أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال استعملت فلانا – عمرو بن العاص – ولم يستعملني . يعني وليته على أمر من أمور المسلمين ولم تولني .
استعملت : أي وليت والوالي في عرف المتقدمين عامل , استعملت فهو عامل وكان عامل لعمر وكان عاملا لفلان .
عامل : لما كانت الولايات ينظر فيها نفع المسلمين والقيام بخدمتهم والسهر على مصالحهم يسمى عامل .
قال إنكم سترون بعدي أثرة : يعني أعظم من ذلك لأن ما فعلته إنما نظرت فيه إلى المصلحة العامة . وعمرو بن العاص ممن يصلح لهذه الولايات . ليس معنى هذا أن الشخص الذي يولى ينظر فيه مصلحة خاصة والذي لا يولى ينظر فيه إلا أنه قريب أو بعيد لا إنما النظر فيمن يحقق المصلحة ولو كان غيره أفضل منه في ذاته وكل عمل ينتقى له من يناسبه ممن يقوم به على أحسن وجه والخلل بهذا من علامات الساعة . إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة . قد لا يكون الشخص أفضل الناس ولا من أفضل الناس بل هو رجل تقوم به الحاجة ويسد هذا المكان أفضل من غيره . والقوة مع الأمانة مطلب في هذه الولايات . فإذا كان قوي في نفسه أمين في تصرفاته , فإنه يستحق حينئذ أن يولى على مثل هذه الأمور العامة . وعمرو بن العاص بهذه الصفة .
فاصبروا حتى تلقوني : يعني أمور هذه الدنيا ينبغي للمسلم أن لا تكون همه . فالأثرة في أمور الدنيا أمرها يسير إذا سلم رأس المال وهو الدين وكثير من الناس عاش في هذه الحياة عقود بل ممن عمر حياته كلها على نقيض ما أراده الله عز وجل من عبادة . الأصل أن يعيش الإنسان لدينه لكن لحاجته إلى الدنيا قيل له ولا تنسى " نصيبك من الدنيا " كثير من المسلمين مع الأسف الشديد يعيش للدنيا يعيش وهمه الدنيا ومع ذلكم قد ينسى نصيبه من الآخرة وقد لا ينسى , وليس معنى هذا أن الإنسان يصرف 20 ساعة في العبادة , يصوم النهار ويقوم الليل يتصدق ويجاهد عمره كله ولا يفتر . قد تكون حياة المسلم كلها عبادة وهو في أريح بال وأنعم عيش ينوي في تصرفاته العادية التقرب بها إلى الله عز وجل فتكون حياته كلها عبادات حتى ما يصنعه في امرأته حتى ما يأكله ليستعين به على طاعة الله حتى في نومه ليستعين به على العبادة . العبادات كلها فتكون حياته لله عز وجل " قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162) والله المستعان .
قال المصنف : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال أخبرني جدي قال كنت جالسا مع أبي هريرة رضي الله عنه بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ومعنا مروان قال أبو هريرة سمعت الصادق المصدوق يقول هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة فقال أبو هريرة لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلمانا إحداثا قال لنا : عسى هؤلاء أن يكونوا منهم , قلنا : أنت أعلم .
قال الشيخ : أغيلمة : تصغير تحقير إما تصغيرا لأسنانهم فهم صبيان أو تصغير لعقولهم وأحلامهم فهم سفهاء وإن كانوا كبار السن . فمثل هؤلاء سواء كانوا صغار في أسنانهم أو في عقولهم وأحلامهم لاشك أن مثل هؤلاء يهلكون الحرث والنسل ومثل هؤلاء يتصرفون التصرفات المهلكة الضارة .
جدي : سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص .
مروان : يعني ابن الحكم الذي تولى فيما بعد .
الصادق : في نفسه , المصدوق عند الله عز وجل .
هلكت أمتي على يد غلمة : في رواية أحمد والنسائي سفهاء من قريش لعنة الله عليهم : أي هؤلاء الذين يكون هلاك الأمة على أيديهم ممن ولي أمر المسلمين . لعنهم مروان . وأبو هريرة لم يلعنهم ولم ينقل لعنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف أهل العلم في لعن من هذا وصفه ممن أشير إليه في هذا الحديث كيزيد بن معاوية والحجاج وأمثالهم . أهل العلم يختلفون في مثل هؤلاء . والإمام أحمد لما سأله ابنه عبد الله عن يزيد وذكر له أنه ممن يستحق اللعن فقال له : لم لا تلعنه فقال رحمة الله عليه : هل عرفت أباك لعانا .
الشخص قد يستحق وصف لكن هل الناس ملزمون بأن يصفوه بهذا الوصف : ليسوا بملزمين . السلامة لا يعد لها شيء . اكفف لسانك مسألة خلافية . وليس المسلم باللعان ولا الطعان ولا بالفاحش البذيء فعلى الإنسان أن يحفظ لسانه ولا يقع في فلان ولا علان لاسيما مع عدم وجود مصلحة ترجى من هذا . النبي صلى الله عليه وسلم لعن بأوصاف . لعن الله السارق يسرق البيضة ولعن أشخاص اللهم العن فلانا وفلانا فأنزل عليه " ليس لك من الأمر شيء " فينبغي للإنسان ألا يتسرع ويسارع في هذه الأمور ويرسل لسانه . نعم إذا خشي من إنسان بعينه أن يتعدى شره وضرره على من يعرف حاله ويحذر منه لئلا يتعدى شره وضرره لمن يغتر به فقال مروان لعن الله عليهم غلمة : منصوب على الاختصاص . فقال هريرة : لو شئت أن أقول بني فلان أو بني فلان لفعلت : وكأن أبا هريرة رضي الله عنه يعرف أسمائهم . فأبو هريرة حفظ من النبي صلى الله عليه وسلم وعاءين . أما أحد الوعاءين فبثه في الناس وهم يحتاجون إليه من أمور الدين وأما الوعاء الثاني الذي لا يحتاجون إليه فكتمه لئلا لو بثه في الناس لقطع من هذا البلعوم يعني لقتل لأنه فيه ذكر أشخاص من مثل هؤلاء الأغيلمة الذين يكون على أيديهم هلاك الأمة ودمارها ولا مصلحة من التصريح بأسمائهم .
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يتعوذ بالله من الستين ومن إمارة الصبيان يقول اللهم أني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان .
رأس الستين : توفي معاوية رضي الله عنه وتولى بعده ابنه يزيد فأجاب الله دعوة أبي هريرة فقبضه قبل ذلك بسنة توفي سنة 59 أو 58 على خلاف في ذلك . المقصود أن الله أجاب دعاءه فقبضه قبل أن يعامل ويعاشر مثل هؤلاء .
( فكنت ) : أي عمرو بن يحيى بن سعيد يقول فكنت أخرج مع جدي ( سعيد بن عمرو ) إلى بني مروان حين ملكوا بالشام ( ولوا الخلافة بالشام ) وفي رواية ملكوا فإذا رآهم غلمانا أحداثا : شبان قال لنا عسى هؤلاء أن يكونوا منهم : يقول لحفيده : عسى هؤلاء أن يكونوا ممن ذكر أبي هريرة في الحديث قلنا أنت أعلم أي أنت أعرف لأنت الذي سمعت أبا هريرة وأنت عاصرت هؤلاء وعرفتهم من قيل أن يتولوا وبعدما تولوا : أعلم : أدري . نعم
قال المصنف : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ويل للعرب من شر قد اقترب ) حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا ابن عيينه أنه سمع الزهري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عم أم حبيبة عم زينب بنت جحش رضي الله عنهن أنها قالت : استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمرا وجهه وهو يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . وعقد سفيان تسعين أو مائة . قيل أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث .
وحدثنا أبو نعيم حدثنا ابن عيينه عن الزهري وحدثني محمود : أخبرنا عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن أسامة ابن زيد رضي الله عنهما قال أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة فقال هل ترون ما أرى قالوا لا قال فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر .
قال الشيخ : هذا الحديث مخرج في صحيح في مواضع وهو أطول ما في الصحيح إسنادا يعني أنزل ما في البخاري إسناد هذا الحديث رواه في بعض المواضع تساعي . هنا رواه سباعي لكن في موضع آخر رواه بسند تساعي وهو أنزل ما في الصحيح . وأعلى ما في الصحيح كما هو معروف الثلاثيات .