ثم جلس ليحقق ما جاء من أجله وهو الإطمئنان على أحوال الناس , وكان في مقدمة ما يسأل عنه حال الولاة والعمال معهم , حتى لا يكون هناك ظلم يقع في إمرته يؤاخذه الله سبحانه وتعالى عليه يوم القيامة
وحتى لا ينسب لنفسه العدل , والظلم يملأ أرجاء البلاد , فسأل الناس كيف حاله معكم ؟ وهو يعني
سعيد , قالوا يا أمير المؤمنين بخير ولكن نشكوه في أربع , قال عمر وما هي ؟ قالوا
الأولى: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار , وأما الثانية: فهو لا يجيب أحدا بليل
وأما الثالثة: له يوم في الشهر لا يخرج إلينا ولا يراه الناس
والرابعة: فهو بين الحين والآخر تصيبه غشية فيغيب
عمن في مجلسه حتى نظن أنه قد مات-أي يشهق
فجأة ويغشى عليه حتى نعتقد أنه قد فارق الحياة
- فقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه اللهم لا تزل رأيي فيه-أي لا تخيب رأيي واختياري-
ثم قال لأجمعن بينه وبينكم حتى أنظر فيما قلتم , فأرسل في طلبه , فلما مثل بين يديه , أعاد عمر السؤال على الناس مرة أخرى , كيف حال عاملكم معكم , قالوا بخير ولكن نشكوه في أربع وذكروها جميعا
قال عمر لسعيد: سمعت ؟ قال نعم , قال إذًا فأجب عن الأربع ؟ الواحدة تلو الأخرى
فقال سعيد: يا عمر والله ما كنت أريد أن يطلع على ذلك أحد , ولكن ليس
لي بُدٌّ , أما كوني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار-أي تطلع شمسه
وتشتد- فإن أهل بيتي في ضعف , وليس عندنا خادمة ولا خادم
فأستيقظ أصلي الفجر ثم أجلس فأعجن العجين ثم أنتظره حتى يختمر
ثم أخبز لأهل بيتي ثم أخرج فيكون النهار قد تعالى , وأما عن كوني لا أجيب أحدا بليل
فإني قد جعلت نهاري للناس وليلي لله , فلا يشاركني فيه أحد , وأما كوني لا أخرج إليهم يوما في الشهر
فوالله الذي لا إله إلا هو , لا أملك إلا ثوبي هذا أغسله مرة في الشهر , وفي هذا اليوم أنتظره حتى يجف , فيكون يومي قد انقضى فلا يراني فيه الناس , وأما عن هذه النغضة التي تأخذني فإني قد رأيت مصرع خبيب
الأنصاري بمكة وقد كنت مشركا , ورأيت قريشا قد بضعوا لحمه-أي قطعوا من لحمه- وجعلوه
على جذع ثم قالوا له أتحب أن يكون محمد مكانك , فقال: والله ما أحب أن أكون في
أهلي وولدي وقد شيك محمد بشوكة , ثم نادى بأعلى صوته
وحمد الله أنه لم يزل فراسته فيه-أي لم يخيب فراسته في حسن اختياره لهذا الرجل- وانطلاقا من حرص عمر علي تفقد أحوال الرعية فقد سأل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سعيد فقال له:
مالك من المال؟ قال: سلاحي وفرسي وأبغل أغزو عليها وغلام يقوم
علي وخادم لامرأتي وسهم يعد في المسلمين. فقال له عمر:
مالك غير هذ؟ قال حسبي هذا هذا كثير. فقال له عمر:
فلمَ يحبك أصحابك؟ قال: أواسيهم بنفسي وأعدل عليهم في حكمي. فقال له عمر:
خذ هذه الألف دينار -والدينار ما كان من ذهب- فتقو به.
قال: لا حاجة لي فيها أعط من هو أحوج إليها مني.
فقال عمر: على رسلك حتى أحدثك ما قال رسول الله
{صلى الله عليه وسلم} ثم إن شئت فاقبل
وإن شئت فدع: إن رسول الله
{صلى الله عليه وسلم}
عرض علي شيئا فقلت مثل الذي قلت فقال
رسول الله {صلى الله عليه وسلم}: من أعطي شيئا من غير
سؤال ولا استشراف نفس فإنه رزق من الله فليقبله ولا يرده. فقال الرجل:
أسمعت هذا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم}؟ قال: نعم. فقبله الرجل ثم أتى امرأته فقال:
إن أمير المؤمنين أعطانا هذه الألف دينار فإن شئت أن نعطيه من يتجر لنا به ونأكل الربح ويبقى لنا رأس مالنا. وإن شئت أن نأكل الأول فالأول: فقالت المرأة: بل أعطة من يتجر لنا به ونأكل الربح ويبقى لنا رأس
المال (وفي رأس سعيد التجارة مع الله بالإنفاق في سبيله) قال: ففرقيه صررا ففعلت
فجعل كل ليلة يخرج صرة فيضعها في المساكين ذوي الحاجة ,فقالت
له امرأته يا سعيد أما أبقيت منها شيئا نستعين به ؟ قال لها: والله قد
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أن امرأة من
الحور العين اطلعت إلى أهل الأرض فنظرت
إليهم لملأت الأرض بريح المسك
فوالله لا أوثرك عليهن , وسوف
تأتيك أحوج ما تكونين إليها .
فلم يلبث الرجل إلا يسيرا حتى
توفي فأرسل عمر يسأل عن الألف
فأخبرته امرأته بالذي كان يصنع فالتمسوا ذلك
فوجدوا الرجل قدمها لنفسه ففرح بذلك عمر
وسر وقال: كان الظن به كذلك.
وانظر يا رعاك الله إلى تفاصيل هذه الواقعة في كتب التاريخ , كتاريخ دمشق لابن عساكر , والبداية والنهاية , وصفة الصفوة , والإصابة وغيرها .
انظر هو يريد أن يشتري الآخرة ويؤثر الحور العين على امرأته , ويبين لها أن المال سوف يأتيها وقت ما تشتد الحاجة إليه , وهو يعني بذلك في الآخرة , فالإنسان تشتد به الحاجة إلى درهم قد تصدق
به ليرفعه الله به يوم القيامة , ويدخله به الجنة .
فسعيد هذا عندما أراد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ان يوليه على
حمص واختاره لذلك وأرسل إليه وقال قد وليناك حمص-ما أقام الأفراح وذبح الولائم
فقد أصبح أميرا محافظا أو وزيرا- لا وإنما أرسل رده إلى عمر قائلا يا عمر لا تفتني-فهو
يدرك يقينا أن الإمارة والحكم فتنة , وقد صدق , فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة
ستضيع يوم أن يحرص آحاد هذه الأمة على الإمارة , ولذلك قالها في الحديث الذي أخرجه البخاري
في صحيحه برقم 6729 عنأبي هريرةعنالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ستحرصون علىالإمارةوستكون ندامة يومالقيامة , فنعمالمرضعة وبئست الفاطمة " فانظر إلى السين في "ستحرصون" التي تفيد الإستقبال , قال ابن حجر في فتح الباري (13 / 126) قوله :
(فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ) أي : فيالدنيا ، (وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ) ، أي : بعد الموت
لأنه يصير إلى المحاسبة علىذلك ، فهو كالذي يُفطم قبل أن يستغني
فيكون في ذلك هلاكه ,والمعنى نعم المرضعة أي كالمرضعة
التي تلقم ثديها لطفلها ليشرب ويرتوي , ولكنها بئس
الفاطمة أي تضع في حلقه علقما حتى تفطمه
عن ثديها , وهكذا الإمارة تعطي
أصحابها الزهو والكبر
والملك والمال
ولكنها بئس
الفاطمة
فتكون يوم القيامة
حسرة وندامة , ولذلك ففي الحديث الصحيح
الذي رواه مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي قَالَفَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ " يَا أَبَا ذَرّ
ٍ إِنَّكَضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْىٌ وَنَدَامَةٌإِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا " .
هذه هي الإمارة التي يحرص عليها الناس , فسعيد هذا لما ولاه عمر ما كان يلهث ليحصل على الإمارة وما أنفق في سبيل ذلك كل غال ونفيس , وذلك أنه لا تعطى الإمارة لمن طلبها
هكذا ورد الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن النبي
صلى الله عليه وسلم : أن قوما دخلوا عليه فسألوه الولاية
فقال : إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه
( يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه دخلت أنا واثنان من أبناء عمومتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا أي الرجلان: يا رسول الله وَلِّنَا بعض ما ولاَّك الله عليه , قال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نولي من أمرنا هذا شيئا أحدا قد طلبه )
ونرجع إلى عمر وسعيد رضي الله عنهما
رد عمر على سعيد بقوله : والله لا أدعك
قد وليتموني ثم تريدون أن تتركوني , والله لا أتركك .