قوله أنا فرطكم على الحوض : أي متقدم بين أيديكم أمامكم فالفرط هو المتقدم الذي يسبق القوم ولذا جاء في دعاء الجنازة للطفل اللهم اجعله فرطا وذخرا أي متقدما بين يدي والديه .
منكم : أي من هذه الأمة . من أمة الإجابة .
حتى إذا أهويت لأناولهم : أي أسقيهم من حوضي .
اختلجوا : جذبوا واقتطعوا .
دوني فأقول أي ربي أصحابي : لأنه يعرفهم إما بأعيانهم أو بأوصافهم ولا يمنع أن يكون من هؤلاء من هو مسلم يختلج ويقتطع لما أحدث في الدين ويدخل النار ثم بعد ذلك إذا هذب ونقي بقدر ما اقترفه من جرائم يدخل الجنة .
ما أحدثوا بعدك : من جدة أو بدعة أو منكرات وجرائم كلها محدثات .
قوله : لم يظمأ بعده أبدا : أي بعد أن يشرب من الحوض فإنه لا يظمأ أبدا ويتجاوز هذه الأهوال من غير مشقة ولا ظمأ .
قوله ليرد : وفي رواية أبي ذر : ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني .
قوله : فقال هكذا سمعت سهلا : يتأكد . أبو حازم سلمة بن دينار لما حدث بهذا الحديث سئل للتثبيت وللموافقة . هكذا سمعت سهلا .
قوله : سحقا سحقا : أي بعدا بعدا : أي أبعدهم الله .
يقول ابن حجر حاصل ما حمل عليه حال المذكورين أي هؤلاء الذين يزادون عن الحوض الذين رجعوا القهقرى حالهم أنهم كانوا ممن ارتد عن الإسلام وحينئذ فلا إشكال في تبرئ النبي عليه الصلاة والسلام منهم وإن كانوا ممن لم يرتد لكنه أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعا لأمر الله عز وجل فيهم حتى يعاقبهم على جنايتهم ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته عليه الصلاة والسلام من أهل الكبائر من أمته فيخرجون من النار بعد ذلك كما يخرج سائر العصاة فالحديث محتمل . هؤلاء الذين يزادون إن كانوا ممن ارتد فلا إشكال . هؤلاء أحدثوا ويستحقون أن يزادوا عن الحوض ويقال لهم سحقا سحقا وإن كانوا ممن لم يرتد الردة الكاملة وإنما كان رجوهم إلى القهقرى ونكوصهم على أعقابهم إنما هو فيما دون يخرج عن الملة بإحداث بدعة يعمل بها من بعدهم أو اقتراف جريمة فمثل هؤلاء يعاقبون وهم مستحقون العقاب . ومن العقاب زودهم عن الحوض وقد يدخلون النار فيعذبون وينقون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها كما يخرج سائر العصاة .
قال المصنف : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورا تنكرونها وقال عبد الله بن زيد بن عاص قال النبي صلى الله عليه وسلم اصبروا حتى تلقوني على الحوض حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا لأعمش قال حدثنا زيد بن وهب قال سمعت عبد الله قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم .
حدثنا مسدد عن عبد الوارث بن سعيد عن الجعد عن أبي رجاء عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة الجاهلية . قال حدثنا أبو النعمان قال حدثنا حماد بن زيد عن الجعد عن أبي لثان قال حدثني أبو رجاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة الجاهلية .
حدثنا إسماعيل قال حدثنا وهب عن عمرو عن بكير عن بسر بن سعيد عن جنادة بن أبي أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو مريض قلنا أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم قال دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فبايعنا فقال فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان . حدثنا محمد بن عرعرة قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن أسيد بن حضير أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استملت فلانا ولم تستعملني قال إنكم سترون بعدي أثرة اصبروا حتى تلقوني .
قال الشيخ حفظه الله :
قوله : قول النبي صلى الله عليه وسلم : يعني للأنصار
سترون بعدي أمورا تذكرونها . النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار سترون بعدي أمورا تذكرونها , سترون أثرة بعدي لأن أمر الولاية ليس لهم بل الأئمة من قريش والغالب أن من ليست بيده الولاية تقع عليه الأثرة يؤثر عليه غيره ولذا قال لهم عليه الصلاة والسلام: سترون بعدي أمورا تذكرونها .
قوله : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أي الأنصار .
اصبروا : على ما تلقون بعدي من الأثرة حتى تلقوني على الحوض .
قوله حدثنا مسدد : هو ابن مسرهد السدوسي الإمام المعروف ذكر بعضهم وقد لا يصف بالصيغة المجتمعة المذكورة مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن أرندل بن سرندل بن عرندل التي ذكرت في ترجمته لكن بهذا التركيب بهذه الصيغة يستذكرها كثير من أهل العلم .
قوله : حدثنا يحيي بن سعيد : الإمام القطان المعروف .
الأعمش : سليمان بن مهران .
زيد بن وهب : الجهني .
قال سمعت عبد الله : أي ابن مسعود .
إنكم سترون بعدي أثرة أو أثرة : ابن مسعود يقول قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابن مسعود من الأنصار أم من المهاجرين ؟ نعم والخطاب الأول موجه من الأنصار كما جاءت بذلك الروايات وكون مخصي الأنصار بالذكر لأنهم ليس لهم من الأمر شئ وليس لهم من الولاية شئ فهم مظنة أن يجدوا أثرة . وابن مسعود ومن في حكمه وإن كان من غير الأنصار إلا أنه لبعده عن التطلع لمثل هذه الأمور لابد أن يقع عليه شئ من الأثرة لأنه لا يستشرف في هذه الأمور أو يتصور أنه يلي أمر من أمور المسلمين لانصرافه عن الدنيا وعن زهرتها وعن حظوظها إلى الآخرة .
سترون بعدي أثرة : سترون ممن يلي الأمر من ولاء وأمراء بعدي أثرة أي استئثار واختصاص الحظوظ الدنيوية فيؤثرون بها غيرهم من أقاربهم ومعارفهم فعلى الإنسان الذي يحس ويشعر في أن غيره أوثر عليه أن يؤثر نفسه بما يرضي الله عز وجل فإذا انصرف الناس وتعلقوا واستشرفوا إلى أمور الدنيا فعلى طالب العلم على وجه الخصوص أن يكون نظره إلى الآخرة . ومع ذلكم كما قال الله عز وجل " ولا تنسى نصيبك من الدنيا "
وأمور تذكرونها : أي من أمور الدين سوف تجدون تغير ولا زال التغير يزداد وكل زمان يزداد السوء بالنسبة لما قبله , لا يأتي للناس زمان وإلا الذي بعده شر منه .
قوله : فما تأمرنا يا رسول الله : أي في أن نفعل . إذا وجدنا مثل هذا التغير من ولاة المر من أمراء وأعوان ماذا نفعل . يعني هل نقاومهم . هل نرضى بالأثرة .