الجامعة العالمية للقراءات القرآنية والتجويد ترحب بكم

عدد مرات النقر : 12,630
عدد  مرات الظهور : 201,765,600

عدد مرات النقر : 57,627
عدد  مرات الظهور : 204,071,988
عدد مرات النقر : 55,363
عدد  مرات الظهور : 205,748,341
عدد مرات النقر : 59,011
عدد  مرات الظهور : 205,748,327
عدد مرات النقر : 54,208
عدد  مرات الظهور : 204,071,980

الإهداءات




عدد مرات النقر : 39,062
عدد  مرات الظهور : 136,379,149
عدد مرات النقر : 52,735
عدد  مرات الظهور : 150,161,278

عدد مرات النقر : 32,937
عدد  مرات الظهور : 131,898,131
عدد مرات النقر : 34,411
عدد  مرات الظهور : 127,711,476

عدد مرات النقر : 30,692
عدد  مرات الظهور : 134,828,907
عدد مرات النقر : 32,055
عدد  مرات الظهور : 127,478,320
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-09-2012, 08:26 PM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
تفريغ جميع دروس شرح كتاب الحج على هذه الصفحة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


كتاب الحج
الدرس الأول
آداب الحج :
1- أنه يستحب للمرء -إذا أراد أن يحج- أن يشاور من يثق بعلمه ودينه وخبرته
2- يستحب له بعد الاستشارة وأخذ الخبرة من أهل الذكر أن يستخير الله -سبحانه وتعالى- وهذه الاستخارة ليست لأجل الحج إنما هي لأجل وقت الذهاب والرفيق وكذلك الراحلة والرحلة
3- إنه يشرع لمن أراد أن يسافر أن يتعلم ما يحتاجه من أحكام السفر وأحكام الحج
4- أن يوصي أهله وأصحابه وخلانه وأقاربه بتقوى الله -سبحانه وتعالى- لأن تقوى الله من أهم المهمات
5- ينبغي لمن أراد أن يحج أن يوصي إن كان له شيء يوصي فيه؛ وذلك لأن السفر إلى الحج في الغالب ربما يقع فيه من المخاطر والزحام وغير ذلك فربما تأتيه منيته وهو في الحج, فينبغي لمن أراد أن يحج أن يكتب وصيته فإن كان عليه واجبات فتكون الوصية واجبةوإن كان يريد أن يتقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- وينتفع بأعمال صالحة فإن الوصية حينئذ تكون مستحبة
6- أن يعزم على التوبة النصوح والتوبة واجبة في كل وقت
7- رد المظالم إلى أهلها والتحلل من أصحاب الحقوق, سواء كانت هذه المظالم والحقوق من نفس أو مال أو عرض, وهذا واجب في كل حال ويتأكد ذلك في السفر؛ لأن السفر مظنة الخطر قال النبي -صلى الله عليه وسلم: (من كان له على أخيه مظلمة فاليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم) [صحيح البخاري]
8- أن يأخذ نفقة حجه من مال حلال قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )
9- أنه ينبغي للمرء إذا أراد أن يسافر وركب راحلته أن يذكر دعاء السفر عند مسلم في صحيحه: (أن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- كان يقول أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلمنا إذا ركب راحلته سبَّح ثلاثاً وكبَّر ثلاثاً, ثم قال اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون)
ويستحب للمسلم أيضاً وهذه سنة قد لا يفعلها كثير من الناس وهو أنه إذا علا نشزاً كبر وإذا هبط واديا ونحوه سبح قال جابر كما في صحيح البخاري: (كنا إذا علونا شيئاً كبرنا وإذا هبطنا وادياً سبحنا)
10- ينبغي للمسلم إذا أراد أن يسافر للحج أو سافر للحج أن يحسن خلقه, وأن يحافظ على رفقته فلا يؤذيهم ولا يجدون منه كلمة نابية
11- ينبغي للمسلم أن يكف الأذى وأن يصبر على ما يصيبه من لأواء ونَصَب هذا السفر, وأن يراعي حقوق أصحابه.. فينبغي للمسلم أن يتحلى بخلق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كما قال الله تعالى ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ قال قدامة -رضي الله تعالى عنه: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار على ناقة ليس ضرب ولا طرد ولا إليك إليك)
12- أنه ينبغي للمرأة إذا أرادت السفر للحج -أو أي سفر- أن تسافر بمحرم, وقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) المحرمية من الواجبات فينبغي للمرأة ألا تحج إلا مع ذي محرم, وإذا لم يوجد محرم فإنها غير مأموروة بالحج أصلاً, وهذا من نعم الله -سبحانه وتعالى- وتيسيره للمرأة.
يقول المصنف -رحمه الله تعالى- تحت كتاب الحج والعمرة (يجب الحج والعمرة في العمر مرة على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلا)
الحج لغة : الحج: بفتح الحاء على الأشهر, ويجوز كسرها, تقول حَج وتقول حِج وقد جاء في القرآن الحِج ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: 97]، إلا أن أهل اللغة قالوا: الأشهر هو الفتح حَج بيت الله.. وهو: القصد أو كثرة قصد من تعظمه..

والحج في اصطلاح الفقهاء هو: التعبد لله –تعالى- في أداء مناسك الحج على وفق ما جاء في الكتاب والسنة. هذا أشهر التعاريف في تعريف الحج
الحج هو الركن الخامس وقد دل على فرضيته وركنيته الكتاب والسنة وإجماع سلف هذه الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾،
قال أهل العلم وأهل اللغة وعلماء الأصول قالوا: إن قول الله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ﴾ كلمة على هذه تفيد معنى الإيجاب فلا يكاد يوجد لفظ على الناس إلا على الإيجاب, كما أشار إلى ذلك الإمام ابن خزيمة في صحيحه؛ فقد أشار إلى أن كلمة على هذه تكون على الإيجاب لا على الاستحباب, وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: ومن زعم أنه ليس بفرض فهذا يدل على كفره. وكل من جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة فإنه يكون كافراً
وهل يكفر من ترك الحج تكاسلاً وتهاوناً؟
عامة أهل العلم -وهو الذي عليه الفتوى- أن تارك الحج تهاوناً وكسلاً لا يكفر, ودل ذلك أن الزكاة أعظم من الحج فهي قرينة الصلاة في كتاب الله –تعالى- وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في مانع الزكاة: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) قال أهل العلم: فإن كان ذلك في الزكاة فإن الحج من باب أولى.

أما في السنة: دليل فرضيته فقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة), وهذا يدل على أفضليته, أما على ركنيته فقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج) وفي رواية (وحج بيت الله من استطاع إليه سبيلا),

الإجماع: الدليل الثالث على فرضية الحج إجماع أهل العلم فقد نقل ابن المنذر والنووي وابن عبد البر وابن تيمية وابن حجر وابن حزم في مراتب الإجماع وغيرهم كثير كثير؛ ذكروا كلهم الإجماع على أن الحج واجب في العمر مرة.

المؤلف -رحمه الله تعالى- يقول: (يجب الحج والعمرة)
ذكر العمرة أنها واجبة.
والعمرة في اللغة:الزيارة.
في الاصطلاح: التعبد لله –تعالى- بزيارة بيت الله لأداء مناسك العمرة على وفق ما جاء في الكتاب والسنة.
المسألة (1)
والعمرة هل هي واجبة أم لا؟
القول الأول: هذا هو أحد القولين عند أهل العلم وهو مذهب الحنابلة وهو أيضاً مذهب الشافعية حيث أوجبوا العمرة في العمر مرة, وهو اختيار الإمام البخاري في صحيحه قال: باب وجوب العمرة وفضلها.. والعمرة واجبة على الأظهر والله -تبارك وتعالى- أعلم و الدليل
- ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الضبي بن معبد ( قال أتيت عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فقلت يا أمير المؤمنين إني أسلمت, وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبان علي فأهللت بهما, فقال عمر بن الخطاب هُديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم) وهذا الحديث إسناده جيد
- ومن الأدلة على ذلك ما رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح عن أبي رزين العقيلي (أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر)
وبعضهم يخالف في وجوبها يقول لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما أجاب السائل بنحو ما سأل وهذا لا يدل على الوجوب. لكن مما يدل على الوجوب هو أنه:
- روى البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: (إنها -يعني بذلك العمرة- إنها لقرينة الحج في كتاب الله تعالى ) وهذا الحديث وصله غير واحد من أهل العلم وإسناده صحيح.
- وروى عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- ( قال ليس أحد من خلق الله إلا وعليه عمرة في السنة أو قال في العمر) ( ما على أحد من خلق الله إلا عمرة في السنة أو قال في العمر مرة ) وهذا الحديث إسناده صحيح وروي نحوه عن جابر بن عبد الله
- فهذا قول ثلاثة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يرى وجوب العمرة

والقول الآخر في المسألة هو قول الحنفية والمالكية واختيار أبي العباس بن تيمية -رحمه الله تعالى- فإنهم ذهبوا- وهو رواية عن الإمام أحمد- إلى أن العمرة ليست بواجبة, ولا أعلم حديثاً يصح في أن العمرة ليست بواجبة, فكل الأحاديث الواردة في أن العمرة ليست بواجبة كلها ضعيفة.. بل الأحاديث الدالة على وجوبها أظهر وأقوى؛ ولهذا رجحنا وجوب العمرة
**********************
فالأدلة الدالة على وجوب العمرة أقوى وأولى من الأدلة الدالة على عدم وجوبها, لماذا؟ لأن الخبر الناقل عن الأصل أولى عند أهل الأصول من الخبر المبقي على البراءة الأصلية.

هل هناك فرق في وجوبها بين المكي والآفاقي ؟
لا فرق في وجوبها بين المكي والآفاق وما يروى عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: (يا أهل مكة لا عليكم ألا تعتمروا فإنما عمرتكم الطواف بالبيت) هذا الحدث في سنده انقطاع, وإن صح فإن معنى ذلك أن أهل مكة لا يستحب لهم أن يكثروا من العمرة وفرق بين ابتداء وجوب العمرة وبين كثرتها؛ ولهذا قال عطاء -رضي الله تعالى عنه- لا أدري أيؤزرون أم يؤجرون ما إن يذهب أحدهم إلى التنعيم إلا وقد طاف مائة شوط و إلا فإن الأقرب أن الشارع لم يفرق بين وجوبها على المكي وغير المكي وهذا هو الأظهر والله أعلم.

الحج والعمرة واجبان متى ما توفرت شروط خمسة ذكرها المؤلف قال: (على المسلم) الثاني (العاقل) الثالث (البالغ) الرابع (الحر) الخامس (إذا استطاع إليه سبيلا), هذا شروط خمسة.

الشرط الأول: المسلم: فلا يصح ولا يجب وجوب أداء -وإن كان يجب وجوب تكليف وتأثيم- هو أنه لا يجب الحج على الكافر؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 54]، هذا يدل على أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة, ومعنى قولنا: إن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة؛ أي أنه غير مخاطب بفروع الشريعة أداءً, وإن كان مخاطباً بفروع الشريعة تكليفاً وتأثيماً.. كما قال تعالى: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿42﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ

الشرط الثاني: العاقل: قوله (العاقل) يُخرج بذلك المجنون, فلا يصح إحرام المجنون ولا عبادته ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال كما روى من حديث عائشة وروي أيضاً عن علي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ, والمجنون حتى يفيق, والصبي حتى يبلغ)
ولو أحرم المجنون أو أحرم به وليه هل يصح؟ لا.. لماذا؟ لأنه غير مكلف ولأنه لا يعقل, وهذا إجماع من أهل العلم على أن المجنون لا يصح حجه ولا عبادته.

الشرط الثالث: البلوغ: قال المؤلف: (العاقل البالغ) الصبي غير مكلف لما مر معنا من حديث عائشة ( رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم الصبي حتى يبلغ ) فالصبي لا يصح حجه بمعنى لا يصح إبراءً للذ مة وإن كان صح حجه من باب النوافل والقربى والصبي غير مكلف فلو حج لا تكفي عن حجة الإسلام.
الشرط الرابع: الحر: قال المؤلف: (الحر) الحر هو ضده العبد، فالعبد لو حج لا يجزئه عن حجة الإسلام وإن كان حجه صحيحاً. ودليل ذلك قالوا: لأنها عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة فتضيع حقوق السيد المتعلقة به, وهذا التعليل لك فيه محل تأمل, ولهذا الأقرب -والله أعلم- أن العبد لا يجزئه حجه عن حجة الإسلام وإن كانت الصحيحة هو ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس أنه قال: ( احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس: أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى) وهذا الحديث روي مرفوعاً وموقوفاً, وقد صحح الأئمة وقفه كابن خزيمة وغيره, والأقرب -والله أعلم- أن الحديث موقوف ولكن له حكم الرفع
وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن العبد لو حج لا يصح حجه إجزاءً وإن كان يصح حجه من باب النوافل, وقد نقل الإجماع النووي والقاضي أبو الطيب وابن عبد البر والترمذي وغير واحد من أهل العلم خلافاً لابن حزم -رحمه الله تعالى- وابن داود, والراجح في ذلك -والله تعالى أعلم- أن الصبي لو حج لم يجزئه عن حجة الإسلام وأن العبد لو حج لم يجزئه عن حجة الإسلام.
**********************

الشرط الخامس: الاستطاعة: يقول المؤلف (إذا استطاع إليه سبيلا) المستطيع سوف يتكلم المؤلف عنه ما هو المستطيع, ولكن بين أن غير المستطيع لا يجب عليه أن يحج ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ومن المعلوم أن جميع الفرائض كلها متعلقة بالتيسير في التكليف وقد قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا ﴾[الطلاق: 7]، الآية الأخرى؛ وعلى هذا فالمستطيع هو الذي يجب عليه الحج وغير المستطيع لا يجب عليه الحج.

قسم أهل العلم هذه الشروط إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما هو شرط للوجوب والصحة: بمعنى أن هذه الشروط لو افتقدت فلا تصح العبادة ولا تجب عليه, وقد ذكروا من هذا شرطان الشرط الأول: الإسلام, والشرط الثاني: العقل
القسم الثاني: ما هو شرط للوجوب والإجزاء: ومعنى الإجزاء أي: هل يجزئ عن حجة الإسلام أم لا وإن كانت العبادة صحيحة. ذكر أهل العلم الشروط هذه قالوا البلوغ والحرية
القسم الثالث: ما هو شرط للوجوب فقط: يعني ليس هو شرطاً للإجزاء وليس هو شرطاً للصحة فهو يجزئ لو حج وافتقد هذا ويجزئ ويصح لو حج وافتقد هذا الشرط وقد ذكر أهل العلم من ذلك: الاستطاعة, فإنها شرط للوجوب
فلو تجشم المرء وحج وهو فقير معدم مدقع, لم يكن عنده من المال وتكلف المشاق هل يصح حجه؟ نعم. وهل يجزئ عن حجة الإسلام؟ نعم. ومن الاستطاعة أيضاً المحرمية للمرأة، فالمرأة إذا لم تجد محرماً فإنها تعتبر غير مستطيعة, فإن حجت من غير محرم فإن حجها صحيح ويجزئها عن حجة الإسلام, ولكنها آثمة في ذلك
يقول رحمه الله تعالى: (إذا استطاع إليه سبيلاً, وهو أن يجد زاداً وراحلة بآلتهما مما يصلح لمثله فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام.)
الاستطاعة عند المؤلف : (أن يجد زاداً وراحلة بآلتهم) لو كان عنده مبلغ يستطيع أن يقود السيارة لكن لا يستطيع أن يذهب للحج بالسيارة إلا بالطائرة ويكلفه الطائرة فإننا نقول لا يجب عليه الحج.
والأقرب أن يقال كما ذكر ذلك أهل العلم قالوا -وقد ذكر صاحب الروض هذا- قال الشروط خمسة الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والقدرة وأن يكون قادراً, والقدرة هنا القدرة المالية أو القدرة البدنية
فالقدرة المالية بأن يكون يحمل زاداً وراحلة تصلح لمثله
ربما يكون شخص قريب من مكة من أهل مكة ليس عنده زاداً ولا راحلة, ولكنه يستطيع أن يحج على قدميه فنقول: الحج واجب عليه
أقسام القدرة أربعة وهي :
القسم الأول: شخص قادر بماله وبدنه: فنقول يجب عليه الحج بنفسه
القسم الثاني أن يكون قادراً بماله لا بدنه: هو يستطيع بماله لكن بدنه يشق ذلك عليه, فهنا وجب عليه الحج, ولكنه لا يستطيع أن يحج بنفسه فيجب عليه أن يحج من ينيب عنهومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث الفضل بن عباس ( أن امرأة من خثعم أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حجى عن أبيكِ)
المسألة (2)
لو فرض أن شخصاً غنياً ولكنه غير قادر -فيه مرض لا يرجى برئه- إما لا يستطيع أن يحج أو يشق عليه ركوب الطائرة أو يشق عليه ركوب السيارة ثم توفي, فإننا نقول -حينما أوجبنا عليه الحج- يجب أن يخرج من تركته لأي انسان يُحج عنه.
*****************
القسم الثالث: أن يكون قادراً ببدنه دون ماله فالأصل أنه لا يجب عليه الحج إلا أن يكون قريباً من مكة أو من أهل مكة فحينئذ يجب عليه الحج؛ لأنه يعد مستطيعاً, أما البعيد الشاب القوي الفتي الذي يشق عليه الذهاب إلى مكة بأرجله فإننا نقول: لا يجب عليه الحج وحينئذ لو فرض أنه مات هل يجب أن يحج عنه؟ لا يجب أن يحج عنه لماذا؟ لأنه لم يجب عليه الحج أصلا.
القسم الرابع: أن يكون عاجزاً بماله وبدنه وحينئذ لا يجب عليه الحج مطلقاً والله أعلم.
والزاد: ذكر العلماء أنه يشترط في الزاد الذي يجب عليه هو ما يحتاج إليه فاضلاً أشار المؤلف قال: (فاضلاً عما يحتاج إليه) وهو الذي يسميه العلماء النفقات الأصلية الواجبة التي تتعلق بها حقوق الآدميين من ذلك:
- أن يكون فاضلا عن نفقة زوجته إن كان له زوجة, فاضلاً عن نفقة أولاده الصغار إذا كان له أولاد, فاضلاً عن نفقة والديه إذا كان ينفق على والديه.
- فاضلاً أيضاً عن إذا كان عليه دين فإنه يجب أن يكون فاضلاً عنه. قال المؤلف (فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه).
وقوله رحمه الله تعالى: (دينه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام) يعني ربما يكون فاضلاً عنه يوم أو يومين أو ثلاثة ولكن نقول: على الدوام حتى يرجع ويكون قد كفى أهله مؤنة سفره واستطاع أن يحج ولا يكلف أهله هذا الأمر.
كذلك الراحلة فيشترط في الراحلة أن تكون صالحة لمثلهمعنى ذلك أن تكون هذه الراحلة يستطيع أن يركبها
ثم قال -رحمه الله تعالى- (ويعتبر للمرأة وجود محرمها وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح)
ذكر أهل العلم أن المرأة تزيد شرطاً سادساً في شروط الوجوب وهو المحرمية
المسألة (3)
اختلف العلماء هل المحرم شرط للوجوب أم شرط للزوم السير؟
فرق بين الأمرين أو ليس بفرق؟
ذهب الحنابلة والحنفية إلى أن المحرم شرط للوجوب فلو أن امرأة لو كانت من أغنى أغنياء العالم ليس عندها محرم ثم ماتت هل يخرج من تركتها؟ نقول لا يخرج من تكرتها؛ لأن الحج لم يجب عليها هذا هو قول الحنابلة والحنفية, ودليل ذلك هو ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل فقال يارسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا, قال: انطلق فحج مع امرأتك) وقد روى الدار قطني والبزار بسند جيد من طريق عمرو بن دينار عن أبى شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال -صلى الله عليه وسلم- (لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم), وهذا نص في المسألة.
أما المالكية والشافعية فقالوا: إن المحرم شرط للزوم الحج أو للسير إلى الحج فعليه لو ماتت امرأة وليس عندها محرم وعندها مال يقولون: يجب أن يخرج من تركتها.
والأقرب والله أعلم هو مذهب الحنفية والحنابلة على أن المحرمية للمرأة شرط للوجوب وليست شرطاً للإجزاء فلو حجت من غير محرم صح حجها مع الإثم.
******************
فالمالكية والشافعية قالوا: إنه يجوز للمرأة إذا كان عليها حج واجب أو عمرة واجبة -على فرض وجوبها والقائلين بها- أن تحج أو تعتمر من غير محرم, أما الحج النفل أو العمرة النفل لا يجوز لها أن تذهب من غير محرم, وهذا قول عامة الفقهاء
قالوا: لِمَ ؟ قالوا: لأنه تعارض في حقها مأمور: وهو وجوب الحج ومنهي: وهو السفر من غير محرم, وإذا تعارض مأمور ومنهي فيقدم المأمور وهذه طريقة أخذها المالكية والشافيعة وإن كان ابن المنذر -وإن كانت أصوله شافعية- قال: تركوا القول بظاهر الحديث وأتى كل إمام بحجة ليس عليها دليل. ولا شك أن الأئمة -رحمهم الله تعالى- حينما يذهبون إلى هذا إنما ذهبوا بحسب فهمهم ومداركهم والله -سبحانه وتعالى- يغفر لهم ويجزيهم أجرين إن أصابوا أو أجرا واحدا إن أخطأوا كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(ويعتبر للمرأة وجود محرم)
المحرم : هو الزوج ومن تحرم عليه على التأبيد..
ما شروط المحرم؟
شروط المحرم: 1- أن يكون مكلفاً
2- أن يكون يعرف أمور الحياة بحيث لو أصاب المرأة شيء، فإنه يستطيع أن يحل مشاكلها
3- أنيكون يحرم عليها على التأبيد.. إما بنسب أو سبب مباحوالسبب المباح مثل لو تزوج الرجل على المرأة فإن أبو الزوج يكون محرماً للمرأة..






الدرس الثاني

وقفنا على قول المؤلف: (ويعتبر للمرأة وجود محرمه)

المحرم : هو الزوج ومن تحرم عليه على التأبيد..

ما هي شروط المحرم؟

شروط المحرم: 1- أن يكون مكلفاً

2- أن يكون يعرف أمور الحياة بحيث لو أصاب المرأة شيء، فإن يستطيع أن يحل مشاكلها

3- أن يكون يحرم عليها على التأبيد.. إما بنسب أو سبب مباح والسبب المباح مثل لو تزوج الرجل على المرأة فإن أبو الزوج يكون محرماً للمرأة..



يقول رحمه الله تعالى:
(فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة ولا يصح الحج من كافر ولا مجنون ويصح من الصبي والعبد ولا يجزئهما ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم ويجزؤهم).

يقول المؤلف -رحمه الله-: (فمن فرط حتى مات) يعني من توفرت شروط الوجوب في حقه بأن يكون مسلماً عاقلاً بالغاً حراً مستطيعاً, ولكنه فرط في ذلك فإن المؤلف يقول: (فإن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله) وقوله: (من ماله) يفيد أنه يجب قبل قسمة الميراث وبعد إعطاء أهل الناس حقوقهم من الديون وغيرها قبل أن يقسم الميراث يجب أن يخرج جزء منها لحجه وعمرته حتى يستنيب من يحج أو من يعتمر عنه إن لم يكن قد اعتمر عمرة الإسلام، هذا هو معنى مراد المؤلف -رحمه الله-

ودليل ذلك: لأن الحج والعمرة باقيان في ذمته وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من وجب عليه الحج والعمرة ولم يحج وجب من يحج عنه كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس عن الفضل ابن عباس: (أن امرأة من خثعم أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت يا رسول الله : إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفحج عنه؟ قال: حجي عن أبيكِ) ثم بين النبي -صلى الله عليه وسلم- علة ذلك قال: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنتي قاضيته, فاقضوا فالله أحق بالوفاء)

فهذا يدل على أن وجوب الحج والعمرة باقيان في ذمته فيجب أن يخرج من تركته

أي أن يخرج من جميع المال, هذا هو مذهب الحنابلة والشافعية,

وذهب مالك -رحمه الله- إن كان قد أوصى بأن يحج عنه أو يعتمر عنه فإنه يخرج من جميع ماله، وإن كان لم يوصي بذلك فإنه يخرج من ثلثه

المسألة (4)

المستنيب من أين يحج، هل يحج من وقت وجوب الحج على الميت؟

- الحنابلة -رحمهم الله- يقولون: يجب أن يحج عنه من المكان الذي وجب عليه الحج، وبينوا هذا قالوا: إما من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه لا من الموضع الذي مات فيه،

- - وذهب بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أنه لا يلزم المستنيب أن يحج في المكان الذي أيسر فيه الميت؛ بل يحج متى شاء في أي مكان شاء, المهم أن تكون حجته وعمرته صحيحة، فلو فرض أن مكياً حج عن آفاقياً بعيداً فله ذلك متى ما توفر شروط الحج في حق المستنيب وهذا هو الأظهر -والله تبارك وتعالى أعلم

******************

المؤلف -رحمه الله- قال: (ولا يصح الحج من كافر)، ولا مجنون) ثم قال: (ولا يجزؤهم)و قال: (ويصح من الصبي والعبد ولا يجزؤهم)

· من شروط الحج الإسلام، فالكافر لا يصح حجه، لقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾

· وأما المجنون فكذلك؛ لأنه لا يصح منه عبادة أصلاً كما بين النبي -صلى الله عليه وسلم-

· الكافر والمجنون شرطا وجوب وإجزاء وصحة

· البلوغ والحرية فإنهما شرط وجوب وإجزاء، بمعنى أن العبد لو حج فإنه يجب أن يحج بعد أن يعتق لقول ابن عباس -رضي الله عنه- كما عند ابن أبي شيبة والبيهقي: «احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس, أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فيجب عليه أن يحج حجة أخرى»

· أما صحة حج الصبي فقد بينا أن ذلك إجماع من أهل العلم وما نقله ابن بطة الحنبلي وتبعه على ذلك ابن حجر وكذا الوزير ابن هبيرة أن أبا حنيفة يقول: لا يصح حج الصبي فإن معنى (لا يصح حج الصبي) أي: لا يصح صحة تتعلق بها ماذا؟ تتعلق بها وجوب الكفارات.

المسألة (5)

ا
لصبي إذا حج هل إذا فعل محظور من محظورات الإحرام هل يجب على وليه أن يفعل الفدية لأجل فعل الصبي المحظور أم لا؟

- جمهور أهل العلم من المالكية والحنابلة والشافعية قالوا: إن الصبي إذا فعل محظور من محظورات الإحرام إن كان ذكراً فيأخذ أحكام الذكر, وإن كان أنثى فإنه يأخذ أحكام الأنثى، إن فعل محظور من محظورات الإحرام متعمداًيجب أن يخرج الفدية في حقه؛وكذلك قالوا: أن الصبي لو أحرم بالعمرة أو أحرم بالحج وجب على وليه أن يكمل حجه وأن يكمل عمرت.

- وذهب أبو حنيفة -رحمه الله- وهو قول ابن حزم إلى أنه لا يلزم الولي أن يكمل حج الصبي أو عمرته،

-
الأقرب والله -تبارك وتعالى- أعلم فلا يلزم أن يكمل عمرته أو حجته؛ لأنه غير مكلف, أما لو فعل محظور فيجب على وليه أن يمنعه من ذلك, فإن فعل محظور من محظورات الإحرام من غير علم الولي فإنه لا يلزمه أن يخرج من ماله ولا من مال وليه .

************************

يقول المؤلف: (ويصح من الصبي والعبد ولا يجزؤهم)

العبد لو حج فإنه لا يجزؤه عن حجة الإسلام فيجب عليه أن يحج الإمام ابن حزم -رحمه الله- قال: لو فرض أن العبد حج فإن حجه صحيح ولا يلزمه لو أعتق أن يحج مرة أخرى, وهذا كما قلنا اجتهاد من ابن حزم وقال إنه مكلف مثله مثل الحر والراجح -والله أعلم- هو قول ابن عباس «أيما عبد حج ثم أعتق فيجب عليه أن يحج حجة أخرى»

المؤلف -رحمه الله- قال: (ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم)،

الفقير إذا تكلف المشاق أو أعطي فيصح حجه..ولو حجت المرأة من غير محرم فإن حجها يعتبر صحيحاً ولا إشكال؛ ولكنها تعتبر آثمة حينما ذهبت من غير محرم على قول أحمد وأبي حنيفة وقال المؤلف: (ويجزؤهم) وهذا بلا إشكال وهو مجمع عليه.

( ثم قال -عليه رحمة الله-: (ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذره ونفله قبل حجة الإسلام وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره).

المسألة (6)

هل الحج واجب على الفور أم على التراخي إذا توفرت في حقه الشروط الخمسة؟هذه المسألة مبنية على متى فرض الحج؟

المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة،إلى أن الحج إنما فرض في السنة التاسعة أو في أواخر السنة التاسعة، واستدلوا على ذلك بأدلة: هو قوله تعالى: ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

قال ابن القيم وجه الدلالة إن هذه الآية نزلت عام الوفود حينما جاء وفد نجران وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عليهم الجزية, قالوا ومن المعلوم أن عام الوفود إنما جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة التاسعة، فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر أن يحج في السنة التاسعة؛ لأنه كان يستقبل الوفود, فهذا يدل على أن الحج إنما فرض في السنة التاسعة، وعلى هذا فقالوا: إن الحج على الفور، والذي منع الحبيب -عليه الصلاة والسلام- أن يحج في السنة التاسعة هو لأجل أن كان في قريش من يطوف وهو عريان وكان يطوف وهو مشرك

المذهب الثاني: وذهب الإمام الشافعي -رحمه الله- هذا هو القول الثاني في المسألة إلى أن الحج إنما فرض في السنة السادسة، قال: لقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ ﴾ [البقرة: 196]، قال إن هذه الآية نزلت مقترنة مع قوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة: 196]، قال: ومن المعلوم أن هذه الآية نزلت في حق من؟ كعب بن عجرة حينما كان آذاه هوام رأسه، فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفعل الحلق وأن يفتدي، قال الشافعي: وهذا كان في السنة السادسة وقت الحديبية.

فنقول: إن الحج إنما فرض في السنة التاسعة وأنه يجب على المسلم إذا توفرت فيه حقاً الشروط الخمس؛ أن يحج والأقرب -والله أعلم- أن الحج على الفور..

**********************

المؤلف -رحمه الله- قال: (ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذره أو نفله)

المسألة(7)

شخص غير مستطيع لم تتوفر في حقه الشروط الخمس, ما عنده مال، فجاء رجل غني لا يستطيع أن يحج عن نفسه قال لهذا الفقير: خذ هذا المال فحج عن نفسي، حُج عني يعني: حج عن الغني، فهل للفقير الذي لم يحج حجة الإسلام أو هل للفقير الذي لم يعتمر عمرة الإسلامأن يحج أو يعتمر عن الغير قبل أن يحج عن نفسه؟

المؤلف يقول: لا يصح أن يحج عن الغير ولو وقعت فإنها تقع عن نفسه وكذلك لو كان عليه نذر، وعليه حجة الإسلام قال المؤلف: لا يصح ولو فعل -حج عن النذر- قبل حجة الإسلام؛ وقعت عن حجة الإسلام،هل للإنسان أن يحج حجة نفل قبل حجة الإسلام التي عليه؟ قال المؤلف: لا يصح،

واستدل المؤلف على ما ذهب إليه بما رواه الإمام أحمد والبيهقي وأبو داود وغيرهم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنه-:
(أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حجَّ فسمع رجل يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) وفي رواية: (اجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) وجه الدلالة من الحديث قالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يجعل هذه الحجة عن نفسه، فدل ذلك على أن كل من حج عن الغير قبل أن يحج حجة الإسلام فيجب عليه أن يجعلها لنفسه, وأنها تكون ابتداءً عن نفسه، هذا هو مذهب الحنابلة، ومذهب الشافعية،

مذهب مالكاً وأبا حنيفة -رحمهم الله- وهو رواية عن أحمد قالوا: إن كل من لم يحج عن نفسه لو حج عن الغير صح حجه عن الغير ولو لم يحج عن نفسه؛ ولكن الأولى والأحرى والواجب أن يحج عن نفسه الأقرب -والله أعلم- في هذه المسألة هو قول مالك وأبي حنيفة -رحمه الله- والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

**********************

المسألة (8)

لو أن رجلاً حج ثم توفي أثناء الحج فهل على الورثة أن يتموا حجه أم ماذا ؟

لا يخلو الحال من حالين: الحالة الأولى: أن يكون قد توفي قبل أن يدخل في النسك، فحينئذ يجب على الورثة أن يخرجوا من مال مورثهم شيئًا لحجه وعمرته إن كان لم يعتمر في ذلك، لماذا لأنه لم يدخل في النسك وقد وجب في حقه وما زالت ذمته مشغولة.

الحالة الثانية: أن يكون قد دخل في النسك ولبَّى بالحج أو لبى بالعمرة، فحينئذ هل يجب على ورثته أن يحجوا أو أن يخرجوا عنه من ماله؟ نقول في ذلك خلاف عند أهل العلم:

القول الأول قالوا: لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه؛ لأنه يعد أنه قد حج وقد أحصر،والرسول -صلى الله عليه وسلم- بإجماع أهل العلم عدوا عمرته يوم صلح الحديبية مع أنه لم يكملها اعتبروها من عمره جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: في الرجل الذي وقصته ناقته قال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبي) ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أهله أن يحجوا عنه .. هذا هو القول الأول وهذا -والله أعلم- هو الأظهر.

******************

القول الثاني: قالوا ما دام أنه لم يكمل عمرته أو حجه فيجب على ورثته أن يخرجوا من ماله ما يحج به أو ما يحج به أو يعتمر به؛

باب المواقيت

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وميقات أهل المدينة ذو الحليفة, والشام ومصر والمغرب الجحفة, واليمن يلملم, ولنجد قرن, وللمشرق ذات عرق, فهذه المواقيت لأهلها, ولكل من مر عليها من غير أهلها, ومن منزله دون الميقات فيمقاته من موضعه, حتى أهل مكة يهلون منها لحجهم ويهلون للعمرة من الحل).

المواقيت لغة : جمع ميقات وهو الزمان والمكان وهو في اللغة الحد.

وأما في الاصطلاح فهو موضع العبادة وزمانها.

وعليه فمواقيت الحج مكانية وزمانية ...... الزمانية : هي أشهر الحج

المواقيت المكانية:

الميقات الأول: ذو الحُلَيفة بضم الحاء وفتح اللام تصغير حلفة والحلفة نبت معروف ينبت كثيرًا في وادي ذو الحليفة ولذا سمي به، وذو الحليفة يبعد عن المدينة ستة أميال تقريباً وبينها وبين مكة عشرة أيام تقريباً، وهي أبعد المواقيت من مكة.

الميقات الثاني: الجحفة :وهو ميقات أهل الشام ومصر والمغرب هو الجحفة، والجحفة بضم الجيم وسكون الحاء, وسميت بذلك لأن السيل اجتحفها وأهلها حتى بلغ بهم الجبل، والجحفة كانت عامرة, ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما جاء الوباء -الحمى في المدينة- دعا كما في الصحيحين فقال: (اللهم حول حمى المدينة إلى الجحفة) فأصبحت قرية خربة ثم بدأ الناس يحرمون مما دونها، يعني أبعد إلى مكة وهي القرية المعروفة التي تسمى رابغ، والجحفة تبعد عن مكة ثلاث مراحل، وتقريباً مائتي كيلو متر تقريباً.

الميقات الثالث: يلملم: يلملم وهوميقات أهل اليمن: قيل إنه مكان اسمه يلملم, وقيل إن فيه جبل يسمى يلملم وهذا الجبل الآن يسمى السعيدية، وبينه وبين مكة تقريباً مرحلتان ثمانين أو خمسة وثمانين أو تسعين أو خمسة وتسعين تقريباً كيلو تختلف بحسب الطريق المعبد وغيرها، المهم أنه أقرب من الجحفة ومن ذو الحليفة،

الميقات الرابع: قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد قرن: بسكون الراء وذكر بعضهم أنه يسمى قرن المنازل وقرن الثعالب والصحيح أنه يسمى قرن المنازل.. يبعد عن مكة مرحلتان، وهو تقريباً خمسة وثمانين أو تسعين كيلومتر تقريباً, وهذا القرن يسمى الآن السيل الكبير، ويوازيه من جهة كرى وادي محرم فللمرء أن يحرم من وادي محرم إذا جاء من طريق الكرى أو يحرم من طريق السيل إذا كان قد جاء من قبل نجد.

الميقات الخامس: ذات عرق.. وهو ميقات أهل المشرق وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا كما في حديث عائشةرضي الله عنها

المسألة (9)

اختلف العلماء هل ذات عرق أنشأها وبيَّنها ووقَّتها النبي -صلى الله عليه وسلم- أم إنما كان ذلك باجتهاد من اجتهاد عمر -رضي الله عنه- قولان عند أهل العلم:

- قال بعضهم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي وقَّت لأهل المشرق ذات عرق، واستدلوا على ذلك بما جاء عند أهل السنن من حديث عائشة -رضي الله عنها- من حديث القاسم بن محمد عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل المشرق ذات عرق وقد بين الإمام الشافعي -رحمه الله- في الأم قال: لا يثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل المشرق ذات عرق، هذا قول الشافعي فضعف كل الأحاديث.

- والقول الآخر في المسألة إنما الذي وقت ذلك هو عمر بن الخطاب فقال: الإمام البخاري روى في صحيحه عن ابن عمر قال: (أن ناسا أتوا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعدما فتح المصران -يعني البصرة والكوفة يعني العراق- وقالوا يا أمير المؤمنين : إن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل نجد قرن وإن قرننا جور من طريقنا فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى حذوها من ميقاتكم فوقت لهم ذات عرق).

- وأياً كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت ذات عرق أو عمر فقد أجمع أهل العلم على أن أهل المشرق لو أحرموا من ذات عرق فإنما أحرموا من الميقات وهذا إجماع منهم -رضي الله عنهم-

**********************

حديث المواقيت فقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك كما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (وقت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل المدينة ذا الحليفة, ولأهل الشام الجحفة, ولأهل نجد قرن, ولأهل اليمن يلملم وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دونه فمحله من حيث أنشأ حتى أهل مكة يهلون منه)

حكم الإحرام من المواقيت : واجب بالإجماع

المسألة(10)

هل لو حج من غير الإحرام من المواقيت هل يصح حجه؟

الصحيح الذي عليه عامة الفقهاء أنه يصح حجه، خلافاً لسعيد بن جبير حيث قال: لا يصح حجه, ولكن الراجح هو قول عامة الفقهاء أن حجه يصح, ولكنه ترك واجباً فعليه أن يجبره بدم..

****************

الأسئلة :

السؤال الأول: هل الحج على الفور أم على التراخي؟ مع ذكر الدليل.

هو قوله تعالى: ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

قال ابن القيم وجه الدلالة إن هذه الآية نزلت عام الوفود حينما جاء وفد نجران وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عليهم الجزية, قالوا ومن المعلوم أن عام الوفود إنما جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة التاسعة، فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر أن يحج في السنة التاسعة؛ لأنه كان يستقبل الوفود, فهذا يدل على أن الحج إنما فرض في السنة التاسعة، وعلى هذا فقالوا: إن الحج على الفور إن الحج إنما فرض في السنة التاسعة وأنه يجب على المسلم إذا توفرت فيه حقاً الشروط الخمس؛ أن يحج والأقرب -والله أعلم- أن الحج على الفور..

السؤال الثاني: من الذي وقت ذات عرق؟ مع ذكر الدليل.

- قال بعضهم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي وقَّت لأهل المشرق ذات عرق، واستدلوا على ذلك بما جاء عند أهل السنن من حديث عائشة -رضي الله عنها- من حديث القاسم بن محمد عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل المشرق ذات عرق وقد بين الإمام الشافعي -رحمه الله- في الأم قال: لا يثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل المشرق ذات عرق، هذا قول الشافعي فضعف كل الأحاديث.

- والقول الآخر في المسألة إنما الذي وقت ذلك هو عمر بن الخطاب فقال: الإمام البخاري روى في صحيحه عن ابن عمر قال: (أن ناسا أتوا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعدما فتح المصران -يعني البصرة والكوفة يعني العراق- وقالوا يا أمير المؤمنين : إن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل نجد قرن وإن قرننا جور من طريقنا فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى حذوها من ميقاتكم فوقت لهم ذات عرق).

- وأياً كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت ذات عرق أو عمر فقد أجمع أهل العلم على أن أهل المشرق لو أحرموا من ذات عرق فإنما أحرموا من الميقات وهذا إجماع منهم -رضي الله عنهم-



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الدرس الثالث

تابع المواقيت المكانية:

قول المؤلف (فهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر عليها من غير أهله) (ومن منزله دون الميقات فميقاته من منزله حتى أهل مكة يهلون منه)

هذه المواقيت كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- (هن لهن) يعني أن هذه المواقيت لأصحاب الأماكن التي حددها النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني أهل المدينة أهل الشام ومصر وأهل اليمن وأهل نجد وأهل المشرق, ولكل من مر عليها من غير أهلها.

المسألة11

من منزله دون المواقيت فميقاته من موضعه؛اختلف العلماء في كلمة (موضعه) هل المراد من قريته, من حيه أم من بيته؟

قولان عند أهل العلم: والأقرب -والله تبارك وتعالى أعلم- أن المراد هو عامر قريته كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر وبين أن الأفضل أن يُحرم من أبعدهما إلى مكةودليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (فمن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ)

**********************

المسألة( 12 )

أهل مكة يهلون لحجهم من مكة, لكن هل لهم أن يهلوا في حجهم خارج الحرم؟

قول عامة الفقهاء؛ بل بالإجماع أنه يحرم من مكة من الحرم, لكن السؤال لو أحرم المكي خارج الحرم -يعني من الحل- هل يصح ذلك أم يلزمه دم؟ نقول:

ذهب الحنابلة -رحمهم الله- إلى أنه: إن أحرم من الحل ثم دخل الحرم ثم اتجه إلى عرفة جاز له ذلك, ولكنه أخطأ وإن ذهب من الحل وجلس في عرفة -يعني كأنه أهل بعرفة- ولم يدخل الحرم إلا بعد التعريف فإنه يقولون يلزمه دم, يقولون حتى أهل مكة يهلون منها يعني يجب أن يهل من الحرم.

وذهب المالكية -رحمهم الله- إلى أن: لأهل مكة أن يحرموا خارج الحرم لماذا؟ قالوا: لأن قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (حتى أهل مكة يهلون منه) فهذا يدل على أنه لو أهل أبعد من المواقيت لجاز بالإجماع فكذلك يقال في مكة؛ لأنه لو أهلَّ خارج المواقيت بعيداً عنها صح إحرامه ولأنه جامع بين الحل والحرم لا محالة فإذا أهل من الحل فإنه بعد عرفة سوف يدخل منطقة الحرم وهي مزدلفة فيكون قد طاف وقد جمع بين الحل والحرم, وهذا كما قلنا هو الأظهر -والله تبارك وتعالى أعلم- وهو قول المالكية.

************************

قول المؤلف: (ويهلون للعمرة من الحل)

المسألة (13)

من أين يُحرم المكي؟ المكي إذا أراد أن يحرم بالعمرة فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحرم يعني إلى الحل. هذا إجماع من أهل العلم نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم كابن قدامة والنووي وغيرهما استدلوا على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين قال (فاذهب بها يا عبد الرحمن) يعني بذلك عائشة وفي رواية: (فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تهل بالعمرة من التنعيم)

وهذا -كما قلنا- قول عامة الفقهاء, ونقل الإجماع غير واحد ولا عبرة بالمخالف من المعاصرين كالشوكاني وغيرهم, فإن الأقرب -والله أعلم- أن المكي يجب عليه أن يحرم من الحل.. قال ابن عباس -رضي الله عنهما- (من أراد منكم أن يعتمر فليجعل بينه وبين مكة بطن واد)

*************************







المسألة ( 14 )

إذا قلنا أن من كان دون المواقيت فله أن يحرم من عامر قريته, فهل جدة تعتبر ميقات كما يقوله بعض المعاصرين, أم أن جدة داخل المواقيت فمن أراد أن يأتي جدة فيجب عليه أن يحرم إذا حاز أقرب المواقيت إليه

قولان عند أهل العلم: والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين وبعض المجامع الفقهية المعاصرة إلى أن جدة ليست ميقاتاً أوأنها داخل المواقيت, خلافاً لما ظنه بعض الباحثين

سبب خطأ الباحثين: هو أنهم وضعوا خط من ذي الحليفة إلى الجحفة ومن الجحفة إلى يلملم ومن يلملم إلى قرن ومن قرن إلى ذات عرق ومن ذات عرق إلى ذي الحليفة, فكان هذا محيط سداسي إلى الحرم, وقالوا لأهل المدينة أن يتعدوا الميقات ماداموا لم يدخلوا محيط هذا الشكل السداسي, لهم أن يحرموا من الجحفة, ولأهل مصر لهم أن يتعدوا الجحفة ويحرموا من يلملم, ولأهل قرن لهم أن يتعدوا قرن ويحرموا من الجحفة, وقالوا إذا وضعنا خط من الجحفة إلى يلملم وجدنا أن جدة تكون داخلة ضمن هذا الخط، هذا سبب الإشكال

وهذا بعيد؛ وذلك لأن العبرة ليست بأن نجعل بين مكة وبين المواقيت محيط على شكل سداسي أو غير ذلك؛ لأن العبرة ما هي؟ العبرة قول عمر بن الخطاب في صحيح البخاري حينما جاءه أناس قالوا يا أمير المؤمنين: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد حد لأهل نجد قرن, وإن قرناً جور عن طريقنا, فقال عمر رضي الله عنه: انظروا إلى حذوها من ميقاتكم, قال فنظروا فوجدوا أقربها قرن المنازل فنظروا إلى حذوها فإذا هي ذات عرق.

ما هي المحاذاة ؟ هي : أن تكون المسافة بين المكان المحاذي للميقات وبين مكة هي نفس المسافة التي بين الميقات وبين مكة .. أقرب الأقوال والله أعلم. من جاء جدة من جهة الجو فلابد أن يكون محاذياً لأقرب المواقيت إليه إما يلملم وإما الجحفة فلابد أن يحرم منهما؛ وعلى هذا فجدة ليست ميقاتاً..

**********************

المؤلف -رحمه الله تعالى- قال: (فهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر عليه)

المسألة (15)
أهل الميقات يجب عليهم أن يحرموا من الميقات الذي مروا عليه

يجب الإحرام من المواقيت وهذا قول عامة الفقهاء بل بالغ بعضهم -كسعيد بن جبير- وقال: من لم يحرم أو يلبي ويدخل النسك من المواقيت فلا يصح حجه ولا شك أنه مخالف لقول عامة الفقهاء. جاء في رواية البخاري أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بم تأمرنا أن نهل فقال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة) فقوله: (بم تأمرن) يدل على أن الأمر الأصل فيه الوجوب

إذا ثبت هذا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (هن لهن ولمن أتى عليهن) يعني أن غير المدني لو مر في ميقات أهل المدينة فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يهل من عند ذي الحليفة..

بعض الفقهاء قال هل للشامي إذا مر من طريق ذو الحليفة هل يجب عليه أن يُحرم من ذو الحليفة لقوله -صلى الله عليه وسلم- (هن لهن ولمن أتى عليهن) أم له أن يتعدى ميقات ذو الحليفة إلى ميقاته وهو الجحفة لقوله -صلى الله عليه وسلم- (يهل أهل الشام ومصر من الجحفة) قولان عند أهل العلم:

ذهب الحنابلة والشافعية وأكثر أهل الحديث إلى أنه: لا يجوز للشامي إذا مر على ميقات غير ميقات بلده أن يتعداه إلى ميقات بلده فلا يجوز له ذلك بظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

وذهب أبو حنيفة ومالك -رحمه الله تعالى- وهو اختيار أبو العباس ابن تيمية -رحمهم الله جميعاً – كما في كتاب الاختيارات إلى أن: للشامي أن يتعدى ميقات أهل المدينة ولو مر عليه إلى ميقات بلده وهو الجحفة, وقالوا: لأن قوله -صلى الله عليه وسلم- (هن لهن ولمن أتى عليهن) قالوا: هذا عام خص بقوله -صلى الله عليه وسلم- ( يُهل أهل الشام من الجحفة).

والأقرب -والله أعلم- هو ظاهر حديث ابن عباس وأنه لا يسوغ لكل من أتى على ميقات غير ميقات بلده أن يتعداه إلى ميقات بلده في ظاهر حديث ابن عباس

أهل نجد لو ذهبوا إلى المدينة وصلوا في المسجد النبوي وأرادوا أن يهلوا بالعمرة أو الحج فهل لهم أن يتعدوا ميقات ذي الحليفة إلى ميقاتهم الذي هو نجد يذهبوا من طريق الطائف هل لهم ذلك؟.....ابن قدامة وكذلك ابن شاس من المالكية وابن الحاجب نقلوا الإجماع على أن كل من مر على ميقات غير ميقات بلده فلا يسوغ له أن يتعداه إلى ميقاته باستثناء أهل الشام الذي وقع فيه الخلاف

غير أن ابن عبد البر في التمهيد أشار إلى أن الخلاف عام للشامي ولكل من مر على ميقات غير ميقات بلده, والأقرب -والله أعلم- هو ما أشار إليه ابن قدامة بظاهر النص, وأنه لا يسوغ لكل من مر على ميقات غير ميقات بلده أن يتعداه إلى ميقات غيره.

إذا تعدى الحاج ميقات مثلاً ذو الحليفة فهل له أن يرجع إلى أقرب المواقيت إليه ؟ يعني هو مثلاً من أهل العراق وميقاته ذات عرق, فجاء إلى المدينة وتعدى ميقات المدينة, يقول: هل لي أن أذهب إلى قرن المنازل أو أذهب إلى الجحفة أو إلى يلملم؟ نلاحظ أن بعض الإخوة يقول: لك أن تذهب إلى أقرب المواقيت وهذا خطأ, ولا أعلم أحداً من أهل العلم قال له ذلك, والخلاف إنما أن يتعدى إلى ميقات بلده أما أن يتعدى إلى ميقات أقربهم إليه فلا أعلمه عند أهل العلم المتقدمين

يقول المؤلف: (ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه, ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم إلا لقتال مباح أو حاجة تتكرر كالحطاب ونحوه. )

يقول المؤلف: ( ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه) وهذا كما أشرنا إلى ذلك أن جدة مثلا أن جدة لو أنه مر من طريق الجو فسوف يحاذي أقرب المواقيت إليه إما الجحفة وإما يلملم فيجب عليه أن يحرم من أقربهما إليه؛ وبالتالي تكون جدة دون المواقيت وهي أقرب إلى مكة من يلملم ومن الجحفة؛ وعلى هذا فيجب عليه أن يجتهد, فإن لم يستطع ولم يعرف فقد قال أهل العلم -كما أشار إلى ذلك ابن قدامة في المغني- عليه أن يحرم وبينه وبين مكة مسافة مرحلتين، هذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم- لقول عمر -رضي الله عنه- كما عند البخاري (انظروا إلى حذوها من ميقاتكم)

يقول المؤلف: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم)

لا يخلو المتجاوز للميقات من أن يكون على حالين:

الحالة الأولى: أن يتجاوز الميقات وهو مريد للنسك، فهنا لا يجوز له أن يتجاوز الميقات بغير إحرام, فيجب عليه أن يحرم من الميقات الذي مر عليه, ولو تعداه وأحرم من دون المواقيت فيجب عليه دم. ودليل ذلك أنه يجب عليه- ما مر معنا من قوله -صلى الله عليه وسلم- (يهل أهل المدينة من ذو الحليفة ويهل أهل الشام ومصر من الجحفة...)

الحالة الثانية: أن يتجاوز الميقات غير مريد للنسك, فلا يخلو هذا الأمر من قسمين

القسم الأول: أن يتجاوز الميقات غير مريد للنسك وهو لا يريد دخول الحرم؛ بل يريد حاجة فيما سواه, فهذا لا يلزمه الإحرام في قول عامة الفقهاء الواقع أن في المسألة خلاف لكنه ضعيف. ودليل ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يذهبون إلى بدر مرتين وهي دون المواقيت وهم من أهل المدينة ولم ينقل أنهم أحرموا

القسم الثاني: أن يكون قد تجاوز الميقات وهو غير مريد للنسك وهو يريد منطقة الحرم، فهنا وقع خلاف:

القول الأول: فالمؤلف يقول: (لا يجوز لمن أراد دخول مكة) يعني منطقة الحرم (تجاوز الميقات غير محرم) سواء نوى الحج والعمرة أو لم ينوهما؛ لا يجوز له ذلك, يعني لا يجوز أن يتجاوز الميقات وهو ناوٍ الحرم إلا أن يحرم, سواء نوى أو أراد الحج والعمرة أو لم يردها.. استثنوا قالوا: إلا لقتال مباح أو حاجة تتكرر:

إلا لقتال مباح دليله: ما جاء في الصحيحين من حديث وغيره (أن النبي دخل مكة وعلى رأسه المغفر) وعند الترمذي وقال: حديث حسن صحيح, قال أنس: (رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء) هذا لأجل قتال مباح.

قالوا: والحاجة التي تتكرر مثل: أصحاب الحطابين والذين يذهبون للكلأ, أو الذين عندهم عمل هم من أهل جدة ومكانهم في منطقة الحرم يترددون, قالوا: هؤلاء لا يلزمهم, لِمَ ؟ قالوا: لأننا لو ألزمناهم بالإحرام بالعمرة أو الحج للزم أن يكونوا كل زمانهم محرمين.. هذا قول الحنفية.

القول الثاني: ذهب الإمام الشافعي -رحمه الله - إلى أن من أراد تجاوز الميقات وهو غير مريد للنسك فله أن يتجاوزه من غير إحرام سواء نوى الحرم أو دونه، وعمدة الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- هو ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ومثله حديث ابن عمر -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة) فقوله: (ممن أراد الحج والعمرة) مفهومه: أن من لم يرد الحج والعمرة فلا بأس أن يتجاوز الميقات من غير إحرام وهذا القول أظهر والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.

قال رحمه الله تعالى: (ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه, وإن تجاوزه غير محرم رجع إلى الميقات فأحرم منه, فإن أحرم من دونه فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع, والأفضل ألا يحرم قبل الميقات فإن فعل فهو مُحْرم. وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة )

المؤلف -رحمه الله- يقول: (ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه) بمعنى: أن كل من جوزنا له أن يتجاوز الميقات وهو غير مريد للنسك ثم بقي في ذلك ثم أراد أن يعتمر أو أن يحج فله أن يحرم من مكانه؛ لأنه تجاوز الميقات بإذن شرعي فيكون حكمه حكم أهل هذا البلد.

المسألة 16

لو أن شخصاً من أهل اليمن عنده عمل في جدة وقلنا إن جدة دون المواقيت, فذهب إلى جدة لعمل وهو غير مريد للحج أو العمرة, أو لم تتمحض نيته لإرادة الحج والعمرة؛ متردد, التردد لا يعتبر نية جازمة فذهب إلى جدة, هذا الشخص الآن تجاوز الميقات غير مريد للحج أو العمرة فهل له ذلك؟

نقول: له ذلك, لو أراد بعد قضاء عمله في جدة هل له أن يحرم من جدة أم يرجع إلى ميقات بلده وهو يلملم؟ نقول: ومن أراد النسك بعدما دخل بإذن شرعي فله أن يحرم من أين؟ من موضعه يعني من جدة؛ وعلى هذا فكل من كان عنده عمل في مكان دون المواقيت فله أن يتجاوز المواقيت وهو غير محرم، ثم إن أراد العمرة أو الحج بعد ذلك فله أن يحرم من موضعه ولا يلزمه أن يرجع إلى الميقات.

المسألة 17

هنا مسألة كثيرة الورود شخص يقول أنا أريد أنا أذهب إلى جدة وأنا ناوي أن أجلس في جدة أربعة أيام أو ثلاثة أيام وبعد ذلك أذهب إلى العمرة إلى مكة، فهل لي أن أدخل جدة من غير إحرام؟ وهل لي إذا انتهيت من النزهة أن أحرم من جدة؟

نقول: من كان مريداً للنسك الحج والعمرة وإن كان تبعه شيء آخر وهو النزهة أو قضاء عمل, ولكن منشأ السفر كان أساسه إرادة الحج والعمرة وشيء آخر، فنقول: أنت بالخيار:

الأمر الأول بين أن تذهب إلى جدة وتجلس فيها ما شئت إما للنزهة أو قضاء حاجة فإذا انتهيت فترجع إلى الميقات الذي مررت عليه، أو مررت منه؛ فتحرم من عنده.

الأمر الثاني: تذهب ولا تتجاوز الميقات بل تحرم وتجلس في جدة وأنت محرم ثلاثة أيام أو أربعة أيام فإذا انتهت ترجع وتذهب إلى مكة, وهذا فيه مشقة.

وعلى هذا فكل من أراد النسك أو الحج والعمرة وأراد عملاً معيناً فهو قاصد, فنقول أنت بالخيار..... وما يفعله بعض الإخوة من أنهم يرجعون إلى الميقات الذي لم يمروا عليه بل أقربها نقول: بل أخطأتم وما زال يلزمكم دم –

المسألة 18

شخص آخر صار له عمل في جدة أو مكان دون المواقيت يقول: أنا ذاهب إلى العمل ومنشأ سفري هو العمل, وإن حصل لي فرصة أن أعتمر اعتمرت وإلا فلا؟ ومثل ذلك المرأة إذا كانت حائض فتقول: أذهب أنا إلى مكة وأجلس, فإن طهرت في المدة التي كان زوجي قد جعلها لنا خمسة أيام أو ستة أيام أحرمت، وإلا فلا،

فنقول: نيتكما مترددة فلا يلزمكما أن ترجعوا إلى الميقات فإذا طهرتِ أيتها المرأة وأنتِ في مكة ولم تجزمي قطعاً فإن لكِ أن تحرمي العمرة من التنعيم والحج من مكة، أما إذا كانت نيتك جازمة وأن زوجك لن يرجع إلى منزلكم إلا أن تأخذي العمرة فنقول: إذا طهرتِ فيجب عليكِ أن ترجعي إلى الميقات الذي مررتما منه...

يقول المؤلف: ( وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه لأنه أحرم من ميقاته، فإن أحرم من دونه فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع, والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات فإن فعل فهو محرم)

يعني شخص مريد للنسك وتجاوز الميقات، فلا يخلو الحال من حالين:

يقول المؤلف في الحالة الأولى: أن يرجع قبل أن يدخل في النسك، إذا تجاوز الميقات وقال أنا تجاوزت الميقات، قلنا نسأله هل أهللت بالعمرة أو الحج ؟ قال: لا، فنقول: ارجع إلى الميقات الذي مررت منه وأهل بالحج ولا يلزمك بعد ذلك شيء، لماذا؟ لأنه أحرم من موضعه، ودخل في النسك في المكان أو من المكان الذي أمر فيه.

الحالة الثانية: شخص تجاوز الميقات غير محرم ولكنه لأمر ما أهل بالعمرة أو الحج، مثل الذين يركبون الطائرة, وسوف تقع الطائرة في جدة، فلما وصلوا إلى جدة قالوا: ما سمعنا كابتن الطائرة يعلن عن المواقيت فنقول : أنتم من أين؟ فيجب عليكم أن ترجعوا إلى الميقات الذي مررتم أو حاذيتموه ترجعون إليه، فإن قالوا: هل علينا شيء؟ قلنا: لا، إذا رجعتم وأهللتم بالعمرة أو الحج إلى الميقات الذي حاذيتموه ولم تهلوا منه لا شيء عليكم، فإن قالوا: نحن حينما استوقفت الطائرة في المطار لبينا بالعمرة أو الحج، قلنا: الآن دخلتم في النسك فيلزمكم ماذا؟ فيلزمكم جبراً للواجب الذي تركتموه، وهو الإهلال من الميقات، هذا هو قول الحنابلة وقول أكثر أهل الحديث

خلافاً للإمام الشافعي وغيره حيث قال الإمام الشافعي: إن رجع إلى الميقات -ولو كان أهل بالعمرة، أو أهل بالحج دون المواقيت- فلا بأس بذلك بشرط ألا يكون قد فعل شيئًا من أفعال النسك، يعني أنه قال وصلت المطار فقلت لبيك عمرة، يقول الشافعي له: ارجع إلى الميقات الذي حاذيته أو مررت عليه, فإذا وصلت اذهب مرة ثانية إلى مكة ولا عليك شيء، لكنك لو طفت ودخلت في الطواف ثم سألت ولم تُكمل عمرتك قلنا يلزمك دم.

والأقرب -والله أعلم- أنه مجرد تلبيته ودخوله في النسك يعتبر قد دخل في النسك، سواءً طاف أو لم يطف؛ لأنه مأمور بالإتمام لقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ ﴾ وحينئذ نقول قول الحنابلة في هذه المسألة هو أظهر -والله أعلم- يقول المؤلف: ( فإن أحرم من دونه فعليه دم سواءً رجع إلى الميقات أو لم يرجع) خلافاً للإمام الشافعي ومثله أبو حنيفة رحمه الله.

يقول المؤلف: (والأفضل ألا يحرم قبل الميقات فإن فعل فهو محرم)

اختلف أهل العلم هل يجوز أن يحرم الإنسان بالعمرة أو الحج أبعد من ميقاته الذي سوف يمر عليه؟ يعني شخص سوف يذهب إلى العمرة بالطائرة, هل له أن يحرم بالعمرة في بيته قبل أن يحاذي الميقات الذي سوف يمر عليه أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك:

فذهب الحنابلة -رحمهم الله- إلى أنه أساء والأفضل أن لا يحرم إلا من الميقات، واستدلوا على ذلك قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لم يحرموا إلا من المواقيت وهم كانوا لاتباع السنة أحرى، ولاتباع الثواب أعلم وأدرى، وهذا القول قوي،

وذهب الإمام الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه: له أن يحرم قبل المواقيت؛ بل قالوا: ذلك أفضل لما جاء من حديث أم سلمة عند الترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحرم من بيت المقدس فكأنما حج أو اعتمر) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- وهذا الحديث ضعيف كما أشار إلى ذلك غير واحد من أهل الحديث, وأحرم ابن عمر من أيلياء وهذا في سنده ضعف.

أهل العلم أجمعوا كما نقل ذلك غير واحد من أهل العلم كابن قدامة وغيره على أن كل من أحرم قبل المواقيت فإن إحرامه يعتبر صحيحاً، فإن إحرامه يعتبر صحيحاً والله -تبارك وتعالى- أعلم.

ملاحظة : وبعض الناس يظن أنه إذا لبس إحرامه يكون قد دخل في النسك، لا... العبرة بأن ينوي الدخول في النسك أو يلبي ، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجة، هذا هو الدخول في النسك أما لبس المخيط أو لبس الإحرام فلا يعد هذا دخولاً في النسك؛ فعلى هذا فلو لبس إحرامه في بيته فله ذلك, ولكنه لا ينبغي له أن يدخل في النسك حتى يقول كابتن الطائرة نحن حاذينا الميقات, أو يمر هو على الميقات فيحرم.

المواقيت هي أماكن كبيرة ربما تكون أودية, فليس المراد والعبرة بالمسجد الذي وضع في هذه المواقيت, ولكن العبرة بالمكان كله والله -تبارك وتعالى- أعلم وأحكم.

قول المؤلف: (وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة)،

المواقيت الزمانية: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة, ومعلوم أن بداية أشهر الحج، بدايتها شوال وهذا مُجمع عليه, وخلاف العلماء فقط في عشر ذي الحجة -فيما أعلم-, فهي شوال بلا خلاف وذي القعدة بلا خلاف واختلفوا في ذي الحجة:

- هل هي تسع ذي الحجة؟ كما هو قول الشافعي. أشار الشافعي إلى أن الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، يعني وقت الحج أشهر معلومات، ومن المعلوم أن صبيحة يوم العيد ليس مكانا ولا زماناً للإهلال للحج لماذا؟ لأنه قد فاته ركن من أركان الحج وهو الوقوف بعرفة، ولكننا نقول: أن العاشر من ذي الحجة من أشهر الحج؛ لأنه يجوز له أن يهل بالحج ليلة العيد وأن أعظم أركان الحج إنما تنفذ وتطبق وتعمل متى؟ في يوم العيد وهو يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر.

- أو عشر ذي الحجة؟ كما هو قول الإمام أحمد وهو قول ابن عباس وابن عمر وجابر –رضي الله عنهم- كما روى ذلك غير واحد من أهل العلم وصحح الآثار الحافظ ابن حجر.

- أم هو شهر ذي الحجة كله؟ كما هو مذهب الإمام مالك. يقول: لأنه يبقى عليه بعض المناسك وهو اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من الرمي والهدي وغير ذلك فإننا نقول: إلى تمام ذي الحجة, ولكن الأقرب أن ليس المراد بالحج هو فعل مناسك الحج لكن المراد هو وقته يعني الإهلال به

الأقرب -والله أعلم- أن أشهر الحج كما أشار إليه المؤلف هي : شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ودليل ذلك هو قوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ [البقرة: 197]، وتفسيره كما روى البخاري معلقاً عن ابن عباس قال: وقت الحج أشهر معلومات، ومن المعلوم لدى الجميع أنه يجوز للإنسان أن يلبي بالحج ليلة العاشر، ليلة العيد، أن يلبي بالحج ليلة العيد ومعلوم أن الليلة تأخذ حكم اليوم فهذا يدل على أن عشر ذي الحجة تدخل من ضمن أشهر الحج

المسألة 19

ذكرنا أشهر الحج وقلنا أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذو الحجة, لو أن شخصا أهل بالحج من غير هذه الأيام أو من هذه الشهور, بمعنى أنه هل بالحج وهو في رمضان قبل أن يهل شهر شوال هل يصح حجه ؟ بمعنى أنه لو بقي مفرداً أو قارناً هل يصح أن يكون حجه مفرداً أم قارنا؟ أم أنه يجب عليه أن يحرم بها أو أن يكملها عمرة ثم يحرم في وقت الحج؟

قولان عند أهل العلم:

القول الأول: ذهب الجمهور إلى أن له أن يحرم بالحج من غير هذه الأشهر ولكنه أساء وأثم، أو أخطأ وهذا هو مذهب المالكية والحنابلة والحنفية, واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة: 189]، وجه الدلالة قالوا: فدل على أن جميع أشهر الحج هي مواقيت للحج.

القول الثاني في المسألة: هو قول ابن عباس وقول ابن عمر-رضي الله عنهم- وهو قول الإمام الشافعي -رحمه الله- حيث قال: لا يجوز أن يهل بالحج في غير هذه الأشهر, واستدلوا على ذلك بأدلة قالوا: إن الله يقول: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ [البقرة: 197]، يعني أن وقت الحج أشهر معلومات، فلا يسوغ لمسلم أن يهل بالحج في غير ميقاته الزماني, ولو أهل بالحج فيجب عليه أن يقلبها عمرة، بمعنى أنه لو أهل بالحج على أنه عمرة بحيث يكون قارناً أو متمتعاً لا يكون متمتعاً؛ لأن التمع والقران أن يهل بالحج والعمرة في أشهر الحج، وهذا لا يكون

وهذا هو الأقرب, قال ابن عباس كما روى ابن جرير بسند جيد: (لا يصلح لأحد أن يحرم قبل أشهر الحج)، وفي رواية قال: (لا يصح) وهذا هو الأظهر والأقرب والله أعلم.

اسئلة الدرس :

سؤال الأول: هل تعتبر جدة ميقاتاً؟ مع التعليل.

لا تعتبر جدة ميقاتاً؛ لأنها داخلة ضمن المواقيت، وليست محاذية لأحدهم، إذ إن أقرب المواقيت إلى مكة ذات عرق وقر المنازل وبينهم وبين مكة مرحلتان وتحدد بتسعين كيلومتر وجدة بينها وبين مكة أقل من ذلك، وعليه فجدة دون المواقيت ولا يصح الإحرام منها وعلى الماشي من طريق الجو أن يحرم من أقرب المواقيت إليه، إما الجحفة وإما يلملم أو حذو أقربهما إليه فإن لم يعرف فليجتهد وليجعل بينه وبين مكة مرحلتين

السؤال الثاني: ما حكم تجاوز الميقات من غير إحرام وهو غير مريد للنسك؟

من تجاوز الميقات من غير إحرام وهو غير مريد للنسك وهذا لا يخلو من أمرين:

الأمر الأول: تجاوز الميقات وهو لا يريد دخول الحرم فهذا لا يلزمه الإحرام في قول عامة الفقهاء يقول: وأشار ابن قدامة إلى أنه خلاف في هذه المسألة والصحيح أن في المسألة خلافاً ضعيفاً كما أشار فضيلة الشيخ واستدلوا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ذهبوا إلى بدر مرتين وهم من أهل المدينة ولم ينقل عنهم أنهم أحرموا.

الأمر الثاني: من تجاوز الميقات من غير إحرام وغير مريد لنسك لكنه يريد مكاناً داخل الحرم في هذه الحال خلاف بين أهل العلم:

- المؤلف يقول: لا يجوز له أن يتجاوز الميقات بغير إحرام سواء أراد النسك أم لا، ويجب عليه أن يحرم بحج أو عمرة إلا إذا كان دخوله لقتال أو لحاجة تتكرر وهذا قول الحنابلة والأحناف.

- والشافعي قال: من لا يريد النسك فله أن يتجاوز الميقات بغير إحرام، سواء أراد الحرم أو غيره، يقول وهذا هو الأظهر كما قال فضيلة الشيخ.

ومن تجاوز الميقات بإذن شرعي فله أن يحرم من مكانه ولا شيء عليه وأجمع أهل العلم كما نقل ابن قدامة وغيره أن كل من أحرم قبل المواقيت فإحرامه صحيح والله أعلم.

كلام جميل لكن فيه إشكال أو فيه زيادة، اختيار الإمام الشافعي -رحمه الله- إلى أنه يدخل الحرم وإذا كان غير مريد للنسك استدلالاً بقول النبي: (ممن أراد الحج والعمرة) فمفهوم المخالفة أن من لم يرد الحج والعمرة فله أن يدخل ويتجاوز الميقات؛ لأنه غير مريد للنسك.




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



الدرس الرابع فقه الحج
الدرس الرابع
باب الإحرام



يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- تحت باب الإحرام: (من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين, ثم يصلي ركعتين ويحرم عقبهما؛ وهو أن ينوي الإحرام, ويستحب أن ينطق به ويشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهو مخير بين التمتع والإفراد والقِران وأفضلها التمتع ثم الإفراد ثم القران.)



الإحرام في اللغة: هو نية الدخول في التحريم؛ لأن المسلم بمجرد نية الدخول في النسك فإنه يحرم على نفسه ما كان مباحٌ له قبل ذلك؛ كالنكاح والطيب وبعض الألبسة المختصة بالرجال أو بالنساء إذا كانت المُحْرِمة امرأة.



الإحرام في الاصطلاح: هو نية الدخول في النسك



الإنسان بمجرد خروجه من بيته قاصداً النسك حجاً أو عمرة فإن هذا فعل للنسك, ولكن ليس هو نية الدخول فيه، إنما الدخول أمر زائد على خروجه للحج والعمرة. كما إن تجرده من مخيطه ولبسه لباس الإحرام ليس هو أيضاً نية الدخول في النسكوعليه فلا يصير المرء محرماً إلا بأن ينوي أنه داخل في النسك حجا كان أو عمرة.



يقول المؤلف: (من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل) وذكر المؤلف أن الغسل للإحرام مستحب وهذا هو قول عامة أهل العلم



في صحيح مسلم من حديث جابر: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل وتستثـفر وتُهل بالحج)



ومن ذلك ايضاً ما جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها حينما حاضت قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدما دخل عليها فوجدها تبكي قال: (ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل بعد والناس يذهبون إلى الحج الآن) يعني يذهبون إلى عرفة، ( فقال -عليه الصلاة والسلام- إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج).



وقد جاء من فعله -عليه الصلاة والسلام- كما عند الترمذي وغيره من حديث زيد بن ثابت : (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تجرد لإهلاله واغتسل) غير أن هذا الحديث تكلم فيه الحفاظ وذلك أن في إسناد الحديث عبد الله بن يعقوبوالحديث فيه علتان: الأولى: عبد الله بن يعقوب المدني فهذا مجهول، والمجهول في الحديث في الغالب يجعل الحديث أو يصيره ضعيفا. الثانية: فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد فقد تغير حفظه واختلف فيه وبعضهم ضعفه.



لا يُشرع الاغتسال في الحج إلا في ثلاثة أشياء:



- عند الإحرام



- عند عرفة كما رُوي عن ابن عمر وصح عن علي بن أبي طالب كما عند ابن أبي شيبة -رضي الله عنهم- أنه ذكر: (أن من سُنة عرفة الاغتسال فيه).



- عند الدخول إلى مكة, فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبيت بذي طوى ثم يصبح يغتسل ثم يدخل مكة بحج أو عمرة).



أما ما رُوي أنه كان يغتسل للطواف أو كان يغتسل لرمي الجمار، فهذا لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه



وقول المؤلف: (اسُتحب له أن يغتسل ويتنظف)، قوله: (ويتنظف) يعني يأخذ من شعره ومن شاربه ومن أظفاره ويزيل ما فيه من رائحة كريهة, وكذا يستحد ويزيل الشعر الزائد تحت إبطيه, هذا الذي ذكره المؤلف، وذكر أن ذلك يستحب، وقد روى سعيد بن منصور في مسنده عن إبراهيم النخعي أنه قال: «كانوا يستحبون عند الإحرام أن يأخذوا من أظفارهم ومن شاربهم وأن يستحدوا وأن يلبسوا أحسن الثياب»، ومعنى الاستحداد هو: إزالة الشعر العالق في العانة.



وذكر بعض أهل العلم أنه ليس للإحرام سُنة في التنظف إلا إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، فليس التنظف - من إزالة الشعر ومن قص الشارب ومن تقليم الأظفار- من خصائص الإحرام كما هو في الغسل وكما هو في التطيب ونحو ذلك؛ لأنه لم يُنقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه أنهم كانوا يتقصدون ذلك، وهذا يدل على أنه متى ما احتاج المسلم إلى مثل ذلك؛ فإنه يُشرع له إزالته، فهو مشروع للحاجة في الإحرام وغيره.



يقول المؤلف: (ويتنظف ويتطيب)



يستحب للمحرم عند الإحرام أن يتطيب: في رأسه, وفي لحيته, وفي جسده فهذا مشروع له وهذا هو قول الحنابلة والشافعية، وهو قول ابن عباس وقول عائشة -رضي الله عن الجميع- واستدلوا على ذلك:ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كنت أطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحرمه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)



وقول عائشة -رضي الله عنها-: (كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مُحرم) والمفرق يكون على الرأس.



وقالت عائشة -رضي الله عنها- بسند جيد كما عند أهل السنن: ( كنا نخرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونضمخ جباهنا بالمسك، فإذا عرقت إحدانا سال ذلك على وجهها فيراها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا ينهاها) فهذا يدل على استحباب الطيب للمحرم.



وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة وهو قول عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما إلى أنه يُكره ويمنع المحرم أن يتطيب: كما في الصحيحين:أن محمدًا بن المنتشر يقول: (سألت عبد الله بن عمر عن الطيب في الإحرام قال:(لأن أطلى بالقطران أحب إلي من ذلك)، قال: فذهبت إلى عائشة -رضي الله عنها- فأخبرتها بقول ابن عمر، فقالت: (رحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ) يعني أحب إلي من أن أتطيب، ولعله لم تبلغه السنة،



واستدل مالك -رحمه الله- على أن المحرم ممنوع من الطيب بما جاء في الصحيحين من حديث يعلى ابن أمية: (أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو قد لبس جبة وعليها أثر خلوق فقال: يا رسول الله ما ترى أصنع في عمرتي؟ فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى جاءه الوحي ثم أفاق عنه ثم قال: أين السائل عن العمرة؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: اغسل الطيب الذي بك اغسل الطيب الذي بك اغسل الطيب الذي بك، ثلاث) وفي رواية: (اغسل عنك أثر الخلوق، وانزع عنك جبتك, واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) قال مالك -رحمه الله-: فهذا يدل على أن المسلم مأمور عند الإحرام ألا يتطيب؛ لأن الرسول أمره بماذا؟ بأن يغسل الطيب الذي به. والأقرب -والله أعلم- أن الطيب مستحب للمحرم في بدنه. وأما حديث عبد الله بن عمر فقد بلغنا ذكر عائشة واستدراكها على ابن عمر. أما حديث يعلى بن أمية فإن أهل العلم خرجوه على ثلاثة أشياء:الأمر الأول: قالوا إن حديث يعلى بن أمية كان في سنة ثمان حينما أحرم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجعرانة، وحديث عائشة سنة عشر في حجة الوداع كما أشار إلى ذلك ابن قدامة وابن عبد البر -الأمر الثاني: قالوا إن حديث يعلى بن أمية إنما هو في تطيب ثياب الإحرام والمسلم مأمور بألا يطيب ثياب الإحرام، وحديث عائشة تطيبه -عليه الصلاة والسلام- في بدنه، ومما يدل على أن المؤمن مأمور بألا يطيب ثياب الإحرام ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: (ولا يلبس) يعني المحرم (شيئًا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس).



الأمر الثالث: قالوا ويُحمل حديث يعلى أن المسلم مأمور بأن يتجنب الزعفران كما جاء في الصحيحين من حديث أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يتزعفر الرجل، قالوا: وحديث يعلى هذا أن الرجل تطيب بالزعفران والزعفران ممنوع منه المسلم في الإحرام وغيره، وهذا يدل عليه ما جاء في رواية مسلم قال: (وهو متضمخ بخلوق) وفي رواية: (وعليه ردع من زعفران) قالوا: وهذا يدل على أن الخلوق إنما يتأتى ويكون من الزعفران



حديث عائشة برواياته أصح وأثبت, وهذا يدل على أن المؤمن مأمور بأن يطيب بدنه ولا يطيب ثياب الإحرام, ولو طيب ثياب الإحرام -ولو كان قبل الدخول في النسك- فإنه مأمور بأن يغسله كما هو مذهب المالكية والحنفية خلافاً للحنابلة والشافعية, فالحنابلة والشافعية قالوا:يجوز له أن يطيب ثياب الإحرام, لكن بشرط أن يكون قبل الإحرام, وله أن يلبسه يسمونه استدامة, ولكن لو نزعه مثل: لو نام فخلعه فلا يجوز له أن يلبسه مره ثانية حتى يغسله, ولكن الأقرب أن المؤمن مأمور بألا يلبس ثوبا مسه الزعفران ولا الورس.



ثم قال: (ويتجرد عن المخيط)



المخيط: هو كل ما يُلبس على قدر العضو، أو هو كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه



فإن المؤمن مأمور بألا يلبس ذلك إذا ثبت هذا فإنه يُمنع الرجل أن يلبس الجوارب باستثناء المرأة وكذا ممنوع للرجل أن يلبس القفازين والسراويلات ولا العمائم ولا القلانس ولا الغترة ولا الطاقية ولا الجُبة أو الجاكت ولا البنطال ولا غير ذلك سواءً كانت قصيرة أم طويلة، ودليل ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: (ولا يلبس القميص ولا العمائم ولا القلانس ولا السراويلات) فهذا يدل على أن المسلم مأمور بألا يلبس شيئًا كان قد اعتاد أن يلبسه قبل الإحرام.



المسألة 20: هل للمسلم أن يلبس الإزار إذا كان قد حُز أعلاه كهيئة السراويل, ولو لم يُفصل في الوسط بألا يكون له ساقين؟



اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب بعض مشايخنا إلى أن للمسلم أن يلبس ما يخاط على وسط الجسد؛ وهو ما يكون على هيئة السروال في الربطة لكنه ليس له ساقان, واستدل على ذلك قال: لأنه روى الإمام أحمد وابن المنذر بسند جيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (وليحرم أحدكم بإزار ورداء ونعلين) قالوا: وهذا يسمى إزار سواء حز من أعلاه أو شد بحزام خارجي فيسمى كلاهما إزارا وذكر ذلك بعض علماء اللغة.



القول الثاني: قالوا: لا يجوز للمحرم أن يلبس ما يخاط ويُحَز على الوسط كهيئة السراويل, ولو لم يكن له ساقان، وقالوا: وإذا حز من أعلاه كهيئة السراويل فلا يسمى إزاراً في لغة العرب ، أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم كابن منظور في كتاب لسان العرب والفيروز أبادي في القاموس وابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث" قالوا: لا يُسمى هذا إزاراً قالوا: هذا يسمى « نُقْبَة » نون مضمومة وقاف مسكنة وباء ثم هاء، قالوا: والنقبة هي خرقة يجعل أعلاها كهيئة السراويل وأسفلها كهيئة الإزار، وقد كانت النساء تلبسها في القديم,



واستدلوا على ذلك بما جاء في بعض الآثار أن عمر قال: «فألبستنا أمنا نقبتها»، وهذا يدل على أن هذا يسمى نقبة ولا يسمى إزاراً، وبالتالي ذهب أكثر أهل العلم إلى أن المحرم ممنوع من لبس النُقبة بل إن بعض الصحابة كابن عمر نهى أن يُشد الوسط إلا إذا احتاج إليه، أو كان عنده نفقة، وعائشة تجوز ذلك, فإذا كان الصحابة اختلفوا في شد الوسط لأجل النفقة فإن غيرهم من باب أولى.



يقول المؤلف: (ويتجرد عن المخيط)



الواو عاطفة أو معطوفة على قوله: (استحب له) والصحيح أن يقال: ويجب عليه أن يتجرد من المخيط حين الإحرام, ولعل المؤلف -رحمه الله- أراد ذلك ولكنه بسبب كثرة المسائل ترك هذا, وإلا فإن عامة الفقهاء قالوا: يجب عليه أن يتجرد من المخيط، والأفضل أن يتجرد من المخيط قبل الدخول في النسك.



س: هل له أن يدخل في النسك ثم يتجرد من المخيط؟



له ذلك ولا يلزم أن يشق ثيابه بل له أن يرفع ثيابه إلى الأعلى ولو غطى شيئاً من رأسه أو وقفاً من رأسه؛ لأن هذا يكون شروعاً فيما يجب عليه عند الإحرام، وقد جاء ما يثبت ذلك, ففي رواية أبي داود كما في حديث يعلى بن أمية حينما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل أن يخلع جبته قال الراوي: (فخلعها من قِبَل رأسه).



قد نحتاج إلى أن ندخل في الإحرام قبل أن نتجرد من المخيط، وهذا يحصل كثيراً في الذين يركبون الطائرة تجدهم قد وضعوا لباس الإزار والرداء في أيديهم أو في علاق يضعونه فتجدهم ينسون مكان الميقات, فيعلن كابتن الطائرة أن حاذينا الميقات وهو لم يستعد فيخشى أنه لو تجرد من ثيابه لتعدى الميقات، فنقول له: ادخل في النسك ولبي بالعمرة أو لبي بالعمرة والحج أو لبي بالحج على حسب الأنساك, ثم بعد ذلك يتجرد من المخيط ولا حرج في ذلك -إن شاء الله- وهذا يدل على يسر الشريعة وسماحتها.



المؤلف: (في إزار ورداء أبيضين) قوله: (أبيضين)



المسألة 21



يستحب للمحرم إذا أحرم الرجل أن يحرم بإزار ورداء أبيضين لما جاء عند أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث ابن عباس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) هذا هو السنة



ولو لبس المحرم غير ذلك من أي لون شاء فلا بأس بذلك ولا حرج، وقد جاء عند أهل السنن من حديث يعلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحرم بثوبين أخضرين ولكن هذا الحديث في سنده ضعف



أما المرأة فإنهايجوز لها أن تلبس ما شاءت من الثياب كما قالت عائشة كما عند أبي داود بسند جيد أنها قالت: (ولتلبس ما شاءت من الثياب من خز ومعصفر وغير ذلك) وما تظنه بعض النساء أن المحرمة لها ثوب مخصوص وهو الأخضر أو الأسود فنقول: لا أساس له من الصحة، وليس فيه سنة، إلا أن المرأة مأمورة ألا تحرم بثوب فيه تجمل، خوفاً من ظهور شيء من ذلك أمام الرجال, وإلا فإن المرأة مأمورة مثلها مثل الرجل,



حتى الطيب ذكرالحنابلة أن المرأة يُستحب لها الطيب مثل الرجل إذا كانت لا تمر على الرجال، أما إن كانت تمر على الرجال فإنها ممنوعة خوفاً من الفتنة كما مر معنا في حديث عائشة قالت: (فنضمخ جباهنا بالمسك، فإذا عرقت إحدانا سال العرق على وجهها فيراها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا ينهاها).



المؤلف -رحمه الله- قال: (ثم يصلي ركعتين)



المسألة 22: هل الصلاة للإحرام ؟؟



القول الأول قول جماهير أهل العلم والمؤلف : يستحب له أن يصلي ركعتين، فإن حضرت صلاة مكتوبة فإنه يصليها ثم يحرم عقبها، وإن لم تحضر صلاة مكتوبة يستحب له أن يصلي ركعتين للإحرام، واستدلوا على ذلك: - بما جاء في الصحيحين من حديث عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلي في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة). ولما جاء من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما أوجب الإحرام، بعد صلاة الظهر أحرم)



- القول الثاني في المسألة-قول بعض أهل العلم وهو اختيار شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين -رحمهم الله-



إلى أنه ليس للإحرام صلاة تخصها؛ بل إذا وافق ذلك صلاة مكتوبة أو سنة قد اعتاد عليها مثل سنة الضحى أو الوتر أو سنة الوضوء فإن الأفضل أن يحرم عقبها، وإلا فليس للإحرام سنة تخصها، وقالوا: ما استدل به أصحاب القول الأول، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: (أتاني الليلة آت من ربي وقال صلي في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة)قالوا: إن هذا محمول أو مُخرَّج على أمرين: الأمر الأول: إن هذا خاص في ذي الحليفة، حيث أن ذا الحليفة وادٍ مبارك وهذا من خصوصياته ولذا كان ابن عمر إذا جاء ذي الحليفة صلى ركعتين، أما غيرها من المواقيت فلم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه وادٍ مبارك فخص ذلك بذي الحليفة، الأمر الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (صلي في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة) وقال: (أتاني الليلة آت من ربي) ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك متى؟ في الفجر، ثم مشى -بأبي هو وأمي- حتى حضرت الظهر ثم صلى ركعتين فمما يدل على أن هذه الركعتين ليستا هما الركعتان التي أحرم فيهما، فهذا يدل على أنهما ركعتان خاصتان غير ركعتي الإحرام التي أحرم النبي -صلى الله عليه وسلم- عقبها وهي صلاة الظهر. وهذا القول قوي,



ولكن نقول للمسلم إذا أراد أن يحرم فيستحب له أن يتوضأ ويصلي ركعتي الوضوء كما ثبت ذلك في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لبلال: (يا بلال إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، فما كنت عملت؟ قال: والله يا رسول الله ما عملت عملا في الإسلام أرجى لي عندي من أني ما تطهرت ساعة من طهور إلا صليت بهذا الطهور ما شاء الله أن أصلي، قال: فبهما إذن) ولهذا نقول للمسلم يصلي عقب الوضوء ثم يحرم بعد ذلك.



والمؤلف يقول: (ويحرم عقبهم)



المسألة 23



أشار المؤلف إلى أن الأفضل للمحرم أن يحرم عقب الصلاة، وذهب ابن عمر إلى أنه لا يَشرع في الإحرام إلا إذا ركب دابته، كما جاء في الصحيحين: (أن ابن عمر كان إذا ركب ناقته واستهلت استقبل بها القبلة وأهلَّ بالحج أو العمرة أو أهل بها، وقال: هكذا رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصنع)، وقال أنس كما في الصحيحين: (أنه إذا استوت به على البيداء) يعني ركب ومشى (ولم يزل ما زال في ذي الحليفة قال: يلبي)



س: سبب الخلاف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-في هذه المسألة :



أشار ابن عباس -رضي الله عنهما- إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أوجب الإحرام فصلى ركعتي أحرم ولبَّى ثم لما ركب ناقته أهل بهما فسمعه قوم فأخبروا بنحو ما سمعوا، ثم استوت به على البيداء أهل مرة ثالثة، فسمع بها قوم فذكروا وإلا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ متى؟ من حين صلى الركعتين، وهذا الجمع من ابن عباس -رضي الله عنهما- هو الذي ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه الله- وذكر أثر حديث ابن عباس وإن كان حديث ابن عباس ضعيف حيث إن في سنده خصيف بن عبد الرحمن لكن عليه العمل عند أهل العلم؛ لأنه إذا ثبت عن ابن عباس والمسور أنه أحرم عقب الفريضة, وثبت عن ابن عمر أنه أحرم حينما ركب ناقته، وثبت عن أنس أنه أحرم حينما استوت به ناقته على البيداء، فهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كرر قول: (لبيك عمرة وحجة)،وهذا يدل على أن السنة للحاج أو المعتمر أن يكرر ما نوى فيه من نسك، فيقول حين الإحرام إن كان متمتعاً لبيك عمرة, لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك، ثم وهو يسير يقول: لبيك عمرة، وإن كان قارناً يقول: لبيك عمرة وحجة لبيك اللهم لبيك، وفي أثناء الطريق يقول: لبيك عمرة وحجة، وهذا هو الأفضل.



في صحيح البخاري قال: (حتى إذا استوت به ناقته على البيداء حمد الله وسبح وكبر ثم أهل بالحج والعمرة) قال الحافظ: فيستحب للإنسان قبل الإحرام أن يحمد الله وأن يسبح وأن يكبر، ولكن هذا فيه دلالة على ماذا؟ دلالة على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- خلط بتلبيته تسبيح وتكبير وتحميد، وهذا هو الأقربومما يدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن مسعود قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلبي إلا أن يخلطها بتكبير وتحميد)



يقول المؤلف: (ويحرم عقبهما وهو يريد أن ينوي الإحرام)،



المؤلف -رحمه الله- أشار إلى أن قول المسلم والمسلمة لبيك عمرة، أو لبيك حجاً وعمرة أو لبيك حجاً قال: هذا نية الإحرام, وذكروا أنه يستحب للمسلم أن يقول: اللهم إني نويت أن أعتمر أو نويت أن أتمتع أو نويت أن أفرد الحجة وأقول لبيك عمرة، ذكروا أن يقال اللهم إني نويت، وكذلك هو مذهب الشافعية



وذكر أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- إلى أنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة أنه كان ينوي ويذكر ويتلفظ بالنية لا في عباداته كلها وقال إن هذا من المعلوم البين, إذ لو كان الصحابة سمعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك لنقلوه ، كيف وهم يذكرون أدنى شيء ويبينوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: إنه لا يشرع للمسلم أن يقول: اللهم إني نويت، ولكن يشرع أن يذكر ويتلفظ بنية النسك الذي دخل فيه، فيقول: لبيك عمرة أو لبيك حجاً وعمرة أو لبيك حجاً. هذا القول أظهر والله -تبارك وتعالى-



المؤلف، قال: (ويستحب أن ينطق بما أحرم به) ثم قال: (فيقول اللهم إني أريد النسك الفلاني)



السنة ألا يقول ذلك بل يقول: اللهم لبيك عمرة أو لبيك حجاً وعمرة أو لبيك حجاً, كما سوف نأتي إلى ما هي الأنساك التي يلبي فيهما أو فيهن المسلم، هذا الأظهر والله -تبارك وتعالى- أعلم.









__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #2  
قديم 05-09-2012, 11:26 PM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
تابع باب الإحرام


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



الدرس الخامس


تابع باب الإحرام

قال المصنف: ( ويشترط ويقول اللهم إني أريد النسك الفلاني فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلها التمتع ثم الإفراد، ثم القران. والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه. والإفراد أن يحرم بالحج وحده. والقران أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة. فإذا استوى على راحلته لبَّى فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ويستحب الإكثار منها ورفع الصوت بها لغير النساء، وهي آكد فيما إذا علا نشزاً أو هبط وادياً أو سمع ملبياً أو فعل محظوراً ناسياً أو لقي ركباً، وفي أدبار الصلاة المكتوبة وبالأسحار، وإقبال الليل والنهار.))

المسألة 24

حكم النطق بالإحرام

معنى النطق أن يقول: لبيك عمرة أو لبيك حجاً أو لبيك عمرة وحجاً وهو مستحب هذا مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية، استدلوا على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يلبي وأن الصحابة كانت تلبي بل ربما رفعوا أصواتهم وكما جاء في حديث الخلاد بن السائب بن يزيد الأنصاري عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أتاني جبريل فأخبرني أو قال فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية).

وذهب أبو حنيفة وابن تيمية -رحمهما الله- إلى أنه: يجب مع النية التلبية أو سوق الهدي.

يقول ابن تيمية: لأنه بمجرد خروجه من بلده قاصداً الحج والعمرة قد نوى, استدلوا على ذلك بما جاء في حديث الخلاد بن السائب عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ) قالوا فهذا أمر وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولكنه يدل على الوجوب ما لم يرد صارف

الجمهور يرون أن مجرد النية بلا تلبية أو سوق هدي كاف في دخول المرء في النسك استدلالاً بقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري ومسلم: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى). وقالوا: إن حديث الخلاد بن السائب عن أبيه غايته هو الأمر برفع الصوت, وقد أجمعنا نحن وإياكم على أن رفع الصوت ليس بواجب فدل ذلك على أن التلبية شيء ورفع الصوت شيء واحد فلا يستدل له وهذا أعني به أن التلبية مستحبة ولا يلزم، وأن المرء بمجرد نيته يكفي في ذلك بدخول النسك وهو أظهر وأقوى والله تبارك وتعالى أعلم.

المسألة 25

التلفظ بالنية .. نقول أن بعض الفقهاء في كتبهم يقول يستحب أن ينطق بما نوى فيقول اللهم إني أريد النسك الفلاني يعني اللهم إني أريد عمرة متمتعاً بها إلى الحج أو اللهم إني أريد الحج أو اللهم إني أريد العمرة والحج هكذا هو المراد,

أما اللهم إني نويت أن أحج هذا العام مفرداً وغير ذلك فقد ذكر أهل العلم في بعض كتبهم كبعض أصحاب الشافعي وبعض اصحاب الحنابلة أنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه بإسناد صحيح أنهم كانوا يتلفظون بالنية, إنما كانوا يتلفظون بم؟ بالإهلال, بما يريدون أن يهلوا به عمرة أو حجاً أو عمرة وحجاً وهذا هو الأظهر –والله أعلم- سواء كان في الحج أو غيره من العبادات فلا تقول اللهم إني أريد أن أصلي صلاة الظهر فاقبلها مني ثم تكبر, هذا لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. فالتلفظ هنا إنما التلفظ بالإهلال وليس التلفظ بنية الشروع في الحج أو العمرة ونحو ذلك.

العلماء -رحمهم الله تعالى- يقولون التلفظ بالنية بما أحرم به, يقصدون بما أحرم به بمعنى أنه إذا أراد أن يدخل في التمتع أو في الإفراد أو القران فإنه يشرع التلفظ بهذا الأمر

يقول المؤلف: (ويشترط) يعني ويستحب له حين إحرامه أن يشترط هذا هو مذهب الحنابلة وهو مستحب سواء احتاج إلى الاشتراط أو لم يحتج وهو قول عمر وعلي بن أبي طالب وقول عائشة -رضي الله عنها- وغير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقالوا إن فائدة الاشتراط أمران:

الأول: أنه إن عاقه عائق من عدو أو مرض أو خوف, أو منعه من الاستمرار في أداء نسكه كالحائض والنفساء؛ فلهم أن يتحللوا من غير إحصار.

الثاني: أنهم إذا تحللوا وخلعوا إحرامهم لا يلزمهم دم ولا يلزمهم الاستمرار في العبادة.

وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن: الاشتراط لا يشرع ولا يصح, واستدلوا على ذلك لما روى النسائي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- (أنه نهى عن الاشتراط وقال حسبكم سنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يشترط).

وذهب الشافعي إلى أن الاشتراط جائز ولا يشرع؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر ضباعة ولم يشترطه فدل على أن تركه هو المستحب.

اختار أبو العباس بن تيمية قولاً -جمعاً بين هذه الأقوال- فقال: متى احتاج الحاج أو المعتمر أو خاف عدم إدراك العمرة والحج فإنه يشرع له أن يشترط، وأما إذا لم يحتج لذلك مثل أن يكون قوياً فإنه لا يشرع له أن يشترط ويكون الاشتراط في حقه جائز.

والأقرب هو قول ابن تيمية, أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يشترط؛ لأنه حين إحرامه كان ناوياً وقادراً بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم- فذلك يدل على أن الإنسان متى ما احتاج إلى ذلك فإنه يشترط، وهذا أحسن جمعاً بين الأقوال.

وأما الاشتراط فدليله: هو ما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: ( أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت يا رسول الله إني أريد الحج وإني شاكية، قال: أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني) ومثله من حديث عائشة رضي الله عنها زاد النسائي (فإن لك على ربك ما استثنيت) وهذه الزيادة ضعيفة

يقول المؤلف: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران)

الأنساك الثلاثة التمتع ....والإفراد..... والقران

يشرع للحاج أن يهل بالتمتع والإفراد والقران, هذا هو قول عامة أهل العلم, بل نقل الإجماع على جواز هذه الأنساك غير واحد من أهل العلم كالإمام الشافعي في كتاب الأم, والإمام النووي وابن قدامة وغير واحد من أهل العلم, ذكروا أن الإجماع منعقد, قال الشافعي: لا أعلم خلافاً في أن التمتع والإفراد والقران واجب كله وهذا هو قول عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم.

خالف في ذلك ابن حزم وابن القيم من العلماء وبعض فقهاء المعاصرين قالوا: إن التمتع واجب وأن الإفراد منسوخ بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فيجب على من جاء مكة قبل يوم التروية أن يهل بالمتعة يعني يكون متمتعاً استدلوا على ذلك بأدلة -أعني من أصحاب القول الثاني- ونسبوا هذا إلى ابن عباس وفي نسبة القول إلى ابن عباس محل تأمل ونظر.

أما استدلالهم على وجوب التمتع قالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في الصحيحين من حديث جابر ومثله عند مسلم وفي الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أصحابه أن يفسخوا الإفراد ويجعلوها عمرة, قال جابر: ( فلما قدمنا طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا نبي الله -صلى الله عليه وسلم- أحلوا من إحرامكم, قلنا: أي الحل؟ قال الحل كله, قالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟) يعني كنا مفردين قال: ( افعلوا ما آمركم به فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل ما أمرتكم به) وفي رواية من حديث جابر: (أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت, وبالصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج, ثم اهدوا فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع, قالوا: أي الحل؟ قال: الحل كله.)

قال ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: «ونشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بالحج لرأينا أن نفسخها إلى عمرة تفادياً من غضب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- واتباعاً لأمره فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعدها ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خط به أصحابه على من جاء بعدهم» هذا كلام ابن القيم -رحمه الله- ولا شك أنه مؤمن بهذا القول, وإن كان قول الأئمة الأربعة وما نقل فيه الإجماع أظهر والله أعلم.

ودليل قول الجمهور أن الأنساك الثلاثة مستحبة كلها أمور احفظها:

الأول: هو ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم ) من ابن مريم؟ عيسى -عليه السلام- (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء ) يعني قريباً من ذي الحليفة (حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما ) معنى (حاج) يعني مفرداً (أو معتمر) يعني متمتعاً (أو ليثنينهم) يعني قارناً, وقوله -عليه الصلاة والسلام- بهذا الاختيار (... أو ... أو...) دليل على أن جعل ذلك على حسب استطاعة واختيار عيسى ابن مريم حينما ينزل وقت آخر الزمان وعيسى سوف يتبع شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- فهذا يدل على أن عيسى إذا نزل فسوف يتبع شريعة محمد-صلى الله عليه وسلم- فهذا يدل على أن شريعة محمد-صلى الله عليه وسلم- في الأنساك الثلاثة قائمة أو منسوخة؟ قائمة وهذا أظهر.

الدليل الثاني الذي استدل به الجمهور: حديث عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج) فهذا يدل على أن الإهلال جائز.

أما أمره -عليه الصلاة والسلام- بأن تكون عمرة فنقول: هذا حق, وأنه يشرع لكل من أهل بالإفراد يستحب له أن يفسخها إلى عمرة, ولكن ذلك لا يجب إلا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وجَمْعُنا هذا بسبب حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وقوله عليه الصلاة والسلام: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) بمعنى أنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة إلى يوم القيامة, أما وجوبه فإنما ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم.

قد يرد سؤال: ما سبب وجوبها في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم تجب في عهدنا؟

السبب هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يريد مخالفة المشركين بما كانوا يعتقدونه في جاهليتهم وقد كانوا –قريش- يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض كما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس: (أن قريشاً كانت ترى العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض, ويقولون إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه صبيحة رابعة وقد أهلوا بالحج, فقال: أحلوا من إحرامكم, قالوا: يا رسول الله كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به, فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم) فهذا يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما أمرهم بذلك ليقطع فكرة عدم جواز العمرة في أشهر الحج.

وهذا القول أقوى -والله أعلم- وهو جواز فسخ الحج أو القران إلى عمرة وأن وجوبها إنما كان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ويبقى الاستحباب إلى يوم الدين.

المسألة 26

إذا ثبت جواز هذه الأنساك الثلاثة, فأي الأنساك أفضل؟

المؤلف -رحمه الله تعالى- يقول: (وأفضلها التمتع)

القول الأول:

هو قول ابن عباس أن أفضل الأنساك التمتع, أما أن ابن عباس يرى أن التمتع واجب ولا يجوز الإفراد والقران كما هو مذهب ابن حزم ومن تبعه إلى ذلك فهذا محل تأمل ونظر كما قلنا, وذلك أن ابن عباس يرى أن كل من طاف بالبيت قبل عرفة أو بعد عرفة فقد حل من إحرامه: فمن طاف بالبيت ولبى بالحج قبل يوم عرفة فيجب عليه أن يجعلها عمرة. أما لو لبى بالحج ولم يأت البيت إلا بعد عرفة فإنه يصح عنه أن يكون مفرداً.

هذا قول ابن عباس وإن كان الراجح هو قول الجمهور هو أنه يجوز الأنساك الثلاثة.

ودليله مثل ذلك حديث عروة ابن مضرس حيث إنه جاء ولبى بالحج ووقف بعرفة فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (والله يا رسول الله جئت من جبل طيء أكللت مطيتي وأتعبت نفسي ما تركت من جبل إلا وقفت فيه فهل لي من حج؟) فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه له الحج

أفضلها التمتع لم؟ قالوا:

لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أصحابه بذلك فقال: (افعلوا ما آمركم به فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به إلا أنه لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله)، وهذا هو قول الإمام أحمد في المشهور عنه،

القول الثاني في المسألة وهو قول مالك والشافعي. قالوا: إن الإفراد أفضل, وقالوا وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

استدلوا على ذلك بما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل بالحج) وحديث عائشة عند مسلم: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أفرد الحج) قالوا: فهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مفرداً.

أجاب أصحاب القول الأول: فقالوا, كما يقول ابن تيمية: الغلط ليس في الصحابة في نقولهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما الغلط فيمن جاء بعدهم, فإذا قال الصحابة: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أفرد الحج فإنما يقصدون بذلك أعمال الحج؛ لأن المفرد والقارن عملهما سواء إلا بالنية والهدي.

قالوا: ومما يدل على ذلك أن الراوي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- ذكر ابن عبد الله المزني وقد أخطأ بذلك فظن أن ابن عمر -رضي الله عنهما- حينما قال أفرد الحج أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لبى بالحج وحده؛ ولهذا قال بكر لأنس: (إني سألت ابن عمر -رضي الله عنهما- فقال: لبَّى بالحج وحده) قال أنس: (ما تعدوننا إلا صبيانا, سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهل بهما جميعاً لبيك عمرة وحجاً لبيك عمرة وحج)،

من حديث عمران بن حصين قال: (تمتع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتمتعنا معه) ومعنى التمتع هو أخذ عمرة وحجة في سفرة واحدة فإن ساق الهدي صار قارناً وهذا الأظهر والله أعلم.

القول الثالث: قول أبي حنيفة: أن القران أفضل؛ لأنه يرى -رحمه الله تعالى- أن القران فيه سعيان وفيه طوافان وهذا خلاف سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله لعائشة وقد كانت قارنة: (طوافك بالبيت وسعيك ببين الصفا والمروة يجزئ عن عمرتك وحجتك جميع)

القول الرابع: ابن تيمية وهو رواية عن أحمد قال: أفضل الأنساك كالآتي -وهذا هو الأقوى والله أعلم- قال أفضل الأنساك: ، سوق الهدي من الميقات وأن يكون قارناً، قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره ربه بذلك كما في الصحيحين من حديث عمر: ( أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أتاني الليلة آتٍ من ربي, وقال صلي في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة) وقد ساق الهدي من ذي الحليفة كما أشار إلى ذلك ابن عمر -رضي الله عنهما- وغيره.

قالوا: ولا يختار الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وصفيه وخليله إلا ما هو الأفضل, فالرسول -صلى الله عليه وسلم- ساق الهدي؛ لأن الله تعالى ساق له ذلك, وأهل قارناً؛ لأن الله اختار له ذلك.

وهذا القول أقوى فإذا شق ذلك عليه بأن لا يستطيع أن يسوق الهدي, فإن الثاني مرتبة هو التمتع, ثم الإفراد, ثم القران لمن لم يسق الهدي، الراجح: هو سوق الهدي مع القران فإن لم يكن سوق هدي, فالأفضل التمتع, فإن لم يستطع فالأفضل الإفراد, وإلا فالقران مع عدم سوق الهدي هذا هو الأفضل.

معنى التمتع:

يقول المؤلف: (والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه.)

معنى التمتع -كما ذكره المؤلف- هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج في شوال أو في ذي القعدة أو في عشر ذي الحجة ثم ينتهي منها؛ ثم يفرغ منها، ثم يهل بالحج في عامه؛ بمعنى أن يأخذ عمرة مستقلة ثم بعد انتهاء العمرة يتحلل من إحرامه؛ يطوف ثم يسعى ثم يقصر ثم يبقى حلالاً قد لبس ثيابه وتطيب وله أن يأتي أهله، ثم بعد ذلك إذا كان ضحى يوم الثامن يهل بالحج فيقول: لبيك حجة، هذا يسمى تمتع.

صور التمتع :

1-لا يكون متمتعاً إلا أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج

2-يقول: (ويفرغ منه) فعلى هذا فلو أنه أهل بالعمرة ولم يستطع أن يطوف بالبيت حتى خشي فوات الحج فإنه والحالة هذه يُدخل الحج على العمرة ويصير قارناً, وهذا مثلما حصل لعائشة -رضي الله عنها- قالت عائشة كما في صحيح مسلم: (فأهللت بعمرة فحضت فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة فأمرني النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أنقض رأسي وأمتشط وأهل بالحج ) يعني أدخلت الحج على العمرة.

فهذا يقول المؤلف: (ويفرغ منه) فأما إذا لم يستطع أن يفرغ منها وخشي عرفة فلا يكون متمتعاً فلو أنه أحرم بالعمرة في أشهر الحج ولم يفرغ منها فإننا نقول لا يكون متمتعاً.

3-ومن التمتع الذي لم يذكره المؤلف هو أن يهل بالإفراد في أشهر الحج ثم يفسخها إلى عمرة سواء بعد الطواف والسعي أو قبل الطواف والسعي هذا الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بذلك, فهذا يدل على أنه لو أهل بالحج أو أهل بالقران لبيك عمرة وحجاً فإنه له أن يفسخها إلى عمرة خلافاً للجمهور؛ الجمهور جوزوا فسخها قبل الطواف والسعي وحرموها ومنعوها قبل الطواف.

والصحيح يجوز بعد الطواف والسعي ودليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر قال في الحديث الطويل: (حتى إذا كنا في آخر طواف على المروة ) يعني أنهم طافوا مهلين بالحج وسعوا وهم مهلين بالحج قال (حتى إذا كنا بآخر طواف على المروة قال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحلوا من إحرامكم قالوا يا رسول الله كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ قال افعلوا مثل ما آمركم به) هذا أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفسخوا بعد الطواف فإذا جاز بعد الطواف فلأن يجوز بعد الطواف من باب أولى

المؤلف يقول: (والإفراد أن يحرم بالحج وحده)

معنى الإفراد. أن يقول من ميقاته أو من الميقات الذي مر منه وقد لبس ثياب الإحرام يقول: لبيك حجاً لبيك اللهم لبيك، ويستمر على تلبيته حتى يصل إلى الحجر الأسود فإذا استلمه انقطع من تلبيته ثم يطوف سبعة أشواط ثم بعد ذلك يصلي ركعتين ثم يذهب إلى الصفا والمروة فيسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط على أنه سعي لحجه، ثم بعد ذلك يبقى في إحرامه ولا يجوز له أن يخلعه أو أن يتحلل إلا إذا قلبها إلى عمرة، فيبقى على ذلك حتى يوم العاشر يوم العيد، فإذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر فقد شرع في التحلل الأول, فإن طاف بعد ذلك فقد تحلل التحلل الثاني, ويكون بذلك قد حج وأكمل حجه ولم يبقى معه أو عليه إلا بعض الواجبات المنوطة به في أيامها؛ يوم العيد أو يوم من أيام التشريق، هذا يصير من؟ المفرد.

بمعنى أن يقول لبيك حجاً فقط, فيستمر على إحرامه حتى يرمي جمرة العقبة ويُقَصِّر أو يحلق, فيكون قد تحلل التحلل الأول, فإذا طاف طواف الإفاضة فيكون قد تحلل التحلل الكامل

ومن صور الإفراد: أن يهل بالعمرة في رمضان مثل إخواننا الذي يأتون من بلاد غير بلاد الحرمين, يأتون ويأخذون عمرة في رمضان ويقولون سوف نبقى في مكة حتى الحج, فنقول: أنتم الآن الأفضل في حقكم أن تبقو في مكة فإذا جاء يوم التروية تهلوا بالحج فتكونوا مفردين

معنى القران

القارن له حالتان: أن يسوق الهدي أو لا يسوق الهدي؛ أن يشتريه من الميقات أو يأمر أحداً يشتريه له من الميقات أو قبل الميقات في بلده أو غير ذلك, فبمجرد مسيره -أعني به الهدي- من الميقات إلى منى سواءً عن طريقه أو عن طريق وكيله يسمى ماذا؟ قد ساق الهدي.
- وإذا كان معه هدي فيقول: لبيك عمرة وحجة، ويعمل مثل أعمال المفرد بمعنى يستمر على تلبيته حتى ماذا؟ يمس الحجر الأسود فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط ثم يصلي ركعتين ثم يذهب إلى الصفا والمروة فيسعى سبعة أشواط على أنه ماذا؟ على أنه سعي لحجه وعمرته جميعاً، على أنه بنيته سعي لحج وعمرة جميعاً فهنا فارق من؟ فارق المفرد، المفرد هذا السعي سعي الحج, أما القارن فسعيه لحجه وعمرته جميعاً، ثم بعد ذلك يبقى في إحرامه ويفعل أفعال النسك؛ يذهب إلى منى ثم إلى عرفات ثم إلى مزدلفة وهو باق على إحرامه وكذا المرأة باقية على إحرامها, ثم بعد ذلك إذا جاء يوم العيد ورمى الحاج جمرة العقبة ثم حلق أو قصر فقد تحلل التحلل الأول، ثم بعد ذلك يتحلل التحلل الثاني كما سوف يأتي مفصلاً في ذلك، هذا الحالة الأولى.
- الحالة الثانية: هو ألا يسوق الهدي بأن يقول: لبيك عمرة وحجة, فيدخل في الحج والعمرة جميعاً وهو بالخيار بين أن يقول عند الميقات: لبيك عمرة وحجة أو يقول: لبيك عمرة ثم يدخل عليه الحج أثناء الطريق، واضح، ويستمر فيطوف ثم بعد الطواف يصلي ركعتين ثم يسعى على أنه سعي لحجه وعمرته جميعاً, ثم يبقى في إحرامه حتى يكون يوم العيد, فإذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر فقد تحلل التحلل الأول مع بعض الأنساك التي سوف يفعلها مع الوقوف بعرفة ثم مزدلفة وغير ذلك.
بعض الأخوات خاصة إذا شق ذلك عليها، عليها حينئذ القران, أن تذبح هدياً إذا لم تكن قد ساقته, فتذبح هدياً:
- فتشارك المتمع بالهدي ونية العمرة، وتفارق المتمع بأن المتمتع يأخذ عمرة مستقلة وحجة مستقلة, أما القارن فيدمجهما يدخلهما. ويوافق القارن المفرد بما؟ بأعمال الحج، بأن يكون عملهما في الظاهر واحد إلا في شيء واحد وهو الهدي
يقول المؤلف: (والقران أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج)

ذكر المؤلف صورتين:

الصورة الأولى: أن يحرم بهما بمعنى أن يقول لبيك عمرة وحجا فيكون قارناً ودليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (أتاني الليلة آت من ربي وقال صلي في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة) وهذا الأفضل أن يقول ابتداء: لبيك عمرة وحجاً لمن أراد أن يكون قارناً.

الصورة الثانية: أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليه الحج وقد روى ابن عمر -رضي الله عنهما- كما في الصحيحين قال: (وبدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج ) ومما يدل على أنه يهل بالعمرة ثم يدخل عليه الحج هو حديث أو قصة عائشة -رضي الله عنها-

وهذا قول جمهور أهل العلم؛ يدخل الحج على العمرة ويغير نيته من التمتع إلى القران.

السلف -رضي الله عنهم- يقصدون بالتمتع أمران:

التمتع الخاص: وهو أن يهل بعمرة فقط حتى إذا انتهى منها أهل بالحج يوم التروية هذه هي الصورة الأولى, وهذا هو التمتع المعروف الذي يذكره الفقهاء.

الصورة الثانية: التمتع الذي بمعنى القران: وهو أن يهل بالعمرة والحج جميعاً ولم سمي هذا تمتعاً؟ سمي تمتع؛ لأن التمتع المراد عند السلف وعند الصحابة أن يأخذ عمرة وحجاً في سفرة واحدة فيكون متمتعاً, سواء تمتع بعمرة فقط ثم أهل بالحج يوم التروية أم لبى بالعمرة والحج جميعاً؛ وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ يدخل في ذلك القارن والمتمتع.

يقول المؤلف: (ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد)

المسألة 27

ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد.. لو أن شخصاً قال: لبيك حجاً فلا يسوغ له أن يدخل العمرة على الحج ليكون قارناً, لكن يسوغ إذا قال لبيك حجاً أن يفسخ الحج ويجعلها عمرة, أما أن يدخل العمرة على الحج مع بقاء الحج ليكون قارناً, فإن جمهور الفقهاء قالوا: لا يسوغ له ذلك؛ ولهذا قالوا: لم ينعقد؛ يعني لم ينعقد إحرامه قارناً, قالوا: لأنه لم يستفد شيئا؛ لأن الإفراد أفضل والشارع يأمرك أن تنتقل من المفضول إلى الفاضل لكن لا يأمرك أن تنتقل من الفاضل إلى المفضول إلا لما لابد منه مثل ما حصل لعائشة عندما كانت معتمرة ثم أدخلت الحج عليها.

يقول المؤلف: (فإذا استوى على راحلته لبَّى فيقول لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك)

هذا الأفضل عند المؤلف: أنه إذا استوى على راحلته لبى. مر معنا أنه يلبي حينما ينتهى من الصلاة فيلبي مرتين وهذا أيضا أفضل. وإن كان الأقرب عندي -والله أعلم- أن الأفضل ألا يلبي إلا عندما يركب راحلته؛ لقول ابن عمر -رضي الله عنهما
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #3  
قديم 05-09-2012, 11:31 PM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
باب صفة الحج

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الدرس السادس


باب صفـة الحـج

قول المؤلف في باب صفة الحج يقول -رحمه الله- (فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما, ثم يبيت بها ثم يصلي الفجر بغلس ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو, ويكون من دعاءه اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتك بقولك -وقولك الحق- ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 198]، الآيتان، يقف إلى أن يسفر، ثم يدفع قبل طلوع الشمس, فإذا بلغ محسِّرا أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى)
المسألة الأولى:
قوله: (فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء)
تشتمل هذه العبارة على مسائل هي :
المسألة الأولى:
أن السنة للحاج أن يصلي المغرب والعشاء بجمع يعني بمزدلفة,
هذا هو السنة للحاج، وهو مشروع, وقد نقل غير واحد الإجماع على أن السنة التي فعلها النبي-صلى الله عليه وسلم- هو أن يجمع المغرب والعشاء في جمع

- أولاً: حديث جابر : (حتى أتى المزدلفة فصلى به المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع)

ـ ثانيا ـ حديث أسامة (ثم سار حتى أتى المزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة, ثم أمر بالأذان فأذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال, فلما حطَّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة, ثم صلى العشاء الآخر بإقامة بلا أذان)
ثالثا - حديث أسامة حينما قال للنبي-صلى الله عليه وسلم- (يا رسول الله الصلاة, قال الصلاة أمامك)

المسألة الثانية
ماحكم صلاة من صلى بعرفة أو في طريقه لمزدلفة بالنسبة للمغرب والعشاء ؟

القول الأول : صلاته صحيحة وهو مسيء وهذا قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة
واستدلوا على ذلك بدليلين :
*قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث مسلم من حديث جابرنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )
*وقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم من حديث أبي ذرنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة قال: فأينما أدركتك الصلاة فصل فإنما هو مسجد) وهذا عام يدخل فيه وقت مزدلفة وغيره.

-القول الثاني :لو صلى المغرب والعشاء في غير مزدلفة وجب عليه أن يعيد وهذا قول الحنفية وابن حزم وداود وبعض أصحاب المالكية وغيرهم
ودليلهم هو :
*حديث أسامة: (أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أتى الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمغرب فتوضأ وضوء ليس بالبالغ وبال, فقلت: يا رسول الله الصلاة, قال: الصلاة أمامك)
قال الحافظ ابن حجر: استدل به على الصلاة في مزدلفة, وهذا مجمع عليه يعني أنه سنة, لكن
ذكر الظاهرية أن هذا واجب استدلالاً بهذا الأمر.
وهذا فيه نظر على أن يكون هذا واجب, نقول: نعم قول النبي-صلى الله عليه وسلم- (الصلاة أمامك) دليل على مشروعية أن تكون الصلاة في المزدلفة, لكن أنَّى لهم أن تكون الصلاة باطلة ويجب عليه أن يعيد؟! أنى لهم ذلك؟! فليس في الحديث ما يدل على ذلك
الدليل الثاني : قالوا: إن النبي-صلى الله عليه وسلم- صلى قال كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: (إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء) وصلى النبي-صلى الله عليه وسلم- الفجر في غير وقتها, قالوا: فقوله: (حولتا عن وقتهم) الصلاة في هذا المكان, دليل على أنه لا يجزئ أن يصلي الإنسان المغرب والعشاء إلا في جمع.
ونقول:إن هذا فيه نظر؛ لأن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال إنهما حولتا عن وقتما, يعني في أول وقتهما ليس الوقت المقصود به الوقت الكامل إنما هو الوقت المستحب, بدليل أن صلاة العشاء صليت في وقتها -وإن كانت في أول الوقت وهذا هو مراد النبي-صلى الله عليه وسلم-
الراجح : نقول: الأفضل والأحرى وخروجاً من الخلاف ألا يصلي الإنسان المغرب أو المغرب والعشاء إلا في مزدلفة في الوقت, لكن إن خشي خروج وقت العشاء فإنه -والحالة هذه- يصلي المغرب والعشاء جمعاً في أي مكان شاء؛ لأن الصلاة في وقتها أولى من العبرة بمكانها؛ لأن العبرة بالوقت أعظم من العبرة بالمكان.

المسألة الثالثة :
وهي متى يخرج وقت العشاء؟
إن وقت العشاء يخرج -كما هو رواية عند الإمام أحمد وهو مذهب ابن حزم وهو اختيار شيخنا محمد بن عثيمين وله رسالة في هذا أطال فيها وهو أقوى- وهو أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل؛ لما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (ووقت العشاء إلى منتصف الليل)
ومثله حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- (حينما جاءه السائل فقال له متى الصلاة ؟ فلم يجبه, ثم أمر بلالاً أقام في أول وقت كل صلاة وفي آخر وقت كل صلاة, فلما حضر العشاء أقام في وقتها وصلى, وفي اليوم التالي أقام في آخر وقتها عند ثلث الليل, وقال الصلاة ما بين هاتين)
فهذا يدل على أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل.
كيفية تقدير منتصف الليل :
منتصف الليل يختلف شتاءً وصيفاً, فيحسب الإنسان من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فيجمعه ثم يقسمه على اثنين, فهذا هو منتصف الليل
تنبيه مهم :أن الإخوة الذين يخرجون من عرفة إلى مزدلفة, ربما يحبسهم زحام فلا يصلون إلا بعد صلاة الفجر, وأرى أن هذا ليس بصحيح, وإن كان جمهور الفقهاء يرون أن وقت العشاء للضرورة ينتهي إلى
الفجر, واستدلوا على ذلك بما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) قالوا: فهذا يدل على أن كل صلاة لا تنتهي إلا بدخول وقت الصلاة الأخرى, قلنا: إن هذا ليس على ظاهره بدليل أن صلاة
الفجر بينها وبين الظهر وقت مقطوع ليس من وقت الظهر ولا هو من وقت الفجر, وقول الله
تعالى ﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ مما يدل على أن وقت العشاء منقطع ما قبله مع ما بعده, فهذا يدل على أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل. هذه مسألة ذكرها المؤلف -رحمه الله.
المسألة الثالثة:
هل السنة أن يصلي المغرب والعشاء في وقت المغرب أو وقت العشاء؟
القول الأول في هذه المسألة : أن السنة للحاج أن يصلي المغرب والعشاء -في جمع- في وقت العشاء، كما أن السنة للحاج أن يصلي الظهر والعصر في عرفة جمع تقديم وهذا محل إجماع من الفقهاء وقول الأئمة الأربعة
واستدلوا على ذلك بأدلة:
أولاً: الإجماع عن غير واحد من السلف ونصوص الأئمة تدل على ذلك, من ذلك مالك بن أنس -رحمه الله- كما سئل في المدونة «هل الرجل يصلي قبل مغيب الشفق لو وصل مزدلفة قبل مغيب الشفق؟» يعني قبل دخول وقت العشاء قال مالك: « لا أظنه, ولو وصل أحببت له ألا يصلي حتى يغيب الشفق أو حتى يدخل وقت العشاء» وقال الشافعي -رحمه الله- كما ذكر ذلك النووي: «قال:والسنة للحاج أن يصلي المغرب والعشاء في جمع -جمع تأخير- ولو صلى المغرب في وقتها أو صلى المغرب والعشاء في غير جمع أو صلى المغرب في وقتها والعشاء في وقتها؛ أساء وترك الفضيلة» وكذلك نص الإمام أحمد على أن السنة للإمام في الحج أن يجمع جمع تأخير.
ثانيا : الأدلة ـ
أولاً: حديث ابن مسعود أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: ( إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان فلا يقدم الناس جمع حتى يتموا)
فدل ذلك على أن المغرب حولت عن وقتها إلى وقت العشاء والعشاء حولت عن وقتها المستحب
–المتأخر- إلى التقدم؛ لأن السنة الصلاة في العشاء هو أن يؤخر الصلاة, لكنه في مزدلفة يتقدم في الصلاة, فهذا هو المراد .
وهو أن السنة أن يصلي المغرب والعشاء في وقت العشاء.
والقول الثاني في المسألة: وهو قول بعض أهل الحديث قالوا: إن السنة للحاج أنه متى ما قدم مزدلفة فإنه يصلي سواء كان في وقت المغرب أو كان في وقت العشاء,
وهذه المسألة استدلوا عليها بحديث جابر كما في صحيح مسلم قال: (حتى أتى مزدلفة فصلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين) فجعلوا العبرة بالوصول.
قول الشيخ : المسألة إنما هي على سبيل الاستحباب, فسواء صلى المغرب والعشاء في وقت المغرب أو صلى المغرب والعشاء في وقت العشاء, الحمد لله المسألة مسألة استحباب, وإن كنت أرى أن قول الأئمة الأربعة وقول ما ذكر الإجماع على أن السنة أن يصلي المغرب والعشاء في وقت العشاء هو أولى وأحرى.

تنبيه :
أن بعض الإخوة -خاصة بعض أصحاب الحملات- بمجرد وصولهم إلى مزدلفة تجدهم يصلون ولا ينتظرون أصحابهم, وقد وصل النبي-صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث أسامة قال: (حتى أتى المزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان) فهذا يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- توضأ في مزدلفة. فتَسارع الناس في الصلاة في هذا الأمر قبل جمعهم وقبل اجتماع إخوانهم أرى أن هذا ليس بالأفضل, ومن المعلوم من السنة المتواترة أن صلاة المرء مع صاحبه أولى من صلاته وحده وصلاته مع الثلاثة أفضل من صلاته مع الرجل .
مسألة :
إذا توقع أنه لا يصل إلى مزدلفة إلا بعد خروج وقت العشاء, فيصلي في الطريق ثم تسيرالسيارات الطريق كاملاً فيصلي قبل خروج الوقت هل يعيد أو تجزئ الصلاة ؟
لو أنه خشي خروج الوقت ثم صلى ثم وصل مزدلفة قبل منتصف الليل فنقول: صلاته صحيحة, ولا يجوز له أن يعيد؛ لأنه أدى الصلاة بما أمره الله وقد قال ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعا إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- (إن الله لم يأمرنا أن نصلي الصلاة مرتين) فإذا أمرنا الشارع أن نصلي الصلاة قبل مزدلفة حفاظا على الوقت فلا ينبغي أن نعيد الصلاة؛ لأن الله لم يأمرنا أن نصلي الصلاة مرتين.

( مسألة,
وهي أن الإخوة يقولون: نحن نكون في الباصات ويصعب علينا أن ننزل؛ لأن الباصات عن يميننا وعن شمالنا وربما إذا دخلنا مع الناس إذا نزلنا من الباصات ربما يحصل أذية ربما يحصل موت ودهس من المسلمين فأرى -والله أعلم والحالة هذه- إذا خشي خروج الوقت وهو في الباص فإنه يصلي كيفما اتفق, ومعنى يصلي كيفما اتفق؛ فمن استطاع من الرجال أن ينزل من الباص ومن الحافلات فيصلي مستقبل القبلة فهذا هو الذي يجب عليه, ومن لم يستطع مثل الصغار أو كبار السن أو النساء اللاتي لا يستطعن أن ينزلن من الحافلات فإنهن يصلين في الباصات كيفما اتفق, فإن استطعن أن يقمن في أداء ركن القيام فعلن ذلك, وإن استطعن أن يركعن فعلن ذلك والله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
وقد قال -صلى الله عليه وسلم- (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) )

المسألة الرابعة
هو أنه لو ترك الجمع يعني صلى المغرب في وقتها والعشاء في وقتها أو غير ذلك قلنا خالف السنة ولا يلزمه الإعادة خلافاً للحنفية وخلافاً لابن حزم -رحمه الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
يقول المؤلف: (ثم يبيت بها ثم يصلي الفجر بغلس)
فيه مسائل:
المسألة الأولى:
هل يشرع قيام الليل في هذه الليلة ؟
القول الأول : هو ألا يصلي الوتر ولا يصلي الليل في مزدلفة
واستدلوا على ذلك بما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر قال: (حتى أتى المزدلفة فصلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع حتى طلع الفجر) فقالوا: فجابر -رضي الله عنه- أخبر عن فعل النبي-صلى الله عليه وسلم- فدل ذلك على أن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يوتر, وهذا يدل على أن الأفضل هو عدم الوتر.
القول الثاني : أن للحاج أن يوتر بمزدلفة
وهو الأقرب والأظهر وهو الذي تعضده الأدلة
الدليل الأول : أن عائشة -رضي الله عنهم- أخبرت وهي أعلم بشئون النبي-صلى الله عليه وسلم- الداخلية من جابر وقد استفتى جابر عائشة -رضي الله عنهم- في بعض المسائل التي لا يعلمها إلا النساء مثل متى يجب الغسل؟ كما رواه مسلم وأصله في الصحيحين فعائشة -رضي الله عنهم- قالت: (ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم – الوتر ولا ركعتي الفجر في حضر ولا سفر) كما ثبت ذلك في الصحيح, فهذا خبر عام فلا يجوز لنا أن نبطله بأدلة ربما لا تكون قوية كما سوف يأتي.
قد يجمع بين قولها وبين حديث جابر الحديث عن الوتر
أن يكون جابر لم يبلغه هذا الأمر كما أخبرت عائشة رضي الله عنها .
- الدليل الثاني: أن جابر -رضي الله عنه- لم يحفظ كل أفعال النبي-صلى الله عليه وسلم- في حجه, فهناك مسائل في الحج لم تبلغ جابر, بل إن في حديث جابر حديث جابر الطويل ترك جابر مسائل فعلها النبي-صلى الله عليه وسلم- وأمر أصحابه وأمر نساءه من ذلك ليلة جمع حينما جوز لنسائه والضعفة والثقل جوز لهم أن يخرجوا من مزدلفة إلى منى ولم يبلغ جابر -رضي الله عنه- ولم يذكر ذلك, مع العلم أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أمرهم أن يخرجوا ليلة جمع فهذا لم يبلغ جابر -رضي الله عنه- ومما يدل على أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أيضا استيقظ قبل الفجر, هو أنه أرسل بأم سلمة قبل الفجر وقال اخرجي إلى منى فرمت الجمرة ثم أفاضت ثم رجعت إلى منى, فجابر لم يبلغه أن
النبي-صلى الله عليه وسلم- استيقظ قبل الفجر, ومن المحال أن يقوم النبي-صلى الله عليه وسلم- قبل الفجر ويخاطب أصحابه ولا يذكر الله ولا يصلي, هذا من البعبد فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو أقرب إلى ربه من البشر.

الدليل الثالث : أن الصحابة -رضي الله عنه- كانوا يصلون, وجابر لم يقل لم يوتر, إنما قال حتى اضطجع فربما جابر نسي أن يذكر هذا أو لم يبلغه هذا, إنما ذكر بما حفظه.
وكما في الصحيح من حديث أسماء: (أنها أتت المزدلفة فصلت ساعة, ثم قالت لغلام عبد الله: هل غاب القمر؟ قال: لا, ثم صلت ساعة فقالت: هل غاب القمر؟ قال: لا, فصلت ساعة, ثم قالت: هل غاب القمر؟ قال: نعم, قالت: فارتحل بنا) فهذا يدل على أن الصحابة كانوا يصلون.
- الدليل الرابع أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يوقظ ضعفة أهله ويجعلهم يقفون ويذكرون الله قبل أن يقف الإمام وقبل أن يبدأ ويذكر أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أرخص في أولئك.

- الدليل الخامس: نقول: إن الوتر ليس من المناسك أصلاً, فالوتر ليس من المناسك, فهب أن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يفعل فالرسول -صلى الله عليه وسلم- ربما يترك الأمر من باب ما يغلبه من النعاس والتعب
كما روت عائشة قالت: (وكان إذا غلبه نوم أو نعاس عن صلاة الليل صلى من النهار اثنتى عشرة ركعة)
فهذا يدل على أن النبي-صلى الله عليه وسلم- فعل أفعال ربما لا يستطيع أقوياء وأشداء البشر أن يصنعها مثل النبي-صلى الله عليه وسلم-؛ مثل أنه يقوم وهو رافع يديه من حين الوقوف يعني من بعد الزوال إلى غروب الشمس لا يفتر وهو يخاطب الناس, وقد قالت عائشة: (صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم قاعداً بعدما حطمه الناس) فالناس يسألونه فهم مائة ألف حاج يسألون النبي-صلى الله عليه وسلم فلماذا لا نقول إنه ربما ترك -إذا ثبت أنه ترك لأجل التعب والإرهاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حكم الوقوف بمزدلفة :
المسألة الأخرى:
هو قول المؤلف: (ثم يبيت به) حكم الوقوف بمزدلفة,
مسألة :
أرى أن نقول: (حكم الوقوف بمزدلفة) لا أقول: (المبيت بمزدلفة) لماذا ؟
أولا:- لأن المبيت كما سوف يأتي لم يذكر لا في كتاب الله ولا في سنة النبي-صلى الله عليه وسلم- ولا ذكره الصحابة ولا التابعون كما أشار إلى ذلك ابن تيمية -رحمه الله- في شرح العمدة، فالمبيت إنما ذكر في منى ولم يذكر في مزدلفة, إنما ذكر في المزدلفة الوقوف, كما في حديث عروة بن مضرس أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع ) فأقول: إنه لا ينبغي أن نقول البيتوتة.
ثانيا : أن جمهور أهل العلم من الحنابلة والشافعية قالوا لمن وافى مزدلفة بعد منتصف الليل: لا يلزمه البيتوتة, فهذا يدل على كلمة (حكم المبيت بمزدلفة) الأولى أن نقول: (حكم الوقوف بمزدلفة) لأن الحنابلة والشافعية هم الذين اختصوا بالبيتوتة من وافاها قبل منتصف الليل وجب عليه أن يبيت إلى منتصف الليل. إلا -زيادة على ذلك- من قال: بوجوب المبيت في مزدلفة.

مسألة : حكم الوقوف في مزدلفة:
القول الأول: هو أن الوقوف بمزدلفة واجب
وهذا هو في المذاهب الأربعة (واختلفوا في مقدار الوقوف )
واستدلوا على ذلك الوجوب بأدلة:

الدليل الأول: أن الله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ والمشعر الحرام هو مزدلفة, وهذا أمر, والأصل في الأوامر الوجوب.

الدليل الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف بمزدلفة, وقال: (خذوا عني مناسككم) والحكم إذا خرج بياناً لمجمل القول دل على أنه مأمور فيه في الجملة.

الدليل الثالث: هو قوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث عروة بن مضرس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع -وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً- فقد تم حجه وقضى تفثه).

الدليل الرابع: على وجوبها وعلى عدم ركنيتها هو قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عبد الرحمن بن يعمر قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (الحج عرفة فمن وقف بعرفة قبل طلوع الفجر فقد تم حجه) فإذا وقف بعرفة قبل طلوع الفجر لم يستطع أن يبيت بمزدلفة, هذا يدل على أن مزدلفة ليست بركن, وليست بمستحب
القول الثاني: أن الوقوف بمزدلفة ركن
وهو قول النخعي والأسود والشعبي والحسن البصري وهو قول لبعض أهل الظاهر .
وأدلتهم هي :

ـالدليل الأول : قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾
ونقول: هذا يدل على الوجوب لا يدل على الركنية, ثم إننا نقول إنه بصلاته في مزدلفة يكون قد أدى هذا
الأمر, ولكننا قلنا الأقرب أنه واجب.
الدليل الثاني : حديث عروة بن مضرس قالوا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) قالوا: فمن لم يقف بالمزدلفة لم يتم
حجه ولم يقض تفثه .
قال الحافظ الإمام الفقيه أبي محمد الموفق بن قدامة: إن هذا الحديث لم يلتزموا به على ظاهره؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم يقول (من شهد صلاتنا هذه) وقد أجمع أهل العلم -خلافاً لبعض أهل الظاهر- على أنه لو صلى وحده في مزدلفة أنه أجزأ, ثم إنه لو نام -كما يقول ابن قدامة- ولم يصل الفجر في مزدلفة أجزأه ذلك, فدل ذلك على أن الحديث ليس على ظاهره, فلا ينبغي أن نأخذه على ظاهره بهذا الإطلاق.
القول الثالث : أن الوقوف بمزدلفة مستحب
وهو قول لبعض أصحاب الشافعية
واستدلوا على ذلك
أن الرسول صلى الله عليه وسلم- قال: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) قالوا: وهذا يدل على أن الوقوف بمزدلفة ينتهي بطلوع الفجر, وهذا محل نظر, إذ أن الوقوف بمزدلفة ينتهي قبيل طلوع الشمس, وهذا الاستدلال في محله فيه نظر.
الراجح : أن الوقوف بالمزدلفة واجب.
المسألة الثانية :
الجمهور القائلون بأن الوقوف بمزدلفة واجب اختلفوا في قدر الوقوف بها :
القول الأول :فذهب الحنابلة والشافعية إلى أن: قدر الوقوف أو المبيت الواجب هو من كان وصوله إلى مزدلفة قبل منتصف الليل إلى منتصف الليل
شرح العبارة السابقة نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة يعني إذا أتى مزدلفة قبل منتصف الليل وجب عليه أن يبقى إلى منتصف الليل), ولو كان الوقت قصيراً, لكنه يجب عليه أن يبقى, فلو أتى مزدلفة بعد غروب الشمس وجب عليه أن يبقى إلى منتصف الليل, ولكن لو وافاها بعد
منتصف الليل فإنه يدرك الوقوف إلى طلوع الفجر لحظة, فمن وافاها بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر ولوبمقدار لحظة وافاها ولا شيء عليه. فقالوا: إن من أتى مزدلفة بل منتصف الليل وجب عليه أن يبقى إلى منتصف الليل فلو خرج قبل منتصف الليل قالوا وجب عليه أن يرجع ويبقى إلى منتصف الليل ثم يخرج, ولو لم يرجع قالوا: يجب عليه دم؛ لأن الوقوف إلى منتصف الليل, قالوا: هذا واجب. )
وأدلتهم هي :
الدليل الأول: قالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بقي ولم يأذن لأحد بالخروج قبل منتصف الليل حتى الضعفاء، فوجب علينا أن نأخذ بهذا الأمر.
وأما تحديد ذلك:
*ـ بمنتصف الليل و هو المشهور عندهم
واستدلوا بحديث ابن عباس: قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةبعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جمع بليل بضعفة أهله) فقالوا: (بليل) يصدق أن يأخذ أكثره؛ لأن أكثر الشيء يقوم مقام جميعه، فإذا بات أكثر الليل بالمزدلفة صار في حكم من بات جميعا.
* بمغيب القمر
واستدلوا بما يلي :
ـالدليل الأول :أن أسماء قالت: (هل غاب القمر؟ قال: لا, ثم قالت: فارتحل بن) بعدما غاب القمر, ثم قال لها في آخر الحديث: (أي هنتاه قد غلسنا, قالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذن للظعن)
ـالدليل الثاني : حديث ابن عباس قال: (بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جمع بسحر بثقل النبي -صلى الله عليه وسلم-) وقد قال ابن منظور في لسان العرب: إن السحر هو آخر الليل, وهو ثلث الليل الأخير, كما أشار إلى ذلك في لسان العرب.

القول الظاهر :القول بمغيب القمر أقرب من القول بمنتصف الليل, لكن هل يدل على أن من أتى مزدلفة قبل منتصف الليل هل يجب عليه أن يبقى؟ نقول: المسألة مسألة بحث, فالقول قوي.

القول الثاني وهو للمالكية قالوا: إن الواجب هو حط الرحال ( فإذا بقي في مزدلفة بمقدار حط الرحال فقد أدى الواجب
قالوا: أن الواجب هو أن يأتي مزدلفة ويبقى فيها ولا يلزمه البيتوتة سواء كان قبل منتصف الليل أو بعد منتصف
الليل
واستدلوا على ذلك بما يلي :

أولا: حديث عروة بن مضرس قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (من شهد صلاتنا هذه) وقد قال له عروة: (جئت من جبل طيء أكللت مطيتي وأتعبت نفسي فوالله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟)
فعروة جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلموهو يصلي الفجر, يعني بعد طلوع الفجر فقال النبي -صلى
الله عليه وسلم- كلاماً جامعاً قال: (من شهد صلاتنا هذه, ووقف معنا حتى ندفع -وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً- فقد تم حجه وقضى تفثه) فقوله: (وقد وقف معنا بعرفة قبل ذلك) هذا هو المقدار، فإذا وقف بها بمثل هذا المقدار فإنه أدى الواجب.
وإن كان الأولى والأحرى أن يبقى إلى خروج الناس قبل طلوع الشمس هذا هو الواجب ولا حرج, ولو خرج قبل منتصف الليل أساء, ولكن لا يلزمه شيء.
ثانيا: قالوا: إن الشارع أمر الحجاج بأن يذكروا الله عند المشعر الحرام, قال: ﴿ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ وذكر الله عند المشعر الحرام يصدق عليه
ـــ أن يذكره في مزدلفة بأن يصلي المغرب والعشاء,
ــ أو بأن يذكر الله في المشعر الحرام يعني في الجبل قبل طلوع الشمس.
فعلى قول الحنابلة والشافعية إما أن يأخذوا بمثل أول الحديث يعني صلاة المغرب والعشاء وإما أن يأخذوا
بآخره, فهم لم يأخذوا بأول الحديث قالوا ﴿ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾؛ يعني إما أن يقال
ـ ذكر الله عند المشعر الحرام هو الصلاة في مزدلفة فهذا هو أدنى الواجب
ــــ وإما أن يقال المشعر الحرام (ذكر الله) هو الوقوف بالمشعر الحرام كما وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل طلوع الشمس، فذكر الله -سبحانه وتعالى فهذا يدل على أن الوقوف الواجب هو هذا المقدار, وإن كان أساء إذا خرج.
أما قولهم: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك, نقول: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك, وفعله يدل على الوجوب في الجملة, لكن إذا جاءت أدلة تقوي عدم وجوب هذا الأمر؛ دل على أنه ليس بواجب ودليله أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (وقد وقف معنا بعرفة قبل ذلك)

أما استدلال الحنابلة والشافعية على حديث عروة بن مضرس بأن ذلك إنما كان بعد منتصف الليل, نقول: هذا يحتاج إلى دليل, ومن قال أن من أتى قبل منتصف الليل يجب عليه أن يبقى؟ هذا محل نظر وتأمل, ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح كما يقول ابن تيمية واحتج به الإمام أحمد عن الأسود: (أن رجلا أتى عمر -رضي الله عنه- وهو بجمع بعدما أفاض من عرفات فقال: يا أمير المؤمنين الآن قدمت أو قال قدمت الآن, قال عمر: أما كنت وقفت بعرفة ؟ قال: لا, قال فأتِ عرفة وقف بها هنيهة ثم أفض, فذهب الرجل فنام عمر حتى أصبح وصلى الفجر, ثم قال أقد جاء الرجل؟ قالوا: لا, قال: أقد جاء الرجل؟ قالوا: جاء, ثم قال: عمر فلننصرف إذن أو فلنسر إذن) وعمر -رضي الله عنه- لم يأمره بشيء, مما يدل على أن المبيت بمزدلفة يبقى إلى قبيل طلوع الشمس, وأيضا أنه قد فعل الواجب.
وأرى أن الأولى ألا يخرج من مزدلفة إلا بعد مغيب القمر.
معنى مغيب القمر :
المقصود بمغيب القمر هو مغيبه عن مزدلفة ليس عن الجبل؛ مغيبه عن مزدلفة, وهذا يكون قبل الفجر بساعة تقريباً أو بساعة ونصف, وجمع الأدلة يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أذن بسحر وقد قال الحافظ بن منظور -رحمه الله- في كتابه لسان العرب قال: بسحر هو آخر الليل قبل الفجر, ومما يدل على ذلك أن الوقت قريب وليس بمنتصف الليل؛ لأن منتصف الليل يكون قبل الفجر بثلاث ساعات تقريباً؛ أن ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول كما روى سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- (أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون قبل الفجر بالمشعر الحرام قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يخرجون إلى منى فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك) فهذا يدل على أن الوقت كان قريبا وقصيرا فهذا هو الأولى والأحرى.
استطراد على ماسبق :
المسألة الأخرى قول ثالث هو قول الحنفية، الحنفية يقولون: مقدار الوقوف الواجب ليس هو الليل بل هو من طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس، وهذا غريب, لم يشتهر هذا القول, لكنهم قالوا: لو وقف قبل ذلك لمستحب, لكن الواجب هو أن يبقى من طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس, فلو خرج القوي قبل ذلك مع الضعفاء -وهو ليس منهم- قالوا: ترك واجباً؛ لأنه يجوز ترك الوقوف للضعفاء والحيض -كما يقولون المرأة الحائض- ومن خاف بزحام الناس؛ قال جاز له ذلك, أما القوي فإنه لو خرج بعد مغيب القمر ترك واجباً وعليه أن يجبره بدم.
جمهور أهل العلم أو الحنابلة والشافعية قالوا: إن القوي لو خرج بعد مغيب القمر ولو لم يكن معه ضعفة قالوا: أساء ولا عليه شيء, وهذا يدل على أنه ينبغي لطلاب العلم وينبغي لطالب العلم ألا يضيق ذرعاً بقول اشتهر عنده؛ لأنه ربما إذا ذهب وقرأ أقوال الأئمة يجد أن المسألة فيها مندوحة، وما من إمام من أئمة الإسلام إلا وقد اغترف من بحر جود النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنته -عليه الصلاة والسلام- فتجد أن هذه
الأقوال إنما ذكرتها لأبين أن لها قوة ولها اهتمام, وإن كنت أرى أن الأولى الأخذ
بقول الشافعية والحنابلة, لكن القول بالوجوب محل تأمل ونظر, وكما أننا لا يجوز لنا
أن نقول هذا حلال, كذلك لا يجوز لنا أن نقول هذا حرام إلا بسنة ناصعة عن النبي -صلى
الله عليه وسلم. ‘على كل حال مذهب الحنفية استدلالهم بهذا محل نظر؛ لأنهم استدلوا بحدث عروة بن مضرس
وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه) قالوا: فهذا هو المقدار الواجب, ولكننا نقول إن هذا محل نظر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ ويصدق هذا إذا صلى في مزدلفة أو ذكر الله في مزدلفة أو وقف بمزدلفة؛ لأن مجرد الوقوف بمزدلفة إنما هو ذكر, وهذا هو المراد بالحديث, وهذا هو مسألة الوقوف بمزدلفة هل هو واجب أو لا؟
__________________
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #4  
قديم 05-10-2012, 09:37 PM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس السابع


تابع باب محظورات الإحرام


يقول المؤلف تحت باب محظورات الإحرام: (وهي تسعة: حلق الشعر وقلم الظفر ففي ثلاث منها دم، وفي كل واحد مما دونها مُد طعام وهو ربع الصاع وإن خرج في عينيه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عينيه أو انكسر ظفره فقصه فلا شيء عليه. الثالث: لبس المخيط إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس سراويل أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه. الرابع: تغطية الرأس والأذنان منه. - الخامس: الطيب في بدنه وثيابه. - السادس: قتل صيد البر، وهو ما كان وحشياً مباحاً فأما صيد البحر والأهلي وما حرم أكله فلا شيء فيه إلا ما كان متولداً من مأكول وغيره)، المحظور الثالث لبس المخيط : المخيط : هو كل ما يخاط على قدر العضو الملبوس عليه..عرفه بعض أصحاب الشافعي هو كل ما اعتاد أن يلبسه المحرم قبل الإحرام.. وبالتالي فلا يجوز للمحرم أن يلبس السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف ولا القُمُص ولا الطاقية ولا العمامة ولا القفازين ولا الجوارب ولا غير ذلك مما يُلبس على قدر العضو؛ وبالتالي فإذا أراد المحرم أن يحرم فيجب عليه أن يخلع كل ما اعتاد أن يلبسه قبل الإحرام. وذكرنا -من باب التذكير- أن لبس المخيط الذي يفعله بعض الناس وهو ما يُحَزُّ على المنطقة ويكون هيئته كهيئة السروال في أعلاه وهيئة السروال في أسفله, قلنا هذا ممنوع منه المحرم ولا يسمى إزاراً أئمة اللغة والفقهاء ذكروا أن هذا لايسوغ للمحرم أن يلبسه. لمَ ؟ لأنه لا يسمى إزاراً في لغة العرب، ففعل بعض الإخوة الذين يلبسون الإحرام على هيئة التنورة أو على هيئة النقبة بحيث يكون الإزار مخاطا كله وله حزة في المنطقة أن ذلك من محظورات الإحرام ولكن من فعله بناء على اجتهاد وتقليد لبعض العلماء فلا بأس لكننا نذكر القول الراجح أنه لا يسوغ لبسه، س: ما دليل أن لبس المخيط محظور من محظورات الإحرام؟ الأصل في ذلك هو قول ابن عمر كما في الصحيحين: ( أن رجلا سأل النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف إلا رجلاً لا يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد الإزار فليلبس السروايل ... ) الحديث، وكذلك حديث ابن عباس كما في الصحيحين: (أن النبي-صلى الله عليه وسلم- خطبهم وهم بعرفة فقال السراويل لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين) وقد ذكر ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القمص والعمائم والقلانس وغير ذلك مما يلبس على قدر العضو. س: إذا لم يجد المحرم النعلين فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويل)، س: هل إذا لبس السراويل أو لبس الخفين هل يلزمه فدية أو لا يلزمه؟ قولان عند أهل العلم: ذهب الحنابلة والشافعية إلى أن: كل من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ولا فدية عليه وكل من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولا فدية عليه, قالوا: ودليل ذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث ابن عباس كما في الصحيحين ومثله حديث جابر كما عند مسلم أن الخفين لمن لم يجد النعلين والسراويل لمن لم يجد الإزار, ولم يأمره بعد ذلك بفدية والأصوليون يقولون: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهذا هو الأقرب والله أعلم. س: إذا جوزنا للمحرم أن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين فهل يجب عليه أن يقطعهما أو يجوز أن يلبسهما بلا قطع؟ الخفان هي التي نسميها الجرموق التي لها ساق بحيث تغطي الكعبين، هذا للذي لم يجد النعلين هل له أن يلبس الخف من غير قطع أو يجب أن يقطعهما؟ قولان عند أهل العلم: القول الأول: الحنابلة قالوا: له أن يلبس الخفين ولو من غير قطع, استدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: (خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بعرفة فقال: السراويل لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين قال ولم يأمرهم -صلى الله عليه وسلم- بقطعهم) / قالوا: وما جاء في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- ( أنه قال ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) قالوا: إن هذا محمول على ثلاثة أشياء: - أولا: أن هذا اللفظ هو من قول نافع وليس من قول رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكره أبو بشر في أماليه وذكره ابن قدامة -رحمه الله - وقال بإسناد صحيح. - ثانياً: على فرض أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي قاله, فإنما قاله بماذا؟ قاله بالمدينة كما عند الدارقطني أن رجلا نادى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد فقال يارسول الله ما يلبس المحرم؟ ومعلوم أن المسجد هو مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: كما قال عمرو بن دينار الذي روى حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- وحديث ابن عباس قال: انظروا أيهما قبل؟ يعني إذا كان حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قبل فيكون حديث ابن عباس ناسخ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- وبالتالي يجوز لبس الخفين من غير قطع. - ثالثاً: استدلوا بما قال علي بن أبي طالب أنه سُئل عن لبس الخفين مع القطع قال قطعهما إفساد. وبالتالي فيجوز لبس المحرم الخفين ولو لم يقطعهما وهذا هو قول الحنابلة ويروى عن علي وهو قول عطاء. القول الثاني قول جماهير الفقهاء من الحنفية المالكية والشافعية قالوا: يجب على من لم يجد النعلين أن يلبس الخفين وأن يقطعهما. والراجح: أنه يجوز للمحرم إذا لم يجد النعلين أن يلبس الخفين ولا يقطعهما؛ لأن أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ينسخ بعضها بعضاً. س: شخص عنده نعلان وعنده خفان مقطوعين أسفل من الكعبين وهي التي نسميها في وقتنا الكنادر, هل يسوغ لبسها أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك: فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه له أن يلبسها، استدلوا على ذلك بما جاء عند البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين) وفي رواية (فإن اضطر إلى ذلك فليقطعهم) قالوا: هذا دليل على الاضطرار، والقول الآخر هو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد أن المحرم ممنوع من لبس الخفين التي هي أسفل الكعبين إلا إذا لم يجد النعلين فإن وجد النعلين فلا يسوغ لبس الكنادر واستدلوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) قالوا: وهذا دليل على أن لبس الكنادر أو لبس الخفين التي هي أسفل من الكعبين لا يسوغ لبسها إلا بعد عدم وجود النعلين؛ فدل ذلك على أن المحرم ممنوع من لبس الخفين المقطوعين إذا كان عنده نعلان. وأرى أن هذا القول أقوى والله أعلم. المرأة مثل الرجل في اللباس إلا في أمور: الأمر الأول: أنها لا يجوز لها أن تلبس القفازين , والقفازان هي كل ما يغطي الكفين سواء كان هذا الغطاء تدخل فيه الأصابع أو لا.. كما عند البخاري: (ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين)، الأمر الثاني: المحرمة ممنوعة من لبس النقاب, ما النقاب؟ هو كل ما يغطي الوجه ويظهر العينين, المرأة ممنوعة من تغطية وجهها إلا بوجود الأجانب لقول ابن عمر -رضي الله عنهما- (إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه)، س: بعض النساء تقول: أنا أريد أن ألبس نقاب له فتحة ثم أضع غطاء آخر على العينين فهل هذا يسوغ لها؟ نقول مسألة النقاب ممنوعة منه المحرمة سواء قلنا بجواز كشف الوجه أو بعدم جوازه، لا يجوز لها أن تنتقب المحرمة، وبالتالي فالممنوع منه هو أن تغطي وجهها فلو فرض أنها وضعت نقابا ثم وضعت غطاءً آخر لتغطي عينيها أمام الرجال قلنا وقعت في المحظور الراجح والله أعلم أن تغطية الوجه واجبة أمام الأجانب. المحظور الرابع تغطية الرأس للرجل: فلا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه وهو محرم ومعناه أن يغطي رأسه بملاصق له أياً كانت هذه التغطية سواء كان من قماش أو من قرطاس، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه، والدليل الإجماع، والأصل في هذا الإجماع هو قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (ولا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا القلانس) العمائم والقلانس هي التي تغطي الرأس, وأيضاً ومما يدل على أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في الرجل الذي وقصته ناقته قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تغطوا رأسه ولا تحنطوه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيا). قال المؤلف: (والأذنان منه) يعني لا يسوغ تغطية الأذنين مثل لو وضع سماعات على الأذن يعتبر عند المؤلف تغطية للأذنين وهذا بناء على ما جاء في الأحاديث عند أبي أمامة -رضي الله عنه- وعن جابر وابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الأذنان من الرأس)، و الأقرب والله أعلم أنه لا بأس بتغطية الأذنين وإن كان الأولى تركها؛ لأن الحديث ضعيف، وإن كان الأولى خروجاً من الخلاف ألا يغطي المحرم أذنيه. لا يسوغ للمرأة أن تُغطي وجهها أمام محارمها أو أمام النساء، لا يسوغ ولا ينبغي لها، بل بعض أهل العلم ذكر أن عليها الفدية, ولكن الأقرب الجواز؛ لأنه إذا جاز أن تغطي أو إذا وجب أن تغطي أمام الأجانب فيسوغ لها, لكننا نقول لا ينبغي لها ذلك ويُكره وهذا يحصل عند بعض النساء إذا كانت مع الحملات فلا تريد أن تُعرف مع الحملات فتغطي وجهها مما لا فائدة فيه, فنقول: إنك ممنوعة من ذلك وإن كان ليس عليها فدية لكنها ممنوعة منها، س: الاكتحال للمرأة المحرمة هل يسوغ لها أو لا يسوغ؟ يُكره في حقها، أما لبس الحلي والخلاخل وغير ذلك, فإنا نقول لا بأس بذلك؛ لأن المرأة تلبسها في العادة ولو من غير مناسبة؛ لهذا قالت عائشة وابن عمر: (ولتلبس بعدُ ما شائت) يعني المحرمة (من خز وحلي ومعصفر وغير ذلك) كالسروايل وغير ذلك.. س: ما حكم تغطية الوجه للرجل؟ أما تغطية وجه المحرم فإن العلماء اختلفوا فيها: ذهب الحنابلة والشافعية إلى أن: المحرم يجوز له أن يغطي وجهه, واستدلوا على ذلك: قالوا بما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس في الرجل الذي وقصته ناقته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تحنطوه ولا تغطوا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) قالوا فمفهوم المخالفة في هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جوَّز تغطية الوجه؛ لأنه لم يذكرها. واستدلوا أيضا بما روى البيهقي عن القاسم بن محمد أنه قال: كان عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم يخمرون وجوههم وهم حُرم. وهذا الحديث جيد. القول الثاني في المسألة: هو أن المحرم لا يجوز له تغطية وجهه وهذا هو قول مالك وأبي حنيفة وهو قول ابن عمر -رضي الله عنهما. روى مالك بسند صحيح عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: (ما فوق الذقن من الرأس لا يغطيه أو لا يخمره المحرم) وهذا دليل على أن ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يرى تغطية الوجه للمحرم وهذا بإسناد صحيح. وروى مسلم في حديث ابن عباس الذي وقصته ناقته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه ووجهه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً )، وعلى هذا فالمحرم الأقرب أنه ممنوع من تغطية وجهه ولكن لو احتاج إلى ذلك مثل جاء غبار فغطى أو لبس الكمامة هذه فنقول إن احتاج إليها لا حرج وإن لم يحتج إليها فلا يسوغ له ذلك؛ لأن المحرم ممنوع من تغطية وجهه. : يقول المؤلف: (الطيب في بدنه وثيابه) المحظور الخامس: الطيب: المحرم ممنوع من لبس الطيب, وهذا إجماع من أهل العلم ودليل ذلك: - حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) والزعفران طيب والورس أيضا نبات طيب الرائحة. - ودليل ذلك أيضا ما جاء في الصحيحين من حديث يعلى بن أمية: (أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله كيف ترى أصنع في عمرتي) وقد لبس جبة فيها أثر خلوق فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (اغسل الطيب الذي بك) وفي رواية (اغسل عنك أثر الخلوق واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك). وعلى هذا فالمحرم ممنوع من لبس الطيب سواء كان في بدنه أو ثيابه وهذا بخلاف قبل الإحرام فيجوز له تطييب بدنه لا ثياب الإحرام. س: هل يجوز مس الحجر الأسود إذا كان فيه طيب؟ نقول: لا يخلو مس الحجر من أمرين: - الأمر الأول: إذا كان الحجر الأسود لتوه قد طُيب فنقول حينئذ إذا كان هذا الطيب له جُرم فلا يسوغ للمحرم أن يمس الحجر الأسود إذا كان الطيب له جرم. تعرفون ما معنى له جرم؟ يعني تجدون الحجر فيه قطرات طيب, نقول: لا يسوغ للمحرم مسه. - فإن جاء الأمر الثاني إذا لم يكن له جرم فيجوز أن يمسه؛ لأن معنى ذلك إذا قلنا بعدمه لما ساغ للمحرم أن يطبق هذه السنة والأصل والله أعلم الجواز. س: ما حكم شم الطيب؟ نقول شم الطيب إذا قصده المحرم فإنه ممنوع منه والله أعلم. س: ما ترون في الزعفران؟ الزعفران طيب, الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس ) هل طبخ ما يصنع منه الطيب في العادة, هل طبخه يخرجه عن معنى الطيب أم لا ؟ ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن كل ما يصنع للطيب إذا طبخ فإنه يخرجه عن مسمى الطيب. وذهب الحنابة والشافعية إلى أن الطبخ لا يخرج عن مسمى الطيب إذا بقي طعمه ورائحته، لكن ينبغي أن نعرف أنه ليس كل ما له رائحة يمنع منه المحرم بل الممنوع منه أن ما له رائحة ويتطيب منه في الغالب، المحظور السادس: قتل صيد البر: يحرم على المحرم أن يقتل الصيد, والصيد الممنوع منه هو أن يكون وحشياً وأن تكون وحشيته أصلية لا متولدة أو فرعية بمعنى أن تكون وحشيته أصلية لا منتقلة؛ بمعنى: الحمام مثلا صيد أليس كذلك؟ لكنه عند الناس استئنس أصبح في بيوتهم هل نقول إن الحمام إذا تأهل يجوز أكله وصيده أو ذبحه؟ نقول لا.. لأن الأصل أنه وحشي فهذا هو الأصل، أيضا وقولنا: أصلي؛ أننا لو رأينا إبل توحشت أو بقر توحشت, هل إذا توحش الإبل هل يخرجه عن كونه من الأهلي؟ لا.. فلا بأس بذبح الإبل ولو توحش, هذا هو الذي أراده المؤلف بقوله: (وهو ما كان وحشي) يعني أصلياً (مباح) ليخرج بذلك كل ما لا يجوز أكله فلو قتلت ذئباً أو نمراً أو أسداً أو فهداً... فلا بأس بذلك؛ لأنه وإن كان وحشي ولكنه غير مباح. يقول المؤلف: (فأما صيد البحر) وهذا الشرط الرابع: أن يكون وحشياً أصلياً مباحاً برياً, أما البحر فالمؤلف يقول لا بأس بذلك. أما دليل أن الصيد محظور من محظورات الإحرام فهو قوله تعالى: ﴿ لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة: 95]، وقال: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ وقد أجمع أهل العلم على ذلك. أما البحر فإن الله -سبحانه وتعالى- جوَّز لنا ذلك قال تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾ يقول المؤلف: (فأما صيد البحر والأهلي وما حرم أكله فلا شيء عليه)، فلو قتلت ذئباً أو كلباً أو حماراً فإنه لا بأس بذلك؛ لأن هذا يحرم أكله وليس بصيد, أما الضبع فإنها صيد كما روى مسلم من حديث جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الضبع صيد) يقول المؤلف: (إلا ما كان متولداً من مأكول وغيره)، البغل متولد من فرس وحمار؛ فعلى هذا يقول المؤلف إذا كان متولدا من مأكول وغير مأكول فإننا لا يجوز لنا أن نقتله, قال لمَ؟ قالوا: لأنه إذا تعارض حاظر ومبيح فإنه يقدم الحاظر
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #5  
قديم 05-10-2012, 09:54 PM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الدرس الثامن

تابع محظورات الإحرام

المحظور السابع: عقد النكاح: لا يجوز للمحرم أن يبرمَ عقدَ النكاح سواءٌ كان هو المتزوج أو الوكيل أو الولي لما جاء في صحيح مسلم من حديث عثمان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يَنكح المحرم ولا يُنكِح ولا يَخطب) لا يَنكح إذا كان هو المتزوج ولا يُنكِح إذا كان هو الولي أو الوكيل فلا يجوز, وهذا هو الأقرب وهو قول أكثر العلماء خلافاً لابن عباس وأما قول ابن عباس كما هو عند مسلم: (تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ميمونة بنت الحارث وهو حرام) أي: وهو محرم فإن هذا خطأ من ابن عباس؛ لأنه ظن أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهو محرم, والصحيح هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو حلال، فالنكاح فهو شبه اتفاق أنه مُحَّرَّمٌ، أما الخِطبة فالحنابلة يقولون يُكره ولكن الأقرب والله أعلم وهو اختيار ابن تيمية وهو قول عند الحنابلة أنه يَحرُم؛ لأن الأصل في النهي التحريم. س: لو عَقَدَ أو تزوج المحرم هل يصح النكاح أم لا يصح؟ الجمهور يقولون: لا يصح النكاح لأن النهي يقتضي الفساد, وهذا هو مذهب الحنابلة. وأرى والله أعلم أنه ينبغي أن يصحح، والعقد لو تم فإنه صحيح؛ لأنه لا يلزم من النهي الفساد, الحنابلة يرون النهي يقتضي الفساد, والأقرب أن النهي يقتضي التحريم، وأما الفساد فأمر زائد لا يثبت إلا بدليل وأرى أن هذا القول قوي والله أعلم.
قال المؤلف: (المباشرة لشهوة فيما دون الفرج، فإن أنزل بها ففيها بدنة وإلا ففيها شاة) المحظور الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج: يعني لا يأتي الفرج لا يجامع, فإذا باشر الرجل المرأة إما ضم أو تقبيل أو غير ذلك, فالمؤلف يقول فبهذه المباشرة التي لم يجامع فيها إن أنزل ففيها بدنة يقول: (وإن) لم ينزل (ففيها شاة) وعلى كلٍ كلها من محظورات الإحرام ودليل أن المباشرة ممنوع منها المحرم- هو قوله سبحانه: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾[البقرة: 197]، والرفث الصحيح فيه هو أنه كل ما يخاطب به الرجل المرأة مما لا يخاطب إلا النساء في الغالب, أو الجماع أو المباشرة ؛ فعلى هذا فالمحرم ممنوع من أن يذكر لأهله ما يتغزل به من كلام لا يُطلَق إلا لزوجته فلا يجوز له ذلك؛ لأنه نوع من الاستمتاع فالمحادثة التي لا تسوغ إلا للمرأة لا يجوز ذلك. مباشرة الرجل زوجته لا تخلو من أمرين: أولا: إن لم ينزل: فلا يفسد حجه لو أنه باشر دون الفرج أو قبل أو ضم ولم ينزل فإن حجه صحيح , يقول ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافاَ. ثانياً: إن أنزل: اختلف العلماء في فساد حجه إذا كان قبل التحلل الأول, الصحيح أنه كل من باشر فأنزل قبل التحلل الأول أو بعده أن حجه صحيح, ولكنه أولا: يأثم و الثاني: يقلع عن المعصية، و الثالث: عليه دم. المؤلف فرق في الدم إن كان بإنزال ففيه بدنة, وإن كان من غير إنزال ففيه شاة، يقول: (فأما إن أنزل فعليه بدنة) قالوا: لمَ؟ قالوا: قياساً لما اقترن به الإنزال فشابه المجامع بالإنزال فيلزمه بدنة. والقول الآخر يلزمه دم والأولى أن يكون بدنة, لكن لا يلزم البدنة وهذا أظهر والله أعلم؛ لأن ابن عباس لما سُئل قال: (فعليه دم) في رواية عند البيهقي قالت المرأة لابن عباس: (أي الدم؟ قال: أتقدرين على ذلك؟ قالت: نعم, قال: فبدنة) فهذا يدل على أن الدم هو الأصل.
المحظور التاسع: الوطء في الفرج: سواء كان الفرج مباحاً أو محرماً يعني وطئ في فرج امرأته أو بحرام كله مُفسدٌ للحج، يقول المؤلف: (فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج)، وهذا إجماع من الصحابة رضي الله عنهم كما روى البيهقي من حديث عمرو بن دينار عن طاووس : ( أن رجلا سأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل وقع على امرأته قبل عرفة, فقال: اذهب إلى هذا -يقصد بذلك ابن عباس- فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس: اذهب إلى هذا يقصد ابن عمر، فلما جاء إلى ابن عمر -رضي الله عنهم- قال: أفسدت حجك انطلق أنت وامرأتك فاقض ما يقضون فإذا حل الناس فحلوا, فإن كان العام المقبل فحج أنت وامرأتك, وأهديا هدياً فإن لم تجدا هديا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم, ثم ذهب الرجل إلى ابن عباس فقال: القول كما قال ابن عمر -رضي الله عنهما- ثم ذهب الرجل إلى عبد الله بن عمرو فقال القول كما قال الصاحبان) فهذا يدل على أنه إجماع،
ملحوظة: على هذا لا يكون فساد الحج بمحظور من محظورات الإحرام إلا بوطء في الفرج على الراجح من أقوال أهل العلم, أما إن كان بعد التحلل الأول فإن حجه صحيح لا يفسد.
يقول المؤلف: (وجب المضي في فاسده) هذا قول عامة أهل العلم أنه يجب المضي في فاسده، خلافاً لابن حزم؛ لا يرى إتمام الفاسد لأن الله لا يحب الفساد, نحن نقول إن الله لا يحب الفساد لكن إتمام الحج واجب كما قال الله: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ ﴾)[البقرة: 196]، يقول ابن قدامة -رحمه الله-: (وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاةٌ ويُحْرِم من التنعيم ليطوف محرماً, وإن وطئ في العمرة أفسدها وعليه شاة، ولا يَفسد النسك بغيره، والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط). يعني وإن جامع الرجل بعد التحلل الأول، الحكم الأول: أن فيه شاة وهذا لفتوى ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال في الذي يصيب أهلَه قبل أن يطوف قال: (يعتمر ويُهدي)، يعني عليه شاة، ولم يوجب المؤلف هنا البدنة لأنها أخف من قبل التحلل الأول.ذكر المؤلف (فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج) فمفهومه أنه بعد التحلل الأول لا يفسد الحج، وقوله أن بعد التحلل الأول لا يفسد الحج هو قول عامة أهل العلم، وهو قول ابن عباس وغيره، وإن كان ابن عمر روي عنه أن الحج يفسد إن تحلل التحلل الأول ولم يطف بالبيت، من جامع قبل أن يطوف طواف الإفاضة؛ فإن حجه يفسد عند ابن عمر ولكن الروايات عن ابن عمر مختلفة والأقرب هو قول عامة الفقهاء لأمور: قال ابن عباس -رضي الله عنه- في رجل أصاب أهله قبل أن يطوف قال: (اقضيا نُسُكَكُما ولا عليكما الحج من قابل وانحرا جزوراً بينكما) كما رواه البيهقي وغيره، وهذا يفيد على أن من جامع بعد التحلل الأول فإن حجه صحيح ولا يفسد ولا يلزمه أن يحج من قابل. 2-ومما يدل على ذلك أن أهل العلم قالوا: بعد التحلل الأول جاز له جميع محظورات الإحرام ماعدا النساء فخف بذلك إحرامه. وهذا الأقرب والله أعلم. المؤلف -رحمه الله- قال: (ويحرم من التنعيم)، يعني أن كل من جامع بعد التحلل الأول فإنه يجب عليه -على كلام المؤلف- أن يُحرمَ من التنعيم, لم يقصد التنعيم قصداً، وإنما أراد بذلك أنه يجب عليه أن يحرم من الحل حتى يكون قد طاف بالبيت طواف الإفاضة ويجمع فيها بين الحل والحرم، هو الآن في الحرم أليس كذلك. وهذا قول الحنابلة والمالكية ذهبوا إلى أن كل من جامع بعد التحلل الأول فإن إحرامه يفسد، وليس حجه يفسد، وحينئذ يلزمه أن يحرم من التنعيم، واستدلوا على ذلك: - بما رواه مالك في موطأه عن عكرمة أنه قال: (ولا أظنه إلا عن ابن عباس في الرجل يأتي أهله قبل أن يفيض قال: عليه أن يعتمر وأن يهدي) الهدي لأجل فعل محظور الجماع، و يعتمر لفساد إحرامه حينئذ. وقالوا أيضاً: ولأنه وطء صادف إحراماً، فأفسده مثل ما لو جامع قبل التحلل الأول، فيفسد إحرامه. وهذا القول فيه نظر؛ ولهذا اختلف العلماء في هذا. وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يلزمه أن يذهب إلى التنعيم بل يبقى على إحرامه، إن كان لم يتحلل التحلل الكامل, واختلف العلماء متى يتحلل التحلل الكامل هل هو بعد رمي جمرة العقبة أو بعد رمي جمرة العقبة والحلق و الراجح هو القول الثاني إن شاء الله، لو فرض أنه رمى ولم يحلق, فهل يلزمه أن يعيد إحرامه؟ أو يبقى على ما هو عليه؟ كما هو مذهب الحنفية والشافعية، قالوا: يبقى على ما هو عليه، بمعنى أنه إن رمى جمرة العقبة وبقي على إحرامه ثم جامع قبل أن يحلق فإن ابن قدامة ذكر إجماع أهل العلم على أنه قد جامع بعد التحلل الأول، ولو لم يحلق، وتحلل من إحرامه بأن رمى وحلق، فالمؤلف يقول: (يجب عليه أن يخرج إلى التنعيم)، لا يجب عليه؛ لأنه: - لم يرد حديث صحيح بذلك. - ولأن قول ابن عباس -رضي الله عنه- من باب الاستحباب لا من باب الوجوب، وهذا القول أظهر. - وأما قولهم: ولأنه صادف إحراماً فجامع فيه فأفسده، نقول: من قال بإفساده خاصة وأنه قد تحلل من جميع المحظورات مابقي إلا النساء، فكيف نقول له: يلزمك أن تحرم مرة ثانية, فتحلل التحلل الأول فقط ما بقي عليه إلا النساء، فإذا جامع نأخذ بالأكثر أم بالأقل؟ بالأكثر وهو التحلل؛ لأنه تحلل من جميع إحرامه. وهذا الأقرب والله أعلم. المؤلف -رحمه الله- قال: (ويحرم من التنعيم ليطوف محرما)، كلامه هذا أفادنا فائدة:- أن إحرامه لا يلزم منه أخذ عمرة وهذا الرواية الأولى عند الحنابلة. - والرواية الثانية: أنه إن أحرم من التنعيم وجب عليه أن يأخذ عمرة ثم بعد ذلك يطوف للإفاضة . والأقرب والله أعلم أنه لا يلزمه إحرام ولا يلزمه أيضاً لو أحرم أخذ عمرة. يقول المؤلف -رحمه الله-: (وإن وطئ في العمرة أفسدها وعليه شاة) الذي يطأ في إحرام العمرة لا يخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يطأ بعد الإحرام وقبل الطواف بالبيت, فهنا يكون قد أفسد عمرته، وهذا محل إجماع عند القائلين بأن الوطء قبل التحلل الأول يفسد الحج أو العمرة، وحينئذ نقول: من جامع قبل الطواف فإن عمرته حينئذ فاسدة/ الحالة الثانية: أن يجامع بعد الطواف وقبل السعي والحلق، فالحنابلة رحمهم الله: في المشهور عندهم يرون أنه أفسد عمرته؛ لأنه لم يتحلل من الركن الثالث من أركان العمرة وهو السعي. والرواية الثانية عند الحنابلة، وهو اختيار ابن قدامة وابن تيمية إلى أن السعي في الحج والعمرة ليس بركن ولكنه واجب وحينئذ يكون قد جامع بعد إنهاء الأركان كلها وهي الإحرام والطواف، فيكون حينئذ عمرته صحيحة، وهذا القول أظهر، الحالة الثالثة: فيما لو جامع بعد الطواف والسعي وقبل الحلق نقول: حينئذ نقول: لا تفسد عمرته ونقلها بعضهم إجماعاً، ولكن عيه محظور؛ لأنه تحلل بغير الحلق، وحينئذ يلزمه فدية أذى على الراجح. فحينئذ من جامع بعد الطواف أو بعد الطواف والسعي فإنما يلزمه فدية أذى على قول، وعلى قول المؤلف (فيلزمه شاة) بناءً على فتوى ابن عباس وقول ابن عباس -رضي الله عنه- اختلف في الروايات فمرة يقول: عليه دم ومرة يخيره في ذلك، على كل حال لو ذبح شاة فهو أولى خروجاً من الخلاف، ولو أخذ بعد التحلل الأول الفدية يعني لو بعد أن طاف وسعى فدية الأذى بناءً على أنه محظور لم يكن بعيداً وهو الأقرب والله أعلم. يقول المؤلف -رحمه الله-: (ولا يفسد النسك بغيره): يعني أجمع أهل العلم على أن النسك لا يفسد بغير الجماع، ولا عبرة بالمخالف بل نقل بعضهم إجماعاً وهو الأصح، وعلى هذا فلو أنه رفض إحرامه هل يفسد؟ لا يفسد، لو أن أحداً أحرم بالعمرة، ثم قال بعدما أحرم أو قبل أن يطوف قال والله لا أريد أن آخذ عمرة، لا أستطيع، أو امرأة لم تشترط في إحرامها فلما أرادت أن تطوف حاضت، فقالت: أنا لا أريد أن أكمل عمرتي فخلعت ثياب الإحرام أو خلع الرجل ثياب الإحرام فهنا هل يفسد حجها، أو يفسد عمرتها؟ لا، بل ما زالت باقية في إحرامها، هذا هو الصحيح وعليه إجماع أهل العلم. يقول المؤلف: (والمرأة كالرجل) في محظورات الإحرام وفي الحج وفي العمرة، إلا ما ثبت الدليل بخلافه لأمور: منها: لأن الله -سبحانه وتعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- إذا خاطب الرجل فإنما الحكم هو للرجل والمرأة سواء، كما ثبت عند أهل السنن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنما النساء شقائق الرجال). أحكام تخص المرأة في الحج : يقول المؤلف: (إلا أن إحرامها في وجهه)، 1- لا يسوغ لها أن تغطي وجهها بغطاء شيئًا كالبرقع وكالنقاب وكاللثام، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: (ولا تتبرقع ولا تتلثم)؛ أما الغطاء العادي الذي ليس هو لباس على الوجه بأن تضع المرأة خمارها من رأسها إلى وسط صدرها، فإن هذا لا بأس به إذا مر بها الرجال الأجانب، كما جاء في حديث أبي داود وإن كان في سنده ضعف، تقول عائشة: (كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن محرمات فيمر بنا الركبان فتضع المرأة جلبابها في وسطها فإذا حاذونا-ابتعدوا عنا- رفعت) وهذا الحديث فيه ضعف ولكن عليه العمل، قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافاً في جواز أن تغطي المرأة وجهها. لو أن المرأة غطت وجهها أمام محارمها وأمام النساء، نقول: تُمنع من ذلك ولكن ليس فيه فدية؛ لأنه ليس غطاءً للوجه، ولكنه تخميراً للرأس مع الوجه. فلو غطت فقد وقعت في المكروه ولكنه ليس بمحظور والله أعلم. يقول المؤلف: (ولها لبس المخيط)، 2- يعني لها أن تغطي رأسها ولها أن تلبس القُمُص من الثياب وأن تلبس الجوارب والخفاف، ولكن ليس لها أن تنتقب وليس لها أن تلبس القفازين لما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين). 3- وهل لها أن تكتحل؟ نقول: الأولى أن لا تكتحل؛ لأنه زينة والمحرمة ممنوعة من التجمل والزينة لما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر أن علياً دخل على فاطمة وقد لبست ثوباً صبيغاً واكتحلت وقد حلت، فقال فنهاها عن ذلك، قال علي: فأنكرتُ ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا -صلى الله عليه وسلم-، فكون علي ينكر عليها دليل على أن المحرم ممنوع من الاكتحال، ولكن لو فعل فلا فدية فيه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن للمرأة أن تكتحل لما جاء عن شميسة أنها سألت عائشة عن الاكتحال لأنها اشتكت عينها، أو عينيها، فقالت عائشة: (لا عليك إلا أن يكون له طيب، أما إنه ليس بحرام, ولكنا نكرهه، تقول عائشة) وهذا الأظهر والله أعلم، 4- هل لها المرأة أن تلبس الحلي؟ نقول: ثبت عن عائشة وابن عمر أنها قالت: (ولتلبس بعدُ ما شاءت من معصفر وخز وحلي وغير ذلك) وروي مرفوعاً من حديث ابن عمر وفي سنده محمد بن إسحاق وقد دلس والصحيح وقفه على عائشة وابن عمر رضي الله عنهم.

__________________
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #6  
قديم 05-12-2012, 10:46 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
باب صفة الحج

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الدرس الثامن:

باب صفـة الحـج

نبدأ -بإذن الله- من حين إحرامه من الميقات واغتساله واتجاهه إلى مكة, الحاج بعد أن يحرم من الميقات -سواء كان من أهل مكة أو من أهل الشام أو من أهل نجد أو من أهل العراق- فإنه يلبس ثياب الإحرام ويلبي بالعمرة -إن كان متمتعاً- أو يلبي بالقران ويقول لبيك عمرة وحجاً -إن كان قارناً- أو يقول لبيك حجاً, ثم يتجهون جميعاً إلى البيت, وبعد اتجاههم إلى البيت لم يزالوا يلبون؛ كل واحد منهم يقول لبيك عمرة -إن كان متمتعاً- أو لبيك عمرة وحجاً, ويدخلون البيت, الآن المشاهد سوف يشاهد -بإذن الله- الصورة من حين دخولهم البيت وهو ما زال يلبي, يدخل الحاج البيت وهو لم يضطبع بعد؛ لأن السنة أن الاضطباع إنما يبدأ من حين دخول الحاج أو المتمتع أو القارن من حين بدايته في الطواف, فيكون الرداء على كتفيه, فإذا شرع في الطواف فإنه يضطبع، والاضطباع أن يخرج كتفه الأيمن ويجعل باقي رداءه مغطياً لكتفه الأيسر ويكون هذا هو الاضطباع, ويتجه الحاج إلى الحجر وإن كان لا يستطيع أن يمس الحجر لمشقة الزحام لا يستحب له ذلك إذا كان يؤذي الحاج, ولكن يستقبل الحجر, وفي استقبال الحجر يلبي، المشروع أن يمس فقط الركن اليماني والحجر الأسود، قال -صلى الله عليه وسلم- (يا عمر إنك رجل قوي فلا تؤذ, فإن وجدت فرجة فاستلم وإلا فاستقبله وهلل) كما جاء عند الإمام أحمد, وإن كان في سنده ضعف. والسنة في الملتزم إنما هي في الوداع, كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما عند أبي داود, وبالتالي فتمسح المرء في البيت أو في المقام أو في غيرها أو في الحجر فليس من السنة بل هذا غير مشروع؛ ولهذا عندما طاف معاوية -رضي الله عنه- ومعه ابن عباس -رضي الله عنهما- فكان معاوية يمس الأركان كلها فقال له: ابن عباس لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يستلم إلا الركنين, قال: يا ابن عباس لم يكن شيء من البيت مهجوراً فقال ابن عباس ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾[الأحزاب: 21]. الحاج أو المعتمر يستقبل الحجر ويشير بيده اليمنى, ويقول: الله أكبر, أو يقول: بسم الله والله أكبر كما روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- من غير تكرار مرة واحدة يقول: الله أكبر والتكبير سنة, وإن شاء قال: بسم الله والله أكبر كما روى أبو داود في مسائله عن الإمام أحمد وكذا البيهقي فإنها لا بأس بذلك. ونحن حينما نتمسح بالحجر فإن هذا التمسح إنما هو على حسب ما ورد عن النبي-صلى الله عليه وسلم- كما قال عمر: «والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر, ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقبلك ما قبلتك», وينبغي للمسلم أن يبتعد عن البيت إذا كان يشق ذلك عليه، ولا يخشع في طوافه؛ لأن العبادة المتعلقة بذاتها أولى من العبادة المتعلقة بمكانها، ثم إذا بدأ الحاج في الطواف فإنه لم يزل يدعو ويهلل, ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة, فإذا وصل إلى الركن اليماني فإنه إن استطاع أن يتمسح, مسحه وإن لم يستطع فإنه لا يشير ولا يكبر ولا يقول شيئاً, وإذا وصل بعد الركن اليماني فإنه يشرع له أن يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[البقرة: 201]، يقول ذلك بين الركنين, كما ثبت ذلك عند البيهقي وغيره من حديث عبد الله بن السائب أن النبي-صلى الله عليه وسلم- ثم بعد ذلك يعتبر أنه طاف شوطاً واحداً, ثم كلما مر على الحجر استقبله ثم أشار إليه بيده اليمنى ويقول: بسم الله والله أكبر أو يقول الله أكبر. الأفضل أن يستقبله بجسده وإن استقبله ببعضه فهذا جائز كما اختار ذلك أبو العباس بن تيمية, وقد قال «وغاية الواجبات أن تفعل إلا بالعجز فإذا كان ثمة عجز فإنها تسقط» لم يرد عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه تمسح في شيء من البيت إلا الركن اليماني والحجر الأسود وما عدا ذلك فلا يشرع, نعم روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يجلس في الملتزم -وهو ما بين الباب وما بين الحجر الأسود- فهذا إذا أراد أن يودع الحاج بيت الله الحرام, أما قبل ذلك فهذا لم يرد عن النبي-صلى الله عليه وسلم.وينبغي للحاج أن يذكر الله -سبحانه وتعالى- ويخشع ولا يشرع في كل شوط دعاء مستقل، ومن الأخطاء أيضا أن بعض الحجاج إذا أراد أن يطوف تجده يدخل ما بين الحجر والبيت,وهذا خطأ؛ لأن الحجر من البيت كما ثبت ذلك عن النبي-صلى الله عليه وسلم- وبالتالي فإن طواف الإنسان داخل الحجر يعتبر لم يكمل شوطاً كاملاً وبالتالي يجب عليه أن يعيد هذا الشوط. بعدما ينتهي الحاج من طواف سبعة أشواط يشرع في حقه أن يزيل الاضطباع ويجعله على كتفيه؛ لأن بعض الحجاج تجدهم يضطبعون من أول ما يحرمون حتى يخلعوا ثياب الإحرام, حتى في الصلاة, وهذا ليس من السنة بل هذا مخالف للسنة؛ ولهذا يجب على الحاج أن يكون اضطباعه في أول طواف يقدم عليه الحاج كما قال الحنابلة والمالكية. ثم يتجه إلى مقام إبراهيم ويقول: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾[البقرة: 125]، فإن استطاع أن يصلي خلف المقام فهذا من السنة, وإن لم يستطع قريباً فإنه يبتعد ولو صلى في المصابيح -بعيدا صحن البيت- فإن هذا يكون أيضا قد طبق السنة, فإن لم يستطع فإنه يصلي في أي مكان شاء, كما ثبت عن عمر -رضي الله عنه- أنه صلى ركعتي الطواف في طوى, وكذلك ثبت عن أم سلمة -رضي الله عنهم- فيصلي الركعتين مستقبلا البيت ويقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾وفي الركعة الثانية ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ﴾، وبعد انتهاءه من الركعتين إن استطاع أن يستلم الحجر وإلا فإنه يذهب إلى الصفا والمروة, ولا شك أن في هذا الزمن لا يستطيع الإنسان أن يمسح الحجر الأسود, ولا يشير إليه. فيذهب الحاج إلى الصفا والمروة فيرقى على الصفا, عندما يتجه إلى الصفا يقول:﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ﴾[البقرة: 185]، فقط ثم يقول: أبدأ بما بدأ الله به, ثم يتجه إلى الصفا, فإذا رقي على الصفا استقبل البيت, ثم يرفع يديه ثلاثاً يقول: هكذا -وهو مستقبل البيت- يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر, لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده, ثم يدعو, ثم بعد الدعاء يقول: الله أكبر ثلاثاً, ولا إله إلا الله مرتين, ثم يدعو ويطيل في دعاءه, ثم بعد ذلك يقول: الله أكبر ثلاثاً, ولا إله إلا الله مرتين, ثم يتجه إلى المروة ولا يدع بعد الثالثة, يدعو مرتين هذا هو الراجح, والله أعلم. بعض الناس قد يشير وهذا من الأخطاء، بعض الناس إذا اتجه إلى البيت وهو راقي على الصفا تجده يقول الله أكبر الله أكبر هذا ليس من السنة, السنة أن يكبر وهو رافع يديه يوحد الله ويدعوه بخيري الدنيا والآخرة, ويكون ذلك بسكينة ووقار ويظهر عليه سمت الدعاء والسكينة والتضرع والانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك ينصرف إلى المروة: بعد ذلك يكون من ذهابه إلى الصفا يقول: اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم فأنت الأعز الأكرم, هذا يستحب له أن يقولها كما ثبت عن عبد الله بن مسعود، فإذا وصل الحاج بين العلمين فإنه يسعى, والسعي هنا هو أن يكون سعيه شديداً ولكن لا يكون على سبيل الوثبالمبالغ فيه كما يصنعه بعض الإخوة الشباب هذا ليس من السنة, السنة السعي, والسعي أن يسرع أو أكثر من الهرولة قليلاً.يكون خاص بالرجال وليس للمرأة اضطباع ولا رمل ولا سعي بين الصفا والمروة, وتجدهم بين العلمين يقول الحاج يسرع الحاج أو المتمتع أو القارن أو المفرد يسرعان بين الخطين الأخضرين ولا يقولون شيئاً, ثم يتجهون بعد ذلك إلى المروة، ويصنعون في المروة مثل ما صنعوا في الصفا بأن يستقبلوا البيت ويكبروا ثلاثاً ويهللوا مرتين ويدعون, ثم يكبرون ثلاثاً ويهللوا مرتين ويدعون, ثم يكبرون ثلاثاً ويهللوا مرتين ويدعون, ويكون تكبيرهم تسع وتهليلهم ست ودعاءهم مرتين, وتلاحظون هنا في الدور الثاني حلقة دائرية, لا يلزم أن يطوف الإنسان أو يدورها كلها بل إذا وصل إلى أول الحلقة فإنه يكفيه ويستقبل البيت ويكون قد أدى الصفا والمروة بكاملها, ومن الملاحظ أن بعض الناس يظن أنه لا يصح سعيه بين الصفا والمروة حتى يكمل الحاج الدوران وهذا ليس له أساس من الصحة. بعدما ينتهي الحاج من سعيه بين الصفا والمروة إن كان متمتعا فإنه يذهب فيقصر, والتقصير هنا في حق المتمتع واجب أما المفرد والقارن فإنهما يبقيان على إحرامهما حتى يخلعانه بعد التحلل الأول -بعدما يرميان- ويحلقان فإنهما ينزعانه أما المتمتع أو المعتمر فإنه يتحلل,إذا تحلل المتمتع فإنه يتجه ضحى يوم الثامن فيفعل مثل ما فعله في الميقات بأن يتنظف ويغتسل ثم يلبس ثياب الإحرام, ويقول: لبيك اللهم لبيك أما المفرد والقارن فبعد انتهائما من الصفا والمروة فإنهما يتجهان إلى حيثما شاءا, إما إلى منى وإما إلى البيت أو غير ذلك. س: الإحرام بعضهم يعتقد أنه لابد أن يكون من جوار الحرم؟نعم, إحرام المتمتع من الموضع الذي هو فيه كما في حديث جابر قال: (فأهللنا من البطحاء) وما يذكره الحنابلة أن الإهلال يكون من مكة فهذا ليس له دليل يعتمد عليه, والسنة أن يحرم من المكان الذي هو فيه, ومن الأخطاء أن بعض الحجاج لا تجده يهل ضحى يوم الثامن فيترك الإهلال أويترك الدخول في النسك حتى صبيحة يوم عرفة, ولا شك أن صلاته وهو محرم -الضحى قبل الزوال فيصلي الظهر ويصلي العصر ويصلي المغرب ويصلي العشاء ويصلي الفجر وهو محرم- خير له من عدم إحرامه. بعد أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء, فإنه يسن في حقه أن يبيت في منى. س: حكم الصلاة هل تكون قصراً وجمعاً؟ السُّنة -وهو مذهب الجمهور- أن يصلي الحاج المسافر الظهر قصراً والعصر قصراً والمغرب والعشاء قصراً من غير جمع, هذه السنة, فإن جمع فنقول ترك السنة, وكذلك المكي أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في منى من غير قصر, ثم بعد ذلك يبيت الحاج في منى, ومنى تلاحظون أن الحجاج يبيتون ليلة عرفة في منى, إذا باتوا فإن السنة في حقهم أن يبقوا إلى طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس فإنهم يتجهون إلى عرفة يلبون, (لم يزل يلبي -عليه الصلاة والسلام- حتى رمى جمرة العقبة) فإن كبَّر فلا بأس بذلك كما قال أنس: (كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) يتجه الناس الآن إلى عرفات, والسنة أن يبقوا في نمرة, ولا شك أن ذهاب الحجاج كلهم إلى نمرة هذا فيه صعوبة؛ ولهذا نقول: إذا كان ثمة مشقة فإنه يتجه إلى عرفة, وما يذكره بعض الفقهاء أن دخول الحاج عرفة قبل الزوال ليس من السنة, نقول: لا يلزم من فعل الحجاج هنا أن يقصدون السنة, لكنهم يقصدون ما هو أيسير لهم, وبالتالي يذهبون إلى عرفة, فإن وصلوا عرفة وبقوا فيها فلا حرج, وإن ذهبوا إلى نمرة واستمعوا إلى خطبة الإمام فهذا أفضل, وينبغي للحجاج أن يعتنوا مكان عرفة لأن بطن عرنة ليست من عرفة وكذلك نمرة ليست من عرفة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة) وكذلك نمرة ليست من عرفة إلا آخرها - آخر مسجد نمرة- هو من عرفة؛, فيجب على الحاج أن يعتني بحدود عرفات حتى لا يقع في المحظور وربما يكون حجه باطل؛ لأنه لم يصل عرفة بيقين, فلهذا يجب على الحاج أن يتيقن بقاءه في عرفة ولو لحظة حتى يدرك عرفة؛ لأنه لو بقي في عرفة جزءا من النهار ثم خرج يكون قد ترك واجباً, أما لو وقف في عرنة ولم يدخل عرفة نقول قد ترك الحج وعليه أن يتحلل بعمرة ويحج من قابل إن استطاع إلى ذلك سبيلاً. ثم بعد بقاءه في عرفة السنة أن يبقى ويدعو ويتضرع ويبتهل إلى الله -سبحانه وتعالى- وخير الدعاء أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, يكثر من ذلك وإن خلط ذلك بدعاء وتضرع وانكسار بين يدي الله, فإن ملَّ قرأ القرآن, وإن ملَّ أيضاً قرأ الكتب النافعة, لكن لا ينبغي للحاج أن يضيع وقته بالقيل والقال, ولقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يهتمون في مثل هذا الموقف, لِمَ ؟ لأن الله يباهي بهم ملائكته كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنوا ثم يباهي بهم ملائكته) فيستمر الحال يدعو ويتضرع إلى الله -سبحانه وتعالى- ويكون دعاءه وتضرعه يبدأ من بعد الصلاة, فإن كان مع الإمام صلى هذا خير وأولى وإن كان لم يصلّ مع الإمام فالأفضل في حقه أن لا يصلي حتى يصلي الإمام, فإذا صلى الإمام فإنه يصلي الظهر والعصر جمع تقديم. في مسجد نمرة بعد الخطبة، بعد الخطبة إن استطاع أن يصلي مع الإمام فهذا خير, وإن لم يستطع فإنه إذا كان بعيداً عنها فإن الأولى أن ينتظر حتى يسلم الإمام ثم إذا سلم الإمام شرع فأذن بأذان واحد وإقامتين يصلي الظهر ركعتين والعصر ركعتين جمع تقديم. أما أهل مكة: فالذي يظهر لي -والله أعلم- أن الأولى في حقهم أن يصلوا الظهر أربعاً ويجمعوها مع العصر أربعاً, والجمع ليس من خصوصيات السفر بخلاف القصر فالقصر إنما هو من خصوصيات السفر, ولهذا من المعلوم أن المكي إذا جاء عرفة أو جاء منى لا يعد مسافراً -كما لا يخفى- ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس بن مالك الكعبي: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصوم والصلاة) وهذا يدل على أن قصر الصلاة إنما هو من خصوصيات السفر, وليس نسكاً هذا الصحيح، ولو قيل من نسك قلنا كما قال ابن تيمية قال: «ولو قلنا أنه نسك للزم من ذلك أن يقصر من حين إحرامه بالحج ولا قائل به» وهذا لا يلزمه كما لا يخفى بل لو فعل لأمر بالإعادة. س: بالنسبة للوقوف بعرفة بعضهم قد يعتقد في الجبل أن يعتلي مكان النبي -صلى الله عليه وسلم-،من الأخطاء أن بعض الناس تجده يهتم في الوقوف في الجبل الذي يسمى جبل الرحمة أو جبل عرفات, وهذا ليس له أساس بالتسمية, ولم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يتقصد هذا المكان أو كان يدعو عنده ولم يرد عن الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم كانوا يتقصدون الذهاب إليه والجلوس فيه, ومن الأخطاء أن ذهاب الناس, بل إنك تجد أنواع ترفيه من الأكل والشرب وبعض الأشياء, وربما وقعوا في منكرات من ازدحام بين الرجال والنساء, وكل هذا لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا على أحد من الصحابة, والسنة هو أن يفعل مثل فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه إنما جاء لتحقيق العبودية ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ [الحج: 27]، ولهذا ينبغي للحاج أن يعلم أن كمال حجه وأن يكون مبروراً إنما هو باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- لا فيما تشتهيه نفسه, بعدما يصلي الحاج الظهر والعصر جمع تقديم فإنه يدعو ربه مستقبل القبلة يتضرع, ولقد كان حبيبك -صلى الله عليه وسلم- يبالغ في تضرعه حتى قال أنس كما عند النسائي قال: (رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقفاً على بعير حتى إن خطام ناقته ليسقط فيأخذ بخطامه بيد واحدة ويدعو باليد الأخرى) حتى اختلف الصحابة -رضي الله عنهم- هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- صائماً أم لا من شدة تفرغه لمناجاة ربه وابتهاله, فقالت أم الفضل: (تمارى أناس هل صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة أم لا؟ قالت: فأتيت بقدح اللبن فأتي به فشربه -عليه الصلاة والسلام) وكل هذا يدل دلالة واضحة على أن الإنسان ينبغي له أن يتضرع إلى الله -سبحانه وتعالى- ويفتقر إليه ولا يضيع وقته من هذا. يبقى الحاج في عرفة حتى غروب الشمس فإذا غربت الشمس وغاب القرص, فإنه يتجه إلى مزدلفة ويكون من حين اتجاهه وهو لم يزل يلبي, كما قال الفضل بن عباس: (لم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلبي حتى رمى جمرة العقبة) وقال أسامة: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسير العنق فإذا وجد فجوة نص) وهذا من الأخطاء التي يفعلها الحجاج حيث إنهم يبالغون في الاهتمام في سرعة الوصول إلى مزدلفة, وهذه السرعة ربما تكون سببها أذية لإخوانه المسلمين, , بل ينبغي له أن يتئد في مشيه وأن يكون عليه السكينة ولا يخالف رجال الأمن الذين قد وضعوا في أمكنتهم لراحة الحجيج وإيجاد الأماكن والراحة والسعة لهم, والمشاهد في واقعنا أن اختلاف الأصوات واختلاف اللغات سبب لتزاحم الناس ,وربما هذا له حق وهذا له حق, بل ينبغي للحاج أن يتئد في مثل هذه الأمور وإذا لم يصل بعد ساعة فسوف يصل بعد ساعتين, وإذا لم يصل حتى انتهى مزدلفة بسبب الزحام, فإنه واجب يسقط ولا حرج عليه في ذلك كما هو مذهب الحنابلة في رواية والمالكية في رواية. س: لو انصرف من عرفة قبل الغروب؟ لو انصرف الحاج من عرفة قبل الغروب فإنه: -الامر الاول يلزمه أن يرجع فيبقى مع الحجاج حتى ينصرف معهم بعد الغروب, فإن لم يرجع فعليه دم, لِمَ ؟ لأنه ترك واجباً وهو النفور من الغروب. - الأمر الثاني: إن رجع إلى عرفة قلنا نظرنا فإن كان رجوعه نهاراً قبل أن ينفر الناس إلى مزدلفة فإنه لا حرج عليه في ذلك ولا شيء ويبقى إلى أن تغرب حتى ينفر معهم ويسير معهم. إن جاءها بعد الغروب: فإنه يلزمه دم ولا ينفعه رجوعه لِمَ ؟ لأنه لم يجمع بين ليل ونهار هذا هو مذهب الحنابلة والحنيفية وقول عند الشافعية. المالكية يرون أنه يجب عليه أن يرجع وعليه دم فإن لم يرجع المالكية يقولون لم يصح حجه؛ لأنه يجب عليه أن يجمع بين الليل والنهار ويرون الليل أهم شيء. والصحيح أنه لو بقي جزءا من النهار ونفر فإن حجه صحيح, ولكن يلزمه أن يجبره بدم لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في حديث عروة بن المضرس: (قال -صلى الله عليه وسلم- من شهد صلاتنا هذه ووقف معن) يعني صلاة الفجر في مزدلفة (ووقف معنا حتى نفيض وقد وقف قبل ذلك بعرفة أي ساعة شاء من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه) س: على القول بوجوب أن يجمع بين الليل والنهار, إذا أتى الحاج بعد الغروب في جزء من الليل. العلماء يقولون: إذا جاء بعد الغروب فلم يأت بعد نفرة الناس, وأرى -والله أعلم- أنه لو جاء بعد الغروب فإن ذلك ينفعه -بإذن الله تعالى- لِمَ ؟ لأنه جمع بين ليل ونهار, خلافاً للحنابلة, والله أعلم. س: ويكون الوقوف بعرفة إلى متى نهاية؟ وعرفة يبدأ -الصحيح على مذهب الحنابلة- من طلوع الشمس وينتهي إلى طلوع الفجر, والجمهور يقولون: يبدأ من زوال الشمس -من الظهر- ولكن الصحيح أنه يبدأ من طلوع الشمس لقوله -صلى الله عليه وسلم- (أي ساعة شاء من ليل أو نهار) إذا نفر الحاج إلى مزدلفة وعليه السكينة فإذا وصل الحاج إلى مزدلفة فإنه يصلي المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين, إن كان مسافراً صلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين, أما إن كان من أهل مكة فإنه يصلي المغرب ثلاثاً ويصلي العشاء أربع ركعات. ومن الأخطاء: أن بعض الناس لا يهتم في استقبال القبلة, فتجده يصلي كيفما اتفق ولا يستقبل القبلة, وهذا من الأخطاء الظاهرة والشائعة, ومن المؤسف أن بعض الناس مجرد رؤية الناس يصلون تجده يصلي معهم, والحمد لله قد وضعت لوحات إرشادية تبين للحجاج الذين قد باتوا بمزدلفة تبين لهم مكان القبلة واتجاهها فلا ينبغي للحاج أن يفرط في مثل هذا الأمر. س: يلاحظ أن بعض الإخوة بمجرد وصولهم إلى مزدلفة تجدهم يسارعون في التقاط الحصى, وهذا ليس من السنة بل السنة أن يتفرغ الحاج لصلاة المغرب والعشاء, ثم بعد ذلك يبقى يتضرع... يدعو ربه.. أو ينام. س: بعض الناس يبدأ بتنزيل أغراضه قبل الصلاة؟هي مسألة فيها خلاف, لكن الأولى أن يصلي وكما هو مذهب الحنابلة المتأخرين وعليه الفتوى الآن, وإن كان جمهور العلماء يرون أن الأفضل أن يصلي المغرب والعشاء في وقت العشاء تأخير كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما صلاة المغرب وصلاة العشاء فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا) وقد نقل ابن المنذر وابن عبد البر وابن حجر والنووي والإمام ابن تيمية, والإمام أحمد -رحمه الله- وابن قدامة الإجماع على أن: السنة في حق الحاج في عرفة أن يصلي الظهر والعصر في عرفة جمع تقديم ويصلي المغرب والعشاء في مزدلفة جمع تأخير. لكن لو صلى فالمسألة محل تأمل, لكن لو صلى لا حرج في ذلك ومن لا يحب الانتظار؟ لا، ينتظر حتى يجتمعوا وصلاة الرجل مع الرجلين خير له من صلاته وحده كما لا يخفى. س: أيضا مع الحملات ومع الزحام قد يخرج وقت العشاء وهم ما زالوا لم يصل إلى مزدلفة. بعض الناس إذا نفر من عرفات إلى مزدلفة ربما لا يصل مزدلفة إلا بعد الفجر، فنلاحظ أن بعض الحجاج تجدهم لا يصلوا, وقد ذهب ابن حزم ورواية عن الإمام أحمد -وهي الأقرب في نظري- أن وقت العشاء ينتهي إلى منتصف الليل أو إلى نصف الليل الآخر, كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ووقت العشاء إلى نصف الليل الآخر) وقال -عليه الصلاة والسلام- في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي موسى حينما جاء جبرائيل فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوقت فصلى جبرائيل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فبين له أول الوقت وآخر الوقت في كل صلاة, فجعل آخر وقت العشاء ثلثي الليل أو ثلث الليل الآخر, وفي حديث أبي موسى: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أين السائل عن المواقيت, قال: أنا, قال: الوقت ما بين هذين) ومن المعلوم أن بعض الحجاج ربما يتأخر فلا يصلي المغرب والعشاء إلا بعد طلوع الفجر أو بعد الفجر, وهذا خطأ بل يصلي قبل منتصف الليل أو قبل منتصف الليل الآخر, فإن قال أنا مازلت في الحافلات نقول: إنا استطعت أن تنزل فصلي, وإن لم تستطع فصل في حافلتك فإن وجدت ماء فإنك تتوضأ, فإن لم تجد ماء فإنك تتيمم, فإن لم تجد تيمماً -يعني تراباً ولا شيء- فإنك تنوي الطهارة وتصلي؛ لأن هذا واجب -أعني به الصلاة في الوقت- ولا تفعل هذا التيمم أو الصلاة من غير طهارة, إلا إذا خشيت خروج وقت العشاء. س: الآن كثير من العامة يضبطون منتصف الليل بالساعة الثانية عشر, مع أنها تختلف من وقت للآخر،منتصف الليل ينبغي للحاج أن يجمع أو أن يحسب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فيحسب كم عدد الساعات, وفي هذه السنة يؤذن المغرب في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة في مكة الساعة الخامسة وست وخمسين دقيقة, ويؤذن الفجر الساعة الخامسة وثمان وثلاثين دقيقة؛ وبالتالي تكون عدد ساعات الليل إحدى عشر ساعة ونصف تقريباً, ومنتصف الليل يكون تقريباً الساعة الثانية عشر إلا ربع, وهذا على سبيل التقريب والله أعلم. بعدما يصلي الحاج المغرب والعشاء في مزدلفة فإن الأفضل أن يضطجع كما قال جابر: (ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع) س: وهل له أن يصلي الوتر؟ بعض أهل العلم قال: لا يستحب له أن يصلي الوتر, والسنة -والأقرب والله أعلم- أن يصلي الوتر لأمور: - أولا: لأن جابر لم يبلغه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام قبل الفجر ومن المعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام قبل الفجر وأذن لنساءه أو بعض نساءه أن تنفر من مزدلفة إلى منى, قال ابن عباس -كما في صحيح مسلم- قال: (قدَّمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع ثقلة أهله بسحر ليلة النحر) وهذا يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قام واستأذنته سودة, وقالت عائشة: (أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم سلمة فأصابت قبل الفجر, ورمت ثم ذهبت إلى مكة) فكل هذا يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد قام, وربما صلى ولم يبلغ ذلك جابراً. - أمر آخر: أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (ما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سنة الفجر ولا الوتر في حضر ولا سفر) وعائشة -رضي الله عنها- أدركت النبي -صلى الله عليه وسلم- في مزدلفة وأدركته في غيرها, والمثبت مقدم على المنفي. س: بالنسبة للتطوعات وقيام الليل يتركها ؟ نعم, التطوعات يتركها, لكن قيام الليل -الذي هو الوتر- يصليها, فإن الأفضل أن يوتر هذا لابد منه؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما ترك الوتر في حضر ولا سفر. وينام مبكراً, ومن الأخطاء أن بعض الحجاج -خاصة أصحاب الحملات- ربما يكون في أول أيام الحج لم يعرف بعضهم بعضاً, فتجد أن الكلفة رفعت ليلة النحر فتجدهم يتحدثون وترتفع أصواتهم ويبالغون في الضحك والمرح, وهذا ليس من السنة, بل السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يذكر الله -سبحانه وتعالى- عند المشعر الحرام, وأمره الله بذلك: ﴿ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: 198، وأذكر أن أحد علماءنا كان يختم في ليلة النحر القرآن من اجتهاده, وهذا يدل على أن الإنسان إذا فرَّغ نفسه للعبادة والطاعة فإنه يستطيع أن يفعل ما عمله الأولون, الحجاج بعدما يصلون المغرب والعشاء فإنهم يبيتون, وهذا واجب في حقهم ويجوز للضعفاء أن ينفروا بسحر, ومعنى السحر هو بعد منتصف الليل تقريباً -بعد غياب القمر- وغياب القمر في هذه السنة تقريباً يكون الساعة الواحدة إلا ربع. بعدما يبقى الحاج يبيت بالمزدلفة حتى طلوع الفجر فيصلي الفجر في أول وقتها, ومن الملاحظ أن بعض الحجاج ربما صلى الفجر قبل ميقاته, وهذا ينبغي له أن يتأكد هل دخل الوقت أم لا ؟ ولا ينبغي للحاج بمجرد أن يرى الناس يصلون أن يصلي, فإن بعض الناس ربما يكون جهل ويريدون أن ينهوا الصلاة فيظنون أنه إذا ناموا فبمجرد قيامهم دخل وقت الفجر, وهذا ليس بصحيح, بل الفجر له وقت معلوم فلا ينبغي للحاج أن يصلي, بل يحرم عليه أن يكتفي بهذا؛ لأنها صلاته تكون من صلاة الليل –تطوع- أما أن يصلي قبل الفجر فيجب عليه أن يعيد, فإن لم يعد فإنه يأثم إلا أن يكون على جهل ولم يخبره أحد ذلك. وهذا يكون في أول الوقت، فإذن يصلي الفجر ثم بعد ذلك يتفرغ الحاج للتضرع لله -سبحانه وتعالى- ويدعو كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبر بذلك جابر, فإذا دعا وتضرع إليه فإنه يقوم بالتقاط الحصى, والتقاط الحصى هنا إما أن يكون في مزدلفة أو يكون في منى, أي شيء أحب فعل ذلك, ولا يشترط أن يكون من مزدلفة, ولكن الأفضل أن يكون في طريقه إلى منى, هذا هو الظاهر من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أمر ابن عباس أن يلقط له حصيات, والحصى في مثل حصى الخزف؛ يعني فوق الحمص قليلاً, هذا هو الأقرب والله تبارك وتعالى أعلم. لعلنا نمثل بالأنملة لأنها واضحة : مقدار الأنملة أو نصف الأنملة, هذا السنة, وليس من السنة التقاط حصى كبيرة، وليس من السنة أيضا أن يلتقط حصى صغيرة جداً بل السنة أن تكون بمثل حصى الخزف, في مثل حبة البليلة -كما يسميه العامة- حبة الحمص هذا هو السنة, فإذا لقطها الحاج يلقط سبع حصيات, بعض الحجاج يلقطون كل الحصى الذي سوف يرمونه جمرة العقبة وأيام الجمار وهذا ليس من السنة لكنه لو صنع فلا حرج. وصلنا إلى رمي الجمرات, وكما ذكرت أن هنا تحصل إشكاليات كثيرة في حجم الحصى, وهل يشترط غسله؟ أو هل يشترط لها لون معين؟ هل يمكن أن تكون من الطين؟ السنة في حق الحاج أن يبيت في مزدلفة ثم بعد المبيت في مزدلفة فإنه يدعو ويتضرع إلى الله -سبحانه وتعالى- ثم يخرج من مزدلفة قبل طلوع الشمس, وبعض الحجاج ينتظر, يقول: أنتظر الزحام, والأولى أن يخرج قبل طلوع الشمس حتى لو انتظر في طريقه أو مشى الهوينى, فهذا أفضل إن كان الأمر بغير إرادته فإن هذا أمر خارج عن إرادته, والواجبات والمستحبات إنما هي على حسب التكليف والاستطاعة. فإذا التقط الحصى فإنه يجب أن تكون الحصى مجموعة بشروط: - أولاً: أن تكون من الحصى, فلو كانت من الذهب أو من الفضة أو من النحاس أو من الطين فإنها ليس يجزئ, لماذا ؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بمثل هذا فارموا وقال ألقط لي حصيات) فهذا يدل على أن الحصى واجب, فإذا ضرب بزجاج –المائي- فإنه لا يجزئه؛ لأنه لا يسمى حصى هذا واحد. - الثاني من الأخطاء أن بعض الناس يجمعها فيغسلها وليس من السنة غسل الحصى. – س: وهل السنة أن يلقطها بنفسه أو يلقطها أحد غيره أم يشتريها؟ نقول: الأولى أنه يلقطها هو أو يلقطها أحد غيره؛ لأن الرسول-صلى الله عليه وسلم- لم يلقط الحصيات يوم العيد كما قال لابن عباس ألقط لي حصيات، أما لو اشتراها -بسبب أن أناس جمعوها- فأرى أن هذا لا بأس به, نوع خدمة وهو بذل لأجل الخدمة, وإن كان الأولى أن يلقط هو بنفسه ولا شك أن تعبه في ذلك على أجره كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (إن أجرك على قدر نصبك) حينما خاطب عائشة -رضي الله عنها. فإذا لقط الحصى فإنه يتجه على طريق المأزمين -الذي هو طريق المسجد الحرام إلى منى- يذهب إلى منى ليرمي جمرة العقبة -التي أقرب الجمار إلى مكة- أما الضعفاء أو من كان معهم الذين خرجوا من مزدلفة بعد منتصف الليل -يعني الساعة واحدة إلا ربع- فإنهم الأولى في حقهم ألا يرموا إلا بعد طلوع الفجر, فإن رموا قبل الفجر فإن ذلك يجزئ, والدليل على ذلك هو ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون بالمزدلفة, ويذكرون الله ما بدا لهم, ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع, فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر, ومنهم من يقدم بعد ذلك, فإذا قدموا رموا الجمرات, وأسماء -حينما رمت الجمرة قبل الفجر- قال لها غلامها أي هنتاه لقد غلسنا, قالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذن للظُعن كما في الحديث المتفق عليه من حديث أسماء, وهذا يدل على جواز الرمي, وما جاء من الأحاديث من طريق الحسن العرني عن ابن عباس عندما قال لهم: (أي بَني لا ترموا حتى ترموا الجمرة ) فهذ الحديث وإن صححه بعض المتأخرين فإنه منقطع؛ لأن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس. إذا اتجه الحاج إلى الجمرة فإن الأفضل أن يرميها مستبطن الوادي, وهذا كان هناك وادي, فطريقة الاستقبال وطريقة الرمي: أن يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل الجمرة الكبرى, والجمرة الكبرى تلاحظون أن الدائرة نصف قطر, والسبب في ذلك أنها سميت جمرة العقبة لأن كان ثمة عقبة وهو جبل, والواجب أن يرمي الحاج الحصى في المرمى, ومعنى المرمى -هو لا يلزم الحوض- بل هو يسمى مجتمع الحصى, فلو امتلأ الحصى -يعني صار الحجاج كثير وامتلأ الحصى- وكان حصى قريباً من الحوض فإن ذلك يجزئه -إن شاء الله- وإذا لم يمتلئ فنوجب أن يبلغها مجمع الحصى ولا يشرط الشاخص, بل إن الشاخص إنما وضع لعلامة على الحجر, فلو ضرب الشاخص وابتعدت الحصاة بعيداً عن المرمى أو مجتمع الحصى فإن ذلك لا يجزئه, ومن الأخطاء أن بعض الناس يأخذ حصى كبيرة فيرميها, أو يأخذ -أعزكم الله- بعض الأحذية أو الخشب أو غير ذلك, وهذا ليس من السنة, بل السنة أن يرمي بمثل حصى الخزف وهو متجه إلى منى يلبي, فإذا وصل الجمرة فإنه يقطع تلبيته ويبدأ يكبر مع كل حصى, والواجب أن يرمي, فلو كان قريبا من الحوض فوضعها فإن ذلك لا يجزئ؛ لأن الأصل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (فبمثل هذا فارموا) والوضع لا يسمى رمياً في لغة العرب. س: من الأشياء التي نفتقدها في هذا الموضع كثير من أخلاقياتنا, هناك من يلعن ويسب ويشتم، هناك أخطاء سلوكية يصنعها الحاج: أولاً: حينما يتجه إلى الجمرة كأنه يريد أن يضرب الشيطان, بل إننا سمعنا أناسا يواعدون الشيطان ويتوعدونه, وهذا ليس من السنة بل هذا خطأ, فإنما هم يرمون على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل, فهذه هي الحكمة والغاية, وإن كان قد جاء عند ابن خزيمة أن إبراهيم رمى إبليس أو الشيطان في هذا المكان لكن عبادتنا لأجل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك. من الأخطاء أيضاً أن بعض الحجاج تجده يرمي بعيداً عن مكان المرمى, وهذا يولد أمور، أولاً: يصيب آخرين في رؤوسهم أو ربما يؤذيهم في أعينهم وقد حصل شيء كثير في هذا, فلا ينبغي للحاج أن يرمي إلا وهو قريب, فإذا وجد زحاماً وهو متجه إلى الجمرة فإنه يكون فطناً لبيباً ثقفاً فإنه يأتي إليها من جهة أخرى فسوف يجد المكان هيناً ليناً سمحاً سهلاً؛ ولهذا يجب على الحاج أن يكون فطناً في مثل هذا. ومن أسباب الزحام الحاصلة هو أن الإخوة -هداهم الله- يذهبون جماعات وضبائر ولو أنهم تفرقوا وكل واحد مسك بصاحبه فإن ذلك يكون سهلا على الحجاج وعلى نفسه, ولهذا يقول قدامة بن عبد الله رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمار يقول: (لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك) ، والسبب أمور: أن بعض الحجاج -هداهم الله- يرى أن كبار السن أو النساء الضعاف يجب أن ترمي, وهذا ليس من السنة, ليس من السنة أن يكون الإنسان بمجيئه إلى الرمي يؤذي نفسه وربما يموت, وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195]، بل إنه يجوز للحاج أن يوكل من يرمي عنه, بل ذهب الحنابلة إلى أوسع من هذا, قالوا: إذا كان حجه حج نفل فله أن يرمي عنه شخص حتى لو كان يستطيع, يعني يجوز أن يوكل؛ لأنه إذا جاز له أن يوكل في أصل الحج فله أن يوكل في بعض أنساكه, وإن كان الأولى ألا يصنع هذا. إذا رمى الحاج فإنه إن كان متمتعا أو قارناً فإن الأفضل أن ينحر, وبعد النحر يذهب فيحلق أو يقصر وإن كان الحلق أفضل كما دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين ثلاثاً, فإذا حلق يكون قد تحلل التحلل الأول -بعدما رمى وحلق فيكون قد تحلل التحلل الأول- وله بعد ذلك أن يلبس ثيابه. س: ولا عبرة بالنحر لأنها تُشكل على الناس؟ لا... ليس العبرة بالنحر, وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر) قوله: (حتى أنحر) يعني إذا نحرت شرعت بالتحلل, وهو الحلق, والسبب -أن النحر ليس سببا في التحلل- أن النحر لم يكن مشتركاً بين الأنساك كلها, فالمفرد لا ينحر وبالتالي لم يُعلق فيه شيء, ونقل غير واحد الإجماع على ذلك. إذا نحر وحلق فإنه يلبس ثياب الإحرام, والسنة في حقه أن يتطيب وأن يذهب إلى طواف الإفاضة؛ ليطوف بذلك طواف الإفاضة, إذا طاف طواف الإفاضة: - فإن كان متمتعاً فإنه يسعى بعد ذلك. - وإن كان مفرداً أو قارنا ولم يكونا قد سعيا قبل عرفة فإنهما يسعيان بعد طواف الإفاضة, إذا لم يسع مع طواف القدوم يعني لم يذهب إلى البيت قبل عرفة فإنهم يطوفون للإفاضة ويسعون سعي الحج. وبالتالي إذا طاف الحاج طواف الإفاضة -وقد فعل الرمي والحلق- يكون قد تحلل التحلل الأول والثاني, فله أن يأتي النساء. ومن الأخطاء -وهذه فائدة أحب أن أذكرها للإخوة- أن بعض الحجاج أيام العيد يكون قد تحلل التحلل الأول بأن رمى وحلق, ولكنه لم يتحلل التحلل الثاني -فيجوز له كل شيء إلا النساء- تجد أنه ربما خاطب زوجته في أيام العيد بمخاطبة لا تصلح أن تكون إلا للزوجة أو يراسلها عبر الجوال برسائل لا تصلح إلا أن تكون للزوجة, فهذا محظور من محظورات الإحرام سواء بالكتابة أو بالرسالة أو بالمحادثة والمشاهدة. س: إذن الأمر ليس مقتصرا على مسألة الجماع؟ليس الأمر مقتصر على مسألة الجماع -كما يظن البعض- بل قول عامة الفقهاء أن الأمر متعلق بالمباشرة ومن ضمٍ أو غزل أو غير ذلك, وكذا الجماع فلا يجوز للحج أن يصنع هذا, نعم يقول كلمات عادية اعتاد مثلا أن يقولها للزوجة هذا ليس فيه بأس, ولكن حديثاً لا يمكن أن يصرح به إلا للزوجة بينه وبينها, فهذا لا يجوز للمحرم أن يصنعه حتى يتحلل التحلل الثاني. إذا تحلل المحرم التحلل الثاني بأن رمى وحلق وطاف, فإنه يجوز له أن يأتي النساء, ويكون قد تحلل تحللاً كاملاً, ولم يبق عليه إلا المبيت بمنى أيام منى, والمبيت بمنى واجب يسقط مع العجز أو مع الحاجة, يمكن أن يكون مرافقا لمريض أو لم يجد مكاناً, فإنه إذا لم يجد مكاناً فنقول: الأولى أن يبقى في منى أو قريباً من منى, فإن لم يجد فله أن يبقى في أي مكان, وما يذكره بعض الفضلاء أو بعض المشايخ قال: إنه إن لم يجد مكانا في منى فإنه يبقى قريباً منها على حسب اتصال الصفوف. فهذا الكلام, هذا الأولى, لكنه له أن يذهب إن شاء إلى مكة أو في العزيزية لماذا؟ لأن الحكم متعلق بمنى فإذا لم يجد مكاناً في منى فإن الحكم يكون قد سقط في حقه فله أن يبيت في أي مكان شاء, ولا شك أن بقاءه قريباً من منى أدعى لاستحضار عبادة النسك والإقبال على الله -سبحانه وتعالى- والتضرع إليه واستشعار المناسك أكثر مما لو كان بعيداً عن الحجيج وما يفعلونه. س: بالنسبة للصلاة أيام منى؟أيام منى: السنة أن يصلي كل صلاة بوقتها, فإن كان مسافراً صلى قصراً الظهر بوقته أو العصر بوقتها والمغرب بوقتها والعشاء والفجر بوقت كل واحد منها, لو جمع جاز له ذلك, أما المكي فإنا نقول: الأولى ألا يجمع, والأولى ألا يصليها قصراً, وأرى أن هذا واجب. س: البعض يحرص على أن يؤديها في مكة -في الكعبة- عند الحرم؟لا.. السنة أن يصلي أيام التشريق في منى, ولم يُنقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى في مكة إلا الظهر حينما أراد أن يطوف للإفاضة, إذا طاف الإنسان للإفاضة وسعى سعي الحج فإنه يبقى في منى ويبقى عليه الجمار, والسنة والواجب أن يرمي الجمار يوم الحادي عشر بعد زوال الشمس, أما اليوم الثاني عشر فهل له أن يرميها بعد زوال الشمس؟ الحقيقة أن جمهور الفقهاء يقولون: لا يجوز له أن يرمي؛ لأن ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: (كنا نتحين) وأرى أنه روى عبد الرزاق بسند جيد من طريق ابن جريج قال حدثني أبو العالية قال: (رأيت ابن عباس رمى جمرة العقبة يوم النفر الأول) يعني يوم الثاني عشر (قبل زوال الشمس ثم نفر) أقول: إذا ثبت عن ابن عباس ولم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة صحيحة صريحة في وجوب أن يرمي يوم الثاني عشر قبل الزوال, فأقول أنه لا ينبغي أن يعنف الحاج في رميه قبل الزوال يوم الثاني عشر, أما اليوم الحادي عشر فإنه لا يجوز له أن يرمي إلا بعد الزوال, لِمَ ؟ لأن أيام التشريق حكمها غير حكم جمرة العقبة, ولا يبدأ وقت الرمي إلا بعد زوال الشمس من اليوم الحادي عشر. ومما يدل على جواز الرمي قبل الزوال في اليوم الثاني عشر أنه في حديث عاصم بن عدي قال: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخّص لهم في البيتوتة عن منى, وأن يرموا يوم النحر ثم يرموا اليوم الحادي والثاني عشر في أحدهما) فقوله: (في أحدهما) دليل على أنه يجوز للرعاة أن يرموا اليوم الثاني عشر في وقت الحادي عشر وهذا حديث بإسناد صحيح. وعلى هذا فنقول: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما جوَّز لهم للحاجة, ولا شك أن أعظم حاجة وجود الزحام؛ فلهذا نقول: يجوز لهم اليوم الثاني عشر أن يرموا قبل الزوال, ولكن الأولى ألا يرمي إلا بعد الزوال خروجاً من الخلاف. س: البعض قد يحتج بالقياس على جمرة العقبة, وأيضا بما قبل الزوال يعد من يوم التشريق, يقول: حتى في اليوم الحادي عشر يرمي قبل الزوال؟قياس جمرة العقبة على أيام التشريق هذا قياس مع الفارق لم ؟ لأن جمرة العقبة مستقلة, ولهذا لو [ترك] رمي الجمار مطلقاً عليه دمان: دم لجمرة العقبة ودم لأيام التشريق, هذا هو الصحيح, هذا هو الراجح والله أعلم. فإذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم الثاني عشر فإنه يجب عليه -إن كان متعجلاً- أن يخرج من منى قبل غروب الشمس, فإن رمى الجمار قبل الغروب ثم صادفه الزحام فإنه يخرج ولا شيء عليه, ولو رمى قبل أو بعد الظهر ولم ينو الخروج ثم نوى الخروج قبل غروب الشمس فنقول: له أن يخرج ولا شيء عليه حينئذ. وإذا رمى الحاج الجمار, فإنه بعد ذلك يتجه إلى طواف الوداع, وللحاج أن يؤخر طواف الإفاضة إلى طواف الوداع وينويهما جميعاً, فيطوف طواف الإفاضة والوداع ينويهما للإفاضة والوداع, له كل ذلك -إن شاء الله- لأن العلماء ذكروا أن طواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب ويجوز أن يدخل الصغير على الكبير وينويهما جميعاً. وإذا طاف طواف الوداع فيجب عليه أن يخرج ولا يبقى في عرفة, فإن بقي فيجب عليه أن يعيد, فإن خرج إلى منى -إلى مخيمه- جاز ذلك كما نص على ذلك الإمام أحمد, ويكون بذلك الحاج قد أنهى جميع الأنساك كلها. سائل يقول: إنه من أهل الكويت ولا يجد إيجار في مكة ويستأجر في الطائف فما حكم ذلك؟ الأولى أن يبقى في منى أو قريباً من منى, فإن خرج إلى مكة أو بعيداً من مكة -من الطائف- فلا حرج عليه في ذلك, لكن لو رمى الجمار أيام منى فإنه لا يجوز له أن يخرج إذا لم يبق عليه إلا طواف الوداع, بل يجب عليه أن يطوف الوداع ثم يخرج, فإن بقي عليه شيء من الأنساك غير طواف الوداع, فإن له أن يخرج, فإن لم يبق إلا طواف الوداع فلا يجوز له أن يخرج حتى يطوف طواف الوداع. س: يقول: في السنة الماضية كان الجو بارداً فلبس المشلح؟ لبس المشلح هو لبس القباء, وقد جاء في بعض الروايات عند أهل السنن: (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن لبس القباء) فلا يجوز للحاج أن يلبس المشالح التي توضع على الكتف حتى لو لم يضع يديه فيها, وبالتالي ماذا يصنع؟ نقول: يأخذ المشلح ويلتحف به التحافاً بأن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه, وبالتالي يكون لا حرج عليه في ذلك إن شاء الله. س: تسأل عن حكم الاشتراط ثم تذكر لو حاضت المرأة؟ الأقرب -والله أعلم- أن الإنسان إذا كان محتاجاً فإنه يُسن له ذلك, وإذا لم يكن محتاجاً فإنه له أن يشترط, وإن المرأة إذا خشيت الحيض فإن لها أن تشترط وإذا اشترطت فإنها متى جاءها الحيض فإنها تبقى, فإن ذهب أهلها فإنها تتحلل ولا شيء عليها إن شاء الله. س: تقول: هل النهي عن أن يأخذ المضحى من شعره وأظفاره على سبيل الوجوب أم أنه يأثم إن فعل ذلك؟ الوجوب أي يأثم, المعنى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى, والنهي: الصواب أنه للتحريم هذا هو الراجح -والله أعلم- وعلى هذا فإنه يأثم, ولكن لو فعل فإنما الأضحية على حالها. س: تقول: أنها تنوي أن تضحى في إحدى الدول الفقيرة, لكنها إلى الآن لم تدفع المال ولم تحدد ذلك, فهل يجوز لها أن تأخذ من شعرها وأظفارها؟ إذا نوت أن تضحى حينئذ لا يجوز أن تأخذ من شعرها ومن بشرتها -إذا نوت- لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إذا أهل هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي) ولا يلزم تعيين الهدي حتى يكون يمنع من أخذ الشعر, بل مجرد النية, نوى أن يضحي فإنه لا يجوز له أن يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من أظفاره شيءا. س: تقول: ما حكم استعمال البودر للجسم بالنسبة للمحرم وهل يدخل هذا في الطيب؟ لا بأس بالبودرة إذا كانت ليست بطيب, أما إذا كانت طيب معطرة فلا يجوز. س: تقول: كان -صلى الله عليه وسلم- يكثر من كلمة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) في يوم عرفة تقول: هل يُشرع للحاج التلبية أو الإكثار منها وهل يوازن بينهما؟ أم الأفضل الإكثار من التلبية؟ الأفضل الإكثار من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, ويخلط ذلك بالاستغفار والدعاء والتهليل والتكبير. س: بالنسبة لغير الحاج؟أما لغير الحاج فإنه يقول: لا إله إلا الله ويدعو, أما التلبية فإنها لا تُشرع لأهل الأمصار؛ لا تشرع لمن لم يحج. وأنصح الإخوة لمن أراد أن يحج أن يذهب مع طالب علم أو يذهب مع حملة فيها طلاب علم يرشدونه ويبين له المناسك, فإن لم يجد فإنه يأخذ كتيبات من كتب مشايخنا أمثال شيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد بن عثيمين وشيخنا عبد الله بن جبرين فيها خير كبير, أو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمة الله على الجميع- ففيها خير كبير وكثير, أما إذا لم يجد هذا ولا هذا -هو عامي- فإنه يذهب قريب له يرى أنه هو أهلا لأن يقتدى به؛ لأن ذهاب الناس من غير علم يسبب الزحام ويسبب المشقة والعنت.
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #7  
قديم 05-12-2012, 10:52 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
تابع:صفة الحج


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الدرس التاسع

تابع:باب صفة الحج


صفة الحج هي أهم ما في باب كتاب الحج؛ لأنها هي عمود أعمال النسك التي يفعلها الحاج أيام الحج العظمى, وهي من يوم التروية إلى آخر غروب الشمس من اليوم الثالث عشر



بسم الله الرحمن الرحيم, باب صفة الحج: يقول المصنف -رحمه الله تعالى-: (وإذا كان يوم التروية فمن كان حلالاً أحرم من مكة وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين, ثم يروح إلى الموقف وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة, ويستحب أن يقف في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قريباً منه عند الجبل قريباً من الصخرات ويجعل حبل المشاة بين يديه ويستقبل القبلة ويكون راكباً ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله -عز وجل- إلى غروب الشمس, ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة عن طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل، فإذا وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما، ثم يبيت بها ثم يصلي الفجر بغلس ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو ويكون من دعاءه: اللهم كما وفقتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ..﴾ [البقرة الآيتين: 198, 199]) )



يقول المؤلف: (إذا كان يوم التروية فمن كان حلالاً أحرم من نفسه)



أن من كان حلالاً: وهو المتمتع لأنه تحلل من عمرته وأصبح حلالاً, وكذلك كل من كان بمكة من أهلها أو من غيرها ممن أخذ وجلس في مكة، فإن هذين الشخصين يستحب لهما يوم التروية أن يُهلا بالحج.



ويوم التروية هو اليوم الثامن، سمي يوم التروية بذلك:

- على الأشهر: لأن الناس كانوا يتروون الماء إلى منى ويحتاجون إليه في عرفة أيضاً، هذا هو الأفصح.

- وقيل: لأن إبراهيم -عليه السلام- حينما رأى الرؤيا رآها يوم الثامن -رأى الرؤيا أنه يذبح ابنه- فلم يرى هل هي وحي أم لا ؟ حتى تيقن ذلك في عرفة وعرف أنها رؤيا حق، فسميت يوم التاسع يوم عرفة، ويوم الثامن يوم التروية.

والأقرب -والله أعلم- هو المعنى الأول؛ لأن الناس كانوا يتروون الماء في يوم الثامن.

أفادنا المؤلف في قوله: (حلال) ليخرج بذلك القارن والمفرد؛ لأن القارن والمفرد يلزمهما بقاء الإحرام في حقهما بعدما طافا للقدوم وسعى سعي الحج [إذا كان مفرد], أو الحج والعمرة إذا كان قارناً ويبقيان على إحرامهما إلى يوم العاشر

الراجح أن الإهلال هو يوم الثامن، وهذا قول أكثر أهل العلم ودليل ذلك ما رواه جابر في صحيح مسلم قال -رضي الله عنه-: (فحلَّ الناس كلهم إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن كان معه هدي فإنهم لم يحلوا من إحرامهم، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، ثم ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث...)

المؤلف -رحمه الله- يقول: (فمن كان حلالا أحرم من مكة)، قوله: (من مكة)، بل بالغ بعض الحنابلة، والأفضل أن يحرم من تحت الميزاب، ولا شك أن إحرامه بمكة جائز، لكن أن يكون سنة الأقرب والله أعلم هو اختيار أبي العباس ابن تيمية -رحمه الله- وهو أن الأفضل أن يحرم من المكان الذي هو فيه، ومن الموضع الذي هو فيه، فإن كان هو بمنى، فإنه يحرم من منى، وإن كان بمكة فإنه يحرم بمكة، إن كان في بيته فإنه يحرم ببيته كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (حتى أهل مكة يهلون منه) ومما يدل على ذلك هو ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم أن يهلوا يوم التروية، قال جابر: فأهللنا بالأبطح)، ومن المعلوم أن الأبطح في السابق غير مكة.

يقول المؤلف: (وخرج إلى عرفات) الأفضل في حق المتمتع ومن كان من أهل مكة أن يذهبوا إلى منى, وأن يدخلوا في النسك ضحى يوم التروية، بحيث يكون زوال الشمس من اليوم الثامن يكونون محرمين

ومن الأخطاء التي تحصل عند كثير من الحجاج: أنهم لا يهلون إلا ليلة عرفة، أو صبيحة عرفة أو ضحى يوم عرفة، ولا شك أن هذا مخالف للسنة ومن العجب أنك ترى بعض الإخوة لا يحرم يوم الثامن، ويقرأ القرآن ويتعبد فيقال له: أرأيت لو كانت قراءتك للقرآن وأنت محرم فإن ذلك أفضل بلا شك لأمور:

الأمر الأول: للاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني: ولأنك لو ذكرت الله -سبحانه وتعالى- وأنت محرم فإن ذلك أفضل مما لو ذكرته وأنت غير محرم.

الأمر الثالث: أنك إذا أحرمت فإنه يشرع في حقك أن تلبي, والتلبية في حقك أعظم القربات من الأذكار الأخرى, وأنت إذا لم تكن قد أحرمت فإنك تفوتك هذه السنة.

الأمر الرابع: وهو مهم أن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وأنت محرم -أنتِ محرمة أختي الفاضلة- أقرب عند الله وأفضل مما لم تكن محرماً.

الأمر الخامس: وهذا مهم جداً أيضاً, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر كما في الصحيحين من حديث ابن عباس في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم، قال: (اغسلوه بماء وسدر، ولا تحنطوه، وكفنوه في ثوبيه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبي)، فالرجل الذي أحرم ومات يوم الثامن فإنه يكون يوم القيامة مهلاً وملبياً، أما لو كان لم يحرم فإنه قد فاته هذا الفضل العظيم بلا شك.

يقول المؤلف: (وخرج إلى عرفات) المؤلف لم يفصل في هذا والسنة أن يبقى في منى ليلة عرفة



هل المبيت بمنى ليلة عرفة واجب أم سنة؟

سنة وهذا قول عامة الفقهاء, بل نقل ابن المنذر الإجماع على أن المبيت بمنى ليلة عرفة سنة، ومما يدل على قول عامة الفقهاء أنه سنة هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فَعَلَه, وفِعْـلُه إذا خرج بياناً لمجمل قول دل على أنه مأمور به, وهذا المأمور إما أن يكون سنة وإما أن يكون واجب, وقولنا: أنه سنة دليله هو حديث عروة بن مضرس، حديث عروة بن مضرس كما عند أهل السنن أنه قال: (يا رسول الله جئت من جبل طيئ أكللت مطيتي وأتعبت نفسي فوالله ما تركت من حبل -وفي رواية- من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: من شهد صلاتنا هذه وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) ومن المعلوم أن عروة هل بات ليلة عرفة في منى أم لم يبت؟ الظاهر أنه لم يبت، وهذا هو الأقرب.

فعلى هذا فالأفضل أن يبقى في منى ويبيت فيها فإذا صلى الفجر جلس يذكر الله –تعالى- حتى تطلع الشمس, والسنة في الخروج من عرفة [ لعرفة ] هو بعد طلوع الشمس، لكن في شدة الزحام قد يترك الإنسان السنة رفقاً بالحملة

(فإذا خرج إلى عرفات) فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فخرج -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح مسلم من حديث جابر: (فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام)

ما هو المشعر الحرام؟ المشعر الحرام هو مزدلفة، وذلك لأن قريش كانت في الجاهلية تقف يوم عرفة في مزدلفة, وأما بقية العرب فتقف في عرفة ويقولون نحن أهل الحرم نحن الحمس, فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يبعث يقف مع الناس، فأمره الله يوم حجة الوداع أن يقف مع الناس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199]، أفاض الناس من أين؟ من عرفة إلى مزدلفة؛ ولهذا كانت قريش لا تشك إلا أنه واقف عند المشعر الحرام؛ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- خالفهم, وخالف عاداتهم فوقف بنمرة.

قال جابر: (فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فأقام فيها حتى كان زوال الشمس)

لسؤال: هل الجلوس بنمرة هل هذا على سبيل الاستحباب أم هو راحة؟

قولان عند أهل العلم,وأقربها هو أن البقاء في نمرة سنة، لمن قدر على ذلك، ودليله أمران:

- الأول: أن هذا هو فعله -عليه الصلاة والسلام-، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (خذوا عني مناسككم).

- الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: (ثم أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة) فهذا يدل على أنه فعل أمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولهذا اتخذها الأمراء كما يقولها عبد الله بن عمر، ولا شك أن نمرة ليست من عرفة على الراجح وهو قول عامة الفقهاء.

لكن الإنسان بسبب شدة الزحام لو أنه ذهب من منى إلى عرفة ابتداءً وبقي في مخيمة فأرى أن هذا لا حرج فيه

السنة أن يبدأ بنمرة ويبقى فيها حتى زوال الشمس ثم يذهب إلى عرفات.

متى يبدأ وقت الوقوف بعرفة؟

ذهب عامة الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عند أحمد, بل نقل ابن حزم في مراتب الإجماع وابن عبد البر في التمهيد ؛ الإجماع على أن بداية الوقوف بعرفة يبدأ من بعد زوال الشمس، يعني من بداية وقت الظهر واستدلوا على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقف بعرفة إلا بعد زوال الشمس

وذهب الحنابلة إلى أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر إلى طلوع الفجر من ليلة العيد، واستدلوا على ذلك:

-
بحديث عبد الرحمن بن يعمر، الذي رواه الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر: (أن ناساً من أهل نجد أتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: الحج عرفة، فمن أتى عرفة قبل ذلك ليلاً فقد تم حجه وقضى تفثه)، قالوا: فهذا يدل على أن وقوفها ينتهي قبل الفجر.

وأما بدايته فقالوا لحديث عروة بن مضرس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من شهد صلاتنا هذه وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهار) قال المجد أبو البركات في كتابه المنتقى قال: وفي هذا دلالة على أن الوقوف بعرفة يبدأ من الفجر، أو كلمة نحوها، ودليله: (وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهار) فالنهار يطلق عليه قبل الزوال أو بعد الزوال.

وقول الحنابلة قوي، إلا أننا نقول: أنه يجب عليه أن يقف بعد الزوال، أولاً: للأحوط ولكنه لو لم يقف إلا قبل الزوال ثم خرج, فأرى والله أعلم أن قول الحنابلة هو ظاهر النص ولكن يجبره بدم؛ لأنه لم يبقَ إلى غروب الشمس.

انتهاء وقت يوم عرفة :

-وهو قول عامة الفقهاء- أن وقت عرفة ينتهي من طلوع فجر يوم العيد

يقول المؤلف: (فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بأذان وإقامتين)

يستحب للإمام يوم عرفة أن يخطب الناس كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكرهم مسائل الحج؛ ويذكر ما أهمَّ الناس من أمر دينهم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بدكم هذا في شهركم هذا...)

ومن المسائل أيضاً؛ أنه يصلي الظهر والعصر جمع تقديم قصراً وجمعاً هذا في حق الإمام المسافر، أما الصلاة الجمع في عرفة فإنه يشرع للحجاج المقيمين والمسافرين أن يجمعوا في عرفة بين الظهر وبين العصر جمع تقديم، هذا قول عامة الفقهاء، بل نقل بعض أهل العلم كابن عبد البر الإجماع، وإن كان بعض أصحاب الحنابلة منع من الجمع إلا في حق المسافرين، والصواب أن الجمع ليس لأجل السفر فحسب بل الجمع لأجل الحاجة، فيجوز للإنسان أن يجمع وهو مقيم, ويجوز أن يجمع وهو مسافر، حتى أهل مكة يجمعون. يجمع الظهر والعصر في وقت الظهر.

هل يقصر أهل مكة؟ المسافرون فإنهم يقصرون وهذا قول الأئمة الأربعة لكن هل المكي يقصر أم لا؟

الجمهور من الحنابلة والشافعية والأحناف يرون أنهم لا يقصرون، والأحناف لهم قولان لكن المشهور أنهم لا يقصرون فيما أذكر.

وذهب مالك -رحمه الله- إلى أنهم يقصرون, وهو اختيار ابن تيمية لكن مالك قال: يقصرون لأجل النسك وابن تيمية قال: يقصرون لأجل أن أهل مكة إذا خرجوا من مكة أنهم مسافرون.

ولا شك أن دعوى أن أهل مكة مسافرون في هذا الزمان دعوة بعيدة؛ لأن أصبحت منى ومزدلفة وعرفات من مكة، وبالتالي إما أن يقال: لا يجمعوا؛ لأنهم غير مسافرين، أو يجمعوا لأنه نسك

هل ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر أحداً من أصحابه أن يقصر لأجل النسك؟

لا.. بل بين -عليه الصلاة والسلام- أن القصر إنما هو لأجل المسافر كما روى أنس بن مالك الكعبي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصوم والصلاة)، فقصر الصلاة لأجل السفر

الراجح -والله أعلم- أن المكي يجمع في عرفة وفي مزدلفة ولكنه لا يقصر، أما في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنهم ربما يقال: أنهم كانوا مسافرين، وربما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لهم -عليه الصلاة والسلام- ولا يلزم أن يقال أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبين لهم؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بين لهم أحكام العبادات مطلقاً، ولو قيل بذلك؛ لقيل أن المكيّ الذي صلى خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة لم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم- أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، وهذا الحديث لم يصح مرفوعاً، رواه عمران بن حصين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يصح إنما صح وقفه عن عمر كما رواه مالك في موطأه.

يقول المؤلف: (صلى الظهر والعصر يجمع بأذان وإقامتين)

السنة أن يؤذن المؤذن أذاناَ واحداً ويقيم إقامتين هذا الذي رواه جابر في صحيح مسلم

يقول المؤلف: (بأذان وإقامتين، ثم يصير إلى الموقف)

الموقف هو عرفة؛ ولهذا قال: النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف) كما رواه أبو داود وغيره، والأفضل أن يقف المسلم بنحو ما وقف به النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال جابر في صحيح مسلم: (ثم أمر بناقته القصواء فركبها, ثم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة وجعل يرفع يديه يدعو)، ولكن هذا ليس دليلاً على هذا المكان -أنه يجب- بل كل عرفة موقف كما روى يزبد بن شيبان كما رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح قال: (أتانا بن مربع النصاري فقال: إني رسولُ رسولِ الله إليكم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: أقيموا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم) وهذا الحديث قال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح.

المؤلف -رحمه الله- قال: (وعرفة كلها موقف)

عرفة موقف كلها، أما عُرنة فليست بموقف؛ وهو السيل الذي ترونه الوادي, وكذلك نمرة على الأقرب -والله أعلم-، أما عرنة فليست بموقف لما روى ابن خزيمة بسند جيد من طريق أبي الزبير عن أبي معبد عن ابن عباس أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (ارفعوا عن بطن عرنة وارفعوا عن وادي محسر)هذا قول عامة الفقهاء

يقول المؤلف: (ويستحب أن يقف في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم-)

موقف النبي -صلى الله عليه وسلم-: وهو أن يجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وحبل المشاة بين يديه وأن يستقبل القبلة, ومعنى حبل المشاة يعني جبل المشاة الذي يمشون عليه أو الوادي الذي يمشون عليه.

(ويستقبل القبلة ويكون راكب)، قول المؤلف: (ويكون راكب)

أيهما أفضل للواقف بعرفة أن يكون راكباً أم يكون غير راكب؟

رأي المؤلف يقول: (يكون راكب) دليله لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا وهو راكب.

لقول الثاني: قالوا: أن الأفضل أن يجلس قالوا: وأما النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن ذلك لأجل أن يشرفوه؛ يعني يطلع عليه الناس

وذهب ابن تيمية -رحمه الله- إلى أن ذلك على حسب الأرفق به، فإن كان الأرفق به الركوب دعا ربه راكباً، وإن كان الأرفق به الجلوس دعا ربه جالساً, وهذا بلا شك قول وسط، إلا أننا نقول: إنه إن كان يقتدى بفعله وفعاله فإنه ينبغي له أن يبرز للناس حتى يقتدوا به، ويسألونه.

يقول المؤلف: (ويكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير)،هذا أفضل ما يدعو الحاج كما روى البيهقي والطبراني وغيرهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)

وهو بين أثناء قوله لا إله إلا الله يكثر من الدعاء والتضرع والابتهال والانطراح بين يدي الله والانكسار بين يديه

المؤلف -رحمه الله- قال: (ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة)

النفرة من عرفة إلى مزدلفة :

بعدما يدعو العبد ربه يستمر مع ذلك إلى غروب الشمس؛ كل من دخل عرفة نهاراً يجب عليه أن يبقى إلى غروب الشمس, يجمع بين الليل والنهار, هذا هو قول أكثر أهل العلم، بل إن مالكاً -رحمه الله- قال: لا يصح حجه حتى يجمع بين الليل والنهار؛ لأن مالكا يرى أن الليل هو أهم شيء, واستدل على ذلك بحديث رواه ابن عمر: (من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة بليل فلم يدرك الحج وعليه أن يتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل) هذا رواه ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي سنده ضعف

على هذا نقول: يحق لمن دخل من النهار أن يخرج بعد غروب الشمس, أما إن خرج قبل ذلك فيجب عليه أن يرجع فإن رجع قبل غروب الشمس فلا شيء عليه، فإن رجع بعد غروب الشمس وجب عليه دم؛ لأنه خرج قبل وقته والله أعلم.

السنة في الانتقال من منى إلى عرفة ومن عرفة إلى منى، هو التلبية، قال الفضل بن عبدالله : (كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- من مزدلفة إلى منى، فلم يزل يلبي حتى أتى جمرة العقبة)

قال المؤلف: (ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزِمين)

بكسر الزاي على الأشهر فيما أعلم، يقول المؤلف: (وعليه السكينة والوقار)،هذا هو السنة أن الإنسان يمشي بسكينة ووقار وهو يلبي كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- قال جابر: (فجعل ناقته القصواء إلى مورك رحله وهو يقول بيده: أيها الناس: السكينة، السكينة)

الحاج كلما كان حجه من غير فسق ولا جدال؛ كلما ذلك كان أقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- وأدعى للقبول؛ ولهذا قال عروة ( سألت أسامة: كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسير حينما خرج من عرفة إلى مزدلفة؟ قال: كان يسير العَنَق فإذا وجد فجوة نص) العنق: يعني الشيء اليسير، فإذا وجد فجوة: يعني منفذ، نص: يعني وثب وأسرع بأبي هو وأمي -عليه الصلاة والسلام.

يقول المؤلف: (ويكون ملبياً ذاكراً لله -عز وجل-، فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهم)

__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #8  
قديم 05-12-2012, 11:01 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
باب الفدية



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الدرس العاشر


باب الفديــة

يقول المؤلف -رحمه الله -: ( باب الفدية: وهي على ضربين: أحدهما على التخيير وهي فدية الأذى واللبس والطيب فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين أو ذبح شاة وكذلك الحكم في كل دم وجب لترك واجب، وجزاء الصيد مثل ما قتل من النَّعم إلا الطائر فإن فيه قيمته، إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة ففيها بدنة ويخير بين إخراج المثل أو تقويمه بطعام، فيطعم لكل مسكين مداً من بر، أو يصوم عن كل مد يوما)

تعريف الفدية: هي ما يُعطى فداءً لشيء، ومنه فدية الأسير حيث يُعطي حاجزيه شيئًا من المال أو الطعام ليتركوه، وسُميت فدية لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ، ومحظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى أربعة أقسام: هذا تقسيم غير تقسيم المؤلف، - المؤلف قسم الفدية إلى قسمين-..القسم الأول: ما لا فدية فيه، كعقد النكاح للمحرم، فلو عقد فإنه يأثم ولكن لا يلزمه فدية، ومثل ذلك فيما لو احتاج إلى لبس السراويل لمن لم يجد الإزار فليلبس السراويل ولا فدية على الراجح، وكذلك فيمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولا فدية، القسم الثاني: ما فديته مغلظة، وهو الجماع في الإحرام.
القسم الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.
القسم الرابع: ما فديته فدية أذى، وهذا جميع المحظورات ما عدا النكاح والوطء وقتل الصيد.
فدية الأذى: هي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام أو ذبح شاة، لقوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، وكل من فعل محظورا من محظورات الإحرام غير الوطء والصيد وعقد النكاح فإنه يلزمه فدية الأذى، هذا هو قول عامة الفقهاء، وخالف في ذلك ابن حزم، وبعض المعاصرين كالشوكاني ومن تبعه إلى ذلك، سبب مخالفتهم: قالوا: لا يلزم إلا في الحلق خاصة؛ لأنها هو المراد في الآية وكذا في الحديث لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو انسك شاة) فقالوا: وما عدا الحلق فلا يجب فيه فدية أذى استدلوا بأدلة منها: أولاً: قالوا لأن ذلك لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقالوا: نحن متعبدون بقول الله وقول رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقول تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾، الثاني: قالوا ولما جاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)، قالوا: وعليه فلا يسوغ أن نأمر المرء بمال -وهي الفدية- إلا بما ثبت بنص شرعي من كتاب أو سنة، وإلا كنا قد أخذنا وأغرمناه ما لم يغرمه الشرع. الثالث: قالوا: ولا يصح قياس الحلق على غيره من المحظورات. نرد: لم يختلف أئمة الإسلام في عصورهم القديمة والحديثة على أن كل من فعل محظورا من محظورات الإحرام يجب عليه الفدية، ودليل ذلك أنهم قالوا: الأول: القياس: وهو قياس واضح، فيه مقيس عليه ومقيس وعلة قالوا: كل من فعل محظور من محظورات الإحرام فعليه الفدية، فمن حلق فعليه الفدية ومن لبس فعليه الفدية ومن تطيب فعليه الفدية, فالقياس واضح على الحلق بجامع فعل المحظور، وخرج غيره بالنص، الذي هو الصيد، خرج غيره بدليل الذي هو الصيد وكذا الوطء –الجماع-، وهذا أحسب أنه قياس واضح..الثاني: أنه قول الصحابة ولا يُعلم لهم مخالف فقد صح عن ابن عمر كما روى مالك في موطأه بإسناده قال: (حدثنا الزهري عن سالم عن ابن عمر في الرجل الذي يُجرح ويُصاب ويُحصر قال ابن عمر: فإن احتاج إلى شيء من الثياب فعل ثم افتدى)، فقول ابن عمر (ثم افتدى) دليل على أنه يرى الفدية في محظورات الإحرام، وحينئذ نقول: كل من فعل محظورا من محظورات الإحرام فيجب عليه أن يفتدي سواء كان احتاج إليه أو لم يحتج إليه، مثل الذين يدخلون المناطق التي لا يسوغ لهم أن يدخلوها وهم محرمون، تجد أنهم يُلبون من الميقات وهم على ثيابهم، ثم يدخلون ثم يغيرون إحرامهم ولا يأمرهم أحد بشيء، نقول: يلزمكم -مع الإثم- فدية الأذى لأنكم فعلتم محظورا من محظورات الإحرام قل أو كثر، هذا هو الأقرب والله أعلم
إذا ثبت هذا فإن المؤلف يقول: (وهي على ضربين: أحدهما على التخيير)
الفدية على ضربين: القسم الأول: فدية على التخيير، القسم الثاني: فدية على الترتيب، والمؤلف بدأ في الفدية التي هي على التخيير، فقال: (أحدهما على التخيير وهي فدية الأذى)، وسُميت فدية الأذى؛ لأنها شُرعت بسبب الأذى الذي أصاب كعب بن عجرة، قال: (حُملت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقمل يتناثر على وجهي، قال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى, أتجد شاة؟ قال: قلت: لا، قال: فأنزل الله هذه الآية). يقول المؤلف: (وهي فدية الأذى واللبس والطيب)، هذه محظورات الإحرام، واللبس يشمل تغطية الرأس ولباس المخيط ولبس الخفين مع وجود النعلين. يقول المؤلف: (فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين)، الصاع أربعة أمداد، ونصف الصاع مدان، والمأمور في الإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، يعني لكل مسكين مدان، فإذا كانوا ستة ولكل مسكين نصف صاع، كم صار عدد الآصع؟ صارت ثلاثة، (أو ذبح شاة)، لقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، والنُسك: هو النسيكة يعني الذبيحة وهي الشاة التي تجزئ في الأضحية والعقيقة وهي ما يبلغ لها السن المعين من الجذع وأن تكون سليمة من العيوب . والصيام ثلاثة أيام يصومها إن شاء في مكة أو خارج مكة، وإطعام ستة مساكين الأفضل أن يطعمها في مكة، وهل له أن يطعمها في خارج مكة؟ نقول: الأولى -وهو قول الجمهور- أن يطعمها في مكة، وله أن يطعمها لفقراء المكان الذين فعل المحظور فيه. س: ولو ذبح الشاة في غير منطقة الحرم هل يجزئه أو لا يجزئه؟ قولان عند أهل العلم والأقرب والله أعلم أنه يجزئه لو لم يذبحها في الحرم؛ لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في وجوب ذبحها في الحرم، وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:33]، أو ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، إنما ذلك في هدي التمتع، و القِران يجب أن يذبحه في الحرم، وبعضهم يفرق بين هدي التمتع والقران وبين هدي الإحصار وبين فعل المحظور, على كل حال الأولى أن يذبحها في الحرم، وأن يُطعم بها فقراء الحرم, هذا الأولى والله أعلم. والخلاف القوي هو في الذبح أما الإطعام فالأقرب وهو الأظهر أنه يطعمها فقراء الحرم، فلو ذبحها خارج الحرم أجزأته إذا وزعها في فقراء الحرم مع أن المسألة ليس فيها دليل صحيح في هذا لكننا نحتاط.
يقول المؤلف: (وكذلك الحكم في كل دم وجب لترك واجب) ؟؟؟؟؟
ظاهر كلام المؤلف أنه على التخيير في من ترك واجباً أنه إما أن يذبح شاة وإما أن يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وهذا القول بعيد، والراجح والله أعلم أن من ترك واجباً من واجبات الحج فيجب عليه أن يذبح شاة وإذا لم يجد فتبقى في ذمته حتى يجد، بل الحنابلة يرون أنه إذا لم يجد صام عشرة أيام وفي هذا القياس نظر, والأقرب أنها تبقى في ذمته حتى يجد هدياً، أما أن نقول: إذا لم تجد هديا أنت بالخيار بين الدم وبين الإطعام وبين الصيام نقول: لا.. هذا إنما هي في فدية الأذى. فكل من فعل محظوراً من محظورات الإحرام فيجب عليه الفدية، وهي الثلاث بالخيار، وكل من ترك واجباً من واجبات الحج فيجب عليه أن يذبح شاة هدياً فإن لم يجد بقيت في ذمته إلى أن يجد، والله أعلم. : س: شخص غطى رأسه متعمداً/ وترك الرمي حتى انتهى الحج، فما الذي يلزمه؟ الجواب هو: أن عليه فدية الأذى بسبب تغطية رأسه، وأن عليه دم لتركه واجب، واضح، لتركه واجب. يقول المؤلف: (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النَعَم) يقول المؤلف: قتل الصيد فيه ثلاثة: إما الجزاء جزاء الصيد إما المثلية وإما عدل ذلك من الإطعام وإما الصيام، يقول الله : ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ هذه الثانية، ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، ثلاثة أشياء هو مخير فيها، المؤلف يقول: (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم)، كما روى ابن ماجة من حديث جابر أنه قال: (قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضبع كبش) الضبع صيد، كما في صحيح مسلم: (الضبع صيد)، الضبع الآن، الضبع هذه مثلها الشاة الكبشة, وقل مثل ذلك في غيرها، فالحمار الوحشي مثله بقرة.. فلا يسوغ أن يأتي بجزاء غير هذا، في قضاء الصحابة.. يقول المصنف -رحمه الله تعالى- : (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم, إلا الطائر فإن فيه قيمته, إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة ففيها بدنة, ويُخير بين إخراج المثل أو تقويمه بطعام, فيطعم لكل مسكين مداً من بر أو يصوم عن كل مد يوماً.
الضرب الثاني: على الترتيب: وهو هدي التمتع يلزمه شاة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع, وفدية الجماع بدنة فإن لم يجد فصيام كصيام التمتع, وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة ودم الفوات. والمحصر يلزمه دم فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.)
والصيد هنا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول ما له مثل, والقسم الثاني ما ليس له مثل. ومعنى ما له مثل: يعني ما يشابه بهيمة الأنعام من الصيود وليس المراد بالمشابهة والمماثلة هنا حقيقة المشابهة أو حقيقة المماثلة, إذ أن بين النعم وبين الصيود فروق, ولكن المراد هنا هو أن يكون ثمة شبه أو موافقة بين هذا الصيد وبين بهيمة الأنعام, فإذا كان ثمة شبه ولو بصورة واحدة فإنه يجوز أن نذكر أنه من المناسبة. القسم الأول ما له مثل: لا يلزم في المماثلة المماثلة الكلية بل ولو شابهها في صورة واحدة جاز أن يكون لهذا الصيد مثل؛ الحمامة مثلا شابهت الشاه في شرب الماء وهذه صورة واحدة قال تعالى : ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) والقسم الثاني ما ليس له مثل.: إن لم يكن له مثل فله أن ينتقل إلى كفارة طعام مساكين يعني يقوِّم هذا المثل؛ يقوِّمه بدراهم يشترى بها طعام فلو أنه قتل حمامة مثلا وقلنا إن الحمامة تقدر بالشاة فكم قيمة الشاة إذا أراد ألا يذبح شاة قلنا قيمة الشاة ثلاثمائة ريال يشتري بثلاثمائة ريال طعاماً وهذا هو قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ﴾، فهو هذا القسم الثاني الذي له الخيار فيه إما أن يذبح مثله وهو الشاة, فإن لم يجد أو لم يستطع أو أحب أن يطعم فنقول: قدِّر الشاة بدراهم تشتري بها طعاماً. يقسم هذا الطعام المؤلف يقول: - إن كان برا -يعني قمح- يجعل لكل مسكين مد بر, والمد هو ملء الكف المعتدلة المليئة هذا هو المد. إن كان براً. - وإن لم يكن برا كغيره من الأطعمة فإنه يطعمه على أنه نصف صاع؛ والصاع هو أربعة أمداد ونصفه مدين وربعه مد، فإذا كان الطعام غير بر فإن المؤلف -رحمه الله تعالى- يقول يطعم عن نصف صاع لكل مسكين. - إذا أحب ألا يطعم, بل أحب الصيام, فالمؤلف يقول يقدر كل مد فيصوم عنه يوماً، الصيد المثلي ينقسم إلى ثلاثة, ومعنى المثلي هو ما له مثل من بهيمة الأنعام له ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتقدم فيه حكم من النبي فالمرجع إلى ما حكم به النبي -صلى الله عليه وسلم-مثال نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضبع شاة) القسم الثاني: أن يتقدم فيه حكم من الصحابة -رضي الله عنهم- فالمرجع في ذلك إلى ما حكم الصحابة -رضي الله عنهم- من ذلك ما روا ه البيهقي وغيره أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان -رضي الله عنهم- حكموا في الظبي -وهو أكبر من الغزال- شاة, وفي الغزال ماعز, فيجب علينا أن نصير إلى ما صار إليه الصحابة -رضي الله عنهم. القسم الثالث: ألا يتقدم فيه حكم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن الصحابة، فالمرجع هنا ما ذكره الله بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ فيقوم رجلان خبيران فيقدران هذا الصيد بمثله. القسم الثاني ما ليس له مثل : يقدر قيمة الشاة دراهم تشتري بها طعاماً -وهذا النوع الثاني من التخيير- فإن قال: أنا لا أريد أن أطعم, ليس عندي مال. قلنا له: هذا الطعام قسمه -على كلام المؤلف- مد إن كان بر أو نصف صاع, قسم هذا الطعام لكل مسكين نصف صاع, ثم صم عن كل نصف صاع يوماً. والمؤلف -رحمه الله- ذكر أنه يطعم لكل مسكين مداً من بر أو يصوم، هذا مذهب الحنابلة، وذهب الحنفية وهو قول ابن عباس -كما رواه البيهقي وغيره- إلى أن الطعام يقدر على أنه نصف صاع, لكل نصف صاع يوماً يصومه الإنسان ولا فرق في ذلك بين البر وبين غيره, وهذا هو فتوى ابن عباس رضي الله عنه وهذا القول أقوى، وسبب قوته : - أولا: لأنه فتوى ابن عباس -رضي الله عنه. ثانياً: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدر كفارة الأذى إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة. وعلى هذا فيقال كل كفارة فيها طعام فيقدر لكل مسكين نصف صاع؛ وعلى هذا فإذا مر معنا في الكفارات في كلام المؤلف الحنبلي أو كلام الشافعية لأنهم وافقوا الحنابلة إذا قالوا مداً لكل مسكين, قلنا: الراجح هو مذهب أبي حنيفة أن يقدر ليس مداً بل يقدر بمدين..المؤلف –يقول: (مثل ما قتل من النعم إلا الطائر فإن فيه قيمته)) الطائر ليس له مثل لأنها لا تشابه الحيوانات لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ﴾ وهذا هو القسم الثاني في أنواع الصيد فيما ليس له مثل,.. فإن المؤلف يقول ليس له مثل ولكن له القيمة.: يقدر قيمة الصيد أو المثل؟ نقول يقدر الصيد؛ لأنه ليس له مثل فلو أنه قسم الطعام وبقي آخر الطعام بعض المد, المؤلف يقول يصوم عن كل مد يوماً أليس كذلك, لكن لو كان بعض المد؟ قال العلماء: يصوم أيضاً يوماً, قالوا: لأن الصوم لا يتجزأ فيصوم يوماً عن مد أو عن نصف صاع. المؤلف يقول: (إلا الحمامة ففيها شاة, والنعامة ففيها بدنة) ، حكم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان ومعاوية -رضي الله عنهم- أن من قتل نعامة ففيها بدنة والبدنة ما هي؟ البعير, فمن قتل نعامة فجزائها من النعم بعيراً, وهل يجزئ البقرة ؟ الأقرب والله أعلم أنه يجزئ؛ لأن البقرة تسمى بدنة فالأقرب أنها تجزئ. لو أننا في هذا الزمان جاء شخص وقال: قتلت نعامة, قالوا النعامة تساوي الآن ألف ريال والبعير يساوي ألفين وخمسمائة, هل نقول إن النعامة تقدر كبشاً كبيراً من الشاه الطيب نقول: لا.. لِمَ؟ لأن النعامة حكم بها الصحابة, فلا يجوز لنا أن نعدل عن حكمهم. المؤلف هنا قال: (ويخير بين إخراج المثل أو تقويمه بطعام فيطعم لكل مسكين مداً من بر) الراجح: يطعم لكل مسكين نصف صاع؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حكم بالإطعام في فدية الأذى كما في حديث كعب بن عجرة قال: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو اذبح شاة) فنقول المعول على ماذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في فدية الأذى. المؤلف -رحمه الله- يقول: (الضرب الثاني: على الترتيب/ الضرب الثاني وهو الترتيب وذكره قال: (وهو هدي التمتع) هدي التمتع يلزمه أن يذبح شاة قال تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾[البقرة: 196]، ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ وإذا جاءك في القرآن والسنة فمن لم يجد فهي على الترتيب وإذا جاءك في القرآن أو فهي على التخيير كما قال ابن عباس عند البيهقي وغيره قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة أو في القرآن على التخيير و فمن لم يجد فهي على الترتيب). المؤلف يقول: (هدي التمتع يلزمه شاة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع)
مهم: س: ما شروط وجوب هدي التمتع؟ الشرط الأول: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام: لأن حاضري المسجد الحرام ليس عليهم الهدي لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وحاضرو المسجد الحرام هم -على الراجح- أهل مكة والحرم, خلافاً للمؤلف حيث إن الحنابلة ذكروا أن حاضر المسجد الحرام هو ما كان دون مسافة القصر, ومسافة القصر عندهم أربعة برد, والأربعة برد تقدر في زماننا بثمانين كيلومتر. الشرط الثاني: ألا يسافر بينهما سفراً إلى أهله: على الراجح -أنا أذكر الشروط هنا على الراجح- فلو أنه أخد عمرة -وهو من أهل الرياض- فسافر إلى جدة أو إلى المدينة ثم أهل بالحج من المدينة, فإننا نقول هنا هل ينقطع تمتعه أو لا ينقطع؟ نقول: لا ينقطع تمتعه؛ لأنه لم يرجع إلى بلده. ودليل ذلك ما رواه ابن حزم في المحلى والبيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: ( إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام حتى حج فعليه الهدي وإذا رجع إلى أهله فلا هدي عليه) وهذا الحديث إسناده جيد. الشرط الثالث: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج: فلو أحرم بالعمرة في رمضان -ورمضان ليس من أشهر الحج- ثم فرغ منها في شوال وبقي في مكة, هل يُعد متمتعاً أو مفرداً؟ يعد مفرداً لِمَ ؟ لأنه لم يهل بالعمرة في أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾. الشرط الرابع: أن يحج من عامه: فلو أخذ عمرة في أشهر الحج وبقي في مكة حتى كان العام القادم ثم أهل بالحج, هل نقول هنا حجه مفرداً أم متمتعا لأنه أخذ عمرة في أشهر الحج في العام الماضي؟ نقول انقطع تمتعه حينئذ وإهلاله بالحج يكون مفرداً. الشرط الخامس: أن يحل من العمرة قبل إحرامه من الحج: فلو أنه أحرم بالعمرة فقال لبيك عمرة أو قال على كلام الفقهاء لبيك عمرة متمتعاً بها إلى الحج وإن كان هذا اللفظ لم يذكر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة فيما أعلم إنما ذكره الفقهاء, فإذا أراد أن يتمتع يقول: لبيك عمرة, ولم يستطع أن يطوف مثل المرأة الحائض لبت بالعمرة ثم حاضت قبل طواف عمرتها فإنها تنتظر حتى إذا كان يوم عرفة ولم تطهر فنقول: أدخلي الحج على العمرة فتكونين قارنة, فلو لم تكمل العمرة فإن المؤلف يقول أن يحل من العمرة قبل إحرامه من الحج. هذا هو هدي التمتع وهذه شروطه. وكذا القران فالقارن؛ وهو الذي لبى بالحج والعمرة جميعاً, أو لبى بالعمرة فأدخل عليها الحج فإنه يكون قارناً؛ يلزمه هدي لأمور: أولا: لما روى جابر في صحيح مسلم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت قارنة فذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عائشة -رضي الله عنها- بقرة. ثانياً: لإجماع الصحابة أن في قول الله تعالى ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾ هو أن يأخذ حج وعمرة في سفرة واحدة ونقل الإجماع بن عبد البر في التمهيد والاستذكار، ومن المعلوم أن القارن حينما يقول لبيك عمرة وحجة يكون سعيه بين الصفا والمروة وطوافه بالبيت عن حجه وعمرته جميعاً لأجل نيته كما قال -صلى الله عليه وسلم- (طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يجزئ عن حجك وعمرتك جميع) هذا هو الراجح والله أعلم. وذهب ابن حزم إلى أن القارن ليس عليه هدي إلا إن ساق الهدي, والراجح هو قول جماهير أهل العلم؛ لأن الصحابة يسمون القارن متمتعاً., كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (تمتع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي معه) وكونه تمتع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي معه هذا هو القران, بدليل قوله: (فبدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأهل بالحج ثم أدخل عليه العمرة). يقول المؤلف: (يلزمه شاة) للآية (فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع) هذا هو الواجب على الترتيب, لا يجوز له أن يصوم إلا إن كان لم يجد الهدي. وقوله: (ثلاثة أيام في الحج) إذا قال شخص: أريد أن أكون متمتعاً وليس عندي من المال ما أذبح به شاة. قلنا له: إذا لم تجد شاة فإنك تنتقل إلى الصيام لقوله تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ يبدأ بالصيام من حين شروعه وإحرامه بالعمرة. هذا هو مذهب الحنابلة ومذهب الحنفية. أن إحرامه بالعمرة في أشهر الحج سبب في وجوب الهدي عليه, وإذا كان كذلك فمتى وجد السبب جاز تقديمه على وقت الوجوب...... قال ابن تيمية ولأن الصحابة الذين أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يجعلوا حجهم عمرة ويكونون متمتعين كانوا أهلوا صبيحة رابعة على الخلاف متى قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- يفسخوا, ولكنهم بقوا -على فرض- يوم رابعة فصاموا -ممن لم يجد هدي- يوم الرابع والخامس والسادس قبل يوم الثامن, وقد أهلوا يوم الثامن كما أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا يدل على أن من لم يجد الهدي فإنه يصوم, ويجوز له أن يصوم في الحج من حين إحرامه بالعمرة. يقول المؤلف: (وسبعة إذا رجع) وله أن يصوم إذا رجع إلى وطنه, هذا لا خلاف فيه, ولكن له أن يصوم أيضاً إذا أنهى جميع أعمال الحج؛ فلو طاف للوداع مثلاً وهو في طريقه فله أن يصوم, وهو قول جماهير أهل العلم خلافاً للشافعي؛ لأنه يصدق أن يسمى أنه: رجع إلى أهله. يقول المؤلف: (وفدية الجماع بدنة)، وقلنا فدية الجماع بدنة بدليل إجماع الصحابة كما روى البيهقي أن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- أفتوا من جامع قبل التحلل الأول أن عليه البدنة. قال المؤلف: (فإن لم يجد فصيام كصيام التمتع)، الذي وجبت عليه فدية الجماع - إذا لم يجد هذه الفدية ماذا يفعل ؟- القول الأول: المؤلف يقول: (فإن لم يجد فصيام كصيام التمتع) يعني ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، هذا هو مذهب الحنابلة ودليلهم في هذا قالوا: لأنه صار بإحرامه كالمتمتع إذا لم يجد الهدي. والقول الثاني: في المسألة وهو قول ابن حزم وأبي حنيفة: قالوا كل من وجب عليه هدي غير هدي التمتع كمن ترك واجباً أو المحصر إذا لم يجد الهدي, فإنه تبقى في ذمته إلى حين الوجوب ولا ينتقل إلى الصيام كما هو مذهب الحنابلة، قالوا: لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يوجب على من لم يجد الهدي في الإحصار أن ينتقل إلى الصيام ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا القول قوي، ألا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه أمر هبار بن الأسود حينما فاته الحج والوقوف بعرفة قال له -رضي الله عنهم- حينما لم يدرك عرفة وقد أهل بالحج قال: (إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فاهدي فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت) فعمر -رضي الله عنه- أمره بالهدي والهدي هنا يسمى هدي الفوات وهدي الفوات مثل هدي الإحصار وقد قاس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هدي الفوات قاسه بهدي التمتع، وإذا كان عمر بن الخطاب قاس هدي الفوات بهدي التمتع فنقول هؤلاء أعلم منا بالقياس وبالفقه ومما يدل على ذلك - قول الحنابلة- أن ابن عمر -رضي الله عنهما- حكم بالمحصر إذا لم يجد الهدي أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولا يعلم لهم مخالف فيكون قول الحنابلة أقعد وأقوى؛ فكل من وجب عليه دم كدم الفوات أو دم الإحصار أو ترك واجبا إذا لم يجد فهو بالخيار إما أن يبقى في ذمته وإما أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع والله أعلم. المؤلف يقول: (وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة) ومعنى المباشرة وهو أن يباشر أهله دون الفرج فنقول عليه البدنة لو أنزل قبل التحلل الأول كما مر معنا وقلنا الأقرب أن عليه شاة، ودليل الشاة أن ما روي عن ابن عباس: (وليهدي هدياً, قالت المرأة: أي الهدي؟ قال وتقدرين ذلك؟ قالت: نعم. قال: فعليك بدنة). قال: (ودم الفوات) ودليل دم الفوات حديث عمر بن الخطاب حينما أمر هبار بن الأسود فقال له: (إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فأهدي فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت) يقول المؤلف: (والمحصر يلزمه دم) هذا هو قول جماهير أهل العلم خلافاً للمالكية على أن المحصر يلزمه الهدي, يقول تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، وقوله فما استيسر من الهدي يعني أي هدي؛ إما شاة وإما بقرة وإما بعيراً أو ناقة, فإن لم يجد فصيام عشرة أيام. هذا لم يذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن؛ ولهذا جعل أبو حنيفة الهدي باقٍ في ذمته, وقال في بعض رواياته لا يتحلل من إحصاره إلى أن يجد الهدي, وفي هذا كلفة ومشقة؛ ولهذا نقول إذا لم يجد الهدي -وهو محصر- فإنه يصوم عشرة أيام ثم بعد ذلك يتحلل من حجه أو من عمرته.

__________________
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #9  
قديم 05-12-2012, 11:04 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
تابع:باب الفدية


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الدرس الحادي عشر

تابع باب الفدية


يقول المصنف -رحمه الله تعالى- : (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم, إلا الطائر فإن فيه قيمته, إلا الحمامة ففيها شاة والنعامة ففيها بدنة, ويخير بين إخراج المثل أو تقويمه بطعام, فيطعم لكل مسكين مداً من بر أو يصوم عن كل مد يوماً.

الضرب الثاني: على الترتيب: وهو هدي التمتع يلزمه شاة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع, وفدية الجماع بدنة فإن لم يجد فصيام كصيام التمتع, وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة ودم الفوات. والمحصر يلزمه دم فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.)

والصيد هنا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول ما له مثل, والقسم الثاني ما ليس له مثل.

ومعنى ما له مثل: يعني ما يشابه بهيمة الأنعام من الصيود وليس المراد بالمشابهة والمماثلة هنا حقيقة المشابهة أو حقيقة المماثلة, إذ أن بين النعم وبين الصيود فروق, ولكن المراد هنا هو أن يكون ثمة شبه أو موافقة بين هذا الصيد وبين بهيمة الأنعام, فإذا كان ثمة شبه ولو بصورة واحدة فإنه يجوز أن نذكر أنه من المناسبة.

القسم الأول ما له مثل:

لا يلزم في المماثلة المماثلة الكلية بل ولو شابهها في صورة واحدة جاز أن يكون لهذا الصيد مثل؛ الحمامة مثلا شابهت الشاه في شرب الماء وهذه صورة واحدة قال تعالى : ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ

والقسم الثاني ما ليس له مثل.

إن لم يكن له مثل فله أن ينتقل إلى كفارة طعام مساكين ومعنى كفارة طعام مساكين يعني يقوِّم هذا المثل؛ يقوِّمه بدراهم يشترى بها طعام فلو أنه قتل حمامة مثلا وقلنا إن الحمامة تقدر بالشاة فكم قيمة الشاة إذا أراد ألا يذبح شاة قلنا قيمة الشاة ثلاثمائة ريال يشتري بثلاثمائة ريال طعاماً وهذا هو قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ﴾، فهو هذا القسم الثاني الذي له الخيار فيه إما أن يذبح مثله وهو الشاة, فإن لم يجد أو لم يستطع أو أحب أن يطعم فنقول: قدِّر الشاة بدراهم تشتري بها طعاماً.

يقسم هذا الطعام المؤلف يقول:

- إن كان بر -يعني قمح- يجعل لكل مسكين مد بر, والمد هو ملء الكف المعتدلة المليئة هذا هو المد. إن كان براً.

- وإن لم بر كغيره من الأطعمة فإنه يطعمه على أنه نصف صاع؛ والصاع هو أربعة أمداد ونصفه مدين وربعه مد، فإذا كان الطعام غير بر فإن المؤلف -رحمه الله تعالى- يقول يطعم عن نصف صاع لكل مسكين.

- إذا أحب ألا يطعم, بل أحب الصيام, فالمؤلف يقول يقدر كل مد فيصوم عنه يوماً

الصيد المثلي ينقسم إلى ثلاثة, ومعنى المثلي هو ما له مثل من بهيمة الأنعام له ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يتقدم فيه حكم من النبي -صلى الله عليه وسلم- فالمرجع إلى ما حكم به النبي -صلى الله عليه وسلم-مثال نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضبع شاة)

لقسم الثاني: أن يتقدم فيه حكم من الصحابة -رضي الله عنهم- فالمرجع في ذلك إلى ما حكم الصحابة -رضي الله عنهم- من ذلك ما روا ه البيهقي وغيره أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان -رضي الله عنهم- حكموا في الظبي -وهو أكبر من الغزال- شاة, وفي الغزال ماعز, فيجب علينا أن نصير إلى ما صار إليه الصحابة -رضي الله عنهم.

القسم الثالث: ألا يتقدم فيه حكم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن الصحابة، فالمرجع هنا ما ذكره الله بقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ فيقوم رجلان خبيران فيقدران هذا الصيد بشيء مثله.

القسم الثاني ما ليس له مثل : يقدر قيمة الشاة دراهم تشتري بها طعاماً -وهذا النوع الثاني من التخيير- فإن قال: أنا لا أريد أن أطعم, ليس عندي مال. قلنا له: هذا الطعام قسمه -على كلام المؤلف- مد إن كان بر أو نصف صاع, قسم هذا الطعام لكل مسكين نصف صاع, ثم صم عن كل نصف صاع يوماً.

والمؤلف -رحمه الله- ذكر أنه يطعم لكل مسكين مداً من بر أو يصوم , هذا مذهب الحنابلة

وذهب الحنفية وهو قول ابن عباس -كما رواه البيهقي وغيره- إلى أن الطعام يقدر على أنه نصف صاع, لكل نصف صاع يوماً يصومه الإنسان ولا فرق في ذلك بين البر وبين غيره, وهذا هو فتوى ابن عباس -رضي الله عنه- وهذا القول أقوى

وسبب قوته : - أولا: لأنه فتوى ابن عباس -رضي الله عنه.

- ثانياً: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدر كفارة الأذى إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة.

وعلى هذا فيقال كل كفارة فيها طعام فيقدر لكل مسكين نصف صاع؛ وعلى هذا فإذا مر معنا في الكفارات في كلام المؤلف الحنبلي أو كلام الشافعية لأنهم وافقوا الحنابلة إذا قالوا مداً لكل مسكين, قلنا: الراجح هو مذهب أبي حنيفة أن يقدر ليس مداً بل يقدر بمدين..





المؤلف -رحمه الله- يقول: (مثل ما قتل من النعم إلا الطائر فإن فيه قيمته))

الطائر ليس له مثل؛ لأنها لا تشابه الحيوانات لأن الله تعالى يقول: ﴿ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ﴾ وهذا هو القسم الثاني في أنواع الصيد فيما ليس له مثل,.. فإن المؤلف يقول ليس له مثل ولكن له القيمة...

: يقدر قيمة الصيد أو المثل؟ نقول يقدر الصيد؛ لأنه ليس له مثل

فلو أنه قسم الطعام وبقي آخر الطعام بعض المد, المؤلف يقول يصوم عن كل مد يوماً أليس كذلك, لكن لو كان بعض المد؟ قال العلماء: يصوم أيضاً يوماً, قالوا: لأن الصوم لا يتجزأ فيصوم يوماً عن مد أو عن نصف صاع.

المؤلف يقول: (إلا الحمامة ففيها شاة, والنعامة ففيها بدنة)

حكم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان ومعاوية -رضي الله عنهم- أن من قتل نعامة ففيها بدنة والبدنة ما هي؟ البعير, فمن قتل نعامة فجزائها من النعم بعيراً, وهل يجزئ البقرة ؟ الأقرب والله أعلم أنه يجزئ؛ لأن البقرة تسمى بدنة فالأقرب أنها تجزئ.

لو أننا في هذا الزمان جاء شخص وقال: قتلت نعامة, قالوا النعامة تساوي الآن ألف ريال والبعير يساوي ألفين وخمسمائة, هل نقول إن النعامة تقدر كبشاً كبيراً من الشاه الطيب نقول: لا.. لِمَ؟ لأن النعامة حكم بها الصحابة, فلا يجوز لنا أن نعدل عن حكمهم.

المؤلف هنا قال: (ويخير بين إخراج المثل أو تقويمه بطعام فيطعم لكل مسكين مداً من بر)

الراجح: يطعم لكل مسكين نصف صاع؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حكم بالإطعام في فدية الأذى كما في حديث كعب بن عجرة قال: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو اذبح شاة) فنقول المعول على ماذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في فدية الأذى.

المؤلف -رحمه الله- يقول: (الضرب الثاني: على الترتيب

الضرب الثاني وهو الترتيب وذكره قال: (وهو هدي التمتع) هدي التمتع يلزمه أن يذبح شاة قال تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾[البقرة: 196]، ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ وإذا جاءك في القرآن والسنة فمن لم يجد فهي على الترتيب وإذا جاءك في القرآن أو فهي على التخيير كما قال ابن عباس عند البيهقي وغيره قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة أو في القرآن على التخيير و فمن لم يجد فهي على الترتيب).

المؤلف يقول: (هدي التمتع يلزمه شاة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع)

شروط وجوب هدي التمتع:

الشرط الأول: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام: لأن حاضري المسجد الحرام ليس عليهم الهدي لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وحاضرو المسجد الحرام هم -على الراجح- أهل مكة والحرم, خلافاً للمؤلف حيث إن الحنابلة ذكروا أن حاضر المسجد الحرام هو ما كان دون مسافة القصر, ومسافة القصر عندهم أربعة برد, والأربعة برد تقدر في زماننا بثمانين كيلومتر.

الشرط الثاني: ألا يسافر بينهما سفراً إلى أهله: على الراجح -أنا أذكر الشروط هنا على الراجح- فلو أنه أخد عمرة -وهو من أهل الرياض- فسافر إلى جدة أو إلى المدينة ثم أهل بالحج من المدينة, فإننا نقول هنا هل ينقطع تمتعه أو لا ينقطع؟ نقول: لا ينقطع تمتعه؛ لأنه لم يرجع إلى بلده. ودليل ذلك ما رواه ابن حزم في المحلى والبيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: ( إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام حتى حج فعليه الهدي وإذا رجع إلى أهله فلا هدي عليه) وهذا الحديث إسناده جيد.

الشرط الثالث: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج: فلو أحرم بالعمرة في رمضان -ورمضان ليس من أشهر الحج- ثم فرغ منها في شوال وبقي في مكة, هل يُعد متمتعاً أو مفرداً؟ يعد مفرداً لِمَ ؟ لأنه لم يهل بالعمرة في أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾.

الشرط الرابع: أن يحج من عامه: فلو أخذ عمرة في أشهر الحج وبقي في مكة حتى كان العام القادم ثم أهل بالحج, هل نقول هنا حجه مفرداً أم متمتعا لأنه أخذ عمرة في أشهر الحج في العام الماضي؟ نقول انقطع تمتعه حينئذ وإهلاله بالحج يكون مفرداً.

الشرط الخامس: أن يحل من العمرة قبل إحرامه من الحج: فلو أنه أحرم بالعمرة فقال لبيك عمرة أو قال على كلام الفقهاء لبيك عمرة متمتعاً بها إلى الحج وإن كان هذا اللفظ لم يذكر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة فيما أعلم إنما ذكره الفقهاء, فإذا أراد أن يتمتع يقول: لبيك عمرة, ولم يستطع أن يطوف مثل المرأة الحائض لبت بالعمرة ثم حاضت قبل طواف عمرتها فإنها تنتظر حتى إذا كان يوم عرفة ولم تطهر فنقول: أدخلي الحج على العمرة فتكونين قارنة, فلو لم تكمل العمرة فإن المؤلف يقول أن يحل من العمرة قبل إحرامه من الحج.

هذا هو هدي التمتع وهذه شروطه. وكذا القران فالقارن؛ وهو الذي لبى بالحج والعمرة جميعاً, أو لبى بالعمرة فأدخل عليها الحج فإنه يكون قارناً؛ يلزمه هدي لأمور:

أولا: لما روى جابر في صحيح مسلم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت قارنة فذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عائشة -رضي الله عنها- بقرة.

ثانياً: لإجماع الصحابة أن في قول الله تعالى ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾ هو أن يأخذ حج وعمرة في سفرة واحدة ونقل الإجماع بن عبد البر في التمهيد والاستذكار

ومن المعلوم أن القارن حينما يقول لبيك عمرة وحجة يكون سعيه بين الصفا والمروة وطوافه بالبيت عن حجه وعمرته جميعاً لأجل نيته كما قال -صلى الله عليه وسلم- (طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يجزئ عن حجك وعمرتك جميع) هذا هو الراجح والله أعلم. وذهب ابن حزم إلى أن القارن ليس عليه هدي إلا إن ساق الهدي, والراجح هو قول جماهير أهل العلم؛ لأن الصحابة يسمون القارن متمتعاً., كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (تمتع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي معه) وكونه تمتع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي معه هذا هو القران, بدليل قوله: (فبدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأهل بالحج ثم أدخل عليه العمرة).

يقول المؤلف: (يلزمه شاة) للآية (فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع)

هذا هو الواجب على الترتيب, لا يجوز له أن يصوم إلا إن كان لم يجد الهدي.

وقوله: (ثلاثة أيام في الحج) إذا قال شخص: أريد أن أكون متمتعاً وليس عندي من المال ما أذبح به شاة.

قلنا له: إذا لم تجد شاة فإنك تنتقل إلى الصيام لقوله تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ يبدأ بالصيام من حين شروعه وإحرامه بالعمرة. هذا هو مذهب الحنابلة ومذهب الحنفية.

أن إحرامه بالعمرة في أشهر الحج سبب في وجوب الهدي عليه, وإذا كان كذلك فمتى وجد السبب جاز تقديمه على وقت الوجوب...... قال ابن تيمية ولأن الصحابة الذين أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يجعلوا حجهم عمرة ويكونون متمتعين كانوا أهلوا صبيحة رابعة على الخلاف متى قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- يفسخوا, ولكنهم بقوا -على فرض- يوم رابعة فصاموا -ممن لم يجد هدي- يوم الرابع والخامس والسادس قبل يوم الثامن, وقد أهلوا يوم الثامن كما أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا يدل على أن من لم يجد الهدي فإنه يصوم, ويجوز له أن يصوم في الحج من حين إحرامه بالعمرة.

يقول المؤلف: (وسبعة إذا رجع)

وله أن يصوم إذا رجع إلى وطنه, هذا لا خلاف فيه, ولكن له أن يصوم أيضاً إذا أنهى جميع أعمال الحج؛ فلو طاف للوداع مثلاً وهو في طريقه فله أن يصوم, وهو قول جماهير أهل العلم خلافاً للشافعي؛ لأنه يصدق أن يسمى أنه: رجع إلى أهله.

يقول المؤلف: (وفدية الجماع بدنة)

وقلنا فدية الجماع بدنة بدليل إجماع الصحابة كما روى البيهقي أن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- أفتوا من جامع قبل التحلل الأول أن عليه البدنة.

قال المؤلف: (فإن لم يجد فصيام كصيام التمتع)

المسألة 37

الذي وجبت عليه فدية الجماع - إذا لم يجد هذه الفدية ماذا يفعل ؟-

القول الأول : المؤلف يقول: (فإن لم يجد فصيام كصيام التمتع) يعني ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، هذا هو مذهب الحنابلة ودليلهم في هذا قالوا: لأنه صار بإحرامه كالمتمتع إذا لم يجد الهدي.

والقول الثاني: في المسألة وهو قول ابن حزم وأبي حنيفة: قالوا كل من وجب عليه هدي غير هدي التمتع كمن ترك واجباً أو المحصر إذا لم يجد الهدي, فإنه تبقى في ذمته إلى حين الوجوب ولا ينتقل إلى الصيام كما هو مذهب الحنابلة، قالوا: لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يوجب على من لم يجد الهدي في الإحصار أن ينتقل إلى الصيام ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا القول قوي

ألا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه أمر هبار بن الأسود حينما فاته الحج والوقوف بعرفة قال له -رضي الله عنه- حينما لم يدرك عرفة وقد أهل بالحج قال: (إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فاهدي فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت) فعمر -رضي الله عنه- أمره بالهدي والهدي هنا يسمى هدي الفوات وهدي الفوات مثل هدي الإحصار وقد قاس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هدي الفوات قاسه بهدي التمتع، وإذا كان عمر بن الخطاب قاس هدي الفوات بهدي التمتع فنقول هؤلاء أعلم منا بالقياس وبالفقه ومما يدل على ذلك - قول الحنابلة- أن ابن عمر -رضي الله عنهما- حكم بالمحصر إذا لم يجد الهدي أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولا يعلم لهم مخالف فيكون قول الحنابلة أقعد وأقوى؛ فكل من وجب عليه دم كدم الفوات أو دم الإحصار أو ترك واجب إذا لم يجد فهو بالخيار إما أن يبقى في ذمته وإما أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع والله أعلم.

المؤلف يقول: (وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة)

ومعنى المباشرة وهو أن يباشر أهله دون الفرج فنقول عليه البدنة لو أنزل قبل التحلل الأول كما مر معنا وقلنا الأقرب أن عليه شاة، ودليل الشاة أن ما روي عن ابن عباس: (وليهدي هدياً, قالت المرأة: أي الهدي؟ قال وتقدرين ذلك؟ قالت: نعم. قال: فعليك بدنة).

قال: (ودم الفوات) ودليل دم الفوات حديث عمر بن الخطاب حينما أمر هبار بن الأسود فقال له: (إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فأهدي فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت)

يقول المؤلف: (والمحصر يلزمه دم) هذا هو قول جماهير أهل العلم خلافاً للمالكية على أن المحصر يلزمه الهدي, يقول تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، وقوله فما استيسر من الهدي يعني أي هدي؛ إما شاة وإما بقرة وإما بعيراً أو ناقة, فإن لم يجد فصيام عشرة أيام. هذا لم يذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن؛ ولهذا جعل أبو حنيفة الهدي باقٍ في ذمته, وقال في بعض رواياته لا يتحلل من إحصاره إلى أن يجد الهدي, وفي هذا كلفة ومشقة؛ ولهذا نقول إذا لم يجد الهدي -وهو محصر- فإنه يصوم عشرة أيام ثم بعد ذلك يتحلل من حجه أو من عمرته.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: (ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارته واحدة إلا أن يكون قد كفر عن الأول فعليه للثاني كفارة وإن فعل محظوراً من أجناس فلكل واحد كفارة, والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه, وسائر المحظورات لا شيء في سهوه, وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إلا فدية الأذى يفرقها في الموضع الذي حلق فيه, وهدي المحصر ينحره في موضعه, وأما الصيام فيجزئه بكل مكان)

فقسم من كرر محظوراً إلى قسمين:

القسم الأول:أ- من كرر محظورا من جنس واحد بأن لبس سراويل ثم لبس الخفان ثم لبس –مثلاً- قفازين فالمؤلف يقول هذه الأشياء الثلاثة كلها بمحظور واحد؛ وهو لبس المخيط فإن كان لم يكفر للأول حتى فعل الثاني والثالث فإن المؤلف يقول يلزمه كفارة واحدة.

ودليل ذلك أن الله تعالى أمر بفدية الأذى في الحلق أمر بالفدية الواحدة؛ وهذا قول عامة الفقهاء

يقول المؤلف: (غير قتل الصيد)

الصيد استثنى فلو قتل شخص غزالاً ولم يكفر ثم قتل غزالاً ولم يكفر ثم آخر ولم يكفر يلزمه كفارة ثلاث؛ لأن الله يقول: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾[المائدة: 95]، فقوله ﴿ فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾

المؤلف: (إلا أن يكون كفر عن الأول)

ب- لو فرض أنه لبس السراويل ثم كفر ثم أحس ببرد فلبس جبة أو جاكيت فنقول يلزمك فدية أخرى لكونك كفرت عن الأول فيكون الأول كأن لم يكن محظوراً؛ وجود الكفارة عن المحظور الأول محى هذا المحظور فكأنك لم تفعل محظوراً قط.

القسم الثاني: من كرر محظورا من أجناس: يقول المؤلف (وإن فعل محظوراً من أجناس فلكل واحد كفارة) من أجناس؛ يعني لو أنه تطيب ثم لبس خفيه فكم جنس هنا؟ الطيب جنس ولبس المخيط جنس, يقول المؤلف: فيلزمه كفارتان, قالوا: لأن هذه المحظورات لا تتداخل.

ما تقولون في شخص غطى رأسه ولبس قميصاً هل يلزمه كفارتان أم يلزمه كفارة واحدة؟

الحنابلة والشافعية قالوا: يلزمه كفارة واحدة؛ لأن تغطية الرأس ولبس المخيط ولبس الخفين كلها بمعنى اللبس كلها تدخل بمعنى اللبس فيلزمه كفارة واحدة لأنها تسمى من جنس واحد

وذهب علماءنا المعاصرين أمثال شيخنا عبد العزيز بن باز والشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله الغديان متمثلين باللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وهو رأي شيخنا محمد بن عثيمين قالوا: إن تغطية الرأس جنس ولبس المخيط جنس آخر؛ فعلى هذا يلزمه كفارتان. والقول الثاني أحوط؛ لأن تغطية الرأس شيء ولبس المخيط شيء آخر

يقول المؤلف: (والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه)

الفدية تنقسم في مسألة المحظور إلى أقسام:

القسم الأول: أن يفعله عالماً مختاراً ذاكراً ولكنه لعذر وحاجة... فالمؤلف -رحمه الله تعالى- يقول: يلزمه -إذا كان لعذر- الفدية ويسقط الإثم, والأقرب أن يقال: أن من فعل محظوراً من محظورات الإحرام عالماً ذاكراً مختاراً فيلزمه الفدية إلا السراويل لمن لم يجد الإزار وإلا الخفين لمن لم يجد النعلين؛ لورود النص بعدمه أما المحتاج إلى لبس القميص فإنه يلزمه الفدية ويرفع الإثم كما روى الطحاوي من حديث عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه قال: (يا أبا معبد ناولني طيالستي. قال: أولست كنت تنهى عن ذلك؟! قال: نعم, ولكني سأفتدي) فابن عباس لبسها للحاجة ومع ذلك أمره بالفدية

القسم الثاني: أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً من غير عذر, نقول يلزمه الفدية وعليه الإثم, القسم الأول ما عليه إثم والقسم الثاني عليه الإثم.

القسم الثالث: أن يفعله جاهلاً أو ناسياً:

المسألة 38 أن يفعله جاهلا أو ناسيا : فالمؤلف -رحمه الله- يقول: من فعل الحلق أو تقليم الأظفار أو وطئ امرأته أو قتل الصيد سواءً نسي أو جهل أو تعمد كله سواء فيلزمه ماذا؟ قالوا: فيلزمه الفدية المنصوصة عليه, فلو حلق يلزمه فدية الحلق, ولو قلَّم يلزمه كذلك, ولو وطئ يلزمه كذلك وكذلك قتل الصيد.

وقول المؤلف بالتفريق بين الحلق والتقليم والوطء والصيد, قال: لأن الحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد فيه إتلاف والإتلاف يضمن صاحبه ولا فرق بين العامد والمخطئ.

القول الثاني في المسألة أن كل محظورات الإحرام لو فعلها المرء جاهلاً أو ناسياً فلا حرج عليه, سواء في ذلك الحلق والتقليم والوطء قتل الصيد أو غيرها من محظورات الإحرام وهو اللبس والطيب ونحو ذلك.

ولكن الراجح هو التفريق؛ لأن الله قال في الكتاب: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدً﴾ فظاهره: مفهوم المخالفة أن من قتله غير متعمد فلا حرج عليه, وهذا هو أحد القولين عند الحنابلة وهو اختيار ابن تيمية -رحمه الله- وهو رأي شيخنا محمد بن عثيمين, وهو الأقرب والله أعلم؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولا فرق بين الحلق ولا بين التقليم ولا بين قتل الصيد ولقوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ ﴾؛ وعلى هذا فالقسم الثالث من فعله جاهلاً أو ناسياً لا حرج عليه, ولكنه يلزم بترك المحظور ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث يعلى بن أمية (أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جاهل قال يا رسول الله ما ترى أصنع في عمرتي وقد لبس جبته وعليها أثر الطيب فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- اخلع جبتك واغسل عنك أثر الطيب واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) ولم يأمره بفعل الفدية؛ لأنه كان جاهلا

__________________
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #10  
قديم 05-12-2012, 11:10 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
أحكام الرمي




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



الدرس الثاني عشر
أحكام الرمي


قال المؤلف -رحمه الله تعالى- في باب صفة الحج: (ويرفع يده في الرمي ويقطع التلبية بابتداء الرمي, ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها، ثم ينحر هديه ثم يحلق رأسه أو يقصره, ثم قد حل له كل شيء إلا النساء. ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة؛ وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج, ثم يسعى بين الصفا والمروة -إن كان متمتعا أو ممن لم يسع مع طواف القدوم- ثم قد حل له كل شيء. ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه ثم يقول: اللهم اجعله لنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً ورياً وشبعاً وشفاءً من كل داء, واغسل به قلبي واملئه من خشيتك وحكمتك).
الرمي : المؤلف -رحمه الله- يقول: (ويرفع يده في الرمي)
المسألة الأولى: صفة الرمي: 1- أن يرفع يده، وهذا قول عامة الفقهاء, لأنه لو وضعها فلا يسمى رميا؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول -كما عند الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباس: (في مثل هذا فارموا وإياكم والغلو) فإذا وضعها فقد خالف ما ورد، ولهذا يجب عليه أن يرميها، ولهذا استحب بعض أهل العلم أن يظهر إبطه بذلك لأنه أدعى وهو أحرى من جهة فعل الرمي. 2- يُكبِّر مع كل حصاة: كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه- أنه قال كما في حديث في سنة حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة)، 3- أن يقطع التلبية بإبتداء الرمي : قال: (ويقطع التلبية بابتداء أول الرمي) هذا هو الثابت كما في الصحيحين من حديث ابن عباس عن الفضل ابن عباس قال: (لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)، 4- أن العبرة في الرمي إنما هو مجمع الحصى وليس الحوض : وبعض أصحاب الشافعية، وبعض أصحاب الحنابلة وبعض أصحاب المالكية، قالوا: يرميها بمجمع الحصى وهذه العبارة أرى أنها أدق؛ فإذا رمى الحجاج في الحوض وامتلأ الحوض وسقط بجانبه ووقع الحصى على ما تحت الحوض وهو ممتلئ, فإن هذا يجزؤهم إن شاء الله، ولهذا وفق الله -سبحانه وتعالى - ولاة الأمر حينما زادوا في بناء الحوض وجعلوه على شكل بيضاوي بحيث يستطيع الحجاج أن يرموا بأي جهة من الصغرى والوسطى، أما الكبرى فإنهم يرمونها في بطن الوادي, هذا هو السنة . 5- ليس العبرة بوجود الشاخص: نعرف أن الشاخص إنما هو دلالة على أن هذا هو مكان الرمي؛ ولهذا ليست العبرة بضرب الشاخص, ولهذا تجد أن كثيرا من الناس يخطئون كثيراً حينما ينظرون إلى الشاخص من بعيد ثم يقذفونه وكأن العبرة أن يضرب الإنسان الشاخص, وهذا خطأ, فالعبرة هو مجمع الحصى؛ فعلى هذا فلو ضرب في الشاخص وابتعدت عن مجمع الحصى أو الحوض الموجود الآن -وهذا وجوده الآن بهذا الكبر يكون هو مجمع الحصى- فإنه لا يعد إذا لم تقع في مجمع الحصى أو الحوض بهذا الاعتبار, أما إذا ضربت الشاخص وسقطت في الحوض فإنه يجزؤه ولا يضيره بعد ذلك إذا سقطت بسبب امتلاء الحصى.
ضرب الشاخص ليس له فضل: ليس له فضل إطلاقاً، والصواب وقفه: (إنما جعل الطواف بالبيت والطواف بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى). قول المؤلف -رحمه الله- يقول: (ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عنده): معنى ذلك أنه يستقبل القبلة ويجعل الجمرة الكبرى عن يمينة, ويرميها على حاجبه الأيمن, يعني يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، بهذه الطريقة وهذا ورد حديث فيه رواه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسمى المسعودي عن جامع بن شداد أبي صخر عن عبد الرحمن بن يزيد -رضي الله عنه- أنه سمع أنه قال: (كنا مع ابن مسعود -رضي الله عنه- فلما أتى جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رمى بسبع حصيات ثم قال: والله الذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) يقول الشارح: وهو حديث صحيح، وهذا فيه نظر، فإن الحديث فيه كلام, حيث إنه خالف الروايات الثابتة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والثابت هو : كما جاء في الصحيحين وغيره، وقد روى البخاري ومسلم من حديث إبراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: (أن عبد الله بن عمر أتى جمرة العقبة فاستبطن الوادي فاستعرضها فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات) ومعنى استعرضها -كما يقول العلماء- يعني أتى العقبة من جانبها عرضا بحيث يكون مستقبل الجمرة؛ بحيث تكون منى عن يمينه والبيت عن يساره، بل جاء ذلك نصاً كما عند البخاري وغيره أنه قال: (حتى انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها, فقال: هذا والذي نفسي بيده مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) السنة ألا يدعو الإنسان إذا انتهى من جمرة العقبة: ذكر ذلك ابن عباس وابن عمر قالوا: (وينصرف ولا يدعو) هذا هو الثابت, فالسنة ألا يدعو، أنه بعدما يرمي, السنة أن ينحر: هذا هو السنة: أن ينحر -إن كان عليه نحر- والذي عليه النحر هو المتمتع والقارن، والصحيح أن القارن عليه الهدي، أما المفرد فليس عليه نحر, ولكنه لو تقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- فإن هذا من أعظم ما يتقرب به إلى الله في هذا اليوم المبارك, كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وقد نحر النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة من الإبل، ونحر بيده ثلاثاً وستين؛ ولهذا قال أهل العلم: يستحب أن يتولى الإنسان أضحيته أو هديه بنفسه، فإن شق ذلك عليه فلا حرج أن يوكِّل أحداً يذبحها له ويوزعها أو يطعم الحجاج منها وبعض فقراء أهل الحرم, أو من كان من الفقراء الذين جاءوا إلى الحرم كما قال جابر: (فنحر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غبر) فهذا يدل على أن الإنسان إذا كلّ أو وجد في ذلك مشقة أن يوكل غيره يذبح عنه، هذا هو السنة: أن ينحر. ثم بعد ذلك يحلق أو يقصر: النحر ليس سببا أو علامة في التحليل لأن المفرد لاينحر ولابد أن يشترك أصحاب الأنساك في كل الأحكام . ـ الحلق أو التقصير من علامات أو أسباب التحلل والدليل ماورد في الصحيحين من حديث حفصة قالت: (ما بال الناس حلُّوا ولم تحلل أنت؟ قال: إني لبدت رأسي, وقلدت هديي, فلا أحل حتى أنحر) ومعنى: (حتى أنحر) يعني فإذا نحرت شرعت في التحلل وهو الحلق؛ ولهذا فالسنة الثالثة -بعدما يرمي وينحر- أن يذهب فيحلق رأسه أو يقصر، الحلق أفضل من التقصير : وهذا هو السنة: أن يحلق، وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين ثلاثاً كما جاء في الصحيحين، يجوز التوكيل في نحر الهدي ولا بأس بذلك، أن ينحروا الهدي في الحرم, كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، ومكة كلها منحر وفجاج وطريق) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- تنبيه : نلاحظ أن بعض الحجاج يتساهلون في هذا الأمر فيشترون هداياهم من الشرائع, والشرائع جزء منها خارج منطقة الحرم، أو يذهبون إلى عرفة يقولون أهون وأسهل لهم!! بل إن عامة الفقهاء قالوا: لا يجزئ من ذبح خارج الحرم هذا الهدي, بل يجب عليه أن يعيد هديه, وهذا قول قوي, وهو اختيار ابن باز ولا ينبغي للإنسان أن يتساهل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، ومكة كلها فجاج ومنحر).مسألة : مكان شراء الهدي : الأفضل في الهدي أن يشتريه من الحل فيجمع فيه بين الحل والحرم وقد قال مالك بأنه لابد من ذلك ولكن الصحيح أنه الأفضل، وإن اشتراه من الحرم أجزأه وهذا قول ابن عمر رضي الله عنه، الترغيب في الحلق : الحلق أفضل من التقصير كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، معنى الحلق: 1ـ أن يعمم سائر الرأس لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]، وهذا يفيد العموم, 2ـ أبو حنيفة قال: لو حلق ربع الرأس فأكثر أجزأه ذلك، وإذا حلق دون ذلك لم يجزئه, ـوقال الشافعي: يجزئه ولو حلق ثلاث شعرات؛ لأنه يطلق عليه أنه حلق، الأقرب :قول المالكية والحنابلة أنه لابد أن يعمم سائر رأسه كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (خذوا عني مناسككم) وهو ظاهر الآية. س: كيفية تقصير المرأة لشعرها : قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (ليس على النساء حلق، إنما على النساء تقصير) وهذا الحديث إسناده جيد، والتقصير أي شيء فعلته أجزأها ذلك، فلو كانت المرأة قد جمعت شعر رأسها كله إلى ضفيرتها فقطعت بمقدار الأنملة -أو أقل أو أكثر- أجزأها ذلك، ولكن لا ينبغي لها -كما ذكر بعض أهل العلم- أن تزيد على هذا. والأقرب أنها لها ذلك؛ لأنها يجوز لها أن تقص شعرها, كما هو ثابت عن عائشة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- (أنهن يبقين شعورهن بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى تكون كالوفرة) يعني إلى الأذن؛ وعلى هذا فلو زادت أو نقصت أجزأها ذلك، أهم شيء أنها لا تحلق، س: كيفية تقصير الشعر المدرج : أنها تحاول أن تعالج هذا التدرج فتأخذ من كل جهة شيئًا فإنه يجزئها ذلك -إن شاء الله-، وإطلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- للتقصير من غير تحديد دليل على أنه يجوز لها ذلك، س: ما حكم الترتيب بين أسباب التحلل الترتيب هو السنة وهو أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق، س: حكم تقديم بعضها على بعض : القول الأول ـ يجزئه ذلك في قول عامة الفقهاء سواء كان عالماً أو جاهلاً أو ناسياً، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (افعل ولا حرج) (فما سئل عن شيء من تقديم أو تأخير إلا قال: افعل ولا حرج) كما في بعض روايات عبد الله بن عمرو بن العاص. القول الثاني :وذهب الإمام مالك, ورواية عند الإمام أحمد على أنه لا يجوز لمسلم لمن علم الترتيب إلا أن يرتب إلا أن يكون جاهلاً أو ناسياً، فيجب عليه أن يرمي, ثم بعد ذلك ينحر، ثم بعد ذلك يحلق, ثم يطوف ويسعى، وإذا كان عالماً فلا يسوغ له ذلك, إلا إذا كان جاهلاً واستدلوا على ذلك بما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر: (أن رجلاً قال يا رسول الله: لم أكن أشعر فحلقت قبل أن أنحر، قال: انحر ولا حرج، فجاء آخر وقال: يا رسول الله لم أكن أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال: ارمي ولا حرج، فجاء آخر قال: يا رسول الله لم أكن أشعر فحلقت قبل أن أرمي، قال: ارمي ولا حرج) قال عبد الله بن عمر: فما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء قُدِّم ولا أُخِّرَ إلا قال: افعل ولا حرج) .وهذا -والله أعلم- إنما هو من باب إجابة السائل بنحو ما سأل، وإلا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (افعل ولا حرج) فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (افعل ولا حرج) قاعدة، وهو أن الأولى أن يطبق الإنسان فعل السنة على وقتها التي فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا عجز أو صعب عليه أو ذلك أو وجد في ذلك نصب، فالعبرة هو أداء الفعل، وأرى أن هذه قاعدة عامة، على أن العبادة إذا كان لها وقت ابتداء ووقت انتهاء, فإن الأولى أن يفعلها الإنسان، إذا ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شرع في ابتداءها؛ فعلى هذا فيسوغ للإنسان أن يقدم أو يؤخر إذا فعلها، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (افعل ولا حرج) يعني لا تتركها . المسألة السابعة :التحلل الأول : قول المؤلف: (ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) أجمعوا على أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ونحر وحلق أو قصر فقد حل له كل شيء حرم عليه بعد الإحرام إلا النساء فيجوز له أن يتطيب, وهذا هو الثابت في الصحيحين خلافاً لابن عمر وخلافاً لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- معنى قوله إلا النساء : أجمعوا على أن المراد به الوطء، واختلفوا هل مقدماته تدخل في هذا الأمر أم لا؟ القول الأول :جمهور الفقهاء أن المحرم ممنوع من النساء عامة، سواء كان بقبلة أو ضم أو غيرها من دواعي الاستمتاع أو الوطء، محرم عليه حتى يرمي ويحلق أو يقصر, وحتى أيضاً يطوف طواف الزيارة، أو طواف الإفاضة, فإذا فعل هذه الأشياء الثلاثة جاز له النساء، أما قبل ذلك فإن الله يقول: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، فلا يجوز له ذلك؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (إلا النساء) والنساء عام, والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أعطي جوامع الكلم, ولو كان المقصود الوطء، لقال: إلا الوطء، أو قال: إلا الجماع، فقوله عليه الصلاة والسلام-: (إلا النساء) دل ذلك على عمومه، وهذا هو ظاهر فعل الصحابة. تنبيه : وعلى هذا بعض الإخوة في يوم العيد يريد يُعَيِّد زوجته -وهو قد حج وزوجته لم تحج- فتجده يراسلها بكلام لا يصلح أن يكون إلا لزوجته، وهذا يعد محظوراً من محظورات الإحرام، أو يكلمها -إذا كانت قد حجت- بكلام لا يصلح إلا للزوجة؛ ومعنى كلام لا يصلح للزوجة: أن يكلمها شيئًا لا يحب أن يستمعه إلا زوجته، أما قول: حبيبتي أو غير ذلك من الكلمات الدارجة, فهذا لا بأس به؛ لأنه لم يتحلل التحلل الثاني . متى يتحلل التحلل الأول؟ خمسة أقوال في هذه المسألة : وأرى أننا لا حاجة إلى ذكر هذه الأقوال إلا قولين مشهورين: القول الأول: أن التحلل يحصل برمي جمرة العقبة، وهذا القول هو قول مالك -رحمه الله- ورواية عند الإمام أحمد -رحمه الله- قوَّاها ابن قدامة ونصرها وقال: وهي الصحيحة عن الإمام أحمد -رحمه الله- واستدلوا على ذلك بأدلة منها: 1 ـ عن عائشة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء) وهذا الحديث ضعيف . 2- عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا رميتم جمرة العقبة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) وهذا الحديث ضعيف ومع ضعفه الصحيح أنه موقوف على ابن عباس وليس مرفوعا، 3- وأقوى دليل يستدل به من يقول: أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يتحلل مرفوعاً, عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (طيبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذريرة بيدي للحل والإحرام حين أحرم, وحينما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت) قالوا: فهذا يدل على أن الرسول تطيب بعدما رمى جمرة العقبة، فدل ذلك على أن الإنسان يحصل له التحلل من حين رمي جمرة العقبة. رأي الشيخ :والحديث في هذا الأمر فيه نظر, وعامة من يقول بالتحلل يستدل بهذا الحديث, وأرى أن الحديث ضعيف: - أولاً: لأن عمر بن عبد الله بن عروة ذكره الحافظ في التقريب وقال: مقبول، وقال في الفتح ثقة، والذي جعله يقول ثقة, لأن البخاري ومسلم رويا عنه في صحيحيهما، فهو من رجال البخاري ومسلم، ولنعلم أنه لا يلزم أن يكون الرجل من رجال الشيخين أن يكون حديثه صحيح، فإنه كما يقول الإمام المزي: «فإن طريقة الإمام البخاري وطريقة الإمام مسلم وأكثر المحدثين ينتقون من أحاديث الضعيف ما عُلم أنه أصاب فيه، كما أنهم يتركون من أحاديث الثقة ما عُلم أنه أخطأ فيه» فعلى هذا فالبخاري ومسلم إنما رويا حديث عمر بن عبد الله بن عروة ما علم أنه أصاب فيه، هذا واحد. - الثاني: أن البخاري ومسلم روياه من طريق عبد الرحمن بن القاسم المحمدي عن أبيه عن عائشة من غير ذكر هذه اللفظة التي هي: (بعدما رمى جمرة العقبة) كما في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: (طيبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) وهذا هو الثابت: (قبل أن يطوف بالبيت) وأما بعد ما رمى جمرة العقبة فهذه الزيادة فيها نكرة، هذا ثانيًا. - ثالثًا: أن الحديث بهذا الإسناد عمر بن عبد الله بن عروة أن عروة بن الزبير والقاسم محمد حدثاه عن عائشة قالت: ذكره البخاري ومسلم بهذا الإسناد من طريق محمد بن العلاء ولم يذكرا هذه اللفظة، فدل ذلك على أن البخاري ومسلم إنما تركا هذه الزيادة لعلمهما بأنها منكرة، فالنسائي ذكرها من طريق آخر، وترك البخاري ومسلم لها بنفس وجود الطريق يدل على أنها منكرة، كيف لا، وقد روياه من غير طريق عمر، من غير هذه اللفظة. - الأمر الرابع من حيث النظر: فإننا نقول: أن الرسول يبعد أن يكون قد تطيب بعدما رمى جمرة العقبة؛ لأنه كيف يكون يرمي جمرة العقبة ثم يتطيب ثم ينحر ثم يحلق, ما فائدة الطيب؟ إنما فائدة الطيب أنه يتجمل -بأبي هو وأمي- ثم يفيض إلى مكة، يطوف طواف الزيارة وطواف الإفاضة. وعلى هذا فالصحيح أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما تحلل -يعني لبس ثياب وتطيب- بعدما رمى ونحر وحلق، ثم تطيب ثم ذهب إلى البيت.
القول الثاني: هو قول عند الشافعي والحنابلة, أن التحلل يحصل إذا رمى وحلق، أو رمى وقصر، واستدلوا على ذلك بأدلة، لا داعي لذكر هذه الأحاديث, لكننا نقول: أن الأحاديث كلها ضعيفة ، حديث: (إذا رميتم جمرة العقبة وحلقتم) من حديث عائشة: (فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) فهذا الحديث ضعيف، في سنده الحجاج بن أرطأه، وكذلك روي من حديث ابن عباس وفي سنده ضعف. الأقرب أن الإنسان إذا رمى جمرة العقبة فهذا أوان الشروع في التحلل، ولا يسوغ له أن يتحلل إلا بما تحلل به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الحلق؛ والدليل : قول النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر) فإذا نحر فقد شرع في التحلل وهو الحلق، هذا هو الأقرب, فإذا خالف فرمى جمرة العقبة ولبس ثيابه أو تطيب فنقول: أسأت وخالفت السنة ولا شيء عليك، ودليلنا لهذا القول -أنه إذا رمى جمرة العقبة فقد شرع في التحلل لكن لا ينبغي له أن يتحلل إلا بالحلق-: - أولاً: لأن الحلق الصواب أنه نسك ومحظور من محظورات الإحرام، فلا ينبغي له أن يتحلل إلا بما تحلل به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الحلق .. - الثاني: أننا نقول: لو أنه رمى جمرة العقبة فقد شرع في التحلل, أن العلماء أجمعوا -كما ذكر ذلك ابن تيمية في شرح العمدة- أجمعوا على أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة ثم جامع أهله فإن حجه لا يفسد، مما يدل على أنه شرع في التحلل الأول، وقد ذكره ابن تيمية عن الأئمة الأربعة, بل هو قول الظاهري أيضاً ولم يخالف في ذلك إلا بعض أصحاب الحنابلة كأبي يعلى, ورد عليه ابن تيمية -رحمه الله. - الثالث: مما يقوي أنه لو رمى جمرة العقبة فقد شرع في التحلل هو قول أكثر الصحابة فقد ثبت عن عائشة أنها قالت: (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء) وثبت أيضاً من حديث عند ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق محمد بن المنكدر أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول ذلك، وقد رواه مالك في موطأه عن ابن عمر عن عمر أنه قال: (إذا جئتم منى فإذا رميتم الجمرة فقد حل له كل شيء حرم على الحاج إلا النساء والطيب) وهذا -مسألة الطيب- اجتهاد من عمر -رضي الله عنه. وعلى هذا نقول: أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة فقد شرع في التحلل, ولا يسوغ له أن يتحلل إلا بما تحلل به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الحلق، ولكنه لو خالف في ذلك فلبس ثيابه نقول: أسأت وخالفت السنة ولا شيء عليك؛ لأن هذا هو قول أكثر الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
المسألة الثامنة : يقول المؤلف -رحمه الله-: (ثم يفيض إلى مكة، فيطوف للزيارة؛ وهو الطواف الذي به تمام الحج) يطلق على هذا الطواف عدة أسماء : 1ـطواف الإفاضة : لأن الإنسان حينما يأتي منى يفيض إلى مكة. 2ـ طواف الزيارة: لأن الحاج يأتي من منى إلى مكة ليزورها لأنه سوف يرجع ولا يبقى في مكة بل يزورها زيارة. وهذا الطواف هذا من أركان الحج بإجماع العلماء : وأدلة ذلك : 1ـ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33]، 2ـ وقال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، 3ـ وقالت عائشة كما في الصحيحين: (حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأفضنا يوم النحر فأفاضت صفية -تقول عائشة- ثم إنه أرادها ما يريد الرجل من امرأته، فقلت يا رسول الله: إنها حائض، فقال: أحابستنا هي؟) وفي بعض الروايات: (عقرا حلقا، أحابستنا هي، قيل يا رسول الله: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلننفر إذن)، قال العلماء فقول النبي: (أحابستنا) دليل على أن من لم يفعل فإنه يُحبس حتى يفعل, فهذا يدل على أنه ركن من أركان الحج.
وقت طواف الإفاضة :- وقت الفضيلة: السنة أن يطوف نهار يوم العيد بعدما يرمي ويحلق، كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال جابر في صحيح مسلم قال: (فأفاض إلى البيت ثم رجع إلى منى)، هذا وقت الفضيلة. -وقت الإجزاء: فإن الشافعية والحنابلة ذهبوا إلى أن بدايته يبدأ من بعد منتصف ليلة العيد, يعني ليلة جمع، وقيل بعد مغيب القمر أو بعد ثلث الليل الآخر يعني بغلس بعد غياب القمر ، وليس له حد محدود في انتهاءه؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين لنا بدايته ولم يبين لنا نهايته, فعلى هذا: السنة أن يطوف يوم العيد, فإن ترك: السنة أن يطوف ثاني يوم العيد, فإن لم يكن: فثالث يوم العيد، فإن لم يكن: فرابع يوم العيد -وهو يوم الثالث عشر- ولا ينبغي له أن يؤخره عن أيام شهر ذي الحجة، ولكن لو تأخر جاز ذلك -على الراجح- وهو مذهب الحنابلة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن أوله ولم يبين آخره؛ فعلى هذا فله أن يؤخره حتى لو بعد شهرين أو ثلاثة, خلافاً لأبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- وقال ابن قدامة: «وأجمعوا على أنه إذا لم يطف بالإفاضة فإنه يجب عليه أن يطوفه حتى ولو كان بعد الحج» يعني شهر الحج, إنما الخلاف في ذلك هل يجب عليه دم بتأخيره عن شهر ذي الحجة أم لا؟ والأقرب -والله أعلم- أنه ليس عليه دم، مسألة : السعي بين الصفا والمروة : يقول المؤلف: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا، قوله: (إن كان متمتعا) لأن المتمتع يلزمه سعيان، هذا قول جمهور الفقهاء؛ لأن سعيه الأول سعي لعمرته, والسعي الثاني سعي لحجه، ولا يدخل الحج على العمرة إلا في القران، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عائشة أنها ذكرت: (أن الصحابة الذين تحللوا طافوا طوافاً آخر) ومعنى الطواف الآخر المقصود به هو السعي بين الصفا والمروة؛ لأنهم لم يطوفوا أكثر من طواف، فلم يثبت أنهم طافوا بعد عرفة إلا طوافا واحداً؛ غير طواف الوداع، فدل ذلك على أن المقصود هو السعي بين الصفا والمروة, وما ذكره ابن تيمية -رحمه الله- أن المتمتع لا يلزمه إلا سعي واحد فقد قوَّى هذا القول, والأقرب -والله أعلم- أن المتمتع يلزمه سعيان, وهذا من النظر, فالمتمتع اعتمر وحج، فحجه يلزمه سعي والعمرة يلزمه سعي. تنبيه : بعض الإخوة -هداهم الله ممن ليس عنده فقه يذكر بعض المسائل و يرجحها, وهذا لا غضاضة فيه في المسائل الخلافية التي يسع فيها الخلاف و القول بأن المتمتع عليه سعي قول عامة الفقهاء، فتجده يتطاول على الأئمة, ويقول: هذا متشدد، وأنا أقول: أنه ينبغي لنا أن نحرر المصطلحات صحيحاً، فيجب علينا ألا نصف الإنسان بمتشدد إذا استدل بآية أو حديث أو استنباط, المتشدد: هو الذي ليس عنده من الله فيه برهان ولا من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: 27]، فهذا هو المتشدد، أما إذا اختلف العلماء بين مبيح ومحرم, فقول من قال بالتحريم لا يوصف بالتشدد؛ لأنك إذا وصفته بالتشدد فإنك -إذا كانت السنة عنده- فقد وصفت سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشدة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وبعض الإخوة تجده في كل مسألة إذا اختلف العلماء بين مبيح ومحرم, قال الأقرب: الإباحة لأن رسول الله ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ويترك النظر في الأدلة وفي الترجيحات, وهذا خطأ, ويؤسفني أن نجد بعض الذين يتصدرون لمثل هذه الفتاوى (فتاوي التيسير ) أنهم لا يحسنون صنعاً في طريقة الاستنباط، لا غضاضة أن الإنسان يختار أحد القولين إذا رأى أنه يعضده الدليل, أما أنك تقول: ما دليلك؟ قال: الأصل التيسير على الناس، ثم يذكر بعض القواعد ويترك النصوص الثابتة في هذا الأمر، إذن فلنقل لا يلزم طواف الإفاضة؛ لأنه زحمة ومشقة ويسروا على الناس, لا تشددوا عليهم, والناس يحجون وهناك مكاسب اقتصادية ومكاسب دنيوية, فينبغي أن نفتح للناس الذي يحج يحج، ويخفف على الناس والحمد لله.... !! هذا لا يقوله عاقل. الراجح : المتمتع يلزمه سعي بين الصفا والمروة, أما المفرد والقارن فإن كانا قد سعيا قبل عرفة بعد طواف القدوم، فإنهما لا يلزمهما ذلك، ولهذا قال: (أو ممن لم يسع مع طواف القدوم)، يقصد بذلك المفرد والقارن.
التحلل الثاني : يقول المؤلف: (ثم قد حل له كل شيء) يعني بذلك أن المُحرم أو المُحرمة إذا رميا جمرة العقبة، وحلقا أو قصرا, وطافا للإفاضة؛ فإنهما قد تحللا التحلل الأول والثاني . هل يدخل السعي مع الطواف أم لا ؟ هل هو ركن أم لا ؟ والصواب أن السعي واجب وليس بركن وعلى هذا فإذا طاف ورمى وحلق فقد حل له كل شيء حتى النساء، وقد أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- صفية لكن قيل له: (أنها حابستنا هي، فقال: فلننفر إذن). المسألة الأخيرة : هي قول المؤلف: (ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه ثم يقول: اللهم اجعله لنا علماً نافعا ..) الأثر أو الدعاء الذي ذكره المؤلف. أولاً: يستحب الشرب من ماء زمزم؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ماء زمزم طعام طُعم) هذا هو الثابت في صحيح مسلم، أحاديث لاتصح في ماء زمزم : 1 ـزيادة (وشفاء سقم) فقد زادها أبو داود الطيالسي وفي سندها بعض النكارة، 2 ـ(ماء زمزم لما شُرب له) ضعيف، وأما ما جاء قول المؤلف: (ويتضلع منه )، 3 ـ حديث عثمان بن الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: (كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال: أفشربت منها كما ينبغي، قال: فكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثاً من زمزم، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين: لا يتضلعون من زمزم)، ضعيف، (ماء زمزم لما شُرب له) معناه صحيح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي ذر وقد جاء من اليمن قال: (وما طعامك؟) وقد جلس عشرة أيام لا يأكل شيء (قال: يا رسول الله والله إن طعامي زمزم حتى إني لأرى عكل بطني) يعني سَمِنَ بسبب شرب ماء زمزم، فهذا يدل على أن أبا ذر نوى أن يكون هذا طعامه فنفعه ذلك، فهذا يدل على أنه ينفع الإنسان إذا نوى هذا شفاءً أو غير ذلك، وقد ذكر السخاوي قال: «وكان شيخنا -يعني بذلك ابن حجر- كان يتضلع من ماء زمزم ويقول: اللهم ارزقني حافظة ومعرفة بالرجال كمعرفة الإمام الذهبي بالرجال» يقول السخاوي: «فرزقه الله حافظة ومعرفة بالرجال أكثر من الإمام الذهبي» وهذا صدق، فقد أعطى الله -سبحانه وتعالى- ومنح الله هذه النعمة للإمام ابن حجر, أما أن يكون أعلم من الإمام الذهبي فهذا محل تأمل ونظر والله أعلم. المؤلف يقول: (اللهم اجعله لنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً ورياً وشبعا)، نقول: لم يثبت بإسناد صحيح دعاء في شرب ماء زمزم، وعلى هذا فأيما دعاء دعاه أجزأه ذلك ونفعه, قد يدعو بخير الدنيا والآخرة، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد. س: ما المقصود بالتضلع؟ أن يبالغ في الشرب ، بعض الناس يغسل رأسه ووجه؟ لا بأس أن يغسل الإنسان من ماء زمزم ويتوضأ ويستجمر به, كل ذلك جائز, والدليل على هذا أن ماء زمزم لن يكون بأعظم بركة من الماء الذي نبع بين أصابع النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (هلم إلى الطهور المبارك) وقال لأحد الصحابة: (خذ هذا فأفرغه عليك حينما كان جنب) كما هو رأي كثير من المحدثين.
__________________
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #11  
قديم 05-12-2012, 11:16 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
باب ما يفعله الحاج بعد الحل



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




الدرس الثالث عشر



باب ما يفعله الحاج بعد الحل


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أما بعد:



يقول المؤلف:
(باب ما يفعله بعد الحل) وقول المؤلف باب ما يفعله بعد الحل يعني بعدما يتحلل التحلل الأول والثاني؛ يعني بعدما يطوف طواف الإفاضة؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾[الحج: 33]، فإذا طاف الإنسان طواف الإفاضة وإن كان متمتعاً, أو قارناً ومفرداً ولم يكن قد سعيا قبل عرفة فإنهما يطوفان ويسعيان,

المسألة 1-هل السنة في صلاة الظهر بعد الطواف في مكة أم في منى ؟
القول الأول أنه صلى بمكة الظهر. اختلف العلماء في ذلك

لحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه(ثم أفاض يوم النحر فصلى بمكة الظهر ثم رجع

القول الثاني قول ابن عمر أنه صلى الظهر بمنى
كما في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما.-
أنه قال: (أفاض رسول الله -صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى):
-
-
- القول الثالث أنه يجمع بينهما؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى بمكة الظهر ثم رجع فصلى بأصحابه أيضا الذين كانوا قد بقوا في منى.
- والأقرب -والله تعالى أعلم- أن يقال: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يقصد صلاة الظهر في منى ولا في مكة, فنقول السنة أن يطوف نهاراً بعد الرمي والحلق, فإذا اتفق وحضرت الصلاة وهو بمكة فالأقرب أن يصليها في مكة قصراً, إلا إذا كان مع الإمام فيصليها مع الإمام, وإن كان قد اتفق أنه انتهى من طواف
الإفاضة ثم رجع في طريقه قبل الأذان -أو قبيل الأذان- فلا ينتظر حتى يصلي, فإنه يذهب إلى منى فيصلي بمنى الظهر.
المسألة الثانية: حكم المبيت بمنى أيام التشريق:
يقول المؤلف: (ولا يبيت لياليها إلا بها) اختلف العلماء في ذلك:
فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن المبيت بمنى واجب وليس بسنة, ودليل ذلك: القول الأول
- ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته)
- وجاء أيضاً من حديث مالك بن أنس -كما في موطأه-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( رخَّص للرعاة عن البيتوتة عن منى)قال الحافظ ابن حجر:
«والتعبير بالرخصة دليل على أن مقابلها العزيمة» فهذا يدل على أن المبيت بمنى واجب؛ ولهذا رخص الرسول -
- واستدلوا أيضاً بما رواه مالك من طريق نافع عن ابن عمر عن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: (لا يبيتن أحد من الحاج أيام منى من وراء العقبة), وجبل العقبة هي الجمرة الكبرى, فالجمرة الكبرى هي آخر منى, وهي أقرب الجمار إلى مكة, فإذا تعداها قليلاً فقد خرج من منى.
القول الثاني قول أبي حنيفة -رحمه الله- وهو رواية عند الحنابلة وذهبوا إلى أن المبيت في منى سنة وليس بواجب, استدلوا على ذلك بأدلة:
- أولا: قالوا إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كونه يرخص للعباس مع أن ليس ثمة حاجة للناس -لأنهم يستطيعون أن ينزعوا فيشربوا- فكونه رخص للعباس دليل على أنه ليس بواجب, وقالوا: أنه لم يأمر العباس بشيء, ولو كان واجباً لأمره بشيء.
- واستدلوا أيضاً بما رواه ابن أبي شيبة من طريق زيد بن الحباب قال أخبرنا إبراهيم بن نافع قال أخبرنا عمر بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: (إذا رميت) يعني الجمار (فَبِتْ حيث شئت)
وهذا الحديث رجاله رجال مسلم, ولكن اختلف في زيد بن الحباب, فوثقه ابن المديني, وقال أبو حاتم: صدوق, وقال الإمام أحمد: «كان صدوقاً وكان يكتب ويضبط حديثه ولكنه كان كثير الخطأ» فلعل هذا من أوهامه, أو يقال: أنه قول ابن عباس, وقد خالفه غيره من الصحابة كعمر الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (إن يطيعوا أبا
بكر وعمر يرشدوا) وكذلك خالفه ابن عمر, وابن عباس اختلف الرواية عنه, فمرة قال: (لا يبت أحد من الحجاج من وراء العقبة) ومرة قال: (بِتْ حيث شئت) وأقول: إن الحديث لعله من أوهام زيد بن الحباب, والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
لكننا نقول: إن الأقرب هو الوجوب, وكونه رخَّص للعباس دليل على أن كل من كان معذوراً عن البيتوتة بمنى إما بسببه كأن يكون مريضاً جلس في المستشفى, أو كان مرافقاً لمريض, أو لم يجد مكاناً في منى فإنه يبيت كيفما اتفق, فإنه يبيت حيث شاء,

المسألة الثالثة: مقدار البيتوتة بمنى:
إذا ثبت أن المبيت بمنى واجب فما مقدار البيتوتة ؟ بعض الإخوة يرى أن مقدار البيتوتة يحدد بالساعات, فيقسم من غروب الشمس إلى طلوع الفجر على اثنين ويزيد ساعة أو نصف ساعة, استدلالاً بما ذكره النووي في المجموع, وكذا الحنابلة أنه يبيت معظم الليل, قالوا: معظم الليل يكون أكثر من نصف الليل, وأرى -والله أعلم-
أن هذا أحوط له, ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رخص للعباس في البيتوتة, والبيتوتة تقتضي أمور:
. - الأول: أنه لا يلزم من البيتوتة النوم.
: أن البيتوتة المقصود بها البقاء في الليل- الثاني
- الثالث أن البيتوتة كل ما صدق عليه إطلاقه في اللغة: (أن فلاناً بات) فإنه يجزئه, وهذا يحصل في معظم الليل أو أقل من ذلك.
وعلى هذا نقول: إذا جلس أربع ساعات أو ثلاث ساعات ونصف أو خمس ساعات فإنه يجزئه -إن شاء الله تعالى- لأنه يصدق عليه أنه بات, وهذا إنما يكون إذا كان في آخر الليل؛ لأن البيتوتة تطلق في الغالب في الليل -في آخر الليل- وقد روى أهل السنن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبيت هو وعمر وأبو بكر يبيتون يهتمون في
أمور المسلمين, والبيتوتة هنا في آخر الليل, وهذا -والعلم عند الله- أقرب, ولكن لو جلس في أول الليل ساعتين أو ثلاث ساعات أو أربع ساعات -إن شاء الله- يجزئه ذلك, والعلم عند الله.



المسألة الرابعة: ترك المبيت بمنى:
لو ترك المبيت فما يلزمه؟ قلنا: كل من ترك واجباً فإنه يلزمه أن يريق دماً, كما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (من ترك نسكاً أو نسيه فليهرق دما) ومعنى ترك نسكاً يعني ترك واجباً, ولا يمكن أن يقال إن هذا قول ابن عباس ليس بمشتهر, بل إن هذا من أعظم الاشتهار, فأنت تعرف مدارس الصحابة -بعد آخر الصحابة- أربع مدارس؛ مدرسة
الحجاز, ومدرسة مصر, ومدرسة العراق, ومدرسة الشام, فأربع مدارس من مدارس المسلمين كل من كان فيهم يرى وجوب الدم لمن ترك واجباً, كما نقل ذلك الإجماع غير واحد من أهل العلم كابن قدامة وابن المنذر والنووي والخطابي وابن حجر وابن تيمية وابن رشد وغير واحد من أهل العلم, قالوا: إن من ترك واجباً فليهرق دماً,
قلنا: لو ترك المبيت بمنى فإنه يلزمه دم, ولكن متى يلزمه دم؟ قلنا: الأقرب -والله أعلم- وقد اختلف العلماء في أقوال كثيرة, وبعضهم قال لو ترك ليلة عليه نصف درهم ولو ترك ليلتين عليه درهم وغير ذلك من القياس, وقد قال ابن قدامة في المغني: «وليس في ذلك سنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسألة الدينار والنصف
دينار» والأقرب أن نقول: إن من ترك النسك وهو ليلتان لمن تعجل أو ثلاث ليال لمن لم يتعجل فإذا تركهما فإنه يلزمه دم, أما لو تعجل وترك ليلة, فإنني أرى -والله أعلم- أنه لم يترك في واجب, إنما ترك بعض الواجب؛ فعلى
هذا نقول لو تصدق حسن ولكن لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يترك المبيت, وهذا هو رأي بعض علماء الحنابلة وبعض علماء الشافعية, وهو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز أنه لا يلزمه الدم إلا إذا ترك الليالي كلها, فإذا ترك بعضاً وفعل بعضاً فقد أساء وخالف السنة وأثم, ولكن لا يلزمه دم؛ لأنه لم يترك النسك كاملا. :
المسألة الخامسة: وقت رمي الجمار
المسألة الأولى: يقول المؤلف: ( فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها ) السنة بإجماع أهل العلم على أن رمي الجمار إنما يكون بعد الزوال من يوم الحادي عشر, واستدلوا على ذلك بأدلة:
- أولاً: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى الجمار أيام التشريق بعدما زالت الشمس, قال جابر في صفة حجته كما في صحيح مسلم قال: (رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمرة العقبة في يوم النحر ضحى, وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس)
- وكما روى البخاري في صحيحه من طريق سفيان عن وبرة: (أن رجلا أتى ابن عمر -رضي الله عنهما- فقال: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمِ, قال متى أرمي الجمار؟ قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا الجمار)
هذا هو السنة بلا شك, ولا اختلاف عند أهل العلم أن السنة أن يرمي الجمار بعدما تزول الشمس, ولكنهم اختلفوا: هل لو رمى الجمرة قبل الزوال هل يصح أم لا ؟ نقول: اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: قول جماهير الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهو قول ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال في اليوم الحادي عشر

واستدلوا على ذلك بأن: أيام الجمار قسمان: جمرة العقبة في يوم النحر, وأيام الجمار أيام منى, فلا يمكن أن يقاس رمي جمرة العقبة على أيام الجمار؛ ولهذا لو ترك الجمار كلها وجب عليه دَمَان؛ دم لأيام التشريق ودم لجمرة العقبة, قالوا: والرسول -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لنا بدايته, وهو إذا
زالت الشمس, ولم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة أنه رمى قبل الزوال

ا لقول الثاني: هو قول طاوس وروي عن عطاء أنه يجوز أن يرمي الجمار قبل الزوال في اليوم الحادي عشر, ولا أعلم دليلاً في ذلك لهم, إلا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (افعل ولا حرج) وهذا نقول: أن هذا دليل في مسألة الفعل, والرسول -صلى الله عليه وسلم- بين لنا البداية ولم يبين لنا النهاية فلا يمكن أن نستدل قبل
ذلك, وعلى هذا نقول: الأصل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (خذوا عني مناسككم) ولا يجوز الرمي قبل الزوال في اليوم الحادي عشر, واستدلال بعض الفضلاء أنه إذا جاز رمي جمرة العقبة بعد غياب القمر قبل الفجر فليجوز أيام التشريق قبل الزوال, ولكن هذا قياس مع الفارق؛ لأنه لا يقاس جمرة العقبة على أيام التشريق
هذا حكم مستقل.
المسألة الثانية: هل يجوز رمي الجمار في اليوم الثاني عشر لمن أراد أن ينفر أو اليوم الثالث عشر قبل الزوال أم لا؟ نقول: اختلف العلماء في ذلك:
فذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى أنه: لا يجوز رمي جمرة العقبة في اليوم الثاني عشر قبل الزوال, ومن رمى قبل الزول في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر وجب عليه أن يعيد وكأنه لم يرمي, واستدلوا على ذلك بأدلة:
- أولا: ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر: (رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمرة العقبة ضحى, وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس)
- والحديث الآخر حديث ابن عمر -كما مر معنا من طريق البخاري- حدثنا سفيان عن وبرة (أن رجلاً سأل ابن عمر فقال متى أرمي الجمار؟ قال إذا رمى إمامك فارمِ) فأعاد عليه فقال نفس الجواب ثم قال ابن عمر: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا الجمار) قالوا: فابن عمر قال: (كنا نتحين) فهذا يدل على أن الرسول -صلى الله
عليه وسلم- كان يتحين, ولو كان رمي الجمار قبل الزوال لرمى -عليه الصلاة والسلام- (وما خُيِّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرها, ما لم يكن إثم) فكونه يختار بعد الزوال دليل على أنه لا يجوز قبله, يقولون: والرسول قدم الرمي على الصلاة مما يدل على أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال, هذا
دليلهم.
- واستدلوا أيضاً بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: (لا ترمى الجمار قبل الزوال) هذا القول الأول.
القول الثاني في المسألة: أنه يجوز رمي الجمار في اليوم الثاني عشر قبل الزاول, مع اختلاف عندهم لمن أراد أن ينفر أو لمن لم يرد أن ينفر, وأرى أن هذا القول هو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وهو قول إسحاق بن راهويه وهو قول عطاء وطاوس وهو قول إمام الحرمين, وهو الذي ثبت عن ابن عباس وابن الزبير؛ أنهم يرمون إذا
أرادوا أن ينفروا قبل الزوال في اليوم الثاني عشر- الأدلة : الدليل الأول أثر عن ابن عباس بسند صحيح, وهو ما رواه عبد الرزاق في النسخة الغير مطبوعة -كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد- وكذا رواه ابن أبي شيبة كلهم, من طريق ابن جريج, قال أخبرني ابن أبي مليكة, قال: «رمقت ابن عباس رمى الجمار في الظهيرة ثم نفر» وفي رواية «ثم صدر» ومعنى ثم يصدر دليل على أنه رمى ذلك
قبل الزوال في الإصدار اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر, وهذا إسناد صحيح, بل قال يحيى بن سعيد القطان: «رواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة كلها صحاح» فهذا حبر الأمة رمى في اليوم الثاني عشر قبل الزوال فدل هذا على جوازه.
- الدليل الثاني: ما رواه الفاكهي في أخبار مكة بسند صحيح على شرط مسلم قال حدثنا محمد بن أبي عمر قال حدثنا سفيان قال أخبرني عمرو بن دينار قال: «ذهبت أرمي الجمار فسألت هل رمى ابن عمر؟ قالوا: لا.. ولكن رمى أمير المؤمنين» يعنون بذلك عبد الله بن الزبير؛ لأنه كان أمير الحج, قال: «فانتظرت حتى زالت الشمس,
فخرج ابن عمر فرمى» فهذا يدل على أن عبد الله بن الزبير -وكان أمير المؤمنين في الحج- رمى قبل الزوال, وقد اقتدى الناس وخلق كثير بهم, فيبعد أن نقول أنه لم يكن عليه الصحابة ولا التابعين, فهذا أمير الحج رمى قبل الزوال وقد قال ابن عمر: (إذا رمى إمامك فارم) ومن الأدلة على هذا قول ابن الزبير, وهذا إسناد صحيح
محمد ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن عمر بن دينار, وهذا إسناد على شرط مسلم.
- ومن الأدلة على جواز رمي الجمار قبل الزوال في اليوم الثاني عشر هو ما رواه مالك في موطأه قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ( رخص للرعاة في البيتوتة عن منى وأن يرموا يوم النحر, واليوم الحادي عشر والثاني عشر
في أحدهما وأن يرموا يوم النفر) هذا الحديث رواه يحيى بن سعيد القطان عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا إسناد صحيح, وأبو البداح بن عاصم بن عدي اختلف في صحبته, فرجَّح الحافظ ابن عبد البر أنه ثقة وأنه
صحابي, وخالف في ذلك ابن حجر وقال ليس بصحابي, واختلافهم هل هو صحابي أو ليس بصحابي دليل على أنه ثقة, وقد وثقه ابن حبان, وهذا إسناد صحيح, وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رخص للرعاة أن يرموا يوم الحادي عشر والثاني عشر في أحدهما, يعني لهم أن يرموا الحادي عشر والثاني عشر في اليوم
الحادي عشر, ويجوز لهم أن يرموا الحادي عشر والثاني عشر في اليوم الثاني عشر, وكون النبي -صلى الله عليه وسلم, بأبي هو وأمي- يُخير الأمر إلى إرادتهم وهواهم, دليل على أنه يجوز رمي اليوم الثاني عشر قبل الزوال, وهذا هو ما ظهر من كلام ابن رشد في بداية المجتهد, وأما قول بعض العلماء: أنه كونه يرخص للرعاة دليل
أنه لا يجوز لغيرهم, قلنا: كونه رخص للرعاة أن يرموا يوم الثاني عشر في اليوم الحادي عشر دليل على جواز رمي اليوم الثاني عشر قبل الزوال, ولو كان ليس وقته لَمَا جاز لهم أن يرموا, ومن المعلوم أن العبادات لا يجوز فعلها قبل وقتها, ولو كان لعذر, فالمريض لا يجوز له أن يصلي الظهر قبل وقتها, وهذا يدل على أن
الرسول -صلى الله عليه وسلم- خير لهم وجعل ذلك تحت إرادتهم أن يرموا اليوم الثاني عشر في اليوم الحادي عشر, أو يؤخروا اليوم الحادي عشر لليوم الثاني عشر, وأما قول مالك: «وأرى أنهم يؤخروا» فهذا اجتهاد من مالك -رحمه الله- وقد وخالفه في ذلك بعض العلماء فقال: هذا دليل على جواز رمي الثاني عشر قبل الزوال.
وأرى أن هذا القول قوي,ولكننا نقول لا ينبغي للمرء أن يتعجل في الرمي إلا إذا أراد أن ينفر ويشق ذلك عليه
.
وعلى هذا فيقال هل الرخصة -في اليوم الثاني عشر لمن نفر- لأجل الزحام؟ قلنا ليس لأجل الزحام ولكن لأجل الاعتماد على إيماءات النصوص والتنبيه وفعل ابن عباس -رضي الله عنه- وإن كنا ابن عباس خالف ابن عمر -رضي الله عنهما- بالنسبة لقبل الزوال هل يبدأ من الفجر مثلا ؟


الأولى أن يبدأ بعد طلوع الشمس

المسألة السادسة: رمي الجمار ليلا
المؤلف -رحمه الله- لم يذكر مسألة الرمي ليلاً, وقد اختلف العلماء في ذلك: هل يجوز رمي الجمار ليلاً أو لا يجوز؟
مذهب الحنابلة- أنه لا يجوز وهي الرواية المشهورة أنه لا يجوز الرمي ليلاً واستدلوا على ذلك بأدلةالقول الأول :
- قالوا: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- (رمى ضحى يوم جمرة العقبة وما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) ولم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رمى أو أذن في الرمي ليلاً, هكذا قالوا: أنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-- واستدلوا على ذلك بأنه رخص للرعاة أن يرموا ليلاً, قالوا: وضد الرخصة العزيمة, على أن غيرهم لا يجوز.
القول الثاني في المسألة: هو قول أبي حنيفة والشافعي وهو رواية عن أحمد, أنه لا بأس بالرمي ليلاً واستدلوا بأدلة: أولاً: قالوا أنه رخَّص للرعاة أن يرموا ليلاً.
وأرى -والله أعلم- أنه لا يصح حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في جواز رمي الرعاة ليلاً, كل الأحاديث الورادة فيها ضعيفة رواها أبو يعلى ورواها البزار ورواها ابن ماجة,,
وأصح ما في الباب أثران:
- الأثر الأول: هو ما رواه مالك من طريق نافع: (أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد زوجة ابن عمر -رضي الله عنهما- نفست في المزدلفة, فتخلفت معها, فجاءت من الغد بعدما غربت الشمس حتى أتتا ابن عمر -رضي الله عنهما- فأمرهما أن يرميا الجمار, ولم يأمرهما بشيء) فهذا يدل على أن ابن عمر -رضي الله عنهما- أذن لهما أن
يرميا في الليل, وهذا أثر بإسناد صحيح.
- الأثر الثاني: ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن سابط -رضي الله عنه- أنه قال: (أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يقدمون حجاجاً فيَدَعون ظهورهم) يعني النوق التي كانوا يحملونهم (فيدعون ظهورهم, فيجيئون فيرمون بالليل) فهذا أثر

هل هناك فضل لمن يرمي في النهار مثلا
لاشك, قال: ابن عبد البر: «أجمعوا على أن من رماها بعد الزوال قبل غروب الشمس؛ فقد رماها في السنة» أما إن رمى في الليل فقد اختلف العلماء, وقلنا الصواب جواز ذلك.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #12  
قديم 05-12-2012, 11:26 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
باب أركان الحج والعمرة.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الدرس الرابع عشر


باب أركان الحج والعمرة.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

المؤلف يقول: (باب أركان الحج والعمرة)أركان: جمع ركن؛ وهو ما لا يقوم الشيء إلا به, وهو ما كان داخل الماهية ومعنى ما كان داخل الماهية يعني ما كان هذا الواجب أو هذا الركن داخل في ماهية العبادة, يعني في أصل العبادة, أما إذا كان هذا الواجب خارج عن العبادة فيسمى شرطاً, فاستقبال القبلة خارج من الصلاة وهو من شروط الصلاة , وأما الركوع فهو خارج الصلاة وهو من أركان الصلاة ..
المؤلف قال: (أركان الحج) الحج له أركان -كما سبق- وله مستحبات, وله واجبات, المؤلف هنا قال: (أركان الحج الوقوف بعرفة وطواف الزيارة) عدَّ اثنين: الوقوف بعرفة, وطواف الزيارة, والأقرب -والله أعلم- أن أركان الحج ثلاثة:
الأول: هو الإحرام, ونعني بالإحرام: نية الدخول بالنسك لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى) ولبس ثياب الإحرام ليس هو الإحرام, إنما الإحرام هو نية الدخول في النسك, فجائز أن يلبس ثياب الإحرام ولم يدخل في النسك, وجائز أن يدخل في النسك ولم يخلع لباسه المعتادة.
أما الوقوف بعرفة فدليله: هو ما ثبت عند أهل السنن من حديث سفيان الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر: (أن أناساَ أتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: يا رسول الله كيف الحج ؟ قال: الحج عرفة, فمن أتى عرفة قبل طلوع الشمس فقد تم حجه وقضى تفثه, أيام منى ثلاثة..) الحديث وقد أجمع أهل العلم ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن أصل الوقوف بعرفة ركن.
المسألة الثانية: طواف الزيارة يقصد بذلك هو طواف الإفاضة, وطواف الإفاضة ركن لا يصح الحج إلا به, وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم, كما نقل ذلك ابن عبد البر في كتاب التمهيد, قال: «لا خلاف بين أحد من أهل العلم كافة أن طواف الزيارة» أو قال: «طواف الإفاضة ركن لا يتم الحج إلا به»وقوله ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، ومما يدل على أنه لا يصح إلا به هو قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (أفضنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطفنا يوم النحر, فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- من صفية كما يريد الرجل من امرأته, فقيل يا رسول الله: إنها حاضت, قال: عقرى حلقى أحابستنا هي؟! قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت, قال: فلتنفر إذن) وقوله -عليه الصلاة والسلام- (أحابستنا هي؟!) دليل على أن من لم يطف البيت فإنه حابس حتى يفعله.
المؤلف يقول: (وواجباته) المؤلف فرَّق بين الركن وبين الواجب, والفرق بسيط:
- أما الاتفاق بينهما فكله مأمور به على لسان الشارع من الكتاب أو من السنة أو من الكتاب والسنة, فتجد أن الواجب مأمور به وتجد أن الركن مأمور به.
- الفرق بين الركن وبين الواجب هو أن الركن: دل دليل على أنه لا تصح العبادة إلا بوجوده, وأما الواجب: فلم يدل دليل إلا على أصل الوجوب, فأنت ترى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (الحج عرفة) قال: (فمن أدرك عرفة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج) فهذا دليل زائد على أصل الوجوب؛ وهو أنه لا يصح العبادة إلا بوجود هذا الركن, فهذا هو الفرق بين الركن وبين الواجب, أما الواجب فغاية ما فيه أن الشارع أمر به, وكون الشارع يأمر بالشيء لا يدل على أنه لا يصح الشيء إلا به إلا بدليل ثانٍ, فجائز أن يجبر كغيره من الأشياء التي تجبر, فأنت ترى أن واجبات الصلاة تجبر بم؟ تجبر بسجود السهو, وواجبات الحج تجبر بالدم، الفدية لفعل محظور, وأما الدم فهو لترك واجب كما ثبت ذلك من حديث عطاء عن ابن عباس: (من ترك نسكا فليهرق دم).
وغيرها من الواجبات تجبر بم؟
واجبات العبادات, , إما أن يجبر ببدل بسجود سهو, وإما أن يجبر ببدل دم, وإما أن يكون بأن يفعل مثل ما ترك. وإما أن يسقط للعجز, كما قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- «وغاية الواجبات أنها سقط بالعجز لا بالنسيان» ودليله قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )) -كما يقول بعض العلماء- من ضمن البدل, والبدل إما أن يكون بالدم, وإما أن يكون بسجود سهو, وإما أن يكون بأن يفعل مثل ما ترك.
المؤلف يقول: (وواجباته: الإحرام من الميقات) الآن عندنا إحرام, وهو نية الدخول في النسك, وعندنا تجرد من المخيط وهذا يسمى أيضاً إحرام, وعندنا إحرام من الميقات, ثلاثة أشياء لها علاقة بالإحرام, أجمع أهل العلم على أن نية الدخول في النسك إنما هي ركن وليست بواجبة.
الواجب الأول : الإحرام من الميقات وقد قلنا أن قول عامة الفقهاء أن الإحرام من الميقات واجب, ودليل ذلك ما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة, وأهل الشام من الجحفة, وأهل نجد من قرن) ومعنى: (يهل) هو خبر بمعنى الأمر, والأمر يدل على الوجوب, هذا الإحرام من الميقات, فلو أحرم من دون الميقات, قلنا: إحرامه صحيح ولكنه ترك واجب فيجبره بدم, كما سوف نأتي إلى أدلة من ترك واجباً فليجبره بدم.
الواجب الثاني:الوقوف بعرفة إلى الليل لمن دخلها نهارا : المؤلف يقول: (الوقوف بعرفة إلى الليل) الأولى أن يقول: (الوقوف بعرفة إلى الليل لمن دخلها نهار) لأنها لو أتاها ليلاً حجه صحيح بإجماع الفقهاء, مثلما ثبت من حديث عروة بن مضرس, فقد وقف بعرفة ليلاً وأجزأه حجه, فقد قال -صلى الله عليه وسلم- (وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهار)أما المؤلف يقول: (الوقوف بعرفة إلى الليل) يعني لمن دخلها نهاراً؛ فمن دخل عرفة نهاراً لا يجوز لها أن يخرج منها حتى يغيب قرص الشمس, وهذا قول عامة الفقهاء:
- بل ذكر مالك أن ذلك ركن؛ أن يجمع بين النهار والليل أو يجمع بين الليل أصلاً وحده,
- وذهب جمهور الفقهاء إلى أن من أتى عرفة نهاراً وجب عليه أن يبقى إلى الليل, واستدلوا على ذلك بأدلة, أولا: قالوا لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف حتى غربت الشمس, وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) , الثاني: أن الله أمر بذلك بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:199]، وهذا يدل على وجوبها.
- الشافعي لا يرى الوجوب إنما يرى الأفضلية, فلو وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً أجزأه حجه,نقول إما إجزاء الحج فنعم, أما أنه ليس عليه شيء فنقول الأقرب -والله أعلم- أنه أساء, ولو جبره بدم فهو حسن, وما منعنا أن نقول بعدم وجوب الدم؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (فقد تم حجه وقضى تفثه) وإن كان لا ينبغي له أن يترك الوقوف إلى الليل.
الواجب الثالث:المبيت بمزدلفة : يقول المؤلف: (والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل) ذكرنا أن المبيت بمزدلفة في الجملة واجب, وهو قول الأئمة الأربعة, إلا أن هؤلاء الأئمة الأربعة اختلفوا فيما بينهم في أصل الوجوب :
- فمالك: يرى أن أصل الوجوب إنما هو بمقدار حط الرحال, فلو خرج بعدما جلس بمقدار حط الرحال أجزأه الوقوف بمزدلفة, فلو صلى المغرب والعشاء في مزدلفة ثم خرج -على رأي مالك- أجزأه ذلك.
- وأبو حنيفة: يرى أن الوجوب بمزدلفة هو من بعد طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس, فلو أتى مزدلفة ليلاً ما عدَّه إلا سنة, فيرى الوجوب ما هو من طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس.
- أما الحنابلة والشافعية: فيرون أن الوجوب هو من أتى مزدلفة قبل منتصف الليل وجب عليه أن يبقى إلى منتصف الليل, ومن جاءها بعد منتصف الليل أجزأه بمقدار حط الرحال ثم يخرج.
- وقلنا إن هذا التفصيل يحتاج إلى دليل صريح, وإلا فإن الأقرب -والله أعلم- هو أن الوجوب في مزدلفة هو أصل البقاء, ولا ينبغي له أن يخرج منها إلا بعد منتصف الليل؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رخَّص لهم, والرخصة لم يحدد لها وقتاً معلوماً, إنما الرسول -صلى الله عليه وسلم- رخَّص بماذا ؟ بالخروج مطلقاً, فدل ذلك على أنه لا ينبغي له أن يخرج إلا لحاجة أو عذر, فإن فعل وخرج [من غير حاجة أو عذر] فقد أساء,
وقلنا: إن قول المؤلف: (والمبيت بمزدلفة) محل تأمل إذ أنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة إطلاق البيتوتة على مزدلفة كما ذكر ذلك ابن تيمية -رحمه الله- إنما إطلاق البيتوتة في حق ماذا؟ في حق منى (رخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للعباس بن عبد المطلب في البيتوتة عن منى) أما مزدلفة, فلم ينقل عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا ع أحد من أصحابه إطلاق البيتوتة, إنما فيها ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، هذا يدلنا على وجوبها, ودليل الوجوب هو قوله تعالى:
الواجب الرابع: السعي :المؤلف يقول: (السعي) المؤلف هنا ذكر السعي من الواجبات، وهذا هو قول أبي حنيفة, ورواية عن الإمام أحمد اختارها ابن قدامة -رحمه الله- في المغنى, وأبو يعلى, ونصرها ابن تيمية -رحمة الله على أئمة الإسلام جميعاً- هذا هو الذي اختاره ابن قدامة.
وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة, وهو قول عائشة وعروة -رضي الله عن عائشة وغفر الله لعروة- هو الركنية, واستدلوا على الركنية بأثر عائشة وبحديث:
- أما أثر عائشة هو ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت: (فطاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الصفا والمروة وطاف المسلمون معه, فلعمري ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته من لم يطف بين الصفا والمروة) هذا قول عائشة, وهذا الحديث في الصحيحين. والحديث ما رواه عبد الله بن المؤمل وهذا الحديث ضعيف, فعبد الله بن المؤمل ضعيف
ولو صح, قال ابن قدامة: «وحديث بنت أبي تجراة لو صح, فإنما غايته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر به» أليس كذلك فمعنى كتب الله يعني أوجب «.
أما أثر عائشة, فإنه معارض بقول غيرها من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-فقد صح بإسناد صحيح عن ابن عباس, كما رواه بن أبي شيبة أن ابن عباس يرى أنها سنة, قال: (من شاء طاف بين الصفا والمروة, ومن شاء لم يطف) هذا قول ابن عباس, وإن كان ابن أبي شيبة بوَّب على ذلك بأن قال: «باب من ترك السعي بين الصفا والمروة ناسياً»
واستدل القائلين بالسنية -وهو قول ابن عباس وابن مسعود- بما جاء في مصحف ابن مسعود أن الله قال: (فلا جناح عليه ألا يطوف بهم)
ولكنا نقول هذا يحتاج إلى إسناد صحيح, والأقرب أنه واجب, ودليل الوجوب ما هو؟ هو قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث أبي موسى: (قال: بم أهللت؟ قال إني قلت: اللهم إني أهللت بما أهل به نبيك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فإني قد سقت الهدي فطف بالبيت, واسع بين الصفا والمروة. وقصِّر, وأقم حلال) وهذا دليل على أنه مأمور به وهذا هو غاية الواجب, والله أعلم.
الواجب الخامس: المبيت بمنىالمؤلف يقول: (والمبيت بمنى) سبق أن ذكرنا أن المبيت بمنى واجب بالجملة, ودليل ذلك أمور لعلي أذكرها على عجل:
- حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الصحيحين: (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخص للعباس بن عبد المطلب عن البيتوتة من أجل سقايته)
فهذا يدل على وجوب المبيت بمنى, وقلنا أنه يسقط مع العجز والعذر؛ فمن كان معه مريض مرافق له سقط عنه, ومن لم يجد مكاناً سقط عنه؛ لأن غاية الواجبات تسقط مع العجز وعدم القدرة.
الواجب السادس الرمي :يقول المؤلف: (والرمي واجب) ودليل وجوب الرمي قوله -صلى الله عليه وسلم- كما عند أهل السنن من حديث ابن عباس أنه قال: (بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو)وهذا قول عامة الفقهاء.
الواجب السابع الحلق :يقول المؤلف: (الحلق) وقلنا إن العلماء اختلفوا في الحلق, هل هو محظور من محظورات الإحرام؟ أو هو واجب من واجبات الحج والعمرة ؟ أو هو محظور ونسك؟ أنا قلت: واجب يعني نسك. الأقرب -والله أعلم- أنه محظور من محظورات الإحرام وهو نسك من أنساك الحج, وقولنا محظور من محظورات الإحرام: إذا جاء وفعله الحاج أو المعتمر قبل وقته فإنه يعد محظوراً؛ فإذا كان قبل أن يطوف وقبل أن يسعى يعد الحلق أو التقصير محظوراً, وإذا جاء وقته -وهو بعد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة- هو نسك يجب أن يفعله, وعلى هذا فالحلق نسك يعني أنه واجب, ودليل الوجوب قوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى: (فطف بالبيت واسع بين الصفا والمروة وقصر وأقم حلال)
الواجب الثامن طواف الوداع :يقول المؤلف: (وطواف الوداع)طواف الوداع واجب, ودليل ذلك حديث ابن عباس في الصحيحين: (أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف, إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) وهذا أمر, والأمر يدل على الوجوب, بعض أهل العلم قال: هو أمر استحباب بدليل أن الحائض لا تفعله, ولو كان واجباً لجبر ترك فعلها بدم, قلنا: إن الحائض هنا لم يوجب عليها أصلاً حتى يقال أنها تجبره بدم..
هل طواف الوداع واجب أيضاً في العمرة؟ المؤلف ذكر أركان العمرة وواجباتها ولم يذكر طواف الوداع, وقد اختلف الفقهاء في حكم طواف الوداع للعمرة, الآن قلنا طواف الوداع واجب في الحج, وهل هو واجب في العمرة ؟ لم يذكر المؤلف ذلك, والمسألة فيها خلاف:
القول الأول: قول عامة الفقهاء, بل نقل بعضهم الإجماع كبعض أصحاب أبي حنيفة, نقلوا الإجماع على أن طواف الوداع ليس بواجب في العمرة, هذا قول جماهير الفقهاء, واستدلوا على ذلك:
- بما رواه الشافعي في مسنده من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: (أمر الحاج أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف) فهذا أمر للحاج, وأما غير الحاج فلا يجب.
- وقالوا: ولو كان واجباً لفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد اعتمر أربع عمر ولم ينقل عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه طاف للوداع.
القول الثاني في المسألة: هو قول الشافعي وابن حزم, وقول بعض مشايخنا, قالوا: بوجوب طواف الوداع في الحج وكذا العمرة.
والأقرب -والله أعلم- هو عدم الوجوب؛ لأنه خُص طواف الوداع بالحاج؛ لقوله: (أمر الحاج ...) أما استدلالهم بالوجوب بما جاء في حديث يعلى بن أمية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما تصنع في عمرتك؟ قال: فاصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) هذا الدليل إنما هو في محظورات الإحرام ليس في واجبات ولا في أركان الحج والعمرة, وهذا دليل قوي لمن تأمله.
أركان العمرة :
المؤلف يقول: (وأركان العمرة: الطواف) المؤلف لم يذكر ركناً للعمرة إلا واحد وهو الطواف, والأقرب -والله أعلم- أن نقول إنهما ركنان:
- الركن الأول: الإحرام وهو نية الدخول في النسك, الإحرام للعمرة ركن.
- الركن الثاني: الطواف.
أما العمرة فدليله ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: (من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وليسع بين الصفا والمروة وليقصر وليحلل) فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالطواف وهو ركن الحج وكذا هو ركن العمرة, ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني لا يتحلل إلا بالطواف بالبيت, هذا ركنان.
واجبات العمرة : المؤلف يقول: (وواجباته الإحرام والسعي والحلق).
الواجب الأول الإحرام :المؤلف قال: (الإحرام) يقصد بذلك ماذا ؟ نية الدخول في النسك
قلنا الإحرام: نية الدخول في النسك ركن, أما هنا يقصد الإحرام من الميقات، الإحرام من الميقات للحج أوالعمرة واجب, ودليله (هن لهن ولمن أتى عليهم من غير أهلن ممن أراد الحج والعمرة) وأما شرح المؤلف لذلك فهو محل نظر.
الواجب الثاني السعي :المؤلف قال: (السعي) والخلاف في السعي هنا [في العمرة] كالخلاف في الحج..
الواجب الثالث الحلق : المؤلف قال: (والحلق) والحلق واجب لقوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى (فطف بالبيت واسع بين الصفا والمروة واسع وقصر وأقم حلال) وهذا هو عمرة كاملة, والتقصير والحلق هما واجبان, لكن الأفضل الحلق.
المؤلف يقول: (فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به) هذا الأمر الزائد على الواجب, ما دليله؟ هو حديث عبد الرحمن بن يعمر في عرفة قال: (فمن وقف بعرفة قبل طلوع الشمس فقد تم حجه)
المؤلف يقول: (ومن ترك واجباً جبره بدم) ما دليل من قال إن ترك الواجب يجبره بدم؟ نقول: الدليل هو ما ثبت عند مالك والبيهقي والدارقطني وغيرهم من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: (من ترك نسكاً أو نسيه فليهرق دم) ومعلوم أن (من ترك نسك) المقصود به ماذا ؟ الواجب من فعل سنة في الحج الأفضل أن يجبره؛ لأنه قربة من الله -سبحانه وتعالى- لكنه لا يجب, لكن لو ترك واجباً جبره, ونقول هذا قول ابن عباس .أما ابن حزم يرى أن من ترك واجباً لم يصح حجه. القول الجديد -وهو قول بعض المتأخرين من أهل زماننا- قالوا من ترك واجباً فإن حجه صحيح ولا يجبره بدم مخالفة للجمهور, وهذا قول جديد في المسألة, ولهذا أرى أن القول بأن من ترك واجب ليس عليه شيء قول محدث في هذه المسألة لم نجد سلفاً لهذا الأمر ..
ما يفوت الحج به :
يقول المؤلف: (ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج) هذا يسميه الفقهاء: (باب الفوات) يعني الفوات: فات الحج, ولا يفوت الحج إلا بترك الوقوف بعرفة,فمن ترك الوقوف بعرفة فقد فاته الحج؛ وعلى هذا فيتحلل بعمرة بأن يطوف ويسعى ويقصر ويهدي إن كان عليه هدي ويحج من قابل, وهذا على سبيل الاستحباب,
دليل الفوات: ما رواه البيهقي في السنن ومالك من طريق هبار بن الأسود وقيل هو هبار بن الأسود : (أن رجلاً حج من الشام, فقدم يوم النحر فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم عرفة) يقصد أن يوم العيد هو يوم عرفة (قال: حسبت أن اليوم عرفة, قال عمر: فانطلق فطف بالبيت فطف به سبعاً, وإن كان معك هدي فانحرها, ثم إن كان عام قابل فاحجج, وإن وجدت سعة فاهدي, فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت)
هذا هو أصل باب الفوات، وفيه مسائل:
أولاً: أنه يلزمه أن يتحلل بعمرة, مع خلاف لا داعي لذكره, هل هو يتحلل بعمره؟ أو يعمل أعمال العمرة؟ والأقرب -والله أعلم- أن يتحلل بعمرة, ولا إشكال في ذلك.
الثاني:هل يلزم هدي؟ نقول: الأقرب -والله أعلم- يلزمه هدي لتركه الحج, فهو حكمه كحكم المحصر، فالمحصر يلزمه هدي، فإن كان هدياً معه نحره ولا حرج عليه في ذلك, وإن لم يكن وجب عليه أن يذبح هدياً.
الثالث:هل يلزمه القضاء من قابل أم لا؟ العلماء اختلفوا في ذلك:
- فذهب بعضهم -وهم الحنابلة- إلى أنه يلزمه أن يحج من قابل، بأمر عمر بن الخطاب هبار بن الأسود.
- والقول الثاني في المسألة, وهو قول ابن عباس كما رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم قال: (إنما البدل) يعني بذلك الحج من قابل (إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، أما من حبس لعذر أو غير ذلك فل) قوله -رضي الله عنه-: (إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ) يقصد بذلك ماذا؟ الجماع، أما غيره فلا؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (الحج مرة فما زاد فهو تطوع) وهذا الأقرب.
وعلى هذا نقول: إن كان حجه حجة الإسلام ولم يقف بعرفة؛ فيجب عليه أن يحج من قابل، على شروط الحج، وإن كانت حجته حجة نفل، فإنه لا يلزمه أن يحج من قابل؛ لأنه لا يجب عليه كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (الحج مرة فما زاد فهو تطوع).
طيب هل يلزمه هدي؟ قلنا الأقرب -والله أعلم- أنه يلزمه هدي؛ لأمر عمر بن الخطاب في ذلك، وحكمه كحكم المحصر.
المؤلف يقول: (وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة؛ أجزأهم ذلك)، يعني لو أن جميع الحجاج وقفوا يوم العاشر ظانين أن هذا اليوم هو يوم عرفة، فالمؤلف يقول: صح حجهم، وهذا إجماع، إذا كان متأخراً صح حجهم إجماعاً:
- ودليل ذلك قول عائشة -رضي الله عنها- (الصوم يوم يصوم الجماعة) وكذا رواه الإمام أحمد عن ابن عمر، وعلى هذا نقول: صح حجهم إجماعاً.
- أما لو وقفوا يوم الثامن ظانين أنه يوم التاسع فإننا نقول: يجب عليهم أن يقفوا يوم التاسع، فإن لم يعلموا إلا بعد إتمام الحج؛ صح حجهم على قول الحنابلة خلافاً للجمهور.
فإذا وقفوا يوم العاشر, فنقول صح حجهم إجماعاً إذا كان كلهم, والثانية: إذا وقفوا يوم الثامن ولم يعلموا إلا بعد انتهاء يوم عرفة, نقول أيضاً يصح حجهم, على الراجح وهو قول الحنابلة.
المؤلف يقول: (أجزأهم ذلك, وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج) النفر يقصد بذلك القليل، يعني لو أن قوماً وقفوا يوم العيد ظانين أنه يوم عرفة:
- إن كانوا ليسوا هم الأكثر؛ فإن حجهم يكون باطل، فيتحللوا كما قال عمر: (ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم عرفة) هذا قول الحنابلة والحنفية.
- وإن كانوا كثير، ولكنهم ليس كلهم, أيضاً صح حجهم كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد -رحمه الله-لأن العبرة ليست برؤية الهلال في السماء, العبرة بما اشتهر عند الناس، كما قال ابن تيمية -رحمه الله. وعلى هذا نقول: العبرة بالكل أو بالأكثر فيصح حجهم وما عداهم فلا.
يقول المؤلف: (ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبر صاحبيه رضي الله عنهم)نقول: أن شد الرحال لزيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يجوز، وهذا قول الأئمة الأربع -رضي الله عنهم-، ولم يخالف في ذلك إلا نفر قليل من أهل العلم لما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)فإذا شد الرحل إلى مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا حرج عليه، بل يستحب أن يأتي حجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيزور الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويسلم عليه ويسلم على صاحبيه، وأما الحديث الوارد: (من حج فزار قبري بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي) فهذا حديث منكر
يستحب لمن قصد مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يزور قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ويزور قبر صاحبيه، ولا يجوز أن يتمسح بالحجرة, ولا يجوز أن يتمسح بالقبر؛ لأن ذلك من البدع الظاهرة المعلومة عند أهل العلم بالضرورة, وأيضًا إذا زار قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- استقبل القبر, وسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مطأطئ الرأس, وقال يعني بذلك خاشع يعني لا يتكبر بل يخضع للنبي -صلى الله عليه وسلم- ويقول: السلام عليك يا رسول الله نشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة فجزاك الله خير ما جزى نبيًا عن أمه، ثم يتقدم قليلاً ويسلم على أبي بكر ويقول له:نشهد أنك خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنك قد أديت الأمانة, ثم يتقدم فيقول في عمر مثل ما قال في أبي بكر, ولا يجوز له أن يدعو وهو مستقبل القبر بل يستقبل القبلة وهو يدعو..انتهى الدرس



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
  #13  
قديم 05-12-2012, 11:32 AM
الصورة الرمزية أم آدم
أم آدم غير متواجد حالياً
إدارية مميزة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 23,136
افتراضي باب الهدي والأضحية




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الدرس الخامس عشر

باب الهدي والأضحية


بسم الله الرحمن الرحيم

الشرح:
المؤلف يقول: (باب الهدي والأضحية) أي باب الهدي والأضحية وما يتبع ذلك من أحكام.
والهدي: هو ما يهدى للحرم من نِعَم ونحوها.
ومعنى: (نحوه) يجوز للإنسان أن يهدي للحرم, يعني يتقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- عند بيت الله -سبحانه وتعالى- بالهدي أو بالطعام أو باللباس أو نحو ذلك مما يتقرب به إلى الله -سبحانه وتعالى- مما ينفع الفقراء الذين في الحرم.
وسميت الهدي بهذا لأن المرء يهديها عند بيت الله -سبحانه وتعالى-، وقال بعضهم: يهديها إلى الله -سبحانه وتعالى-، وهذا يهديها يعني يقدمها تقرباً إلى الله -سبحانه وتعالى-، وإلا فإن ربك غني عن فعل عباده، ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]، فالتقرب إلى الله بإراقة الدم من أعظم ما يتقرب به إلى الله -سبحانه وتعالى- يوم النحر، وليعلم أن الذبائح -التي هي قربة وعبادة يتقرب بها إلى الله- هي ثلاثة:
الأول: الهدي.
والثاني: الأضحية.
والثالث: العقيقة.
فأنت تذبحها مستعينا بالله, لله، تتقرب بها إلى الله، واضح, أما من ذبح للحم أو لبيته, فهو يذبحها مستعيناً بالله, لله, يقصد بذلك اللحم، لكن لا يجوز؛ أن يذبحها لأجل فلان، هذا من الشرك المعلوم من الدين بالضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2].
قال ابن القيم -رحمه الله-: «فلكل ملة صلاة ونسيكة لا يقوم غيرهما مقامهما ولهذا لو تصدق عن دم المتعة بأضعاف أضعاف ثمنها ما أجزأه ذلك باتفاق الفقهاء"
أما الأضحية [في اللغة]: فالأضحية بكسر الهمزة وضمها، تقول: إِضحية وتقول: أُضحية، وتقول: ضَحية، سميت بذلك لأن الشاة تذبح ضحوة أي عند ارتفاع الشمس في يوم النحر.
وأما في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يقولون: هو ما يذبح من بهيمة الأنعام بسبب العيد تقرباً إلى الله -سبحانه وتعالى-، ويعني يوم العيد، يعني أيام الأضحى.
وقد دل على مشروعية الهدي والأضحية الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم فمن الكتاب قوله تعالى في سورة الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
وفي سورة الحج ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ …﴾ الآية [الحج: 36].
وأما السنة: فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدى مائة من الإبل, فنحر -عليه الصلاة والسلام- بيده ثلاثاً وستين، وأعطى علياً نحر ما غبر) (فنحر ما غبر) يعني نحر الباقي، هذا هو مشروعيتها في السنة.
أما الإجماع فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على مشروعية الهدي والأضحية.
مسألة 1-:المؤلف -رحمه الله- قال: (والهدي والأضحية سنة) هذا هو قول جمهور الفقهاء، أن الهدي والأضحية سنة، وإدخال الهدي في حكم السنية محل تأمل، وذلك لأن أهل العلم لا يجعلون للهدي حكماً مستقلاً مطرداً بل يقسمون، فيقولون: الهدي على أقسام:
القسم الأول: الهدي الواجب: فهدي الدم المتعة والقران، هو هدي ولكنه ليس بسنة ولكنه واجب, فينبغي أن يُفَصَّل فيقال: هدي التمتع والقران هو هدي واجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، فهذا أمر وهذا خبر بمعنى الوجوب وهو من أعظم الوجوب كما يقول بعض علماء الأصول، وكذلك القران, فالقران داخل في التمتع؛ لأن القارن يأخذ عمرة وحجة في سفرة واحدة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (طوافكِ بالبيت وسعيكِ بين الصفا والمروة) لعائشة حينما كانت قارنة (يجزئ عن حجك وعمرتك جميع).
القسم الثاني من الهدي: هو من لم يجب عليه الهدي، فيكون في حقه سنة، وهذا في حق المفرد، وكل من تقرب إلى الله في بعث الهدي إلى البيت، فجائز أن يتقرب إلى الله بأن يهدي إلى الله -سبحانه وتعالى- في أي وقت شاء, أن يتقرب إلى الله في الهدي، لا يلزم أن يكون وقت الحج، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يبعث بالهدي في غير وقت الحج، كما صنع ذلك -بأبي هو وأمي, عليه الصلاة والسلام- في عمرة الحديبية.
أما الأضحية فالمؤلف يقول: (سنة) والأضحية سنة, وهذا هو قول جمهور الفقهاء، من المالكية والشافعية والحنابلة في المشهور عنهم جميعاً -رحمة الله تعالى على الجميع- بل ذكر في جواهر الإكليل من كتب المالكية, قالوا: «وإذا تركها أهل بلد بالكلية قوتلوا عليها؛ لأنها من شعائر الإسلام» والدليل على عدم وجوب الأضحية -بل إنها سنة لا واجبة- قالوا:
- ما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا أهلَّ هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من بشرته ولا من أظفاره شيئًا)، قالوا: وجه الدلالة: والشارع فوض هذا الأمر لإرادة المسلم أو لإرادة المرء، ولو كان واجباً لما جُعِل ذلك تحت إرادته, فالواجبات مناطها الكتاب والسنة، فكونه يقال: (إذا أهل .... وأراد أحدكم أن يضحي) دليل على عدم الوجوب, هكذا قالوا، وهذا الدليل قوي، لكن لو جاء حديث صحيح صريح يخالفه فنقول: نعمل بالمنطوق الصريح أولى من المنطوق غير الصريح فهذا الحديث منطوق، ولكنه غير صريح،
- الدليل الآخر على عدم الوجوب، قالوا: وقد صح عن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- أنهما لم يضحيان قالوا: وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) كما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة، وقال: (اقتدوا باللذين من بعدي) كما رواه أهل السنن من حديث حذيفة، بل قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: (إني لأدع الأضحية وأنا من أيسركم، كراهية أن يعتقد الناس أنها حتم واجب)، وهذا الحديث رواه البيهقي, وذكر آثاراً عن ابن عباس وعن بلال وعن ابن عمر -رحمة الله تعالى على الجميع.
قالوا: فهذا غالب الصحابة كانوا لا يضحون، بل أبو بكر وعمر كانا لا يضحيان.
القول الثاني في المسألة: هو قول أبو حنيفة ورواية عند الإمام أحمد وقول عند مالك، وهو اختيار ابن تيمية -رحمه الله- ونصرها قال: «فإنها من أعظم شعائر الإسلام, وهي النسك العام في جميع الأمصار» وذكروا أدلة للوجوب بأن قالوا:
- الآية، دليل على وجوبها قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، قالوا: أمر ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ والأصل في الأوامر الوجوب
الرد على هذا الدليل:1- صرفه صارف من الوجوب إلى الاستحباب بقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: (وأراد أحدكم أن يضحي).
2-: إن هذه الآية ليست صريحة في الوجوب؛ لأن هذه الآية ليست أمراً في النحر, إنما هو أمر بأن يتقرب إلى الله بالنحر لله -سبحانه وتعالى-، فالأمر متعلق بالتقرب؛ لأن الله يأمرك أن تتقرب إليه بالصلاة والنحر ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر:2]، يعني اجعل عبادتك لوجه الله -سبحانه وتعالى- في صلاتك وفي نحرك، وهذا دليل على أنه لا يجوز صرف النحر لغير الله -سبحانه وتعالى- وأن ذلك من الشرك. فدل ذلك على أن الآية ليست دليلاً على الوجوب.
- الدليل الآخر: ما رواه الترمذي والإمام أحمد -رحمه الله- وغيرهم: من حديث عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من وجد سعة فلم يضحِّ فلا يقربن مصلانا)
هذا الحديث لو صح لكان محل نزاع واستدلال من أقوى الأدلة، لكنه ضعيف، حيث إن في سنده عبد الله بن عياش, وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وضعفه أبو داود والنسائي -رحمهم الله جميعاً- ولا يصح في الباب -في وجوب الأضحية- حديث صحيح صريح،
مسألة2- المؤلف يقول: (لا تجب إلا بالنذر) نقول: لا تجب الأضحية إلا بالنذر أو بالتعيين؛ فلو قال: هذه أضحية –عينها- بقوله؛ فإنه يجب عليه أن يضحيها، ولا يجوز له أن يتركها، لكنه لو اشتراها فإن الجمهور يقول: لا تتعين إلا بالتعيين أو بالذبح، أما أن يشتريها فإنها لا تتعين، وعلى هذا نقول: لا تجب إلا بالنذر أو بالتعيين.
مسألة3-المؤلف يقول: (والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها) هذا قول عامة الفقهاء, بل نُقل الإجماع على ذلك، أن التضحية أفضل من الصدقة بثمنها لم؟ لأن لله عبادات في أزمان وأحوال لا يسوغ غيرها فيها، فالعبادات تتفاضل في زمانها وفي مكانها، أرأيتم قراءة القرآن، أليست أعظم الذكر، أليس كذلك؟ بلى، ولكن قراءة القرآن في الركوع، هل هو عبادة؟ نقول: محرم، (فأما الركوع فعظموا فيه الرب) ، (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً)، كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين, فهذا يدل على أن التضحية في زمانها أولى من التصدق بثمنها، فإراقة الدم من أعظم ما يُتقرب به إلى الله.
من الأدلة على أن التضحية أفضل: قالوا: لأن العلماء اختلفوا في حكم التضحية بين الوجوب وبين الاستحباب، وما اختلفوا فيه أولى بالعناية مما لم يختلفوا عليه، هذه قاعدة مطردة فإن: «العبادة المختلف في وجوبها أولى من العبادة التي لم يختلف عليها» كما أشار إلى ذلك أبو العباس بن تيمية -رحمه الله-، وابن رجب في بعض كتبهم.
مسألة 4-المؤلف يقول: (والأفضل فيهم) يعني الأفضل لمن أراد أن يتقرب إلى الله في الهدي أو في الأضحية قال: (الإبل) ومعنى الإبل: يعني إبلاً كاملة، وكذلك قال: (الإبل، ثم البقر، ثم الغنم)، فلو جاء سبعة, الواحد يجزئ عنه شاة أو سُبع من الإبل أو البقر لكن أيهما أفضل أن يشتروا هؤلاء السبعة إبلاً أم كل واحد شاة؟ نقول: الأفضل كل واحد شاة، لماذا؟ لأنها على الترتيب، إبل ثم بقر، ثم غنم، ثم سُبع من الإبل ثم سُبع من البقر، هكذا هو الترتيب.
والدليل قالوا: لأن الإبل أعظم ثمناً، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، قال ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: تعظيم شعائر الله هو الاستحسان، والاستسمان؛ ولهذا قال ابن تيمية: «ولهذا كان أغلاها ثمناً وأثمنها أعظم باتفاق أهل العلم»
مسألة: هل الأفضل التضحية بشاتين أو إبلين؟ أم العبرة بالمغالاة في الثمن لو كانت واحدة ذكر اسحق بن منصور عن الإمام أحمد قال: «ثنتان أعجب إلي» أما الإمام ابن تيمية -رحمه الله- فإنه قال: «الواحدة التي فيها استسمان واستعظام وغالية الثمن أعظم من أن يتقرب باثنتين»، ولعل قول ابن تيمية يمكن أن يستدل له بما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ﴾ [الحج: 32]، قال استسمانها واستعظامها، وقد ثبت في الصحيح من حديث سهل بن سعد، قال: (كنا نسمن ضحايانا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) فهذا أعظم، لأن لحمه سوف يطيب لمن أكلها، فالعبرة ليست بكثرة اللحم، ولكن بإراقة الدم لله -سبحانه وتعالى- كما قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: 37].
مسألة 5-المؤلف يقول: (ويستحب استحسانها واستسمانها) يعني الأفضل للإنسان أمرين: أنه إذا اقترب عيد الأضحى أن يأخذ السمينة والعظيمة أ يشتريهافي وقت مبكرويطعمها ويسمنها ليطيب لحمها, حتى إذا جاء وقت الأضحية تقرب بها إلى الله، نقول: هذا أعظم أجراً؛ كما قال سهل بن سعد -رضي الله عنه- كما في الصحيح: (كنا نسمن ضحايانا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم).
مسألة6-يقول المؤلف: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن؛ وهو ما كمل له ستة أشهر) هذا الكلام فيه مسائل:
المسألة الأولى نقول: أجمع العلماء على أنه لا يجزئ الهدي أو الأضحية أو العقيقة إلا ما تم لها السن الشرعي المعتبر، هذا إجماع قال المؤلف: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن) الجذع من الضأن خاصة، وأما غيره فلا يجوز إلا الثني.
المؤلف بين الجذع من الضأن قال: (وهو ما كمل له ستة أشهر) هذا هو الجذع من الضأن وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة، يقولون: الجذع ما كمل له ستة أشهر.
وذهب المالكية إلى أن الجذع ما كمل له سنة، ولم يدخل في السنة الثانية، وأما الثني من المعز، ما كمل له سنة ودخل في شهر منها.
والأقرب -والله أعلم- هو قول الحنفية والحنابلة، أن الجذع من الضأن ما كمل له ستة أشهر.
ذكر إبراهيم الحربي -رحمه الله- وهو من أئمة اللغة والحديث وهو من أسنام الإمام أحمد وطبقته، قال: «إنما يجزئ الجذع من الضأن خاصة في الأضاحي لأنه ينزوا على الشاة فيلقحها بخلاف المعز، فإنه لا يستطيع أن ينزوا»
وعلى هذا فالراجح أن الجذع من الضأن هو ما كمل له ستة أشهر, خلافاً لمالك -رحمه الله- وبعض علماء الشافعية.
السؤال: هل يجزئ الجذع؟ نقول: الجمهور من أهل العلم على أنه يجزئ واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم من حديث جابر: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)، هذا الحديث ظاهره أنه لا يجزئ الجذع إلا إذا عسر علينا المسنة، وهي الثني فما فوق، ولكننا نقول: جاء في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر قال: (قَسَم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه ضحايا, فصارت لي جذعة، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ضحي بها، قال يا رسول الله: إنها جذعة -يعني صغيرة- قال: ضحي بها، فضحى بها) كما في الحديث المتفق عليه، وقال عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أيضاً: (ضحينا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجذع من الضأن)، وهذا الحديث رواه النسائي, وقال الحافظ ابن حجر: سنده قوي.
مسألة 7-يقول المؤلف: (والثني مما سواه) يعني غير الضأن، فإذا كان غير الضأن فيجب أن يكون ثني, والثني يختلف في بهيمة الأنعام من أن يكون معزاً أو بقراً أو إبلاً:
- فالإبل لا يكون ثنياً إلا إذا كَمُلَ له خمس سنين.
- والبقرة لا تكون ثني إلا إذا بلغت لها ثنتان، هذا هو الراجح خلافاً لمالك, فمالك قال: ثلاث سنين، والصحيح إكمالها سنتان.
- أما المعز فما كمل له سنة.
هذا هو الأقرب والله أعلم.
مسألة 8-يقول المؤلف -رحمه الله-: (وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة) أما البدنة والبقرة فإنها تجزئ عن سبعة, دليل ذلك: قال جابر -رضي الله عنه-: (نحرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة)، وقال أيضاً: (كننا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له: يا جابر والبقر؟ قال: وهل هي إلا من البُدن؟!) يعني أن البدن يسمى بقر ويسمى إبلاً, وهذا الحديث أيضاً رواه مسلم في صحيحه.
أما قول المؤلف: (وتجزئ الشاة عن واحد) يعني بذلك أنه لا يجوز أن يشتري اثنان شاة بينهما، وهذا ما يسمى بالاشتراك في الملك، وفي هذا الكلام كلام، أما قوله: (وتجزئ الشاة عن واحد) أما الإجزاء عن واحد فهذا ثابت من حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- قال: (كان الرجل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته, فيأكلون ويطعمون) وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه, وقال عنه الترمذي حديث حسن صحيح, وإسناده قوي.
الاشتراك ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: اشتراك في الثواب، فهنا يجوز للإنسان أن يُشْرك في ثواب أضحيته التي اشتراها من حر ماله ما يشاء من عدد، فيجوز أن يشتري أضحية فيقول: اللهم هذا عني وعن زوجتي وعن أمي وعن والدي وعن أولادي وعن ذريتي، فيجوز ودليله أيضاً ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (ضحى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أملحين) وفي رواية: (موجبين، فأضجعهما وقال: بسم الله والله أكبر) أو (ضحى وسمى وقال: اللهم هذا منك ولك اللهم عن محمد وآل محمد).
يدخل فيها الأحياء والأموات؛ الأضحية للميت تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يُشْرك الأحياء والأموات، فهذا لا شك في جوازها، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم هذا عني وعن آل محمد وعن أمة محمد)، فأمة محمد فيهم الأحياء وفيهم الأموات؛ لأن الرسول أشرك أحياء وأموات.
القسم الثاني: أن يخصص الأضحية للميت، وقد كانت عادة العوام أنهم لا يضحون إلا عن أمواتهم، هذا خطأ بل الأفضل أن يضحي عن نفسه الحي ويشرك الأموات، أما تخصيص الأضحية عن الميت فإننا نقول: لا يخلو من حالين:
- الحالة الأولى: أن يكون ذلك وصية من الأموات، بأموال الأموات، فهذا لا بأس به ؛ لأن العلماء أجمعوا على أن الميت ينفعه الصدقة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة) ومن المعلوم أن الأضحية صدقة
- الحالة الثانية: أن يذبح الحي عن ميته خاصة، فهذا بعض طلبة العلم منع من ذلك, وقال لم يرد عن السلف -رضي الله عنهم-، وأقول: إن غالب العلماء المعاصرين على جواز ذلك، ومما يدل على الجواز: أن الشارع جوَّز للميت أن يشرك في الأضحية، وإذا جاز أن يُشرَك الميت في الأضحية فسواء استقلت الأضحية له أو أشرك معه الأحياء فهذا يدل على الجواز، ولكننا نقول: لا ينبغي للأحياء أن يخصوا الأضحية للميت، بل السنة أن يخصوا أنفسهم -وهم الأحياء- أو الأحياء ويشركوا الأموات، لكن تخصيص الأموات، هذا لا معنى له.
القسم الثاني: وهو الإشراك في الملك: الحنابلة وأحد الوجهيين عند الشافعية يمنعونها، فيقولون: لا يجوز أن يشترك اثنان أو شخصان في شراء أضحية لهما جميعاً، وقالوا: لأن ذلك لم يفعل على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وأرى أن القول الثاني -وهو قول بعض الشافعية- يدل على جوازه، وقد جاء حديث من حديث الأشم عن أبيه عن جده قال: (كنا سابع سبعة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: اشتركوا فجاء كل واحد منا بدرهم فاجتمعت لنا سبعة دراهم فاشترينا شاة، فأخذ أحدنا بشيء منها والآخر بيدها والآخر برجلها ثم ذبحناها)، قالوا: فهذا يدل على أنه لا بأس بجواز الإشراك في الأضحية إذا كانت شفعاً أكثر من واحد، وهذا الحديث ضعيف، ولو صح فإنه ربما يقال: أن هذه الأضحية لا يلزم أن تكون شاة، ربما تكون بقرة؛ لأن الشاة لسنا بحاجة إلى أن يأتي سبعة فيمسكونها، هذا قول, لكني أقول: أن الأولى ألا يشرك اثنان في غنم، أما إذا كان إبلاً أو بقراً فلا بأس أن يشركوا في سبعة، لكن لو اشتركوا فإني أقول الأولى تركها، ولكن لها حيلة شرعية، مثل الآن إخوة عندهم أم في بيت يقول والله ما عندنا نحن خمسمائة ريال، هم خمسة يقولون ما عندنا خمسمائة ريال ونريد أن نذبح أضحية، نتمنى أن نذبح فكيف الحيلة الشرعية، قلنا الحيلة الشرعية أن تتدافعوا أو أن يقدم كل واحد منكم مائة ريال -وهم خمسة- ثم هذه المائة ريال تملكونها أمكم، والأم تضحي بها وتقول: اللهم عني وعن أولادي وعن ذريتي، وهذا حسن، ولا أعلم أحداً قال بمنع ذلك، ولكن لو أن اثنان من الإخوة وليس عندهم أم أو غير ذلك, فأرى أنهم يتقربون بها إلى ميت ويشركون أنفسهم فيها, أما أن يذبحون عن أنفسهم فالمسألة -كما ترى- مسألة خلافية, وشيخنا محمد بن عثيمين يمنع من ذلك منعاً شديداً وألف في ذلك رسالة، والعلم عند الله -سبحانه وتعالى- وأما الترجيح فأرى أننا نأخذ بالمنع
مسألة 9-ما يجوز من الأضاحي
يقول: (ولا تجزئ العوراء البين عورها) العوراء: هي المخسوفة العين, هذا معنى البين عورها, التي خسفت عينها, في الهدي أو الأضحية. أما العمياء فهل يجوز؟ ما تقولون؟ العمياء لا يجوز؛ لأنه إذا منعت العوراء التي ترى في عين ولا ترى في عين أخرى؛ فالعمياء من باب أولى.
وهذه الأشياء الأربعة لا تجزئ في الأضاحي, إجماع من أهل العلم كما حكى ذلك ابن هبيرة؛ لحديث البراء بن عازب قال: (قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكبيرة التي لا تنقي)، وهذا الحديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بسند جيد أو صحيح.
يقول: (ولا العجفاء التي لا تنقي) العجفاء هي الهزيلة التي لا مخ فيها, ومعنى: (لا تنقي) أنها لا تَسْمَن, فهي ضعيفة هزيلة ليس فيها لحم، إنما جلد قد غطي بالعظام، فهذه عجفاء لا تنقي, لا يجوز، ولا تجزئ.
يقول المؤلف: (ولا العرجاء البين ظلعها) العرجاء: أي كسيرة الرجل أو اليد؛ التي لا تستطيع مشياً مع الصحيحة أما إذا كان عرجها يسيراً، وهي تسرع في مشيها, فهذا لا بأس به ودليله: (البين عرجها)، وهذا من جوامع كلمه -بأبي هو وأمي, عليه أفضل السلام وأتم التسليم- إذا ثبت أن العرجاء البين عرجها لا تجزئ، فمقطوعة اليد أو الرجل من باب أولى.
يقول المؤلف: (ولا المريضة البين مرضها) المريضة: يعني التي أصابها الحمى، أو ما يسمونه الجرب، أحياناً البهيمة تصاب بالجرب، فهذا سوف يضر بلحمها، وإن شئت فقل: المرض الذي يضر بلحمها فهي أشد حرمة وعدم إجزاء من المريضة؛ لأن المريضة ربما تؤكل ولا تتضرر، فالطبخ ربما يزيل كثيراً من أمراضها، لكن مثل هذه مرضها بيِّن.
المؤلف لم يذكر الكبيرة التي لا تنقي ففي الحديث: (العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكبيرة التي لا تنقي) فالكبيرة هي قوله: (العجفاء) لأن الهزيلة هي العجفاء.
المؤلف حينما انتهى من هذه الأربعة دخل في مسائل أخرى, وقوله: (ولا العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها- فالحنابلة يقولون: لا يجزئ، واستدلوا بما رواه قتادة عن جري بن كليب النهدي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: (نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يضحى بأعضب الأذن والقرن) (بأعضب)، يعني بالمقطوع أو الكسير, هكذا ذهب إليه الحنابلة.
- القول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية وقول عند المالكية على تفصيل عندهم لا داعي للتفصيل فيه, وهذا ما رجه ابن مفلح في كتابه الفروع, قالوا: بجواز ذلك مع الكراهة, قالوا: لأن الحديث ضعيف, وضعْفُه لأن في سنده جري بن كليب وهو مجهول, بل قال أبو حاتم -رحمه الله - لا يحتج بحديثه, وجهله ابن المديني -رحمهم الله- , قالوا أيضاً: إن كسير القرن لا يضر, ولا يضر لحمه كذلك الأذن, فإن الأذن -ولو كانت مقطوعة- فلا شك أن قطعها ليس بأفضل من الموجودة, ولكن أكلها بمقصود في الغالب, في الغالب الأذن ما تقصد في الأكل, فكذلك يقال هنا, كما أشار إلى ذلك ابن مفلح؛ وعلى هذا فلا بأس بالعضباء التي ذهب أكثر أذنها أو عظمها.



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________
جامعتي الحـبـيـبـة أعطـيـتـنـي **** مـــا لا احــــد غــيــرك اعـطـانــي
لــك عـلـي فـضـل كـبـيـر بـعــد الله **** سبحانـه و تعـالـى لا أنـسـاه أبــدا
سـنـســأل ونـحـاســب أمـــــام الله **** ايــن قضيـنـا اوقاتـنـا فــي الـدنـيـا
سنجيب مـع علـم نافـع قدمتـه لنـا **** جامعة نافعة بكل جهدها و وقتها
أشـــهــــد لـــهــــا بـــــــه غـــــــدا **** يـــــــوم الـقــيــامــة امــــــــام الله
هنـيـئـا لــكــم الاجــــر والــثــواب **** ونــــحــــســــبــــه كــــــــذلــــــــك
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الحج, الصفحة, تفريغ, جميع, دروس, شرح, على, هذه, كتاب


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


عدد مرات النقر : 8,259
عدد  مرات الظهور : 204,072,079
عدد مرات النقر : 11,164
عدد  مرات الظهور : 204,072,078

الساعة الآن 03:31 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009