بابُ العِدَّةِ
العِدَّةُ : هي اسمٌ للمدةِ التي تنتظرُ فيها المرأة وتمتنع عنِ الزواجِ بعد وفاة زوجها أَوطلاقِهِ لها .
320 - عَنْ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ , وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ , وَهِيَ حَامِلٌ . فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ , فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا : تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ , فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا : مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً ؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ لِلنِّكَاحِ , وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . قَالَتْ سُبَيْعَةُ : فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ : جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ , فَأَتَيْتُ رَسُولَ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي , وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي )) .
وقالَ ابنُ شِهابٍ : ولاأَرى بَأْساً أَنْ تَتَزَوَّجَ حينَ وضَعَتْ ، وإِنْ كَانَتْ في دَمِها، غَيْرَ أَنَّهُ لايَقْرَبُها زَوْجُها حتَّى تَطْهُرَ .
فَلَمْ تَنْشَبْ : فلم تلبثْ .
فَلَمَّا تَعَلَّتْ : أَي لمَّا طَهُرَتْ من دمها .
تَجَمَّلَتْ : تزينت وتهيأَت .
321 - عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : (( تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأُمِّ حَبِيبَةَ , فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ , فَمَسَحَتْ بِذِرَاعَيْهَا , فَقَالَتْ : إنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا ; لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ , إلاَّ عَلَى زَوْجٍ : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً )) . الحميمُ : القرابةُ .
حَمِيمٌ : قريبٌ لها وهو أَبوها أَبو سفيان - رضي الله عنه - .
بِصُفْرَةٍ : بطيبٍ .
أَنْ تُحِدَّ : منع المُعْتَدَّةِ نفسَها الزِّينةَ وبدنَها الطِيبَ .
322 - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلاثٍ , إلا عَلَى زَوْجٍ : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً , وَلا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ . وَلا تَكْتَحِلُ . وَلا تَمَسُّ طِيباً , إلاَّ إذَا طَهُرَتْ : نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ )) .
العَصبُ : ثيابٌ منَ اليَمَنِ فيها بياضٌ وسوادٌ .
والنُبْذَةُ : الشيءُ اليسيرُ . والقُسْطُ : العُودُ أَوْنوعٌ منَ الطيبِ تُبَخَّرُ بِهِ النُّفَساءُ .
والأَظْفارُ : جِنْسٌ منَ الطِيبِ لاواحِدَ لَهُ منْ لَفظِهِ . وقيلَ : هوَ عِطْرٌ أَسودُ ، القِطْعَةُ منه تُشْبِهُ الظُفُرَ .
323 - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : (( جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا , وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنُكَحِّلُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : لا - مَرَّتَيْنِ , أَوْ ثَلاثَاً - ثُمَّ قَالَ : إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ )) .
فَقَالَتْ زَيْنَبُ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا : دَخَلَتْ حِفْشاً , وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا , وَلَمْ تَمَسَّ طِيباً وَلا شَيْئاً حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ , ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ شَاةٍ - فَتَفْتَضَّ بِهِ . فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلاَّ مَاتَ . ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً , فَتَرْمِي بِهَا ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ )) .
الْحَوْلِ : العام .
الحِفْشُ : البيتُ الصغيرُ .
تَفْتَضَّ : تُدْلِكُ بِهِ جَسَدَها .
كتابُ اللِّعانِ
324- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما (( أَنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ , كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ , وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ . قَالَ : فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُجِبْهُ . فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ : إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدْ اُبْتُلِيتُ بِهِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ (( وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ )) فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ . وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ . فَقَالَ : لا , وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ , مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا . ثُمَّ دَعَاهَا , فَوَعَظَهَا , وَأَخْبَرَهَا : أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ . فَقَالَتْ : لا , وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ , إنَّهُ لَكَاذِبٌ . فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ : إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ . وَالْخَامِسَةَ : أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ . ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ . فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ : إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ , وَالْخَامِسَةَ : أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ . ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . ثُمَّ قَالَ : إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ؟ )) ثَلاثاً .
وَفِي لَفْظٍ (( لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَالِي ؟ قَالَ : لا مَالَ لَكَ . إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا )) .
325 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما (( أَنَّ رَجُلاً رَمَى امْرَأَتَهُ , وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَلاعَنَا , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى , ثُمَّ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ , وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ )) .
وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا : أَنكَرَهُ وبَرِىء منْهُ .
326 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ (( جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاماً أَسْوَدَ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ لَك إبِلٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا أَلْوَانُهَا ؟ قَالَ : حُمْرٌ . قَالَ : فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ؟ قَالَ : إنَّ فِيهَا لَوُرْقاً . قَالَ : فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ ؟ قَالَ : عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ . قَالَ : وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ )) .
أَوْرَقَ : هوَ الذي فيهِ سوادٌ ليسَ بصافٍ .
نَزَعَهُ عِرْقٌ : جَذَبَهُ أَصلٌ منَ النَّسَبِ .
327 - عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : (( اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلامٍ . فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ , اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ , وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ , فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَى شَبَهِهِ , فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ : هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ , الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ )) .
وَلِيدَته : جاريَته .
وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ : للزاني الخَيْبَةُ والخُسْرانُ .
328 - عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ : (( إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُوراً , تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ . فَقَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً نَظَرَ آنِفاً إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ , فَقَالَ: إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ )) .
وَفِي لَفْظٍ : (( كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفاً )) .
تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ : تلْمَعُ وتُضيءُ .
قَائِفاً : القائفُ : هو مَنْ يعرفُ إِلْحاقَ الأَنسابِ بالشَّبَهِ ويعرفُ الآثارَ .