فتاوى
أحاديث في فضيلة شعبان
السؤال الثاني من الفتوى رقم 884
السؤال :
يقول بعض العلماء إنه وردت أحاديث في فضيلة نصف شعبان وصيامه وإحياء ليلة النصف منه ، هل هذه الأحاديث صحيحة أو لا ؟ إن كان هناك صحيح فبينوه لنا بيانا شافيا ، وإن كان غير ذلك فأرجو منكم الإيضاح ، أثابكم الله ؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد :
الجواب :
وردت أحاديث صحيحة في فضيلة صوم أيام كثيرة من شعبان إلا أنها لم تخص بعضا من أيامه دون بعض ، فمنها ما في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت : « ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان ، فكان يصوم شعبان كله إلا قليلا » (1) ، وفي حديث أسامة بن زيد أنه « قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان ، قال : ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم » (2) . رواه الإمام أحمد والنسائي .
ولم يصح حديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام يوم بعينه من شعبان ،
أو كان يخص أياما منه بالصوم ،
لكن وردت أحاديث ضعيفة في قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها ،
منها ما رواه ابن ماجه في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا ، فيقول : ألا مستغفر فأغفر له ، ألا مسترزق فأرزقه ، ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا حتى يطلع الفجر . » (3) وقد صحح ابن حبان بعض ما ورد من الأحاديث في فضل إحياء ليلة النصف من شعبان ، من ذلك ما رواه في صحيحه عن عائشة أنها قالت : « فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت فإذا هو في البقيع رافع رأسه ، فقال : أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله ، فقلت يا رسول الله : ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال : " إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب » (4) وقد ضعف البخاري وغيره هذا الحديث .
وأكثر العلماء يرون ضعف ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان وصوم يومها ، وقد عرف عند علماء الحديث تساهل ابن حبان في تصحيح الأحاديث ،
وبالجملة فإنه لم يصح شيء من الأحاديث التي وردت في فضيلة إحياء ليلة النصف من شعبان وصوم يومها عند المحققين من علماء الحديث ،
وكذا أنكروا قيامها وتخصيص يومها بالصيام ،
وقالوا إن ذلك بدعه ،
وعظم جماعة من العباد تلك الليلة اعتمادا على ما ورد من الأحاديث الضعيفة واشتهر عنهم ذلك فتابعهم عليه الناس ، تحسينا للظن بهم ، بل قال بعضهم لفرط تعظيمه لليلة النصف من شعبان إنها الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن وأنها يفرق فيها كل أمر حكيم ، وجعل ذلك تفسيرا لقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } (5) { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } (6) وهذا من الخطأ المبين ، ومن تحريف القرآن عن مواضعه ،
فإن المراد بالليلة المباركة في الآية ليلة القدر ، لقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } (7) وليلة القدر في شهر رمضان للأحاديث الواردة في ذلك ، لقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } (8) .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
(1) صحيح البخاري الصوم (1868),صحيح مسلم الصيام (1156),سنن الترمذي الصوم (768),سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1601),سنن أبو داود الصوم (2434),مسند أحمد بن حنبل (6/242),موطأ مالك الصيام (688).
(2) سنن النسائي الصيام (2357),مسند أحمد بن حنبل (5/201).
(4) سنن الترمذي الصوم (739),سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1389),مسند أحمد بن حنبل (6/238).
(5) سورة الدخان الآية 3
(6) سورة الدخان الآية 4
(7) سورة القدر الآية 1
(8) سورة البقرة الآية 185