فصلٌ
وهذا الإمام شمس الدين الذهبي _ رحمه الله _ توجه في بداية حياته إلى علم القراءات ، فقرأ ختمة جامعة لمذاهب القراء السبعة على جمع كبير، كما قال السيوطي _ رحمه الله _ في " طبقات الحفاظ " : " وتلا بالسبع وأذعن له الناس " ، وجمع ما في " التيسير " للداني ، و " حرز الأماني " للشاطبي على شيخه ابن جبريل المصري _ رحمه الله _ ، وكتب " المقدمة في التجويد " عن مصنفها أبي عبد الله التعلفري _ رحمه الله _ ، وقرأ كتاب " المبهج في القراءات السبع " لسبط الشيخ أبي منصور الخياط ، و" السبعة " لابن مجاهد على شيخه ابن القواس _ رحمه الله _ ، وسمع الشاطبية عن جمع من القراء ، فما برح إلا وأصبح على معرفة تامة بالقراءات ، فقال عن نفسه _ رحمه الله _ في " معجم الشيوخ " في ترجمة شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الخويي : " جلست بين يديه ، وسألني عن غير مسألة من القراءات ، فمن الله وأجبته ، وشهد في إجازتي من الحاضرين ، وأجاز لي مروياته " .
مما حدى بشيخه أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الدمياطي _ رحمه الله _ أن يتنازل له عن حلقته بالجامع الأموي !
ومع ذلك نجد آثاره _ رحمه الله _ ظهرت في علم الحديث أكثر ، وصنف فيه ما شاء الله أن يصنفه ، وغدا عمدة في الحديث ورجاله ، والناقد البصير في أحوال رواته كما قال عبد الحي الكتاني _ رحمه الله _ في " فهرس الفهارس " !
فقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني _ رحمه الله _ في " الدرر الكامنة " عن الذهبي قوله : " وهو الذي حبب إلي طلب الحديث _ يقصد : علم الدين البرزالي _ فإنه رأى خطي فقال خطك يشبه خط المحدثين فأثر قوله في وسمعت منه وتخرجت به في أشياء " .
وترجم له الذهبي في كتابه " معجم الشيوخ " .
وتأمل _ يرعاك الله _ كلام الإمام الذهبي _ رحمه الله _ في كتابه " زغل العلم " : " علم القراءة والتجويد ؛ فالقراء المجودة فيهم تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف ، والتنطع في تجويدها بحيث يشغله ذلك عن تدبر معاني كتاب الله تعالى ، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة لله ، ويخليه قوي النفس مزدريا بحفاظ كتاب الله تعالى ، فينظر إليهم بعين المقت ، وأن المسلمين يلحنون ، وبأن القراء لا يحفظون إلا شواذ القراءة .
فليت شعري أنت ماذا عرفت وما علمك؟ وأما عملك فغير صالح !
وأما تلاوتك فثقيلة عريّة عن الخشية والحزن والخوف!
فالله يوفقك ويبصرك رشدك ويوقظك من رقدة الجهل والرياء .
وضدهم قراء النغم والتمطيط وهؤلاء في الجملة من قرأ منهم بقلب وخوف قد ينتفع به في الجملة فقد رأيت من يقرأ صحيحاً ويطرب ويبكي .
نعم ؛ ورأيت من إذا قرأ قسى القلوب وأبرم النفوس وبدل كلام الله تعالى !
وأسوأهم حالاً الجنائزية والقراء بالروايات وبالجمع ، فأبعد شيء عن الخشوع وأقدم شيء على التلاوة بما يخرج عن القصد ، وشعارهم في تكثير وجوه حمزة ، وتغليظ تلك اللامات وترقيق الراآت !
اقرأ يا رجل واعفنا من التغليظ والترقيق وفرط الإمالة والمدود ووقوف حمزة ،فإلى كم هذا ؟!
وآخر منهم إن حضر في ختمه أو تلا في محراب جعل ديدنه إحضار غرائب الوجوه والسكت والتهوع بالتسهيل ، وأتى بكل خلاف ونادى على نفسه أنا أبو فلان فاعرفوني! فإني عارف بالسبع!!
إيش يُعمل بك لا صبحك الله بخير ؟ إنك حجر منجنيق ورصاص على الأفئدة !! " .
ومع ذلك _ كله _ صنف الإمام الذهبي _ رحمه الله _ كتابه " التلويحات في علم القراءات " .
وفي مثل ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ في " مجموع الفتاوى " : " ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما بالوسوسة فى خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه وكذلك شغل النطق ب أأنذرتهم وضم الميم من عليهم ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت " .
ولابن القيم _ رحمه الله _ في " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " وابن الجوزي _ رحمه الله _ في " تلبيس إبليس " نحوه ، بل وأكثر !
وعلى هذا يتخرج ما نسب إلى أبي حيان الأندلسي _ رحمه الله _ من قوله :
وَحافظ أَلفاظِ القِراءاتِ جاهِلٌ ** بِالإعرابِ وَالمَعنى للإقراءِ رُتِّبا
يرقِّقُ ما قَد فَخَّمُوا وَمفخِّمٌ لما** رَقَّقوا لَم يَلقَ شَيخاً مُهذَّبا
إلى أن قال :
لَقَد كانَ هَذا الفَنُّ سَهلاً مُعَرَّبا** فَبَعَّدَهُ هَذا القَصيد وَصعَّبا
وقد مضى أنه لا يستدل بها على ذم علم القراءات !! وذلك لأمور :
أولا : إثباتها لأبي حيان الأندلسي _ رحمه الله _ في بادية الأمر ، إذ ليس في مكتبتي ولا تحت يدي حتى الساعة ديوان أبي حيان ، ولا زوائده المجموعة عليه ، ولو قالها فيقال ما بعده .
ثانيا : لا يوجد فيها ذم لعلم القراءات ، وغاية قائلها تعيب المشتغل بها دون بقية العلوم !
وكيف يذم علم القراءات ، وله جهود مبذولة في تقريره ضمن كتابه " البحر المحيط " ودافع عنها بشكل مستميت ، وقد قرأ السبع _ رحمه الله _ من طريق الشاطبية !
وله منظومة نظم فيها القراءات السبعة بلا رموز اسمها : " عقد اللآلئ في القراءات السبع " ؛ بل ونظم في قراءة يعقوب نظما ، اسمه " غاية المطلوب في قراءة يعقوب " !!
فصلٌ
إذن ؛ فلابد من دمج العلوم وتقديم الأهم فالأهم ، وعدم التخصص في باكورة الطلب ،فالتوحيد مع القراءة ، وفقه اليوم والليلة ، يكفيك !
فطالب العلم ينهل من كل البساتين ، ولا يرقد جليس أرضه ، إذ بين العلوم وشائج نسب وصهارهة فالرحم جامعة ، والمتولد منها بعد التناكح : التفنن !
ولذا قالوا : " من لم يشارك فيها لم يكمل في واحد منها " .
وأسند ابن عبد البر المالكي في " جامع بيان العلم وفضله " عن الخليل بن أحمد الفراهيدي _ رحمه الله _ قوله : " إذا أردت أن تكون عالما ، فاقصد لفن من العلم ، وإذا أردت أن تكون أديبا فخذ من كل شيء أحسنه " .
وأسند عن خالد بن يحيى بن برمك _ رحمه الله _ أنه أوصى ولده : " يا بني خذ من كل علم بحظ ، فإنك إن لم تفعل جهلت ، وإن جهلت شيئا من العلم عاديته ، وعزيز علي أن تعادي شيئا من العلم " .
وقد يستفرغ طالب العلم وسعه في علم فيفنى عمره ، وقد شغله مطالعته عن معرفة سائر العلوم ، كما قال الراغب الأصفهاني _ رحمه الله _ في " الذريعة إلى أحكام الشريعة " : " فتقصي الإنسان نوعا واحدا من العلوم على الاستقصار يستفرغ عمرا بل أعمارا ، ثم لا يدرك قعره ، ولا يسبر غوره " !!
فعلامات الخذلان الاشتغلال بعلوم الآلة دون المقصود المطلوب ، مع أن الأصل أن يتناول منها كلها في مراحل انتقاله بين منازل الحياة فيخصص لكل منزلة حاجتها .
وأسوق قصة طريفة ، أخرجها الخطيب البغدادي _ رحمه الله _ في " تاريخ بغداد " عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني قال : " ورد علينا عامل من أهل الكوفة لم أر في عمال السلطان بالبصرة أبرع منه ، فدخلت مسلما عليه ، فقال لي : يا سجستاني من علماؤكم بالبصرة ؟ قلت : الزيادي أعلمنا بعلم الأصمعي ، والمازني أعلمنا بالنحو ، وهلال الرأي أفقهنا ، والشاذكوني من أعلمنا بالحديث ، وانا رحمك الله أنسب الى علم القرآن ، وابن الكلبي من أكتبنا للشروط ، قال : فقال لكاتبه : إذا كان غد فاجمعهم الي ، قال : فجمعنا ، فقال : أيكم المازني ؟ قال أبو عثمان : ها انا ذا يرحمك الله ، قال : هل يجزي في كفارة الظهار عتق عبد أعور ؟ فقال المازني : لست صاحب فقه رحمك الله انا صاحب عربية ، فقال يا زيادي : كيف يكتب بين رجل وامراة خالعها على الثلث من صداقها ؟ قال : ليس هذا من علمي هذا من علم هذا من علم هلال الراي! ، قال يا هلال : كم اسند بن عون عن الحسن ؟ قال : ليس هذا من علمي هذا من علم الشاذكوني! قال : يا شاذكوني من قرا يثنوني صدورهم ؟ قال ليس هذا من علمي هذا من علم أبي حاتم ! قال يا أبا حاتم : كيف تكتب كتابا الى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما أصابهم في الثمرة وتسأله لهم النظر والنظرة ؟ قال : لست رحمك الله صاحب بلاغة وكتابه انا صاحب قرآن ! فقال : ما أقبح الرجل يتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فنا واحدا حتى إذا سئل عن غيره لم يجل فيه ولم يمر ، ولكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن كل هذا لأجاب " .
ومثال واقعي : فقد ضعف العلماء بعض قرَّاء القرآن الكريم في روايتهم للحديث، وهم أئمة الدنيا في القراءة، وتلقاها عنهم العلماء بغير نكير؛ كعاصم بن أبي النجود الكوفي _ رحمه الله _ حيث قالوا عنه : " ثبت في القراءة، وهو في الحديث دون الثبت، صدوق يهم. وقال النسائي: ليس بحافظ. وقال الدارقطني: في حفظ عاصم شيء " كما في " ميزان الاعتدال " للذهبي .
وكحفص بن سليمان بن المغيرة _ رحمه الله _ راوية عاصم ، حيث قالوا عنه : " كان ثبتاً في القراءة واهياً في الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: تركوه " كما في " ميزان الاعتدال " للذهبي .
وفي " الإقناع في القراءات السبع " لابن الباذش : " ثقة في القراءة، وإن كان ضعيفاً في الحديث " .
وقال ابن كثير _ رحمه الله _ في " تفسيره " : " فهذه سنةٌ تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة ، وكان إمامًا في القراءات ، فأمَّا في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي ، وقال : لا أحدثُ عنه ، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال : هو منكرُ الحديث " .
ويصف الذهبي _ رحمه الله _ هذه الوقائع بقوله في كتابه " تذكرة الحفاظ " : " " فكم من إمام في فن مقصر عن غيره، كسيبويه مثلا إمام في النحو وما يدري ما الحديث. ووكيع إمام في الحديث ولا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عري عن غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري الطب، ومحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءات تالف في الحديث " .
مع أنه يمكن الجمع بين العلوم ، وترتيبها فهذا الدارقطني _ رحمه الله _ إمام في الحديث وعلله وصاحب قراءات !
وهذا الشاطبي _ رحمه الله _ المقرىء تعرض عليه كتب السنة !
فصلٌ
فإن شئت المزيد _ ولابد _ فاصرف همتك في العلوم التي تجتمع فيها معك خصلة ، بأن تجد كبارها فتتلقى عليهم ، وتسعد بالاستفادة منهم ، وما كان للوقت والواقع فيه حاجة ، وما ناسب قلبك ؛ إذ تحقيق الغاية لا تكون إلا فيما أحببت كما قال الخطابي _ رحمه الله _ .
وإن كانت تهوى علم القراءات ، فانشغل بقراءة على الأقل ، وتعرف على ماهيته ، وهذا أهم من اتقان كل القراءات مع أن الأصل التلازم بين النظرية والتطبيق وقد يتخلف هذا ؛ إذ أن علم القراءات كما قال المرعشي _ رحمه الله _ في " ترتيب العلوم " : " يخالف علم التجويد ، لأن المقصود من الأول معرفة اختلاف الأئمة في نفس الحروف ، أو صفاتها ، والمقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها ... مثلا ، يعرف التجويد أن حقيقة التفخيم كذا ، وحقيقة الترقيق كذا ، ويعرف في القراءات أن هذه الحروف فخهمها فلان ورققها فلان " .
ومن نظر لتعاريف أهل الاختصاص لفن القراءات سيجد نوع اختلاف ، ولكنه من قبيل التنوع لا التضاد ، فابن الجزري _ رحمه الله _ في " منجد المقرئين " ، وابن البنا الدمياطي _ رحمه الله _ في " إتحاف فضلاء البشر " يعتبرون أن القراءات ذات مدلول واسع ، فهي تشمل الحديث عن ألفاظ القرآن المتفق عليها والمختلف فيها ، بينما يذهب الزركشي _ رحمه الله _ في " البرهان " ، و الزرقاني _ رحمه الله _ في " مناهل العرفان " إلى أن مفهموم القراءات مقصور على ألفاظ القرءان المختلف فيها !
وجملة _ ما سبق _ يدور على أن لفن القراءات دراية ، ورواية ، فالدراية بمطالعة كتب القراءات ، وتفهم مصطلحات هذا الفن كالرواية ، والطريق ، والوجه ، والاختيار ، والفرق بين القراءة المقبولة وضوابطها وأحكامها ، والمردودة بضوابطها وأحكامها ، والشاذة ، والمدرجة ، والموضوعة ، وضبط الفروق بين القراءات من حيث اتحاد المعنى وتعدده ، ومصادرها ، ونشأتها ، وتدوينها ، ومدارس القراء ، وأشهر رجالاتها ، وآثرها على بقية العلوم الشرعية .
والرواية معرفة أوجه الخلاف والاتفاق في اللفظة القرآنية من حيث النطق بها .
الخاتمة
وأخيرا : " يا طالب العلم ، لا تكابد العلم ، فإن العلم أودية ، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه ، ولكن خذه مع الأيام والليالي ، ولا تأخذه جملة ، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة ، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام " ... هذه كلمة نصح بها الإمام محمد الزهري _ رحمه الله _ يونس بن يزيد _ رحمه الله _ ، أخرجها القاضي عياض في " الإلماع " .
والله تعالى أعلم .
كتبه : برأس القلم في مجلسين أبو شكيب الصالحي _ غفر الله له _ حامدا لله ، ومصليا ، ومسلما على محمد ، وآله ، وصحبه .
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.