تتمة
وأهم العلوم _ بالجملة _ ما دار حول هذه المقامات :
المقام الأول : علم العقيدة ، وما يتصل به ، ويتفرع عنه ، كالتوحيد بأقسامه ، وهو أول ما ينبغي _ على الإطلاق _ أن يشرع طالب المعرفة ومحصل العلم أن يسلك طريقه ، وذلك : أنه متعلق بالله وما يختص به _ سبحانه وتعالى _ وشرفه يظهر بتعلقه !
فهذا العلم يعرفك ما يوجب الانكسار في القلب ، ويرسخ الافتقار في النفس ، واعلم _ وهذه دقيقة جدا !! _ أن محل العبادة التي أمرنا الله بها هذا الخضوع !!
فالعبادة بكل أنواعها وصورها وأوقاتها تحمل العبودية لله في قلب عبيده ، فرب معصية أوجبت ذلا واحتقارا وتحقيقا للعبودية بعد التوبة منها ، أحب بعاقبتها إلى الله _ تعالى _ من طاعة أوجبت كبرا ورفعة في قلب عبد من عبيده ضاع محل نظر الله _ سبحانه _ بسببها ، ولهذا السر كان أهل التوبة أجدر الناس بحب الله لهم ، ما ذاك إلا لأن محل نظر الله قد حصل في قلوبهم !
فتأمل أي علم يوصلك لتحقيق محل نظر الله من خلقه ، فاحرص عليه .
وإن تأملت سبيل الرسل والأنبياء _ عليهم السلام _ فستجد دعوتهم قائمة في البداية على التوحيد ، كما قال الله تعالى : (( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله لا أنا فاعبدون )).
وقوله تعالى : (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت )) .
وفي أوسط دعوتهم كما يحرص النبي _ عليه السلام _ على تعليم الناس على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم التوحيد ، حتى الصبية فيقول لابن عباس _ رضي الله عنه _ : " يا غلام إني أعلمك كلمات ، احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ... " .
وقوله _ عليه السلام _ : " يا معاذ إنك تقدم قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد .. " .
وفي مواقف كثيرة .. كثيرة .. حتى عند موته يتبرأ إلى الله من فعل اليهود والنصارى من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد !!
وفي هذا مسعى الانبياء _ عليهم السلام _ كما قال الله _ تعالى _ (( أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون )) .
ويتأكد الاهتمام بهذا العلم ، ويزداد من طلب التخصص به انتشار الشرك في زماننا السافر ، وعصرنا الحاضر ، وتنوع مقالات أهل البدع والضلال في العقائد ، ونشر الأراجيف ، والتشكيك في الجوانب الأصلية لهذا الدين ، وهذا من داخل الصف الإسلامي ، فكيف بنا ونحن نجابه دعاة التنصير والتشريق والعلمانية واللبرالية من دعاة الحداثة العصرية والعقلانيين !!
وأقل : ما يسعف طالب الحق في باب العقيدة ، بمطالعة كتاب التوحيد وشروحه ، ومباحث الأسماء والصفات كالواسطية والحموية والتدمرية وهذا أقله ، فتنبه لذلك وقاك الله المهالك !
المقام الثاني : معرفة فقه المسائل والاحكام الشرعية المتعلقة بما أوجب الله على عباده مما تصح به عباداتهم ومعاملاتهم ونحو ذلك .
وأهميته لا تخفى ؛ إذ يحتاجه كل إنسان في حياته ، بله كل ساعة ، لكي يعرف حدود الله فلا يقربها ، ويطبق اوامره ، وينزجر عن نواهيه ، ويصحح ما يوجب قبوله عند ربه ومليكه ويبرأ به ذمته من الأثم ، وأجمع ما قيل فيه ، ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ في " مجموع الفتاوى " : " هو قوام دين الإسلام ، يحتاج إليه العام والخاص " .
ولن أزيد على بيان أهميته ، فالواقع يفرضه ، والحال يوجبه ، وكل يعرف نفسه وحاجتها إلا مخبول لا يدري من هو ، أو غافل لا يعرف ماذا أريد منه !!
فائدة : اختلف العلماء في تقديم أي العلمين على الآخر الفقه أم الأصول ؟
ذهب جمع كما في " المسودة " لآل ابن تيمية أن المقدم هو علم الأصول ، حيث أن الفروع لا تدرك إلا بأصولها ، فالفروع نتائجها .
بينهما ذهب أبو يعلى الفراء _ رحمه الله _ في " العدة في أصول الفقه " إلى تقديم الفقه ، حيث أن الوقوف على الفروع يوصل لحقيقة الأصول .
وجملة الحديث : الاشتغال بمادة تصلح الظاهر والباطن لدى العبد ، من أحكام الوقت ، كالطهارة والصلاة ، إذ هذا يشترك فيه الجميع ، وأبواب لا تجب حال البدء إلا على طائفة من المجتمع كالتجار والمسافرين وأصحاب الأمراض فتكون حينئذ واجبة في حقهم لتعينها عليهم ، والله المعين .
المقام الثالث : حفظ القرءآن في بداية الطلب إن كان في مقتبل عمره ، أو وجد في نفسه القدرة عليه إن كان في أعالي سنه ، وأقله حفظ ما تقوم به صلاته ، وهو الفاتحة ، عند جمهور الفقهاء عدا الحنفية القائلين بجواز الاستبدال فيها إلى ما تيسر !
فقد أخرج مسلم في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عباس _ رضي الله عنه _ قال : " كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرءان " .
فيدل قوله : " كما يعلمنا السورة من القرءان " على اهتمام النبي _ صلى الله عليه وسلم _ على تعليم أصحابه لكتاب ربهم _ تبارك وتعالى _ .
ولذا قال حذيفة بن اليمان _ رضي الله عنه _ ، فيما أخرج البخاري في " صحيحه " ، قال : حدثنا رسول الله _ صلى الله عليه وسلم حديثين ، رأيت أحدهما ، وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا : " أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم علموا من القرءان ، ثم علموا من السنة ... " .
قال الحافظ ابن حجر _ رحمه الله _ في " فتح الباري " : " وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرءان قبل أن يتعلموا السنن ، والمراد بالسنن ما يتلقونه عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ واجبا كان أو مندوبا " .
وقال ابن حزم الظاهري _ رحمه الله _ في " مراتب الإجماع " : واتفقوا على أن حفظ شيء من القرآن واجب ، ولم يتفقوا على ماهية ذلك الشيء ولا كميته بما يمكن ضبط إجماع فيه ، إلا أنهم اتفقوا على أن من حفظ أم القرآن بسم الله الرحمن الرحيم كلها ، وسورة أخرى معها فقد أدى فرض الحفظ وأنه لا يلزمه حفظ أكثر من ذلك " .
وقد ذهب إلى أولوية تعلم قراءة آيات الله ، وأقلها ما تقوم به الصلاة ، كل من الخطيب البغدادي _ رحمه الله _ كما في " الجامع لاخلاق الراوي " ، والنووي _ رحمه الله _ كما في " مقدمة المجموع " ، وشيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ كما في " الفتاوى الكبرى " وابن عبد البر _ رحمه الله _ كما في " جامع بيان العلم وفضله " ونسبه للسلف _ رحمهم الله _ .
والإمام أحمد بن حنبل _ رحمه الله _ على رأسهم ، حتى قال ابن مفلح الحنبلي _ رحمه الله _ في " الأداب الشرعية " : " وعلى هذا أتباع الإمام أحمد إلى زماننا هذا " .
وذلك _ كله _ من بواعث القول بالوجوب أن جمهور الفقهاء يشترطون لصحة الصلاة القراءة وهذا في حال الاستطاعة ، ويحكى خلاف _ أدلته لا تقوم ولا تستقيم _ عن الحسن بن صالح وأبي بكر الأصم وابن عيينة القول باستحباب القراءة في الصلاة !!!
وثمَ خلاف أشرنا إليه في أقل ما تجزىء به الصلاة من كون اشتراط الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة قراءة الفاتحة خلافا للحنفية !
ويظهر أهمية هذا العلم في نفسه اختلاف الفقهاء _ رحمهم الله _ في حكم صلاة من يخطىء بقراءة القرءان ، حيث أتفق الفقهاء على أن التعمد في الخطأ يبطل الصلاة ، كما اتفقوا على أن الخطأ إن كان سبب وروده النسيان أو عدم التمكن من العلم أو المشقة الجبلية لا يبطلها ، واختلفوا في سوى ذلك ، ولهم تفاصيل كثيرة وتفريعات عديدة ، وكلها له أثره على الصلاة وحكمها ، ولهذه المسألة تفصيل مطول لعل الله ييسر الكتابة فيه لاحقا .
__________________
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.