من كان بالله أعرف كان منه أخوف
محاضرة بعنوان (من كان بالله أعرف كان منه أخوف)
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأشهد أن لا إلـٰه إلَّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أمَّا بعدُ :
حديثنا في لقاءنا هذا عن كلمةٍ مأثورةٍ عن أحد السَّلف الصَّالح وهو أحمد بن عاصم الأنطاكي حيث قال رحمه الله:
(( مَنْ كَانَ بِاللهِ أَعْرَفْ كَانَ مِنْهُ أَخْوَفْ )) ؛ وهٰذه الكلمة رواها عنه المرْوزي رحمه الله تعالى في كتابه «تعظيم قدر الصَّلاة» .
وأحمد بن عاصم الأنطاكي صاحب هٰذه الكلمة له ترجمة في «سيَر أعلام النُّبلاء» للذَّهبي رحمه الله وصفه فيها بواعظ دمشق ، فهو رجلٌ معروف بالموعظة الحسنة وبالكلمات الرَّقيقة المؤثِّرة. يروي هذه الكلمة عن أحمد الأنطاكي : أحمدُ بن أبي الحواري ، قال أحمدُ بن أبي الحواري بعدما روى هٰذه الكلمة عن أحمد الأنطاكي: «صدق والله » أي في قوله: ((مَنْ كَانَ بِاللهِ أَعْرَفْ كَانَ مِنْهُ أَخْوَفْ ))
. وأحمد الأنطاكي رحمه الله هٰذا الواعظ له كلمة في هٰذا الباب نقلها عنه الذهبي في «سير أعلام النَّبلاء» ، قال فيها: « لا أغبط إلَّا من عرف مولاه» ؛ فهٰذه هي الغبطة حقًّا إنَّما تكون فيمن عرف مولاه بأسمائه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وصفاته.
وحديثُنا حول هٰذه المعرفة بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وبأسمَائه جلَّ شأنه وصفاته ، وبيان ما لهٰذه المعرفة من أثرٍ بالغ على القُلوب وتأثيرٍ عظيم على النُّفوس زيادةً في الإيمان وصلة بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وخوفًا منه جلَّ شأنه ومراقبةً له وقيامًا بتحقيق العبودية له جلَّ شأنه على الوجه الذي يُرضيه عز وجل ؛
وقد قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في القرآن الكريم: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر:28] ،
أي أنَّ العبد كلَّما ازداد معرفةً بالله جلَّ شَأنه ازداد خشيةً من الله وخوفًا من الله وإقبالًا على طاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وحُسن التَّقرُّب إليه ، وحاجةُ القُلوب إليها هي أشدُّ الحاجات وضرورتها إليها أشدُّ الضَّرورات ؛
بل إنها أشدُّ من حاجة الإنسان إلى طعامه وشرابه ؛ لأنَّ بهذه المعرفة حياة القُلوب ، وبانعدامها موتُ القلوب .
وللعلَّامة ابن القيم رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه «الكافية الشَّافية» المعروف بـ«النُّونية» كلمة عظيمة مماثلة لكلمة الأنطاكي المتقدِّمة يقول رحمه الله: (( وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها ، ومحبته وذكره ، والابتهاج به ، وطلب الوسيلة إليه ، والزُّلفى عنده ، ولا سبيل إلى هذا إلَّا بمعرفة أوصافه وأسمائه ، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب ، وكلَّما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد ، والله تَعَالَى يُنزل العبد من نفسه حيث يُنزله العبد من نفسه ، فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا وعنها نافرًا منفِّرًا فالله له أشد بغضاً وعنه أعظم إعراضًا وله أكبر مقتًا )) .
شاهد القول : أنَّ هٰذه المعرفة بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لها أثرها العظيم على القُلوب ، ولها أثرها البالغ على النُّفوس، فالقلب يحتاج حاجةً ماسَّة إلى أن يذوق هٰذه المعرفة وأن يكون من أهلها ، وكلَّما تمكَّنت هٰذه المعرفة من قلب العبد استضاء بنور الإيمان وبرد اليقين وقوَّة الصِّلة بالله جل وشأنه ربِّ العالمين ،
بينما إذا ضعُفت هٰذه المعرفة في القلوب ضعُفت أبواب الخير بأنواعها وضعُفت إرادات الخير وأقبلت النَّفس على أنواع الشُّرور وصُنُوف الباطل ، فالمعرفة بالله جل شأنه عصمةٌ للعبد ونجاةٌ له من الهَلكة ، وضَعف هٰذه المعرفة أو انعدامها هو هلكة العبد في دُنياه وأخراه .
وعندما نأخذ أمثلةً توضيحيةً لهٰذا الأمر مقتصرين على بعض الأمثلة التي تدلُّ على ما سواها وتُرشد إلى غيرها نُدرك من خلال ذلك هذا الأثر البالغ على المعرفة بالله عزَّ وجلَّ وما لها من أثر على القلوب صلاحًا وزكاءً ورِفعة.
عندما يحضُر في قلب المؤمن المعرفة بأنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليمٌ بكلِّ شيء ، من أسمائه الحسنى : «العليم» ، ومن صفاته العليا : العلم الواسع المحيط بكلِّ شيء ، فلا تخفى عليه خافية جلَّ شأنه في الأرض ولا في السَّماء
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7] ، ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾[غافر:19]
، فإنَّ إحضار القلب هٰذه المعرفة وشُهُوده لها وعلمه بها يعدُّ حاجزًا وزاجرًا ؛ بل يقول الشَّنقيطي رحمه الله الإمام المفسِّر : « أَجمعَ أهل العلم على أن العلم بأنَّ الله بكل شيء عليم أكبر زاجر وأعظم واعظ» .
وفعلًا إذا كان القلب تحضره هٰذه المعرفة فإنَّها تزجره عن كلِّ ما لا يليق ، وأيضا تدفعه إلى الإقبال على كل حَسَنٍ جميل ، ولهٰذا نرى آيات القرآن الكريم كثيرا ما تُختم سواء في باب الترغيب أو في باب الترهيب
بـ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾، و﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ، ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
ونحو ذلك كثير ، فهٰذا زاجر بل هو أعظم زاجرٍ للعبد عن ترك الفرائض وأيضًا فعل المحرَّمات ، كلَّما حضرت هٰذه المعرفة بالقلب زاد الإقبال وزاد الخوف . وهٰذا معنى قول الأنطاكي رحمه الله : ((مَنْ كَانَ بِاللهِ أَعْرَفْ كَانَ مِنْهُ أَخْوَفْ )) ، لكن إذا ضعفت هٰذه المعرفة في القلب أو ضعف حضورها في قلب العبد يتبع ذلك أنواعٌ من الانحلال يقع فيها الإنسان بناءً على ضعف هٰذه المعرفة.
إذا أحضر المؤمن في قلبه المعرفة بأنَّ الله سميعٌ بصير عز شأنه
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
|