الذي ارتضاه الله لعباده أجمعين .
________________________________________
ومن طبيعة هذا الدين - الذي ألزمنا الله باتباعه - أن يكون دينا عالميا ، صالحاً لكل زمان ومكان ، شمولياً في منهجه ، متيناً في قواعده ، راسخاً في مبادئه ؛ ومن هنا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي بين أيدينا بالبناء القوي ، والصرح العظيم ، ثم بين في الحديث الأركان التي يقوم عليها صرح الإسلام .

وأول هذه الأركان وأعظمها كلمة التوحيد بطرفيها: " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله " ، فهي المفتاح الذي يدخل به العبد إلى رياض الدين ، ويكون به مستحقاً لجنات النعيم ، أما الطرف الأول منها " لا إله إلا الله " فمعناه أن تشهد بلسانك مقرا بجنانك بأنه لا يستحق أحد العبادة إلا الله تبارك وتعالى ، فلا نعبد إلا الله ، ولا نرجو غيره ، ولا نتوكل إلا عليه ، فإذا آمن العبد بهذه الكلمة ملتزمًا بما تقتضيه من العمل الصالح، ثبته الله وقت الموت، وسدد لسانه حتى تكون آخر ما يودع به الدنيا، و ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة ) .

_________________________________--

أما شهادة أن محمداً رسول الله ، فتعني أن تؤمن بأنه مبعوث رحمة للعالمين ، بشيراً ونذيراً إلى الخلق كافة ، كما يقول الله سبحانه : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون } ( الأعراف : 58 ) ، ومن مقتضى هذه الشهادة أن تؤمن بأن شريعته ناسخة لما سبقها من الأديان ؛ ولذلك أقسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( والذي نفس محمد بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار ) رواه مسلم ، ومن مقتضاها أن تؤمن وتعتقد أن كل من لم يصدّق بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يتّبع دينه ، فإنه خاسر في الدنيا والآخرة ، ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ، سواء أكان متبعا لديانة منسوخة أو محرفة أخرى ، أم كان غير متدين بدين ، فلا نجاة في الآخرة إلا بدين الإسلام ، واتباع خير الأنام عليه الصلاة والسلام .

ومن الملاحظ هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الشهادتين ركنا واحد ؛ وفي ذلك إشارة منه إلى أن العبادة لا تتم إلا بأمرين ، هما : الإخلاص لله : وهو ما تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله ، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مقتضى الشهادة بأنه رسول الله .
_____________________________________
الركن الثاني : إقامة الصلاة المفروضة على العبد ، فالصلاة صلة بين العبد وربه ، ومناجاة لخالقه سبحانه ، وهي الزاد الروحي الذي يطفيء لظى النفوس المتعطشة إلى نور الله ، فتنير القلب ، وتشرح الصدر .
_____________________________
وللصلاة مكانة عظيمة في ديننا ؛ إذ هي الركن الثاني من أركان الإسلام ، وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة ، وقد فرضها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في أعلى مكان وصل إليه بشر ، وفي أشرف الليالي ، ففي ليلة الإسراء في السماء السابعة ، جاء الأمر الإلهي بوجوبها ، فكانت واجبة على المسلم في كل حالاته ، في السلم والحرب ، والصحة والمرض ، ولا تسقط عنه أبداً إلا بزوال العقل .

وكذلك فإنها العلامة الفارقة بين المسلم والكافر ، يدل على ذلك ما جاء في حديث جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) رواه مسلم .
_____________________
وثالث هذه الأركان : إيتاء الزكاة ، وهي عبادة مالية فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده ، طهرة لنفوسهم من البخل ، ولصحائفهم من الخطايا ، كيف لا ؟ وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) ، كما أن فيها إحسانا إلى الخلق ، وتأليفا بين قلوبهم ، وسدا لحاجتهم ، وإعفافا للناس عن ذل السؤال .
__________________________
وفي المقابل : إذا منع الناس زكاة أموالهم كان ذلك سببا لمحق البركة من الأرض ، مصداقاً لحديث بريدة رضي الله عنه : ( ما منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر ) رواه الحاكم و البيهقي ، وقد توعد الله سبحانه وتعالى مانعي الزكاة بالعذاب الشديد في الآخرة ، فقال تعالى : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } ( آل عمران : 180 ) ، وقد جاء في صحيح مسلم في شرح قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ( التوبة : 34 ) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ، إلا إذا كان يوم القيامة ، صفحت له صفائح من نار ، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت له ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ) ، فكان عقابه من الله بماله الذي بخل به على العباد .
____________________________________
الركن الرابع : صيام رمضان ، وهو موسم عظيم ، يصقل فيه المسلم إيمانه ، ويجدد فيه عهده مع الله ، وهو زاد إيماني قوي يشحذ همته ليواصل السير في درب الطاعة بعد رمضان ، ولصيام رمضان فضائل عدّة ، فقد تكفل الله سبحانه وتعالى لمن صامه إيمانا واحتسابا بغفران ما مضى من ذنوبه ، ، وحسبُك من فضله أن أجر صائمه غير محسوب بعدد .
________________________________
أما خامس هذه الأركان : فهو الحج إلى بيت الله الحرام ، ، وقد فرض في السنة التاسعة للهجرة ، يقول الله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ( آل عمران : 97 ) ، وقد فرضه الله تعالى تزكية للنفوس ، وتربية لها على معاني العبودية والطاعة، فضلاً على أنه فرصة عظيمة لتكفير الذنوب ، فقد جاء في الحديث : ( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، رجع كيوم ولدته أمه ) رواه البخاري و مسلم .
_________________________________

وعلى هذه الأركان الخمسة ، قام صرح الإسلام العظيم ، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لكل ما فيه رضاه ، وأن يصلح أحوالنا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-09-2011, 07:12 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الرابع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةالأعمال بخواتيمها







عن أبي عبدالرحمـن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : ( إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفةً ، ثم يكون علقةً مثل ذلك ، ثم يكون مضغةً مثل ذلك ، ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ، ويُؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أم سعيد . فوالله الذي لا إله غيره ، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ) رواه البخاري و مسلم .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشرح

أورد الإمام النووي - رحمه الله – هذا الحديث لتعريف المسلم بحقيقة الإيمان بالقضاء والقدر ، فقد دار الحديث حول التقدير العمري للإنسان ، وما يشمله ذلك من ذكر مراحل خلقه وتصويره ، ليعمّق بذلك إدراكه وتصوّره لحقائق الموت والحياة ، والهداية والغواية ، وغيرها من الأمور الغيبية ، فيتولّد في قلبه الشعور بالخوف من سوء العاقبة ، والحذر من الاستهانة بالذنوب والمعاصي ، ومن الاغترار بصلاح العمل والاتكال عليها .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ولما كان سياق الحديث يذكر شيئا مما لا تُدركه حواس البشر ولا إمكاناتهم في ذلك الزمان – مما يتعلق بعلم الأجنة وأطوارها - ، اعتبر العلماء هذا الحديث عَلَما من أعلام نبوته ، ودليلاً على صدق رسالته ؛ لأن هذا الوصف التفصيلي المذكور هنا ما كان ليُعرف في ذلك الوقت ، وإنما عٌرف في الأزمنة المتأخرة بعد تطور العلوم وآلاتها ، وهذا الذي جعل ابن مسعود رضي الله عنه يصدّر حديثه بقوله : ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ) فهو الذي ما أخبر بشيء على خلاف الواقع ، وما جُرّب عليه كذب قط ، ولا يُوحى إليه من ربّه إلا الحق .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وقد جاء ذكر مراحل تطوّر خلق الإنسان في بطن أمه على مراحل أربعة ، أولها : ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفةً ) ، إنها مرحلة التقاء ماء الرجل بماء المرأة ، ويظل هذا الماء المهين على حاله ، قبل أن يتحوّل إلى طور آخر ، وهو طور العلقة ، ويٌقصد بها قطعة الدم الجامدة ، وسُمّيت بذلك لأنها تعلق في جدار الرحم .
ومع مرور الأيام تزداد تلك العلقة ثخونة وغلظة حتى تتم أربعيناً أخرى ، لتتحوّل إلى قطعة لحم صغيرة بقدر ما يُمضغ – ومن هنا جاء اسمها - ، وقد ذكر الله تعالى وصفها في قوله : { مضغة مخلقة وغير مخلقة } ( الحج : 5 ) ، وتظلّ تلك المضغة تتشكل تدريجياً ، حتى إذا أتمت مائة وعشرين يوما ، عندها تأتي المرحلة الرابعة : فيرسل الله سبحانه وتعالى الملك الموكّل بالأرحام ، فينفخ فيها الروح ، فعندها تدب فيها الحركة ، وتصبح كائناً حياً تحس به الأم .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ونجد هذه الصورة التفصيلية المذكورة في الحديث مواقفة لكتاب الله ، في مثل قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 12 – 14 ) ، وقوله تعالى : { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا } ( الحج : 5 ) .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ولك أيها القاريء الكريم أن تلتمس الحكمة من خلق الإنسان طورا بعد طور – وهو القادر سبحانه على أن يقول للشيء كن فيكون - ، إنها تربية إيمانية على التأني في الأمور ، وعدم استعجال النتائج ، كما أنها توضيح للارتباط الوثيق الذي جعله الله سبحانه وتعالى بين الأسباب والمسبّبات ، والمقدمات والنتائج ، ومراعاة نواميس الكون في ذلك .
وبعد هذا الوصف العام لتلك الأطوار ، يحسن بنا أن نسلط الضوء على بعض القضايا المتعلقة بهذه المراحل ، فنقول وبالله التوفيق : لم يختلف العلماء على أن نفخ الروح في الجنين إنما يكون بعد مائة وعشرين يوماً ، وهو ما دلت عليه الأدلة ، وحينئذ فقط تتعلق به الأحكام الفقهية ، فإذا سقط الجنين في ذلك الوقت صُلّي عليه – كما هو في مذهب الإمام أحمد - ، وكذلك تجري عليه أحكام الإرث ووجوب النفقة وغيرهما ، لحصول الثقة بحركة الجنين في الرحم ، ولعل هذا يفسّر لنا تحديد عدة المرأة المتوفّى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرة أيام – حيث تتحقق براءة الرحم من الحمل بتمام هذه المدة - .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
إلا أنه حصل الخلاف في تحديد المرحلة التي يحصل فيها تقدير أمور الرزق والأجل والشقاء والسعادة ، فظاهر حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن ذلك يكون بعد الأربعين الثالثة ، ويخالفه حديث حذيفة بن سعيد الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة ، بعث الله إليها ملكا ، فصورها وخلق سمعها وبصرها ، وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب ، أذكر أم أنثى ؟ ، فيقضى ربك ما شاء ، ويكتب الملك ثم يقول : يا رب ، أجله ؟ ، فيقول ربك ما شاء ، ويكتب الملك ثم يقول : يا رب ، رزقه ؟ فيقضى ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده ، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص ) رواه مسلم ، فظاهر الحديث أن تقدير الرزق والأجل يكون في الأربعين الثانية .
وقد سلك العلماء عدة مسالك للجمع بين الحديثين ، وبالنظر إلى ألفاظ حديث حذيفة رضي الله عنه ، نجد أن الجمع بين الحديثين ممكن ، وذلك بأن نجعل المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مرّ بالنطفة ) هو مرور زمن يصدق عليه الأربعون – وهو الزمن المذكور في حديث ابن مسعود - ، فهذه الفترة وإن كانت غير محددّة في حديث حذيفة إلا أنها حُددت في حديث ابن مسعود بمائة وعشرين يوماً .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وهناك جمع آخر ، وهو أن نقول : إن قوله صلى الله عليه وسلم : ( فصورها وخلق سمعها وبصرها ، وجلدها ولحمها وعظامها ) المقصود به تقدير خلق هذه الأعضاء ، وعليه : فالكتابة حاصلة مرتين ، أو أن نقول أن الحديث قد عبّر عن كتابة التصوير والتقدير بالتخليق اعتبارا بما سيؤول إليه الأمر ، والله أعلم .
والذي دعا إلى تأويل حديث حذيفة رضي الله عنه ، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من احتمال اضطراب في ألفاظه ، ومخالفته لظاهر القرآن ، فلا يصلح أن يُعارض به ما ثبت في الصحيحين ، يقول ابن تيمية : " ..ولهذا اختلفت رواته في ألفاظه ، ولهذا أعرض البخارى عن روايته ، وقد يكون أصل الحديث صحيحا ، ويقع في بعض ألفاظه اضطراب ، فلا يصلح حينئذ أن يعارض بها ما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه الذى لم تختلف ألفاظه ، بل قد صدّقه غيره من الحديث الصحيح " (مجموع الفتاوى : 4-240 ) .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
كما يجدر بنا أن نشير إلى ما يتوهّمه البعض من مخالفة هذا الحديث لظواهر القرآن الكريم ، ويظنون معارضة الحديث لقوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام } ( لقمان : 34 ) ، والحق أنه لا تعارض بينها ، فمن المقرّر عند كل مسلم أن الله يعلم الغيب ، ومن هذا الغيب : علم سعادة الإنسان وشقاوته ، وعمره وأجله ، وعمله وسعيه ، ومن ذلك أيضا : معرفة جنس المولود قبل الأربعين الثالثة ، أما بعد ذلك فإنه يصبح من علم الشهادة ، أو ما يُطلق عليه الغيب النسبي ، إذ بعد الأربعين الثالثة يُطلع الله الملك على جنس المولود ، بل يُطلعه على شقاوته وسعادته ، فمعرفة الإنسان لجنس المولود في تلك الفترة ما هو إلا انكشاف لغيب نسبي قد عرفه من قبله الملك ، وليس علما بالغيب الحقيقي الذي يكون قبل الأربعين الثالثة ، بل قبل كون الإنسان نطفة .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وإذا عدنا إلى سياق الحديث ، نجد أنه ذكر مراحل الخلق كان تمهيدا لبيان أهمية الثبات على الدين ، وتوضيحاً لحقيقة أن العبرة بالخواتيم ، فربما يسلك الإنسان أول أمره طريق الجادة ، ويسير حثيثا نحو الله ، ثم يسبق عليه الكتاب فيزيغ عن سواء الصراط فيهلك .
بيد أن ضلاله ذلك لم يكن أمرا طارئا ، بل هو حصيلة ذنوب خفيّة ، تراكمت على القلب ، حتى ظهر أثرها في آخر حياته ، فانصرف القلب عن الله تبارك وتعالى ، وخُتم له بتلك الخاتمة السيئة، ويؤكد ما سبق ، ما جاء في الرواية الأخرى لهذا الحديث : ( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ) ، وقديما قالوا : الخواتيم ميراث السوابق .
وفي المقابل قد يكون المرء بعيدا عن الله ، متبعا لخطوات الشيطان ، ثم تدركه عناية الله له في آخر حياته ، فيحيي الله قلبه ، وينشرح بالإيمان صدره ، ثم يُختم له بخاتمة السعادة .
وبالجملة فإن السائر إلى الله ينبغي أن يستصحب
معه إيمانه بالقضاء والقدر ، ويكون وسطا بين الخوف والرجاء ، حتى يوافيه الأجل.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-10-2011, 02:06 PM
الصورة الرمزية مؤمنة بالله
مؤمنة بالله غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Oct 2011
المشاركات: 6
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-10-2011, 03:15 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الخامس

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

إبطال المنكرات والبدع


عن ام المؤمنين أم عبد الله عـائـشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلي الله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هـذا مـا لـيـس مـنه فهـو رد ). رواه الـبـخـاري [ رقم : 2697 ] ، ومسلم [ رقم :1718 ].
وفي رواية لمسلم :
( مـن عـمـل عـمـلا لـيـس عـلـيه أمـرنا فهـو رد )
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
هذا الحديث قال العلماء: إنه ميزان ظاهر الأعمال وحديث عمر الذي هو في أول الكتاب { إنما الأعمال بالنيات } ميزان باطن الأعمال، لأن العمل له نية وله صورة فالصورة هي ظاهر العمل والنية باطن العمل.
وفي هذا الحديث فوائد: أن من أحدث في هذا الأمر - أي الإسلام - ما ليس منه فهو مردود عليه ولو كان حسن النية، وينبني على هذه الفائدة أن جميع البدع مردودة على صاحبها ولو حسنت نيته.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من عمل عملاً ولو كان أصله مشروعاً ولكن عمله على غير ذلك الوجه الذي أمر به فإنه يكون مردوداً بناءً على الرواية الثانية في مسلم.

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وعلى هذا فمن باع بيعاً محرماً فبيعه باطل , ومن صلى صلاة تطوع لغير سبب في وقت النهي فصلاته باطلة ومن صام يوم العيد فصومه باطل وهلم جرا، لأن هذه كلها ليس عليها أمر الله ورسوله فتكون باطلة مردودة.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-11-2011, 05:59 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث السادس

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الحلال بين والحرام بين
عن أبي عبدالله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وأن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ) رواه البخاري و مسلم

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الشرح

جاء الكلام في هذا الحديث العظيم عن قضيّتين أساسيّتين ، هما : "تصحيح العمل ، وسلامة القلب " ، وهاتان القضيّتان من الأهمية بمكان ؛ فإصلاح الظاهر والباطن يكون له أكبر الأثر في استقامة حياة الناس وفق منهج الله القويم .

وهنا قسّم النبي صلى الله عليه وسلم الأمور إلى ثلاثة أقسام ، فقال : ( إن الحلال بيّن ، والحـرام بيّن ) فالحلال الخالص ظاهر لا اشتباه فيه ، مثل أكل الطيبات من الزروع والثمار وغير ذلك ، وكذلك فالحرام المحض واضحةٌ معالمه ، لا التباس فيه ، كتحريم الزنا والخمر والسرقة إلى غير ذلك من الأمثلة .

أما القسم الثالث ، فهو الأمور المشتبهة ، وهذا القسم قد اكتسب الشبه من الحلال والحرام ، فتنازعه الطرفان ، ولذلك خفي أمره على كثير من الناس ، والتبس عليهم حكمه.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
على أن وجود هذه المشتبـهات لا ينـافي ما تقرر في النصوص من وضوح الدين ، كقول الله عزوجل : { ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } ( النحل : 69 ) ، وقوله : { يبيّن الله لكم أن تضلّوا والله بكل شيء عليم } ( النساء : 176 ) ، وكذلك ما ورد في السنّة النبويّة نحو قوله صلى الله عليه وسلم : ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ) رواه أحمد و ابن ماجة ، فهذه النصوص وغيرها لا تنافي ما جاء في الحديث الذي بين أيدينا ، وبيان ذلك : أن أحكام الشريعة واضحة بينة ، وبعض الأحكام يكون وضوحها وظهورها أكثر من غيرها ، أما المشتبهات فتكون واضحة عند حملة الشريعة خاصة ، وخافية على غيرهم ، ومن خلال ذلك يتبيّن لك سر التوجيه الإلهي لعباده في قوله : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ( الأنبياء : 7 ) ؛ لأن خفاء الحكم لا يمكن أن يعم جميع الناس ، فالأمة لا تجتمع على ضلالة .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وفي مثل هذه المشتبهات وجّه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى سلوك مسلك الورع ، وتجنب الشبهات ؛ فقال : ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ، فبيّن أن متقي الشبهات قد برأ دينه من النقـص ؛ لأن من اجتنب الأمور المشتبهات سيجتنب الحرام من باب أولى ، كما في رواية أخرى للبخاري وفيها : ( فمن ترك ما شبّه عليه من الإثم ، كان لما استبان أترك ) ، وإضافةً إلى ذلك فإن متقي الشبهات يسلم من الطعن في عرضه ، بحيث لا يتهم بالوقوع في الحرام عند من اتضح لهم الحق في تلك المسألة ، أما من لم يفعل ذلك ، فإن نفسه تعتاد الوقوع فيها ، ولا يلبث الشيطان أن يستدرجه حتى يسهّل له الوقوع في الحرام ، وبهذا المعنى جاءت الرواية الأخرى لهذا الحديث : ( ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم ، أوشك أن يواقع ما استبان ) ، وهكذا فإن الشيطان يتدرّج مع بني آدم ، وينقلهم من رتبة إلى أخرى ، فيزخرف لهم الانغماس في المباح ، ولا يزال بهم حتى يقعوا في المكروه ، ومنه إلى الصغائر فالكبائر ، ولا يرضى بذلك فحسب ، بل يحاول معهم أن يتركوا دين الله ، ويخرجوا من ملة الإسلام والعياذ بالله ، وقد نبّه الله عباده وحذّرهم من اتباع خطواته في الإغواء فقال عزوجل في محكم كتابه : { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } ( النور : 21 ) ، فعلى المؤمن أن يكون يقظا من انزلاق قدمه في سبل الغواية ، متنبها إلى كيد الشيطان ومكره .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وفيما سبق ذكره من الحديث تأصيل لقاعدة شرعية مهمة ، وهي : وجوب سد الذرائع إلى المحرمات ، وإغلاق كل باب يوصل إليها ، فيحرم الاختلاط ومصافحة النساء والخلوة بالأجنبية ؛ لأنه طريق موصل إلى الزنا ، ومثل ذلك أيضاً : حرمة قبول الموظف لهدايا العملاء سدا لذريعة الرشوة .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لإيضاح ما سبق ذكره ، وتقريباً لصورته في الأذهان ، فقال : ( كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) ، أي : كالراعي الذي يرعى دوابّه حول الأرض المحمية التي هي خضراء كثيرة العشب ، فإذا رأت البهائم الخضرة في هذا المكان المحمي انطلقت إليها ، فيتعب الراعي نفسه بمراقبة قطعانه بدلاً من أن يذهب إلى مكان آخر ، وقد يغفل عن بهائمه فترتع هناك ، بينما الإنسان العاقل الذي يبحث عن السلامة يبتعد عن ذلك الحمى ، كذلك المؤمن يبتعد عن ( حمى ) الشبهات التي أُمرنا باجتنابها ، ولذلك قال : ( ألا وأن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ) ، فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقاً ، وقد حمى الشريعة بسياج محكم متين ، فحرّم على الناس كل ما يضرّهم في دينهم ودنياهم .

ولما كان القلب أمير البدن ، وبصلاحه تصلح بقية الجوارح ؛ أتبع النبي صلى الله عليه وسلم مثله بذكر القلب فقال : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ) .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وسمّي القلب بهذا الاسم لسرعة تقلبه ، كما جاء في الحديث : ( لقلب ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانا ) رواه أحمد و الحاكم ؛ لذلك كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي : ( يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك ) ، وعلاوة على ما تقدّم : فإن مدار صلاح الإنسان وفساده على قلبه ، ولا سبيل للفوز بالجنة ، ونعيم الدنيا والآخرة ، إلا بتعهّد القلب والاعتناء بصلاحه :{ يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم } ( الشعراء : 88-89 ) ، ومن أعجب العجاب أن الناس لا يهتمون بقلوبهم اهتمامهم بجوارحهم ، فتراهم يهرعون إلى الأطباء كلما شعروا ببوادر المرض ، ولكنهم لايبالون بتزكية قلوبهم حتى تصاب بالران ، ويطبع الله عليها ، فتغدو أشد قسوة من الحجارة والعياذ بالله .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
والمؤمن التقي يتعهد قلبه ، ويسد جميع أبواب المعاصي عنه ، ويكثر من المراقبة ؛ لأنه يعلم أن مفسدات القلب كثيرة ، وكلما شعر بقسوة في قلبه سارع إلى علاجه بذكر الله تعالى ؛ حتى يستقيم على ما ينبغي أن يكون عليه من الهدى والخير ، نسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا ، ويصرّفها على طاعته ، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، والحمد لله رب العالمين .



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 10-11-2011, 07:58 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث السابع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الحديث السابع

الدين النصيحة

عن أبي تميم بن أوس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) رواه البخاري و مسلم .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشرح
حديثنا الذي نتناوله في هذ المقال حديث عظيم ، ويكفيك دلالة على أهميته أنه يجمع أمر الدين كله في عبارة واحدة ، وهي قوله صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) ، فجعل الدين هو النصيحة ، كما جعل الحج هو عرفة ، إشارةً إلى عظم مكانها ، وعلو شأنها في ديننا الحنيف .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
والنصيحة ليست فقط من الدين ، بل هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فإنهم قد بعثوا لينذروا قومهم من عذاب الله ، وليدعوهم إلى عبادة الله وحده وطاعته ، فهذا نوح عليه السلام يخاطب قومه ، ويبين لهم أهداف دعوته فيقول : { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم } ( الأعراف : 62 ) ، وعندما أخذت الرجفة قوم صالح عليه السلام ، قال : { يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ( الأعراف : 79 ) .


ويترسّم النبي صلى الله عليه وسلم خطى من سبقه من إخوانه الأنبياء ، ويسير على منوالهم ، فيضرب لنا أروع الأمثلة في النصيحة ، وتنوع أساليبها ، ومراعاتها لأحوال الناس واختلافها ، وحسبنا أن نذكر في هذا الصدد موقفه الحكيم عندما بال الأعرابي في المسجد ، فلم ينهره ، بل انتظره حتى فرغ من حاجته ، يروي أبو هريرة رضي الله عنه تلك الحادثة فيقول : " بال أعرابيٌ في المسجد ، فثار إليه الناس ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوه ، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء ، أو سجلا من ماء ؛ فإنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين ) رواه البخاري .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وفي الحديث الذي بين أيدينا ، حدد النبي صلى الله عليه وسلم مواطن النصيحة ، وأول هذه المواطن : النصيحة لله ، وهناك معان كثيرة تندرج تحتها ، ومن أعظمها : الإخلاص لله تبارك وتعالى في الأعمال كلها ، ، ومن معانيها كذلك : أن يديم العبد ذكر سيده ومولاه في أحواله وشؤونه ، فلا يزال لسانه رطبا من ذكر الله ، ومن النصيحة لله : أن يذبّ عن حياض الدين ، ويدفع شبهات المبطلين ، داعيا إلى الله بكل جوارحه ، ناذرا نفسه لخدمة دين الله ، إلى غير ذلك من المعاني .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

وأصل النصيحة : من الإخلاص ، كما يقال : " نصح العسل " أي : خلصه من شوائبه ، وإذا كان كذلك فإن إخلاص كل شيء بحسبه ، فالإخلاص لكتاب الله أن تحسن تلاوته ، كما قال عزوجل : { ورتل القرآن ترتيلا } ( المزمل : 4 ) ، وأن تتدبر ما فيه من المعاني العظيمة ، وتعمل بما فيه ، ثم تعلمه للناس .


ومن معاني النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : تصديقه فيما أخبر به من الوحي ، والتسليم له في ذلك ، حتى وإن قصُر فهمنا عن إدراك بعض الحقائق التي جاءت في سنّته المطهّرة ؛ انطلاقا من إيماننا العميق بأن كل ما جاء به إنما هو وحي من عند الله ، ومن معاني النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم : طاعته فيما أمر به ، واتباعه في هديه وسنته ، وهذا هو البرهان الساطع على محبته صلى الله عليه وسلم .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ثم قال - صلى الله عليه وسلم - : ( وللأئمة المسلمين ) ، والمراد بهم العلماء والأمراء على السواء ، فالعلماء هم أئمة الدين ، والأمراء هم أئمةٌ الدنيا ، فأما النصح للعلماء : فيكون بتلقّي العلم عنهم ، والالتفاف حولهم ، ونشر مناقبهم بين الناس ، حتى تتعلّق قلوب الناس بهم ، ومن النصح لهم : عدم تتبع أخطائهم وزلاتهم ، فإن هذا من أعظم البغي والعدوان عليهم ، وفيه من تفريق الصف وتشتيت الناس ما لا يخفى على ذي بصيرة .
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

وأما النصيحة لأئمة المسلمين فتكون بإعانتهم على القيام بما حمّلوا من أعباء الولاية ، وشد أزرهم على الحق ، وطاعتهم في المعروف .


والموطن الرابع من مواطن النصيحة : عامة الناس ، وغاية ذلك أن تحب لهم ما تحب لنفسك ، فترشدهم إلى ما يكون لصالحهم في معاشهم ومعادهم ، وتهديهم إلى الحق إذا حادوا عنه ، وتذكّرهم به إذا نسوه ، متمسكا بالحلم معهم والرفق بهم ، وبذلك تتحقق وحدة المسلمين ، فيصبحوا كالجسد الواحد : ( إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .


فهذه هي مواطن النصيحة التي أرشدنا إليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا عملنا بها حصل لنا الهدى والرشاد ، والتوفيق والسداد .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 10-12-2011, 07:48 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الثامن

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

حرمة دم المسلم وماله
عن عبدالله عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)) رواه البخاري ومسلم.

.................................................. ..............................
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر عن أبيه عن جده عبدالله بن عمر، وقوله إلا بحق الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم وقد روى معنى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس يعني المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها.
.................................................. .....................................
وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا أو عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل وخرجه ابن ماجه مختصرًا.

وخرج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله عز وجل.

وفي رواية لمسلم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به وخرجه مسلم أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة الأول وزاد في آخره ثم قرأ ‏{‏فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ‏}‏ الآية الغاشية وخرجه أيضًا من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم الله دمه وماله وحسابه على الله عز وجل.

.................................................. .....................................
وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة وهذا ضعيف جدًا وفي صحته عن سفيان نظر فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعضهم تأخر إسلامه.

ثم قوله عصموا منى دماءهم وأموالهم يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورًا بالقتال ويقتل من أبي الإسلام وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلمًا فقد أنكر على أسامة ابن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا أن لا يزكوا.

ففي مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليهم ولاجهاد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيتصدقون ويجاهدون.

وفيه أيضًا عن نصر بن أيضًا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها واستدل أيضًا بأن حكيم بن حزام قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائمًا قال أحمد معناه أن يسجد من غير ركوع.

وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدًا عن أنس رضي الله عنه قال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام وذلك قول الله عز وجل ‏{‏فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ‏}‏ المجادلة.
.................................................. .....................................
وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين وقال إن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ومراده أن من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة، وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال جبريل عليه الصلاة والسلام لما سأله عن الإسلام وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام وبهذا الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلمًا فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع وفي هذا نظر وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار تدل على خلاف هذا.
.................................................. .........................
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم خيبر فأعطاه الراية وقال امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فسار على شيئًا ثم وقف فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس فقال قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمة للنفوس والأموال إلا بحقها ومن حقها الامتناع عن الصلاة والزكاة بعد الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من القرآن قوله تعالى ‏{‏فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ‏}‏ التوبة، وقوله تعالى ‏{‏فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ‏}‏ التوبة، وقوله ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه‏}‏ البقرة مع قوله تعالى ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ‏}‏ البينة وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا قومًا لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا وإلا أغار عليهم مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام، وكان يوصي سراياه إن سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدا فلا تقتلوا أحدًا وقد بعث عيينة بن حصن إلى قوم من بني العنبر فأغار عليهم ولم يسمع أذانا ثم ادعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان كتابًا فيه من محمد النبي إلى أهل عمان سلام عليكم أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم خرجه البزار والطبراني وغيرهما فهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قتالهم وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر رضي الله عنه لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل فقال أبو بكر رضي الله عنه والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ولو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
.................................................. ................................
فأبو بكر رضي الله عنه أخذ قتالهم من قوله إلا بحقه فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين جائز ومن حقه أداء حق المال الواجب وعمر رضي الله عنه ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكا بعموم أول الحديث كما ظن طائفة من الناس أن من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكا بعموم ألفاظ وردت وليس الأمر على ذلك ثم إن عمر رجع إلى موافقة الإمام أبي بكر رضي الله عنه.

وقد خرج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بزيادة وهي أن أبا بكر قال لعمر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.

وخرجه ابن خزيمة في صحيحه ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسنادا ومتنا قاله أئمة الحفاظ منهم علي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي ولم يكن هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر وإنما قال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام فجعل من حق الإسلام إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما أن من حقه أن لا ترتكب الحدود وجعل كل ذلك مما استثني بقوله إلا بحقها.
.................................................. ..............................
وقوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال يدل على أن من ترك الصلاة فإنه يقاتل لأنها حق البدن فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احتج به عمر رضي الله عنه وأنه أخذ من قوله إلا بحقها فكذلك الزكاة لأنها من حقها وكل ذلك من حقوق الإسلام ويستدل أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما صلوا وحكم من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة.

وروى ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسقع أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه وأمره أن يقاتل الناس على خمس فمن ترك واحدة من الخمس فقاتلهم عليها كما تقاتل على الخمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وقال سعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات وأما قتل الواحد الممتنع عنها فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع عن الصلاة وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم‏؟‏

ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن خالد بن الوليد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل رجل فقال لا لعله أن يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم.

وفي المسند للإمام أحمد رحمه الله عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة قال أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة ففيه قولان لمن قال يقتل الممتنع من فعل الصلاة أحدهما يقتل أيضًا وهو المشهور عن أحمد رحمه الله ويستدل له بحديث بن عمر هذا والثاني لا يقتل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه يقتل بتركه وقال الشافعي وأحمد في رواية لا يقتل بذلك ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب الصوم ولم يجئ فيه شيء قلت وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفا أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحج وقد سبق ذكر شرحه في حديث بني الإسلام على خمس وأما الحج فعن أحمد رحمه الله في القتل بتركه روايتان وحمل بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازما على تركه بالكلية أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه وأما إن أخره معتقدا أنه على التراخي كما يقوله كثير من العلماء فلا قتل بذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا الحق فعل الصلاة والزكاة وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج أيضًا ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات وقد ورد تفسير حقها بذلك خرجه الطبراني وابن جرير الطبري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل قيل وما حقها قال زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس فيقتل بها ولعل آخره من قول أنس وقد قيل إن الصواب وقف الحديث كله عليه ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفي عند ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
.................................................. ....................................
وقوله صلى الله عليه وسلم وحسابهم على الله عز وجل يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتي ما يبيح دمه وأما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل فإن كان صادقا أدخله الله بذلك الجنة وإن كان كاذبا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقد تقدم أن في بعض الروايات في صحيح مسلم ثم تلا ‏{‏فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ‏}‏ والمعنى إنما عليك أن تذكرهم بالله وتدعوهم إليه ولست مسلطا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرا ولا مكلفا بذلك ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه وحسابهم عليه.

وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة لها عند الله مكان وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله بها الجنة ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه ولقي الله غدا فحاسبهوقد استدل بهذا من يرى قبول توبة الزنديق وهو المنافق إذا أظهر العود إلى الإسلام ولم ير قتله بمجرد ظهور نفاقه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء والله أعلم.


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 10-12-2011, 08:14 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث التاسع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الشرح
هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري عنسعيد ابن المسيب وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة وخرجاه من رواية أبي الزنادعن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دعوني ما تركتكمإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيءفاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم

وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه وفي رواية له ذكر سببهذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنارسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يأيها الناس قد فرض الله عليكم الحجفحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم لوقلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكمفإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيءفأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه وخرجه الدارقطني من وجه آخرمختصرًا وقال فيه فنزل قوله تعالى {‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏} المائدة

وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج وقالوا أفي كل عام

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من أبي فقال فلان فنزلت هذه الآية ‏{‏لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء‏}‏ المائدة

وفيهما أيضًا عن قتادة عن أنس قال سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلمحتى أحفوه في المسألة فغضب فصعد المنبر فقال لا تسألوني اليوم عن شيء إلابينته فقام رجل كان إذا لاحى الرجل دعي إلى غير أبيه فقال يا رسول الله منأبي قال أبوك حذافة ثم أنشأ عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناوبمحمد رسولًا نعوذ بالله من الفتن

وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء‏}‏ المائدة

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل من أبي ويقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي فأنزل الله هذه الآية ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء‏}‏ المائدة

وخرج ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث أبي هريرة قال خرج رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجلفقال أين أنا فقال في النار فقام إليه آخر فقال من أبي قال أبوك حذافةفقام عمر رضي الله عنه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيًاوبالقرآن إماما إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلمبآبائنا قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏}‏ المائدة

وروي أيضًا من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏}المائدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال يا قوم كتبعليكم الحج فقام رجل فقال يا رسول الله أفي كل عام فأغضب رسول الله صلىالله عليه وسلم غضبًا شديدًا فقال والذي نفسي بيده لوقلت نعم لوجبت ولووجبت ما استطعتم وإذن لكفرتم فاتركوني ما تركتم فإذا أمرتكم بشيء فافعلواوإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه فأنزل الله عز وجل ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏}المائدة نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة فأصبحوا بهاكافرين فنهى الله تعالى عن ذلك ولكن انظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لاتسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عمالا يحتاج إليه ما يسوء السائل جوابه مثل سؤال السائل هل هو في النار أو فيالجنة وهل أبو ما ينسب إليه أو غيره وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنتوالعبث والاستهزاء كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم وقريب من ذلكسؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب

وقال عكرمة وغيره إن الآية نزلت في ذلك ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاهالله عن عباده ولم يطلعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح ودلت أيضًاعلى نهى المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكونالسؤال سببًا لنزول التشديد فيه كالسؤال عن الحج هل يجب كل عام أم لا

عظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وأعابها حتى ابتلي السائل به عينه قبل وقوعه بذلك في أهله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في المسائل إلا للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه يتألفهم بذلك فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم نهوا عن المسئلة كما في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسئلة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أيضًا عن أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع

وفي المسند عن أبي أمامة قال كان الله قد أنزل ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏}‏ المائدة قال فكنا قد كرهنا كثيرًا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قال فأتينا أعرابيًا فرشوناه بردا ثم قلنا له سل النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديثًا

وفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال إن كان لتأتي على السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب

وفي مسند البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ‏}‏ البقرة ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ‏}‏ البقرة ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ‏}‏ البقرة ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى‏}‏ البقرة وذكر الحديث

وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يسألونه عن حكم حوادثقبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له إنا لاقوا العدو غدًاوليس معنا مدى أفنذبح بالقصب وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعنطاعتهم وقتالهم وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها فبهذا الحديث وهو قولهصلى الله عليه وسلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهمواختلافهم على أنبيائهم وهو يدل على كراهة المسائل وذمها ولكن بعض الناسيزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لما يخشى حينئذ منتحريم ما لم يحرم أو إيجاب ما يشق القيام به وهذا قد أمن بعد وفاته صلىالله عليه وسلم ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهة المسائل بل له سبب آخر وهوالذي أشار إليه ابن عباس في كلامه الذي ذكرنا بقوله ولكن انتظروا فإذا نزلالقرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه ومعنى هذا أن جميع مايحتاج إليه المسلمون في دينهم لا بد أن يبينه الله في كتابه العزيز ويبلغذلك رسوله صلى الله عليه وسلم عنه فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال فإنالله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن اللهتعالى لا بد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال كما قال يبين الله لكم أنتضلوا وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليهوإنما الحاجة المهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله ثم اتباع ذلك والعملبه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسئل عن المسائل فيحيل على القرآن كماسأله عمر عن الكلالة فقال يكفيك آية الصيف وأشار رسول الله صلى الله عليهوسلم في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره واجتناب نهيه شغلا عنالمسائل فقال إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عنالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه ثميشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية وإنكان من الأمور العمليةبذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنهفيكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره وهكذا كان حال أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتابوالسنة فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمورقد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي ويثبط عن الجد في متابعةالأمر وقد سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال له رأيت النبي صلى اللهعليه وسلم يستلمه ويقبله فقال له الرجل أرأيت إن غلبت عنه أرأيت إن زوحمتفقال له ابن عمر اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله يستلمه وقبله خرجهالترمذي ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى اللهعليه وسلم ولا حاجة إلا فرض العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه فإنه يفترالعزم على التصميم عن المتابعة فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنمايحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه ذكرفتنا تكون في آخر الزمان فقال له عمر متى ذلك يا علي قال إذا تفقه لغيرالدين وتعلم لغير العمل والتمست الدنيا بعمل الآخرة وعن ابن مسعود رضي اللهعنه أنه قال كيف بكم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبيروتتخذ سنة فإن غيرت يومًا قيل هذا منكر قالوا ومتى ذلك قال إذا قلت أمناؤكموكثرت أمراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم وتفقه لغير الدين والتمست الدنيابعمل الآخرة خرجها عبدالرازق في كتابه ولهذا المعنى كان كثير من الصحابةوالتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها ولا يجيبون عن ذلك قال عمروبن مرة خرج عمر على الناس فقال أحرج عليكم أن تسألون عن ما لم يكن فإن لنافيما كان شغلا وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال لا تسألوا عما لم يكن فإنيسمعت عمر رضي الله عنه لعن السائل عما لم يكن، وكان زيد بن ثابت إذا سئل عنشيء يقول كان هذا فإن قالوا لا قال دعوه حتى يكون وقال مسروق سألت أبي بنكعب عن شيء فقال أكان بعد فقلت لا فقال أجمعنا يعني أرحنا حتى يكون فإذاكان اجتهدنا لك رأينا وقال الشعبي سئل عمار عن مسئلة فقال هل كان هذا بعدقالوا لا قال فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم وعن الصلت بن راشد قالسألت طاوسا عن شيء فانتهرني فقال أكان هذا قلت نعم قال آلله قلت آللهأصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال يأيها الناس لاتعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهبكم هاهنا وهاهنا فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاءقبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال وفق وقدخرجه أبو داود في كتاب المراسيل مرفوعًا من طريق ابن عجلان عن طاوس عن معاذبن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجلوا بالبلية قبلنزولها فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون أن يكون منهم من إذا قال سددووفق وأنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل هاهنا وهاهنا ومعنى إرساله أن طاوسا لميسمع من معاذ وخرجه أيضًا من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبيمرسلًا وروى الحجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم سمعت الزبير بن سعيدرجلًا من بني هاشم قال سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى يسألوا عن ما لا ينزلتبيينه فإذا فعلوا ذلك ذهب بهم هاهنا وهاهنا وقد روى الصنابحي عن معاوية عنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات خرجه الإمام أحمد رحمهالله وفسره الأوزاعي وقال هي شداد المسائل وقال عيسى بن يونس هي ما لايحتاج إليه من كيف وكيف ويروي من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلمقال سيكون قوم من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل المسائل أولئك شرار أمتي وقالالحسن شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يعمون بها عباد الله وقالالأوزاعي إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقي على لسانهالمغاليط فلقد رأيتهم أقل الناس علمًا وقال ابن وهب عن ما لكم أدركت هذهالبلدة وإنهم ليكرهون الإكثار الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل وقالأيضًا سمعت مالكا وهو يعيب كثرة الكلام وكثرة الفتيا ثم قال يتكلم كأنه جملمغتلم يقول هو كذا هو كذا يهدر في كلامه وقال سمعت مالكا يكره الجواب فيكثرة المسائل وقال قال الله عز وجل ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏}‏ الإسراء فلم يأته في ذلك جواب فكان مالك يكره المجادلة عن السنن

وقال أيضًا الهيثم بن جميل قلت لمالك يا أبا عبدالله الرجل يكون ععالمًا بالسنن يجادل عنها قال لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت

قال إسحق بن عيسي كان مالك يقول المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل

وقال وهب سمعت مالكًا يقول المراء في العلم يقسي القلب ويؤثر الضغن

وكان أبو شريح الإسكندراني يومًا في مجلسه فكثرت المسائل فقال قد درنت قلوبكم منذ اليوم فقوموا إلى أبي حميد خالد ابن حميد صقلوا قلوبكم وتعلموا هذه الرغائب فإنها تجدد العبادة وتورث الزهادة وتجر الصداقة وأقلوا المسائل إلا ما نزل فإنها تقسي القلب وتورث العداوة

وقال الميموني سمعت أبا عبدالله يعني أحمد يسأل عن مسألة فقال وقعت هذهالمسألة بليتم بها بعد وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمان فمن أتباع أهلالحديث من سد باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسولهوصار حامل فقه غير فقيه ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبلوقوعها ما يقع في العادة منها وما لا يقع واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلكوكثرة الخصومات فيه والجدال عليه حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب ويستقرفيها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء ويقترن ذلك كثيرًا بنيةالمغالبة وطلب العلو والمباهاة وصرف وجوه الناس وهذا مما ذمه العلماءالربانيون ودلت السنة على قبحه وتحريمه وأما فقهاء أهل الحديث العاملون بهفإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن الصحيحة وكلامالصحابة والتابعين لهم بإحسان وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفةصحيحها وسقيمها ثم التفقه فيها وفهمها والوقوف على معانيها ثم معرفة كلامالصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائلالحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك وهذا هو طريق الإمامأحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين وفي معرفة هذا شغل شاغل عنالتشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به ولا يقع وإنما يورث التجادل فيهكثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال، وكان الإمام أحمد كثيرًا إذاسئل عن شيء من المسائل المحدثة المتولدات التي لا تقع يقول دعونا من هذهالمسائل المحدثة وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان السقطي نظرت في الأمرفإذا هو الحديث والرأي فوجدت في الحديث ذكر الرب عز وجل وربوبيته وإجلالهوعظمته وذكر العرش وصفة الجنة والنار وذكر النبيين والمرسلين والحلالوالحرام والحث على صلة الأرحام وجماع الخير فيه ونظرت في الرأي فإذا فيهالمكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام وجماع الشر فيه

وقال أحمد بن شبويه من أراد علم القبر فعليه بالآثار ومن أراد علم الخير فعليه بالرأي ومن سلك طريقه لطلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها ولابد أن يكون سلوك هذا الطريق خلاف أئمة أهل الدين المجمع على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوز ومهالك وأخذ بما لا يجوز الأخذ به وترك ما يجب العمل به وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله عز وجل والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله وسلوك طريقه والعمل بذلك ودعاء الخلق إليه ومن كان كذلك وفقه الله وسدده وألهمه رشده وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى ‏{‏إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء‏}‏ فاطر ومن الراسخين في العلم

وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم قال نافع بن زيد يقال الراسخون في العلم المتواضعون لله والمتذللون لله في مرضاته لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم أتاكم أهل اليمن هم أبر قلوبًا وأرق أفئدة الإيمان يماني والفقه يماني والحكمة يمانية

وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري ومن كان على طريقه من علماء أهلاليمن ثم إلى مثل أبي موسى الخولاني وأويس القرني وطاوس ووهب بن منبهوغيرهم من علماء أهل اليمن وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين للهفكلهم علماء بالله يخشونه ويخافونه وبعضم أوسع علمًا بأحكام الله وشرائعدينه من بعض ولم يكن تمييزهم عن الناس بكثرة قيل وقال ولا بحث ولا جدال،وكذلك معاذ ابن جبل رضي الله عنه أعلم الناس بالحلال والحرام وهو الذي يحشريوم القيامة أمام العلماء برتوة ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها بلقد سبق عنه كراهة الكلام فيما لا يقع وإنما كان ععالمًا بالله وععالمًابأصول دينه رضي الله عنه

وقد قيل للإمام أحمد من نسأل بعدك قال عبدالوهاب الوراق قيل له إنه ليسله اتساع في العلم قال إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق وسئل عن معروفالكرخي فقال كان معه أصل العلم خشيةالله وهذا يرجع إلى قول بعض السلف كفىبخشية الله علمًا وكفى بالاغترار بالله جهلًا وهذا باب واسع يطول استقصاؤهولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه فنقول من لم يشتغل بكثرةالمسائل التي لا توجد مثلها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلمبل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله وقصده بذلك امتثال الأوامر واجتنابالنواهي فهو ممن امتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثوعمل بمقتضاه ومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسله واشتغل بكثرةتوليد المسائل قد تقع وقد لا تقع وتكلف أجوبتها بمجرد الرأي خشي عليه أنيكون مخالفًا لهذا الحديث مرتكبًا لنهيه تاركًا لأمره

واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وإنما هومن ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله واجتناب نواهي الله ورسوله فلوأن من أراد أن يعمل عملًا سأل عما شرع الله في ذلك العمل فامتثله وعما نهىعنه فيه فاجتنبه وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة وإنما يعمل العاملبمقتضى رأيه وهواه فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله وربما عسرردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها

وفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذاالحديث وانتهي عما نهى عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره حصل له النجاة فيالدنيا والآخرة ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذر منهالنبي صلى الله عليه وسلم من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهمواختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم، وقوله صلى الله عليهوسلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتمقال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص فيارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب الاستطاعة وروى هذا عن الإمام أحمد رحمهالله ويشبه هذا قول بعضهم أعمال البر يعملها البر الفاجر وأما المعاصي فلايتركها إلا صديق وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليهوسلم قال له اتق المحارم تكن أعبد الناس وقالت عائشة رضي الله عنها من سرهأن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب وروي مرفوعًا وقال الحسن ما عبدالعابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه والظاهر أن ما ورد من تفضيلترك المحرمات على فعل الطاعات إنما أريد به على نوافل الطاعات وإلا فجنسالأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات لأن الأعمال مقصودة لذاتهاوالمحارم مطلوب عدمها ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال، وكذلك كان جنسترك الأعمال قد تكون كفرا كترك التوحيد وكترك أركان الإسلام أو بعضها علىما سبق بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه ويشهد لذلك قولابن عمر رضي الله عنهما لرد دانق من حرام أفضل من مائة ألف تنفق في سبيلالله وعن بعض السلف قال ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائةحجة وقال ميمون بن مهران ذكر الله باللسان حسن وأفضل منه أن يذكر اللهالعبد عند المعصية فيمسك عنها وقال ابن المبارك لأن أرد درهما من شبهة أحبإلى من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف وقال عمر بنعبدالعزيز ليست التقوى قيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك ولكنالتقوى أداء ما افترض الله وترك ما حرم الله فإن كان مع ذلك عمل فهو خيرإلى خير أو كما قال وقال أيضًا وددت أني لا أصلي غير الصلوات الخمس سوىالوتر وأن أؤدي الزكاة ولا أتصدق بعدها بدرهم وأن أصوم رمضان ولا أصوم بعدهيومًا أبدًا وأن أحج حجة الإسلام ثم لا أحج بعدها أبدًا ثم أعمد إلى فضلقوتي فأجعله فيما حرم الله على فأمسك عنه وحاصل كلامهم يدل على اجتنابالمحرمات وإن قلت فهي أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات فإن ذلك فرض وهذانفل وقال طائفة من المتأخرين إنما قال صلى الله عليه وسلم إذا نهيتكم عنشيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم لأن امتثال الأمر لايحصل إلا بعمل والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب وبعضها قد لا يستطاعفلذلك قيده بالاستطاعة كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة قال الله عزوجل ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}

وقال في الحج ‏{‏وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً‏}آل عمران وأما النهي فالمطلوب عدمه وذلك هو الأصل فالمقصود استمرار العدمالأصلي وذلك ممكن وليس فيه ما لا يستطاع وهذا فيه أيضًا نظر فإن الداعي إلىفعل المعاصي قد يكون قويا لا صبر معه للعبد على الامتناع مع فعل المعصيةمع القدرة عليها فيحتاج للكف عنها حينئذ إلى مجاهدة شديدة وربما كانت أشقعلى النفوس من مجرد مجاهدة النفوس على فعل الطاعات ولهذا يوجد كثيرًا منيجتهد في فعل الطاعات ولا يقوي على ترك المحرمات وقد سئل عمر عن قوم يشتهونالمعصية ولا يعملون بها فقال أولئك قوم امتحن الله قلوبهم للتقوى لهممغفرة وأجر عظيم

وقال يزيد بن ميسرة يقول الله في بعض الكتب أيها الشاب التارك لشهوتهالمتبذل في شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي وقال ما أشد الشهوة فيالجسد إنها مثل حريق النار وكيف ينجو منها الحصوريون والتحقيق في هذا أنالله لا يكلف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به وقد أسقط عنهم كثيرًا منالأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم رحمة لهم وأما المناهي فلم يعذر أحدبارتكابها بقوة الداعي والشهوات بل كلفهم تركها على كل حال وإن ما أباح أنيتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة لا لأجلالتلذذ والشهوة ومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد رحمه الله إن النهيأشد من الأمر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان وغيره أنهقال استقيموا ولن تحصوا يعني لن تقدروا على الاستقامة كلها وروى الحكم بنحزن الكلفي قال وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعةفقام رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنىعليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال يأيها الناس إنكم لن تطيقوا ولنتفعلوا كل ما أمرتكم به ولكن سددوا وأبشروا أخرجه الإمام أحمد وأبو داودوفي قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم دليلعلى أن من عجز عن فعل المأمور به كله وقدر على بعضه فإنه يأتي بما أمكن منهوهذا مطرد في مسائل منها الطهارة فإذا قدر على بعضها وعجز عن الباقي إمالعدم الماء أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليهويتيمم للباقي وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور ومنها الصلاة فمنعجز عن فعل الفريضة قائمًا صلى قاعدا فإن عجز صلاها مضطجعا وفي صحيحالبخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلقائمًا فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك فإن عجز عن ذلك كلهأومأ بطرفه وصلي بنيته ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور ومنها زكاة الفطرفإذا قدر على إخراج بعض صاع لزمه ذلك على الصحيح فأما من قدر على صيام بعضالنهار دون تكملته فلا يلزمه ذلك بغير خلاف لأن صيام بعض اليوم ليس بقربةفي نفسه، وكذلك لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه لأن تبعيضالعتق غير محبوب للشارع بل أمر بتكملته بكل طريق وأما من فاته الوقوف بعرفةفي الحج فهل يأتي بما بقي منه من المبيت بمزدلفة ورمي الجمار أم لا بليقتصر على الطواف والسعي ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد أشهرهما أنهيقتصر على الطواف والسعي لأن المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعهوإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام وبذكره في الأيام المعدوداتلمن أفاض من عرفات فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمروالله أعلم


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 10-15-2011, 09:25 AM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث العاشر

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشرح
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة وخرجه الترمذي وقال حسن غريب وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله طيب هذا قد جاء أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة وجواد يحب الجود خرجه الترمذي وفي إسناده مقال والطيب هنا معناه الطاهر والمعنى أن الله سبحانه وتعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها وهذا كما في قوله تعالى ‏{‏وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ‏}‏ والمراد المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها، وقوله لا يقبل إلا طيبا قد ورد معناه في حديث الصدقة ولفظه لا يتصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالًا وقد قيل إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله لا يقبل إلا طيبا أعم من ذلك وهو أن لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا طاهرًا من المفسدات كلها كالرياء والعجب ولا من الأموال إلا ما كان طيبا حلالًا فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات وكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث وقد قيل إنه يدخل في قوله تعالى ‏{‏قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ‏}‏ المائدة هذا كله وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث فقال ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة إبراهيم ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة إبراهيموقال تعالى ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏}‏ فاطر ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث وقد قيل إنه يدخل في ذلك الأقوال والأعمال والاعتقادات أيضًا ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى ‏{‏الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ‏}‏ النحل وإن الملائكة تقول عند الموت اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم الجنة يقولون لهم طبتم وقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول له الملائكة طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما يسكن في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذكر وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه في هذه الطيبات كلها يقبلها الله عز وجل‏.‏

ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن من طيب مطعمه وأن يكون من حلال فبذلك يزكو عمله وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله فإنه قال بعد تقريره إن الله لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى ‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا‏}‏ المؤمنون وقال ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ البقرة والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال وبالعمل الصالح فما كان الأكل حلالًا فالعمل الصالح مقبول فإذا كان الأكل غير حلال فكيف يكون العمل مقبولا وما ذكره بعد ذلك من الدعاء وأنه كيف يتقبل مع الحرام فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام وقد خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً‏}‏ البقرة‏.‏

فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملًا أربعين يومًا وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به‏.‏

وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله بإسناد فيه نظر أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام لم يتقبل الله له صلاته ما كان عليه ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا معناه أيضًا خرجه البزار وغيره بإسناده ضعيف جدًا‏.‏

وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادي لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك وزادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لا لبيك لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور ويروى من حديث عمر رضي الله عنه بنحوه بإسناد ضعيف أيضًا وروي أبو يحيى القتات عن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا يقبل الله صلاة امريء في جوفه حرام وقد اختلف العلماء في حج من حج بمال حرام ومن صلى في ثوب حرام هل يسقط عنه فرض الصلاة والحج بذلك وفيه عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان وهذه الأحاديث المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام لكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل ومدح فاعله والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به وقد يراد به حصول الثواب والأجر عليه وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة فإن كان المراد ههنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق ولا المرأة التي زوجها عليها ساخط ولا من أتى كاهنا ولا من شرب خمرا أربعين يومًا والمراد والله أعلم نفي القبول بالمعنى الأول أو الثاني وهو المراد والله أعلم من قوله عز وجل ‏{‏إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم‏.‏

وسئل أحمد عن معنى المتقين فيها فقال يتقي الأشياء فلا يقع فيما لا يحل‏.‏

وقال أبو عبدالله النباجي الزاهد رحمه الله خمس خصال بها تمام العمل الإيمان بمعرفة الله عز وجل ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل وذلك إذا عرفت الله عز وجل ولم تعرف الحق لم تنتفع وإذا عرفت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع وإن عرفت الله وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع وإن عرفت الله وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع وإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع‏.‏

وقال وهب بن الورد لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك حلال أم حرام وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة‏.‏

كما في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول‏.‏

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تصدق عبد بصدقة من مال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وذكر الحديث‏.‏

وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يكتسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيتقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السييء بالسيئ ولكن يمحو السييء بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كسب مالًا حرامًا فتصدق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه خرجه ابن حبان في صحيحه ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصاب مالًا من مأثم فوصل به رحمه وتصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم وروي عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالًا من غير حله فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم وكسا به أرملة وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال إن الخبيث لا يكفر الخبيث وكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه إن الخبيث لا يكفر الخبيث ولكن الطيب يكفر الخبيث وقال الحسن أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين أحدهما أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما على نفسه فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفاته في مال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم قصده ونيته كذا قال جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من أصحابنا وفي كتاب عبدالرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال وجدت لقطة أفأتصدق بها قال لا تؤجر أنت ولا صاحبها ولعل مراده فإذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب ولو أخذ السلطان أو بعض نوابه من بيت المال مالًا يستحقه فتصدق منه أو أعتق أو بنى به مسجدا أو غيره مما ينتفع به الناس فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه كذلك قيل لعبد الله بن عامر أمير البصرة، وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته وهم يثنون عليه ببره وإحسانه وابن عمر ساكت فطلب منه أن يتكلم فروى له حديثًا لا يقبل الله صدقة من غلول ثم قال له وكنت على البصرة وقال أسد بن موسى في كتاب الورع حديث الفضيل بن عياض عن منصور عن تميم بن مسلمة قال قال قال ابن عامر لعبد الله بن عمر أرأيت هذا العقاب التي نسهلها والعيون التي نفجرها ألنا فيها أجر فقال ابن عمر أما علمت أن خبيثا لا يكفر خبيثا قط حدثنا عبدالرحمن بن زياد عن أبي مليح عن ميمون بن مهران قال قال ابن عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق فقال مثلك مثل رجل سرق إبل حاج ثم جاهد بها في سبيل الله فانظر هل يقبل منه وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاوس ووهيب بن الورد يتوقون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك وأما الإمام أحمد رحمه الله فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة كالمساجد والقناطر والمصانع فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء اللهم إلا أن يتيقن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوهما فحينئد يتوقى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام ولعل ابن عمر رضي الله عنهما إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك فهو صدقة منهم فإن هذا شبيه بالغصوب وعلى مثل هذا يحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله رأيت بعض المتقدمين يسأل عمن كسب حلالًا أو حرامًا من السلاطين والأمراء ثم بنى الأربطة والمساجد هل له ثواب فأفتى بما يوجب طيب القلب المنفق وأنه له في إنفاق ما لا يملكه نوع سمسرة لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيرد عليهم قال فقلت واعجبا من متصدرين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أو لا فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال فقد عرفت وجوه مصارفه فكيف يمنع مستحقيه ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط وإن كان من الأمراء أو نواب السلاطين فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال وإن كان حرامًا أو غصبا فكل شيء يصرف فيه حرام والواجب رده على من أخذ منه أو ورثته فإن لم يعرف رده إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة ولم يحظ آخذه بغير الإثم انتهي وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء ما يبنونه إليهم من المدارس والأربطة ونحوهما مما قد لا يحتاج إليه ويخص به قومًا دون قوم فأما لو فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء ثم يبني لهم ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة أو مارستان ونحو ذلك كان ذلك جائزا فلو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذ منه بناء محتاجا إليه في حال فيجوز البناء فيه من بيت المال لكنه ينسبه إلى نفسه فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا وهذا كله إذا بنى على قدر الحاجة من غير سرف ولا زخرفة وقد أمر عمر بن عبدالعزيز بترميم مسجد البصرة من بيت المال ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدع منه وقال إني لم أجد للبنيان في مال الله حقا وروي عنه أنه قال لا حاجة للمسلمين فيما أضر بيت مالهم‏.‏

واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقفا على إجازة مالكه فإن أجاز تصرفه فيه جاز وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد أنه من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه المالك جاز وسقطت عنه الزكاة، وكذلك خرج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه وهو خلاف نص أحمد وحكى عن الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازه المالك أجزأت عنه الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم قال ابن عبدالبر ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغال إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسة ويتصدق بالباقي روي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه وقال قد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها وجعلوه إذا جاء مخيرًا بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب انتهي وروي عن مالك بن دينار قال سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه قال يتصدق به ولا أقول إن ذلك يجزي عنه قال مالك كان هذا القول من عطاء أحب إلى من وزنة ذهب وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبا يرده إليهم فإن لم يقدر عليهم يتصدق به كله ولا يأخذ رأس ماله وكذا قال فيمن باع شيئًا ممن تكره معاملته لشبهة ماله قال يتصدق بالثمن وخالفه ابن المبارك وقال يتصدق بالربح خاصة وقال أحمد يتصدق بالربح وكذا قال فيمن ورث مالًا من أبيه، وكان أبوه يبيع ممن يكره معاملته أنه يتصدق منه بمقدار الربح ويأخذ الباقي وقد روي عن طائفة من الصحابة نحو ذلك منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها، وكان الفضيل بن عياص يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به وقال لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب والصحيح الصدقة به لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه وإرصاده أبدًا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه والصدقة به ليست عند مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا، وقوله ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك هذا الكلام أشار فيه صلى الله عليه وسلم إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من إجابته فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة أحدهما إطالة السفر والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وعنده دعوة الوالد على ولده وروي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه من قوله ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان وتحمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء والثاني حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار وهو أيضًا من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء خرج متبذلا متواضعا متضرعا، وكان مطرف بن عبدالله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثيابه وأخذ عكازا بيده فقيل له ما هذا قال أستكين لربي لعله أن يشفعني في ابن أخي الثالث مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته وفي حديث سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى حي كريم يستحيى إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه ورفع يديه يوم بدر يستنصر الله على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة فمنها أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر وفعله لما ركب راحلته وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بأصبعه منهم الأوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز وإسحاق بن راهويه وقال ابن عباس وغيره هذا هو الإخلاص في الدعاء وقال ابن سيرين إذا أثنيت على الله فأشر بأصبع واحد ومنها أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها وجعل بطونهما مما يلي وجهه وقد رويت هذه الصفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني وقال بعض السلف الرفع على هذا الوجه تضرع ومنها عكس ذلك وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أيضًا وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك وقال بعضهم الرفع على هذا الوجه استجارة بالله واستعاذة به منهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استعاذ رفع يديه على هذا الوجه وجعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله عز وجل في غير حديث وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله عز وجل‏.‏

ومنها عكس ذلك وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطنهما إلى ما يلي الأرض وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء‏.‏

خرجه أبو داود ولفظه استسقي هكذا يعني النبي صلى الله عليه وسلم مد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض‏.‏

وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه حيال ثندويه وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه بعرفة وروي عن ابن سيرين أن هذا هو الاستجارة وقال الحميدي هذا هو الابتهال والرابع الإلحاح على الله عز وجل بتكرير ذكر ربوبيته وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء‏.‏

وخرج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين مرفوعًا إذا قال العبد يا رب أربعا قال الله لبيك عبدي سل تعطه‏.‏

وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة أن قومًا شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فقال اجثوا على الركب وقولوا يا رب يا رب وارفعوا السبابة إلى السماء فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم‏.‏

وفي المسند وغيره عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين وتضرع وتخشع وتمسكن وتقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا بهما وجهك وتقول يا رب يا رب فمن لم يفعل ذلك فهي خداج وقال يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا ما من عبد يقول يا رب يا رب يا رب إلا قال له ربه لبيك لبيك ثم روي عن أبي الدرداء وابن عباس رضي الله عنهما كانا يقولان اسم الله الأكبر رب رب وعن عطاء قال ما قال عبد يا رب يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه فذكر ذلك للحسن فقال أما تقرءون القرآن ثم تلا قوله تعالى ‏{‏الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ‏.‏ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ‏.‏ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ‏.‏ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ‏}‏ ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرب كقوله تعالى ‏{‏رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ‏}‏ البقرة ‏{‏رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ‏}‏ البقرة، وقوله ‏{‏رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا‏}‏ آل عمران، ومثل هذا في القرآن كثير‏.‏

وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء يا سيدي فقال ألا يقول يا رب زاد مالك كما قالت الأنبياء في دعائهم وأما ما يمنع إجابة الدعاء فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه التوسع في الحرام أكلا وشربا ولبسا وتغذية وقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضًا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة فأكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء وروى عكرمة بن عمار حدثنا الأصفر قال قيل لسعد بن أبي وقاص تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت وعن وهب بن منبه قال من سره أن يستجيب الله دعوته فليطيب طعمته وعن سهل بن عبدالله قال من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت دعوته وعن يوسف بن أسباط قال بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السموات بسوء المطعم، وقوله صلى الله عليه وسلم فأنى يستجاب لذلك معناه كيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحا في استحالة الاستجابة ومنعها بالكلية فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم وقال وهب ابن منبه مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر، وعنه قال العمل الصالح يبلغ الدعاء ثم تلا قوله تعالى ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏}‏ فاطر وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح وعن أبي ذر رضي الله عنه قال يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي الطعام من الملح وقال محمد بن واسع يكفي من الدعاء مع الورع اليسير وقيل لسفيان لو دعوت الله قال إن ترك الذنوب هو الدعاء وقال الليث رأى موسى عليه الصلاة والسلام رجلًا رافعا يديه وهو يسأل الله مجتهدا فقال موسى عليه السلام أي رب عبدك دعاك حتى رحمته وأنت أرحم الراحمين فما صنعت في حاجته فقال يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته حتى ينظر في حقي‏.‏

وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعًا معناه‏.‏

وقال مالك بن دينار أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا فأوحى الله تعالى إلى نبيه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إلى أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام الآن اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا وقال بعض السلف لا تستبطيء الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال‏:‏

نحن ندعو الإله في كل كرب ثم ننساه عند كشف الكروب

كيف نرجو إجابة لدعاء *** قد سددنا طريقها بالذنوب
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 10-15-2011, 09:44 AM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الحادي عشر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
شرح الحديث



هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث يزيد بن أبي مريم عن أبي الجوزاء عن الحسن ابن علي وصححه الترمذي وأبو الجوزاء السعدي قال الأكثرون اسمه ربيعة بن شيبان ووثقه النسائي وابن حبان وتوقف أحمد في أن أبا الجوزاء اسمه ربيعة بن شيبان ومال إلى التفرقة بينهما‏

وقال الجوزجاني أبو الجوزاء مجهول لا يعرف وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر وعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة ولفظ ابن حبان فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفا على أنس‏

وخرجه الطبراني من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا قال الدارقطني وإنما يروي هذا من قول ابن عمر وعن عمر ويروي عن مالك من قوله انتهي‏

ويروي بإسناد ضعيف عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل دع ما يريبك إلى ما لا يريبك قال وكيف لي بالعلم بذلك قال إذا أردت أمرا فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلًا‏

وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد فيه فقيل له فمن الورع قال الذي يقف عند الشبهة وقد روي هذا الكلام موقوفا على جماعة من الصحابة منهم عمر وابن عمر رضي الله عنهم وأبو الدرداء وعن ابن مسعود قال ما تريد إلى ما يريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك وقال عمر دعوا الربا والريبة يعني ما ارتبتم فيه وإن لم تتحققوا أنه ربا ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب والريب بمعنى القلق والاضطراب بل تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشك‏

وقال أبو عبدالرحمن العمري الزاهد إذا كان العبد ورعًا ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وقال الفضيل يزعم الناس أن الورع شديد وما ورد على أمران إلا أخذت بأشدهما فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال حسان بن أبي سنان ما شيء أهون من الورع إذا رابك شيء فدعه وهذا إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله‏

قال ابن المبارك كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قبلك فاشتراه من رجل فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفًا قال فأتى صاحب السكر فقال يا هذا إن غلامي كان قد كتب إلى فلم أعلمك فأقلني فيما اشتريت منك فقال له الآخر قد أعلمتني الآن وقد طيبته لك قال فرجع فلم يحتمل قلبه فأتاه فقال يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه فأحب أن تسترد هذا البيع قال فما زال به حتى رده عليه‏

وكان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع ونفق وأرسل ليشتريه يقول لمن يشتري له أعلم من تشتري منه أن المتاع قد طلب‏

وقال هشام بن حسان ترك محمد بن سيرين أربعين ألفًا فيما لا ترون به اليوم بأسًا، وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه فأتاه كتابه أني قدمت البصرة فوجدت الطعام منقصا فحبسته فزاد الطعام فازددت فيه كذا أو كذا فكتب إليه الحجاج إنك قد خنتنا وعملت بخلاف ما أمرناك به فإذا أتاك كتابي فتصدق بجميع ذلك الثمن ثمن الطعام على فقراء البصرة فليتني أسلم إذا فعلت ذلك وتنزه يزيد بن زريع عن خمسائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه، وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوت منه إلى أن مات رحمه الله‏


وكان المسور بن مخرمة قد احتكر طعامًا كثيرًا فرأى سحابًا في الخريف فكرهه فقال ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين فآلي أن لا يربح فيه شيئًا فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر جزاك الله خير وفي هذا أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارًا منهيًا عنه‏

وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه لدخوله في ربح ما لم يضمن وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحمد في رواية عنه فمن أجر ما استأجره بربحه إنه يتصدق بالربح‏

وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب أنه يتصدق به وقال في رواية عنه فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع ثم تركها حتى بدا صلاحها إنه يتصدق بالزيادة وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب لأن الصدقة بالشبهات مستحبة‏

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم إذا لم يصبه فقالت إنما هي أيام قلائل فما رابك فدعه يعني ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصد هو وقد يستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل لأنه أبعد عن الشبهة ولكن المحققين من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس هو على إطلاقه فإن من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة ليس لها معارض فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء فامتنع منها لذلك‏

وهذا كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ولا سيما إن كان شكه في الصلاة فإنه لا يجوز له قطعها لصحة النهي عنه وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك وإن كان للرخصة معارض إما من سنة أخرى أو من عمل الأمة بخلافها فالأولى ترك العمل بها وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس واشتهر في الأمة العمل بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة رضي الله عنهم فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعين فإن هذه الأمة قد أجارها الله أن يظهر أهل باطلها على أهل حقها فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة فهو الحق وما عداه فهو باطل وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت أعماله في التقوى والورع فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبهة فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول هما ريحانتاي من الدنيا‏


وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها فقال إن كان بر أمه في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل‏

وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلا ويشترط الخوصة يعني التي تربط بها حزمة البقل فقال أحمد إيش هذه المسائل قيل له إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك فقال أحمد إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم هذا يشبه ذاك وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله‏

وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع فإنه أمر من يشتري له سمنًا فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع‏

وكان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته فقال له اكتب فهذا ورع مظلم واستأذن رجل آخر في ذلك فتبسم فقال لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا‏

وهذا قاله على وجه التواضع وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام بل يتسامح في المكروهات الظاهرة ويقدم على الشبهات من غير توقف‏

وقوله صلى الله عليه وسلم فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة يعني أن الخير تطمئن به القلوب والشر ترتاب به ولا تطمئن إليه وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه وسيأتي مزيد لهذا الكلام على حديث النواس بن سمعان إن شاء الله تعالى‏

وخرج ابن جرير بإسناده عن قتادة عن بشر بن كعب أنه قرأ هذه الآية ‏{‏فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا‏}‏ الملك ثم قال لجاريته إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله قالت مناكبها جبالها فكأنما سفع في وجهه ورغب في جاريته فسألهم فمنهم من أمره ومنهم من نهاه فسأل أبا الدرداء فقال الخير طمأنينة والشر ريبة فذر ما يريبك إلى ما لا يريك‏

وقوله في الرواية الأخرى إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل كما قال في حديث وابصة وإن أفتاك الناس وأفتوك وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق وعلامة الصدق أن تطمئن به القلوب وعلامة الكذب أن تحصل به الريبة فلا تسكن القلوب إليه بل تنفر منه ومن هنا كان العقلاء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا كلامه وما يدعو إليه عرفوا أنه جاء بالحق وإذا سمعوا كلام مسيلمة عرفوا أنه كاذب وأنه جاء بالباطل‏

وقد روي أن عمرو بن العاص سمعه قبل إسلامه يدعي أنه أنزل عليه يا وبر لك أذنان وصدر وإنك لتعلم يا عمرو فقال والله إني لأعلم أنك تكذب وقال بعض المتقدمين صور ما شئت في قلبك وتفكر فيه ثم قسه إلى ضده فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق من الباطل والصدق من الكذب قال كأنك تصور محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ‏}‏ البقرة الآية ثم تتصور ضد محمد صلى الله عليه وسلم فتجده مسيلمة فتتفكر فيما جاء به فتقرأ ألا يا ربة المخدع قد هيئ لك المضجع يعني قوله سجاعحين تزوج بها قال فترى هذا يعني القرآن رصينًا عجيبًا يلوط بالقلب ويحسن في السمع وترى ذا يعني قول مسيلمة باردًا غثًا فاحشًا فتعلم أن محمدًا حقًا أتى بوحي وأن مسيلمة كذاب أتى بباطل‏

في أمان الله
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 10-15-2011, 10:06 AM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الثاني عشر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشرح
هذا الحديث خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية الأوزاعي عن قرة بن عبدالرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهم وقال الترمذي غريب وقد حسنه الشيخ المصنف رحمه الله لأن رجال إسناده ثقات وقرة بن عبدالرحمن بن حيوة وثقة قوم وضعفه آخرون وقال ابن عبدالبر هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات وهذا موافق لتحسين الشيخ له رضي الله عنه وأما أكثر الأئمة فقالوا ليس هو محفوظًا بهذا الإسناد إنما هو محفوظ عن الزهري عن على بن حسين عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا كذلك رواه الثقات عن الزهري منهم مالك في الموطأ ويونس ومعمر وإبراهيم ابن سعد إلا أنه قال من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه وممن قال إنه لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلًا الإمام أحمد ويحيي بن معين والبخاري والدارقطني

وقد خلط الضعف في إسناده عن الزهري تخليطا فاحشا والصحيح فيه المرسل ورواه عبدالله بن عمرو العمري عن الزهري عن على بن حسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فوصله وجعله من مسند الحسين بن علي وخرجه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه والعمري ليس بالحافظ

وخرجه أيضًا من وجه آخر عن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه البخاري في تاريخه من هذا الوجه أيضًا وقال لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلًا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وكلها ضعيفة وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت

وقوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقوله صلى الله عليه وسلم الذي اختصر له في الوصية لا تغضب، وقوله صلى الله عليه وسلم المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ومعنى هذا الحديث أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال ومعنى يعنيه أن تتعلق عنايته به ويكون من مقصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء يقال عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع والإسلام ولهذا جعله من حسن الإسلام فإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل عليه السلام وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وإذا حسن اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات أو المشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه فمن عبدالله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ويشتغل بما يعنيه فيه فإنه يتولى من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه كما وصى صلى الله عليه وسلم رجلًا أن يستحيى من الله كما يستحيى من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه

وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا الاستحياء من الله تعالى أن تحفظ الرأس وما وعي وتحفظ البطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء قال بعضهم استحيى من الله على قدر قربه منك وخف الله على قدر قدرته عليك وقال بعض العارفين إذا تكلمت فاذكر سمع الله لك وإذا سكت فاذكر نظره إليك وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ق، وقوله تعالى ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ‏}‏ يونس وقال تعالى ‏{‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ الزخرف وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأول التي هي في سورة ق

وفي المسند من حديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه

وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إني مطاع في قومي فما آمرهم قال له مرهم بإفشاء السلام وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم

وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله تعالى وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو حرفة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه

قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وهو كما قال فإن كثيرًا من الناس لا يعد كلامه من عمله فيجازف فيه ولا يتحري وقد خفي هذا على معاذ بن جبل رضي الله عنه حتى سأل عنه صلى الله عليه وسلم فقال أنؤاخذ بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم وقد نفى الله الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم فقال لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس النساء

وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله عز وجل

وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري فقال سفيان وما يعجبكم من هذا أليس قد قال الله تعالى ‏{‏لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏}‏ النساء أليس قد قال تعالى ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ النبأ

وخرج الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال توفى رجل من أصحابه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل أبشر بالجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا تدري فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنه قتل شهيدًا

وخرج أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث شهاب بن مالك، وكان وفد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له امرأة يا رسول الله ألا تسلم علينا فقال إنك من قبيل يقللن الكثير ومنعها ما لا يغنيها وسؤالها عما لا يعنيها

وخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا أكثر الناس ذنوبًا أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه

قال عمرو بن قيس الملائي مر رجل بلقمان والناس عنده فقال له ألست عبد بني فلان قال بلى قال الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا قال بلى فقال فما بلغ بك ما أرى قال صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني

وقال وهب بن منبه كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء فبينما هما يمشيان في البحر إذ هما برجل يمشي على الهواء فقالا له يا عبدالله بأي شيء أدركت هذه المنزلة قال بيسير من الدنيا فطمت نفسي عن الشهوات وكففت لساني عما لا يعنيني ورغبت فيما دعاني إليه ربي ولزمت الصمت فإن أقسمت على الله أبر قسمي وإن سألته أعطاني ودخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل فسألوه عن سبب تهلل وجهه فقال ما من عمل أوثق عندي من خصلتين كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين

وقال مورق العجلي أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولست بتارك طلبه أبدًا قالوا وما هو قال الكف عما لا يعنيني رواهما ابن أبي الدنيا

وروى أسد بن موسى قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فدخل عبدالله بن سلام فقام إليه ناس فأخبروه وقالوا له أخبرنا بأوثق عملك في نفسك قال إن عملي لضعيف وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر وتركي ما لا يعنيني

وروى أبو عبيدة عن الحسن قال من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه خذلانا من الله عز وجل

وقال سهل بن عبدالله التستري من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق وقال معروف كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله عز وجل وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه فإذا ترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه كله فقد كمل حسن إسلامه وقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه وأنه تضاعف حسناته وتكفر سيئاته والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لا بد منه والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله كالنفقة في الجهاد وفي الحج وفي الأقارب وفي اليتامى والمساكين وأوقات الحاجة إلى النفقة ويشهد لذلك ما روى عطية عن ابن عمر رضي الله عنه قال نزلت ‏{‏مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا‏}‏ الأنعام في الأعراب قيل له فما للمهاجرين قال ما هو أكثر ثم تلا قوله تعالى ‏{‏وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ النساء

وخرج النسائي من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها ثم كان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله وفي رواية أخرى

وقيل له استأنف العمل والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها ما سبق منه قبل الإسلام وهذا يدل على أنه يثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم ويمحي عنه سيئاته إذا أسلم لكن بشرط أن يحسن إسلامه ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه

وقد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم أريد أن أشترط قال تشترط ماذا قلت أن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وخرجه الإمام أحمد ولفظه أن الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب وهذا محمول على الإسلام الكامل الحسن جمعا بينه وبين حديث ابن مسعود الذي قبله وفي صحيح مسلم أيضًا عن حكيم بن حزام قال قلت يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما أسلفت من خير وفي رواية قال فقلت والله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا صنعت في الإسلام مثله وهذا يدل على أن حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها كما دل عليه حديث أبي سعيد المتقدم وقد قيل إن سيئاته في الشرك تبدل حسنات ويثاب عليها أخذا من قوله تعالى ‏{‏وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ‏}‏ الفرقان

وقد اختلف المفسرون في هذا التبديل على قولين فمنهم من قال هو في الدنيا بمعنى أن الله يبدل من أسلم وتاب إليه بدل ما كان عليه من الكفر والمعاصي الإيمان والأعمال الصالحة وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن أكثر المفسرين وسمي منهم ابن عباس وعطاء وقتادة والسدي وعكرمة قلت وهو المشهور عن الحسن رضي الله عنه قال وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما هي في أهل الشرك خاصة ليس هي في أهل الإسلام قلت إنما يصح هذا القول على أن يكون التبديل في الآخرة كما سيأتي وأما إن قيل إنه في الدنيا فالكافر إذا أسلم والمسلم إذا تاب في ذلك فهي أحسن حالًا من الكافر إذا أسلم قال وقال آخرون التبديل في الآخرة جعلت لهم مكان كل سيئة حسنة منهم عمرو بن ميمون ومكحول وابن المسيب وعلى بن الحسين قال وأنكره أبو العالية ومجاهد وخالد سبلان وفيه مواضع إنكار ثم ذكر ما حاصله أنه يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته احسن حالًا ممن قلت سيئاته حيث يعطي مكان كل سيئة حسنة ثم قال ولو قال قائل إنما ذكر الله أن تبدل السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل فيجوز أن معنى تبدل أن من عمل سيئة واحدة وتاب منها يبدله الله مائة ألف حسنة ومن عمل ألف سيئة أن تبدل ألف حسنة فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالًا قلت هذا القول وهو التبديل في الآخرة قد أنكره أبو العالية وتلا قوله تعالى ‏{‏يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا‏}‏ آل عمران ورده بعضهم بقوله تعالى ‏{‏وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏}‏ الزلزلة، وقوله تعالى ‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏ الكهف

ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائب يوقف على سيئاته ثم تبدل حسنات

قال أبو عثمان النهدي إن المؤمن يؤتي كتابه في ستر من الله عز وجل فيقرأ سيئاته فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات فعند ذلك يقول هاؤم اقرءوا كتابيه الحاقة

ورواه بعضهم عن أبي عثمان عن ابن مسعود وقال بعضهم عن أبي عثمان عن سلمان

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال له علمت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب وقد عملت أشياء لا أراها هاهنا قال فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه فإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار ففي حق من محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولي لأن محوها بذلك أحب إلى الله من محوها بالعقاب

وخرج الحاكم من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قالوا بم يا رسول الله قال الذين بدل الله سيئاتهم حسنات وخرجه ابن أبي حاتم من طريق سلمان بن داود الزهري عن أبو العنبس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا وهو أشبه من المرفوع ويروي مثل هذا عن الحسن البصري أيضًا ويخالف قوله المشهور إن التبديل في الدنيا وأما ما ذكره الحربي في التبديل وأن من قلت سيئاته يزاد في حسناته ومن كثرت سيئاته يقل من حسناته فحديث أبي ذر صريح في رد هذا وأنه يعطى مكان كل سيئة حسنة وأما قوله يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالًا ممن قلت سيئاته فيقال إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته وجعلها نصب عينيه فكلما ذكرها ازداد خوفا ووجلا وحياء من الله ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة كما قال تعالى ‏{‏إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا‏}‏ الفرقان وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ومن كانت هذه حاله فإنه يتجرع من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعاف ما ذاق من حلاوتها عند فعلها ويصير كل ذنب من ذنوبه سببًا للأعمال الصالحة ماحية له فلا يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات

وقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه تبدلت سيئاته في الشرك حسنات فخرج الطبراني من حديث عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبي فروة شطب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة فقال أسلمت فقال نعم قال فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها قال وغدراتى وفجراتى قال نعم قال فما زال يكبر حتى تواري وخرجه من وجه آخر بإسناد ضعيف عن أبي نفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم

وخرج ابن أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلا

وخرج البزار الحديث الأول وعنده عن أبي طويل أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه وكذا خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه وذكر أن الصواب عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير مرسلًا أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طوي شطب والشطب في اللغة الممدود فصحفه بعض الرواة وظنه اسم رجل
.................................................. ...
............................
............
......
..
.

__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 10-17-2011, 02:06 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم
كمال الإيمان
عن أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، رواه البخاري و مسلم .

الشرح
حرص الإسلام بتعاليمه وشرائعه على تنظيم علاقة الناس بربهم تبارك وتعالى ، حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة ، وفي الوقت ذاته شرع لهم ما ينظم علاقتهم بعضهم ببعض ؛ حتى تسود الألفة والمحبة في المجتمع المسلم ، ولا يتحقق ذلك إلا إذا حرص كل فرد من أفراده على مصلحة غيره حرصه على مصلحته الشخصية ، وبذلك ينشأ المجتمع الإسلامي قويّ الروابط ، متين الأساس .







ومن أجل هذا الهدف ، أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى تحقيق مبدأ التكافل والإيثار ، فقال : ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، فبيّن أن من أهم عوامل رسوخ الإيمان في القلب ، أن يحب الإنسان للآخرين حصول الخير الذي يحبه لنفسه ، من حلول النعم ، وزوال النقم ، وبذلك يكمل الإيمان في القلب .





وإذا تأملنا الحديث ، لوجدنا أن تحقيق هذا الكمال الإيماني في النفس ، يتطلب منها سموا في التعامل ، ورفعة في الأخلاق مع الغير ، انطلاقا من رغبتها في أن تُعامل بالمثل ، وهذا يحتّم على صاحبها أن يصبر على أذى الناس ، ويتغاضى عن هفواتهم ، ويعفو عمن أساء إليه ، وليس ذلك فحسب ، بل إنه يشارك إخوانه في أفراحهم وأتراحهم ، ويعود المريض منهم ، ويواسي المحتاج ، ويكفل اليتيم ، ويعيل الأرملة ، ولا يألو جهدا في تقديم صنائع المعروف للآخرين ، ببشاشةِ وجه ، وسعة قلب ، وسلامة صدر .





وكما يحب للناس السعادة في دنياهم ، فإنه يحب لهم أن يكونوا من السعداء يوم القيامة ، لهذا فهو يسعى دائما إلى هداية البشرية ، وإرشادهم إلى طريق الهدى ، واضعا نصب عينيه قول الله تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } ( فصلت : 33 ) .






ويتسع معنى الحديث ، ليشمل محبة الخير لغير المسلمين ، فيحب لهم أن يمنّ الله عليهم بنعمة الإيمان ، وأن ينقذهم الله من ظلمات الشرك والعصيان ، ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية الترمذي لهذا الحديث ، قال صلى الله عليه وسلم : ( وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ) .






ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة في حب الخير للغير ، فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يدّخر جهدا في نصح الآخرين ، وإرشادهم إلى ما فيه صلاح الدنيا والآخرة ، روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه : ( يا أبا ذر إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرنّ على اثنين ، ولا تولين مال يتيم ) .






أما سلفنا الصالح رحمهم الله ، فحملوا على عواتقهم هذه الوصية النبويّة ، وكانوا أمناء في أدائها على خير وجه ، فها هو ابن عباس رضي الله عنهما يقول : " إني لأمر على الآية من كتاب الله ، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم " ، ولما أراد محمد بن واسع رحمه الله أن يبيع حمارا له ، قال له رجل : " أترضاه لي ؟ " ، فردّ عليه : " لو لم أرضه لك ، لم أبعه " ، وهذه الأمثلة وغيرها مؤشر على السمو الإيماني الذي وصلوا إليه ، والذي بدوره أثمر لنا هذه المواقف المشرفة.






ومن مقتضيات هذا الحديث ، أن يبغض المسلم لأخيه ما يبغضه لنفسه ، وهذا يقوده إلى ترك جملة من الصفات الذميمة ، كالحسد والحقد ، والبغض للآخرين ، والأنانية و الجشع ، وغيرها من الصفات الذميمة ، التي يكره أن يعامله الناس بها .






وختاما :

فإن من ثمرات العمل بهذا الحديث العظيم أن ينشأ في الأمة مجتمع فاضل ، ينعم أفراده فيه بأواصر المحبة ، وترتبط لبناته حتى تغدو قوية متماسكة ، كالجسد الواحد القوي ، الذي لا تقهره الحوادث ، ولا تغلبه النوائب ، ، فتتحقق للأمة سعادتها ، وهذا هو غاية ما نتمنى أن نراه على أرض الواقع ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .



__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 10-17-2011, 02:09 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
افتراضي

وفيك بارك الرحمن بوركتي لمرورك
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 10-17-2011, 02:31 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
الحديث الرابع عشر

بسم الله الرحمن الرحيم
حرمة دم المسلم وأسباب هدره


عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لايحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث : الثيّب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) رواه البخاري و مسلم .

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشرح

ابتعث الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالدين الخاتم ، الذي يخرج الناس من عبادة العباد ، إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان ، إلى عدل الإسلام ، فإذا دخل الإنسان حياض هذا الدين ، والتزم بأحكامه ، صار فردا من أفراد المجتمع الإسلامي ، يتمتع بكافة الحقوق المكفولة له ، ومن جملة هذه الحقوق ، عصمة دمه وماله وعرضه .





وإعطاء المسلم هذه الحقوق له دلالته الخاصة ، فالحديث عن العصمة بكافة صورها هو حديث عن حرمة المسلم ، ومكانته في هذا المجتمع ، وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقوق يوم حجة الوداع فقال : ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ) رواه مسلم ، وقال أيضا : (من صلّى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله) رواه البخاري .




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

والشريعة الإسلامية - بما تكفله من هذه الحقوق - تسعى إلى تحقيق الوحدة بين لبنات المجتمع المسلم ، وتعميق الروابط بين المؤمنين ، وبهذا يتحقق لهذا المجتمع أمنه ، وسلامة أفراده .




ولكن المشكلة تكمن في أولئك الأفراد ، الذين يشَّكل وجودهم خطرا يهدد صرح الأمة ، ولم تكن هذه الخطورة مقتصرة على فسادهم الشخصي ، أو وقوعهم في بعض المحرمات وتقصيرهم في حقوق ربهم ، إنما تعدت إلى انتهاك حقوق الآخرين ، وتهديد حياة الاستقرار التي يعيشها هذا المجتمع ، فمن هنا رفع الإسلام عن هؤلاء المنعة الشرعية ، وأسقط حقهم في الحياة .






وفي الحديث الذي بين أيدينا بيان لتلك الأمور التي من شأنها أن تزيل العصمة عن فاعلها ، وتجعله مهدر الدم ، وهي في قوله صلى الله عليه وسلم : ( الثيّب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) .





نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

فأما الزاني المحصن ، فإن الحكم الشرعي فيه هو الرجم حتى الموت ، ولعل في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، دلالة واضحة على هذا الحكم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ..والثيب بالثيب جلد مائة ، والرجم ) رواه مسلم ، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا و الغامدية رضي الله عنهما في عهده ، وأجمع المسلمون على هذا الحكم ، وكان فيما نزل من القرآن ، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه : " والشيخ والشيخ إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله ، والله عزيز حكيم " - انظر مجموع الفتاوى 20/399 - .






وليس ثمة شك في أن هذا الحكم الذي شرعه الله تعالى في حق الزاني المحصن ، هو غاية العدل ، وهو الدواء الوحيد لقطع دابر هذه الظاهرة ، فإن الله سبحانه وتعالى أعلم بعباده ، وهو الذي خلقهم ، فهو أدرى بما يصلحهم وينفهم ، لأنه أحكم الحاكمين ، ولكنا إذا أردنا أن نتلمس الحكمة في تشريع الله تعالى لهذا النوع من العقوبة ، بحيث اختصت في هذا الحد من الحدود ولم تشرع في غيره ، فنقول : إذا أردنا أن نعرف ذلك فعلينا أن نتأمل الآثار المدمرة التي يخلفها مثل هذا الفعل الشنيع على جميع المستويات ، فهو ليس انتهاكا لحقوق الآخرين واعتداء على أعراضهم فحسب ، بل هو جريمة في حق الإنسانية ، وإفساد للنسل والذرية ، وسبب في اختلاط الأنساب ، فلهذا وغيره ، جاء حكم الله تعالى في الزاني المحصن على هذا النحو .


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




ويجدر بنا أن نشير إلى أن هذه العقوبة لا تتم إلا عندما يقرّ الزاني بما فعله من تلقاء نفسه ، أو بشهادة أربعة شهود على حصول ذلك منه ، وهذا في الحقيقة قد يكون متعذراً ، ومن ناحية أخرى دعت الشريعة من زلت قدمه بهذه الخطيئة أن يستر على نفسه ولا يفضحها ، ويتوب إلى الله عزوجل ، ولا داعي لفضح نفسه ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يراجع من يعترف بفعله مرات ومرات ، لعله يتراجع عن اعترافه هذا ، ونلمس ذلك جليا في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت ) البخاري ، ومن هنا نرى أن الشريعة وضعت هذا الحد ضمن قيود واضحة ، وضوابط محددة ؛ حتى لا يطبق إلا في نطاق لازم ، وفي الموضع الصحيح .








إن ذلك يعطينا تصورا واضحة بأن هذه العقوبة ليست غاية أو هدفا في حد ذاتها ، ولكنها وسيلة لاستئصال هذه الظاهرة والقضاء عليها ، وهذا ما أثبته التاريخ في العهد النبوي ، فإن كتب السير لم تنقل لنا حصول هذه الجريمة الخلقية إلا في عدد محدود للغاية .





ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرا آخر يحل به دم المسلم وهو : ( النفس بالنفس ) أي : قتل العمد ، وقد أجمع العلماء أن قاتل النفس المعصومة عمدا مستحق للقتل إذا انطبقت عليه الشروط ، انطلاقا من قوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة :45 ) ، وهذا يشمل أن يكون المقتول أو القاتل ذكرا أم أنثى ، وهذا العموم مفهوم من الآية السابقة ، يؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أمر بقتل يهودي قصاصا من امرأة .





وإذا نظرنا إلى قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب } ( البقرة :179) ، لأدركنا عظم الحكمة التي لأجلها شرع القصاص في الإسلام ، فالقصاص بحد ذاته ليس انتقاما شخصيا ، أو إرواء لغليل النفوس المكلومة ، بل هو أمر أعظم من ذلك ، إنه حياة للأمم والشعوب ، فإن القاتل إذا علم أن حياته ستكون ثمنا لحياة الآخرين ، فسوف يشكّل ذلك أكبر رادع له عن فكرة القتل ، وبهذا تستقيم الحياة ، وتعيش المجتمعات في أمن وطمأنينة .




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

وثالث الأمور التي تهدر الدم وتسقط العصمة ، الردة عن دين الله تعالى ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( والتارك لدينه المفارق للجماعة ) أي : المفارق لجماعة المسلمين ، ويعضده ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من بدل دينه فاقتلوه ) .








والردة قد تكون بالقول الصريح : كأن يكفر بالله صراحة ، أو بالاعتقاد : كأن يجحد شيئا معلوما من الدين بالضرورة ، أوإنكار النبوة أو البعث ، أو تكون باستحلال ما حرم الله ، أو تحريم ما أحل الله ، كما قد تكون بالفعل : كمن رمى المصحف في مكان القاذورات - والعياذ بالله - أو سجد لصنم ، فهذه أمثلة على بعض ما يخرج المرء من دين الله .








وينبغي أن نشير هنا إلى أنه قد ورد في أحاديث أخرى القتل بغير هذه الثلاث ، فقد ورد قتل اللوطي ، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) رواه الإمام أحمد في مسنده ، و أبوداود و الترمذي ، كما ورد الأمر بقتل الساحر ، وقتل من أراد أن يشق عصا المسلمين ، ومن أراد الإفساد في الأرض وقطع الطريق ، ولعلنا نلاحظ أن هذه الأصناف المذكورة تندرج ضمنا تحت الأنواع الثلاثة التي تناولها الحديث .




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

إن هذه التشريعات التي أحكمها الله سبحانه وتعالى هي صمام الأمان الذي يحفظ للأمة أمنها واستقرارها ، وبها تصان حقوق الفرد والمجتمع ، فحري بنا أن نعقلها ونتدبرها ، وأن نطبقها على واقعنا كما سطرناها في كتبنا



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 10-20-2011, 09:32 PM
الصورة الرمزية city9uran
city9uran غير متواجد حالياً
رئيسة فريق رفع المحاضرات
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
الدولة: الكون الواسع
العمر: 38
المشاركات: 180
افتراضي

لا حول و لاقوة الا بالله

الله مستعان
__________________
كل ما تريد معرفته عن صناعة الافلام و نشره على يوتيوب من هنا

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


تفضلوا بزيارة قناة الجامعة العالمية للقراءات القرانية و التجويد على يوتيوب


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


اللهم احفظ هذه النعم من زوال
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 10-20-2011, 09:46 PM
الصورة الرمزية city9uran
city9uran غير متواجد حالياً
رئيسة فريق رفع المحاضرات
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
الدولة: الكون الواسع
العمر: 38
المشاركات: 180
افتراضي

لا حول ولا قوة الا بالله

الله مستعان
__________________
كل ما تريد معرفته عن صناعة الافلام و نشره على يوتيوب من هنا

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


تفضلوا بزيارة قناة الجامعة العالمية للقراءات القرانية و التجويد على يوتيوب


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


اللهم احفظ هذه النعم من زوال
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 10-20-2011, 10:53 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
افتراضي

بركتي لمرورك
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 10-20-2011, 10:54 PM
الصورة الرمزية سارة عبدالرحمن
سارة عبدالرحمن غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
العمر: 33
المشاركات: 1,485
افتراضي

شكرا للمرور
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الحديث, الرابع


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


عدد مرات النقر : 8,259
عدد  مرات الظهور : 204,086,057
عدد مرات النقر : 11,164
عدد  مرات الظهور : 204,086,056

الساعة الآن 04:18 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009