لابد أن يكون الحكم عن علم, ولابد أن يَحصل التثبت في حال الشخص, فمن أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين وجب الكف عنه كما تدل عليه هذه القصة العظيمة حتى يحصل منه ما يناقض الإسلام, كأن يشرك بالله أو يدعو غير الله أو يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعروفة عند أهل العلم فحينئذ يُحكم عليه بالردة.
وما دام لم يظهر منه شيء يخالف الإسلام فإنه يُحسن به الظن ويُحكم بإسلامه, ولو حصل منه بعض المخالفات التي هي دون الشرك ودون الكفر كما لو حصل منه ذنب أو معصية فإنه لا يُحكم بكفره حتّى يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعروفة عند أهل العلم, ولا يكون له عذرٌ, فقد يكون جاهلا, وقد يكون حديث عهد بالإسلام, ما عرف أن هذا الشيء كفر.
ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة حُنين بعد فتح مكة خرج معه أناس من أهل مكة حُدثاء عهد بالإسلام, منهم: أبو واقد الليثي رضي الله عنه - يعني أسلموا قريبا- فرأوا المشركين اتخذوا سِدرة يعكفون عندها, وينوطون بها أسلحتهم يُقال لها ذات أنواط, يتبركون بها, ويعكفون عندها, اعتقادا أن فيها بركة, ويُعلقون بها أسلحتهم يتبركون بها, فقال هؤلاء النفر -الذين هم حدثاء عهد بالإسلام - يارسول الله اجعل لنا ذاتُ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط, فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليهم بالكفر لجهلهم, بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهُ أكبر, اللهُ أكبر,اللهُ أكبر! ! إنّها السنن, قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)", فالرسول صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم, وبين أن مقالتهم هذه مثل مقالة بني إسرائيل لموسى, ولكن لمّا كانوا لا يعرفون الحكم بين لهم صلى الله عليه وسلم ذلك, وأنه من الشرك, لكن نظراً لكونهم جُهالاً عذرهم بالجهل, ولم يحكم عليهم بالكفر, وكل من كان حديث عهد بالإسلام, ولم تُتح له الفرصة ليتعلم أحكام الإسلام وحصل منه ما حصل - حتّى ولو كان ظاهره الشرك والكفر - فإنّه يبين له, ويُشرح له الإسلام. وتُبين له نواقضه, فإن أصرَّ ولم يترك هذا الشيء حُكم بكفره.
فهذه الأمور يجب التثبت فيها, لأنه ربما يكون الذي يُصدر الحكم بالكفر جاهلاً يُصدر الأحكام على الناس عن جهل, وربما يكون المحكوم عليه جاهلاً لا يستحق هذا الحكم حتى يُبين له, الأمور لا بد فيها من تثبت ولا بد فيها من روية, ورجوع إلى أهل العلم, وسؤال أهل العلم عن هذا الشيء, وعن هذا الشخص, كيف يُحكم عليه.
يتبع بإذن الله