أُصُولُ الافْتِرَاقِ بَيْنَ الْمَنْهَجَيْنِ
1- الْغَلَطُ بِضَبْطِ المُصْطَلَحَات :
قد يقال : إن المتأخرين لم يأتوا بمصطلحات حديثية من عندهم ، بل جمعوا ورتبوا ما تركه الأقدمون ، كما تقدم .
ونحن نقول : الحق أن المتأخرين أخطئوا في كثير مما فهموه منهم ، ومن ثم قرروه عنهم ، والمتقدمون مؤصلون لقواعد هذا العلم ، والمتأخرون مستنبطون لكلام المتقدمين ، وفرق بين من يؤصل وبين من يستنبط مراد من يؤصل .
قال ابن دقيق بعد أن ذكر تعريف المتأخرين للصحيح : وزاد أصحاب الحديث (أن لا يكون شاذاً ولا معللاً) . وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء ، فإن كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء . «الاقتراح»ص152 .
والمنكر عند المتأخرين مخالفة الضعيف للثقة ، وهو عند المتقدمين على ستة معانٍ ، أظهرها تفرد الثقة غير المكثر مطلقاً .
والمعضل عند المتأخرين ما سقط من إسناده راويان على التوالي ، وهو عند جمع من المتقدمين نوع من الموضوع .
والحسن عند المتأخرين بمعنى المقبول ، وهو عند المتقدمين في الغالب يعنون به الضعيف .
والمرسل عند المتأخرين ما رواه التابعي عن النبي ﷺ من غير ذكر الواسطة ، وهو عند المتقدمين في الغالب مطلق الانقطاع .
والصدوق عند المتأخرين بمعنى حسن الحديث ، وهو عند المتقدمين في الغالب يعنون به الثقة .
وبالجملة : ففرق بين من أخذ الأحكام والمصطلحات غضة طرية عمن أصلها ، وبين من أخذها عمن فهمها منهم ،وقد خلطها أو تأثر بمنهج أهل الكلام والفقه ممن ليس من أهل الحديث .
فالأئمة المتقدمون لا يتكلفون في إطلاق المصطلحات ، بل يرسلونها ، وقد يريدون في المصطلح الذي أطلقوه جزئية منه لا كله .
2- تَقْعِيدُ قَوَاعِد جَافَّة عَرِيَّة عَن الْقَرَائِن ، وَعَدَم اعْتِبَار الْعِلَل :
لا شك أن الضوابط والقواعد إنما وضعت لتقريب علم الحديث لطلابه ، وفق ما قرره أئمة الحديث المتقدمين سواء في المصطلحات ، أو الأحكام .
فلا تُجعل هذه القواعدُ والضوابطُ أصلاً يُعارضُ به الأئمة المتقدمون ، بحجة أن ما قرره المتقدمون يخالف ما تقرر في قواعد المصطلح .
وإنما الواجب عرض (قواعد المصطلح المحدثة) على عمل الأئمة المتقدمين ، لا عرض عملهم على (قواعد المصطلح المحدثة) .
فالمتقدمون كانت أحكامهم تقوم على السبر والتتبع والاستقراء لحال الراوي والمروي ، مع الحفظ والفهم وكثرة المدارسة والمذاكرة .
وأما المتأخرون فغلب على منهجهم الاعتماد على ما قعَّدوه من ضوابط ، لتجنب عناء الحفظ والاستقراء ، والنظر في أحوال الأسانيد والمتون ، فاعتمدوا على من سبقهم ممن قعَّدَ ضوابط المصطلح ثقة به ، من دون تحقق من كونه أصاب أو أخطأ ، حتى صار يكفي الطالب منهم ليتصدر في هذا الفن أن يقرأ كتاباً في (المصطلح) ويحفظ متناً مشهوراً .
وليس أدل على ما أقول من النظر في غالب مباحث الحديث كالتدليس ، والاختلاط ، وتحسين الأحاديث ، والشذوذ ، والنكارة ، وزيادة الثقة ، والتفرد ، وتعارض الوصل والإرسال ، والوقف والرفع ، وتعليل الأئمة للأحاديث التي ظاهرها الصحة ، ليتبين للناظر بوضوح الفرق بين المنهجين .
قال ابن رجب : وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دوَّنه أئمة الحفاظ ، وقد هجر في هذا الزمان ودرس حفظه وفهمه ، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية ، ففي التصنيف فيه ونقل كلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جداً . وقد كان السلف الصالح مع سعة حفظهم - وكثرة الحفظ في زمانهم - يأمرون بالكتابة للحفظ ، فكيف بزماننا هذا الذي هجرت فيه علوم سلف الأمة وأئمتها ، ولم يبق منها إلا ما كان مدَّوناً في الكتب ، لتشاغل أهل الزمان بمدارسة الآراء وحفظها) . اهـ . من «شرح العلل»(1/25) .
مثال :
الناظر إلى مبحث التدليس ، يجد المتقدمين في الغالب يستعملون مصطلح التدليس بمعنى الإرسال ، وهو رواية الراوي عمن لم يسمع منه ، بل ولم يلقه أو يدركه .
وعند المتأخرين رواية الراوي عن راوٍ سمع منه بعض حديثه ، وروى عنه حديثاً لم يسمعه منه أصلاً .
فالزهري مثلاً ؛ لم يقل أحد من المتقدمين أنه مدلس ، وإجماع الأئمة منعقد على قبول روايته مطلقاً ، وهو ممن دارت عليه الأسانيد .
وإنما ذكروا أنه يرسل ، وما وصفه بالتدليس غير العلائي وتبعه ابن حجر ، فعدوه في الثالثة من مراتب المدلسين ، وهم الذين كثر تدليسهم فلم يقبل منهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع .
نعم له أحاديث دلسها ، وهي معروفة محفوظة ، فمثلها إذا ثبت تدليسه فيها عن ضعيف رُدَّت .
ولهذا قال الذهبي : كان يدلس في النادر .
فمثل الزهري ممن وصف بالتدليس عند المتأخرين ، لا يُنْظر في روايته إلى (العنعنة أصلاً) .
بل يُنظر فيها إلى مطلق سماعه ممن فوقه ، فإن ثبت سماعه منه بالجملة فمتصل ، وإنْ لم يصرح بالسماع .
وعلى هذا تحمل مرويات الحسن البصري ، وابن أبي عروبة ، وقتادة ، وأبي إسحاق السَّبِيعِيّ ، وابن جريج ، والوليد بن مسلم( ).
فالأصل في روايات هؤلاء عمن رووا عنهم الاتصال وإن رويت بالعنعنة ، حتى يثبت أنهم لم يسمعوا منه أصلاً .
ولهذا فالنظر منصرف إلى كتب المراسيل ، في البحث عن أحوال مروياتهم ، لا إلى كتب التدليس .
هذا والعنعنة عند المتقدمين في الأصل من تصرف الرواة الذين هم دون الراوي الذي جاءت أداة العنعنة (عن) بعده ، وأما المتأخرون فلا تتجاوز كونها من صنيع الراوي نفسه .
قال الحاكم : قرأت بخط محمد بن يحيى ، سألت أبا الوليد : أكان شعبة يفرق بين أخبرني وعن ؟ فقال : أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما . اهـ . «شرح العلل»(1/364) .
بل منهم من كان يتساهل في التحديث ، فلا بد للباحث من التمعن وعدم الأخذ بالظاهر .
فقد ذكر الإسماعيلي عن الشاميين والمصريين أنهم يتساهلون في التحديث . «فتح الباري»لابن رجب (3/54) .
وقال ابن رجب رحمه الله : وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد ، ويقول : هو خطأ - يعني : ذكر السماع - ثم ذكر لذلك أمثلة ، وقال : وحينئذ فينبغي التفطن لهذه الأمور ، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد . «شرح العلل» (1/369) .
قلت : فانظر بعد هذا فقد ذكرت لك سبعة ممن وصفوا بكثرة التدليس عند المتأخرين كالعلائي وابن حجر وسبط ابن العجمي ، واعتمدهم من بعدهم من غير تفتيش ولا تحرٍّ - وهؤلاء السبعة ممن أكثروا من المرويات ، فهل مثل هؤلاء يرد حديثهم لمجرد وصف خاطئ وُصفوا به ، بناء على فهم سقيم ، وبناء على عنعنة وقعت ممن دونهم لا منهم .
وبالجملة : فالأئمة المتقدمون إذا قالوا : (فلان يدلس) فيريدون أحد أمرين :
إما أنه بمعنى الإرسال وهو الغالب ، أو أنه بمعنى ندرة التدليس ، وفق اصطلاح المتأخرين .
وكذلك في مسألة : تعارض الوصل والإرسال .
فالمتأخرون عادة إذا كان ظاهر الإسنادين المتصل والمرسل صحيحاً يرجحون المتصل ، ولا يعتبرون الإسناد المرسل علة يرد بها الإسناد المتصل .
أما المتقدمون ، فلا يحكمون على هذا بشيء مقدماً ، بل يدرسون الإسنادين ، وينظرون القرائن المحتفة بهما ، فيرجحون ما دلت القرينة على ترجيحه ، وقد يَصِحُّحون كلا الإسنادين ، لقرائن .
فمثلاً :
حديث يرويه بعض أصحاب الزهري عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
ويرويه بعض أصحاب الزهري عن الزهري عن النبي ﷺ .
فالمتقدمون ينظرون ، إلى الرواة عن الزهري من حيث كثرتهم ، ومن حيث تقديمهم في الحفظ ، ومن حيث تقديمهم في ملازمة الزهري ، ومن حيث قربهم من الزهري . ثم يرجحون .
وقد يَصِحُّحون كلا الإسنادين فيقولون :إن الزهري كان مرة ينشط فيرويه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ومرة يكون في حال مذاكرة أو فتيا ، فيرويه عن النبي ﷺ مباشرة لا يذكر أبا هريرة في السند .
أما المتأخرون ، فلا يعتبرون هذا كله ، فإذا كان كلا المُخْتَلِفَينِ في الزهري ثقات ، قالوا : المتصل زيادة ثقة ، وهي مقبولة .
فلا يلتفتون إلى منزلة الرواة عن الزهري ، من هو الأحفظ ! من هو الأوثق ! من هو الأكثر ملازمة ! من هو بلدي الزهري !. وغالبهم يعتبر المرسل صحيحاً كذلك ،لكنه لا يؤثر في المتصل .
قال البقاعي : إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدِّثين بطريقة الأصوليين ، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظراً آخر لم يحكه ، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه : وذلك أنهم لا يحكمون بحكم مطرد ، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن . انظر «النكت الوفية بما في شرح الألفية» (ص 99) .
ومن الأمثلة على صنيع المتأخرين في هذا :
حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ : « أنَّ غيلان أسلم وعنده عشرة نسوة » .
وهذا حديث معل بالإرسال .
فإن معمراً حدَّث به في اليمن فأرسله ، ولما حدَّث به بالبصرة أخطأ فيه فوصله .
وحديث معمر باليمن أصح من حديثه بالبصرة .
وقد خالف الحفاظ من أصحاب الزهري معمراً في هذا الحديث .
قال أحمد : ليس بصحيح والعمل عليه ، كان عبد الرزاق يقول : عن معمر عن الزهري مرسلاً .
وقال : أبو زُرْعَة وأبو حاتم : المرسل أصح .
وقال البخاري : هذا الحديث غير محفوظ .
وقال مسلم : وَهِمَ فيه معمر . انظر «تلخيص الحبير» (3/192) .
وصححه ابن القطان الفاسي ، وابن كثير ، والألباني . وكذلك في مسألة تعارض الوقف والرفع .
قال ابن رجب : وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ - أيضاً ... اهـ . «شرح العلل» (2/82) .
وبالجملة : فمن أمعن النظر وجد أن هذا الاختلاف مبني على اختلافهم في تقرير الضوابط التي عليها مدار التصحيح والتضعيف ، فالمتقدمون يسيرون على قواعد ، هذبت عند المتأخرين بناء على فهمهم ، أو أغفلت ، وحل محلها قواعد جديدة .
وذلك أن المتأخرين من بعد الخطيب البغدادي ، جل معتمدهم كتابه «الكفاية».
والخطيب( )أول من اشتهر عنه أنه غيَّر منهج المتقدمين ، فخلطه بأقوال غير أهل الحديث ، من الفقهاء والأصوليين والمتكلمة ، ومعلوم أن هذه القواعد إنما تؤخذ عن المحدثين النقاد ، ولطالما قلنا : إنما يؤخذ كل علم عن أهله .
قال ابن رجب : (ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب «الكفاية» للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله ، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين ، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً ، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب « تمييز المزيد ». اهـ . «شرح العلل» (2/82) .
قلت: وهؤلاء ليسوا أهل هذا الشأن .
وقال ابن الجوزي : رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مزجاة ، يعول أكثرهم على أحاديث لا تصح ، ويعرض عن الصحاح ، ويقلد بعضهم بعضاً فيما ينقل . «التحقيق في أحاديث الخلاف» (1/22) .
وبالجملة فهذا باب عريض يتسع الولوج فيه ، وإنما ذكرت نُتَفاً مما يتعلق به ، لئلا يطول المبحث .
3- إِغْفَالُ اعْتِبار التَّفَرُّد :
قال ابن رجب : وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد ، وإن لم يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه ، ويجعلون ذلك علة فيه ، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً ، ولهم في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه .
وذكر أن هذه الأقوال كلها لا تعرف عن أئمة الحديث المتقدمين . انظر «شرح العلل» (2/26) .
كحديث : عبد الرحمن بن بُدَيل بن ميسرة العقيلِي قال : حدثني أبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : قال النبي ﷺ : « إِنَّ لِله عَزَّ وَجَلَّ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ ، وَإِنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ ؛ أَهْلُ الله وَخَاصَّتُهُ ». أخرجه الطيالسي ، وأحمد ، والدارمي ، وابن ماجه ، والنسائي في «الكبرى» .
وعبد الرحمن بن بديل بن ميسرة لا بأس به ، وهو مقِلّ ، ماله في كتب السنة غير ثلاثة أحاديث .
ومثله لا يحتمل تفرده ، لقلة حديثه ، ولكثرة الرواة عن أبيه ممن عرف بحمل الأخبار ، والاعتناء بها ، خصوصاً واحتمال خطأ عبد الرحمن وارد ، ولو كان عبد الرحمن بن بديل مكثراً وثقة لقلنا : إن مثله يمكن تفرده ، خصوصاً وهو من أهل بيت بديل بن ميسرة .
وتابع عبدَ الرحمن بن بديلٍ ، الحسنُ بن أبي جعفر عن بديل به . أخرجه الدارمي .
والحسن بن أبي جعفر منكر الحديث .
قلت : فمن كان حاله مثل (الحسن بن أبي جعفر) لا يعتبر به .
وله طريق أخرى :
من رواية الخليل بن زكريا ، ثنا مجالد بن سعيد ، ثنا عامر الشَّعْبِي ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في « بغية الباحث » .
هذا إسناد منكر لا أصل له . الخليل بن زكريا ، ومجالد بن سعيد ضعيفان .
وحديث : ضَمْرَة بن ربيعة ، عن الثوري ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي ﷺ ، قال : « من ملك ذا رحم محرم فهو حر» .
تفرد به ضَمْرَة بن ربيعة ، وهو ثقة ولم يتابع عليه . وقد استنكره أحمد والترمذي والنسائي .
وصححه ابن حزم ، وابن التركماني ، والألباني ، وشعيب الأرناؤوط .
4- اعْتِـمَـادُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ مُطْلَقاً :
والمتأخرون على قبول زيادة الثقة مطلقاً ، وما أكثر قولهم : زادها فلان وهو ثقة ، وزيادة الثقة مقبولة .
قال النووي : الصحيح بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققوا المحدثين أنه إذا روي الحديث مرفوعاً وموقوفاً ، أو موصولاً ومرسلاً ، حكم بالرفع والوصل ؛ لأنه زيادة ثقة ، وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد .
فانظر كيف اعتمد قول الفقهاء والأصوليين ومن سماهم (محققوا المحدثين) - زعم- ولم يقم وزناً للأئمة المتقدمين الذين هم أهل التحقيق في هذا الفن على الحقيقة .
قال الدارقطني : وأخرج مسلم حديث قتادة ، عن سالم ، عن مَعْدَان ، عن عمر موقوفاً في الثوم والبصل من حديث شعبة وهشام .
وقد خالف قتادة في إسناده ثلاثة .
فرووه : عن سالم بن أبي الجعد ، عن عمر ، مُرْسَلاً .
إلى أن قال : وقتادة وإن كان ثقة وزيادة الثقة مقبولة عندنا ، فإنه يدلس ، ولم يذكر فيه سماعه من سالم ، فاشتبه أن يكون بلغه فرواه عنه . «الإلزامات والتتبع» للدارقطني (1/370) .
5- التَّوَسُّعُ فِي قبُولِ الأَحَادِيْث بِالمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِد :
وعند المتقدمين قد تكون كثرة الطرق لا تفيد الحديث شيئاً ، وقد رأيت المتأخرين كأن واحدهم لا يصدق أن يكون للحديث سندان أو أكثر حتى يَصِحُّحه ، وانظر كتبهم تجد من هذا الكثير .
فكم من حديث تعددت طرقه تبين بعد التحقق أنها مناكير ، أو معلولة ، وأنه ليس لهذا الحديث سوى إسناد واحد لا يُعْرَفُ غيره ، ترجع إليه كل أسانيده التي بدت متعددة .
كحديث: عطية العوفي ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قول الله عز وجل : ﴿ فَإِذَا نُقِرَ في النَّاقُورِ * فذالكَ يومئذٍ يَومٌ عَسِير ﴾ قال : قال رسول الله – ﷺ - : كيف أنعم وصاحب القرن قد التَقَم القرن ، وحَنى جبهته حتى يؤمر فينفخ ؟ ! فقال أصحاب محمد - ﷺ - : يا رسول الله فكيف نقول ؟ قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، على الله توكلنا" .
قال البوصيري : رواه أحمد بن حنبل في « مسنده » والطبراني من هذا الوجه .
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري ، رواه ابن حبان في «صحيحه»والترمذي في «الجامع». انظر «اتحاف الخيرة» (6/98) .
قلت : وشاهده الذي أشار إليه ، هو من نفس الطريق ، عن عطية عن أبي سعيد به ، أخرجه الترمذي .
فكيف يعد شاهداً !.
والحديث مروي من طرق عن أبي هريرة .أخرجه : إسحاق ، وأبو الشيخ .
وعن عطية عن زيد بن أرقم . أخرجه : أحمد والطبراني وابن عدي .
وعند التدبر فمردها إلى الطريق الأولى ، لذا قال أبو نعيم الأصبهاني : ومشهوره ما رواه أبو نعيم وغيره عن الثوري عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري . «حلية الأولياء» .
وحديث : محمد بن أبي حميد عن ابن المنكدر عن جابر مرفوعاً : الحجاج والعمار وفد الله ... الحديث . أخرجه البزار .
ابن أبي حميد : منكر الحديث ليس حديثه بشيء.
وقد اختلف في روايته : فرواه من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
وتابعه على الوجه الأول طلحة بن عمرو . انظر البيهقي في « الشعب » .
وطلحة متروك .
وحسنه الألباني بشاهد من طريق عمران بن عُيَيْنَة عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر به . انظر «السلسلة الصحيحة» (ح/1820) .
والحق أن شاهد ابن عمر منكر السند .
فإن عطاء اختلط ، وعمران صاحب مناكير ، ولم يذكر أصلاً في الرواة عن عطاء قبل الاختلاط .
وقد تابعه حماد بن سلمة عن عطاء به . « أفراد الدارقطني » .
لكن سماع حماد بن سلمة عن عطاء قبل وبعد الاختلاط ، ولم يتميز السماعان .
وحماد إذا روى عن غير ثابت البُنَانِيّ وحميد الطويل ومحمد بن زياد وعمار بن أبي عمار يغلط .
وقد خولف في هذه الرواية .
فرواه غُنْدَر عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن ضَمْرَة السلولي عن كعب قال : الحاج والمعتمر والمجاهد في سبيل الله وفد الله ، سألوا فأعطوا ، ودعوا فأجيبوا . أخرجه ابن أبي شيبة .
منصور بن المعتمر أوثق وأحفظ من عطاء ، فالموقوف هو المحفوظ ، ورواية عطاء شاذة منكرة .
ورواه عبد الرحيم بن زيد ، عن أبيه ، عن أبي سهيل قال : سمعت أبا هريرة مرفوعا. «أخبار مكة للفاكهي»
عبد الرحيم بن زيد العمِّي الحواري : متروك.
وعليه فهي تقوية حديث مضطرب بمتابعات منكرة .
وحديث : علي بن الحسين عن النبي ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . أخرجه مالك في «الموطأ» ، وهَنَّاد في «الزهد» وعلي بن الجعد والترمذي .
وله طريق آخر :
رواه الثوري عن جعفر عن علي مرسلاً . «حلية الأولياء» .
وفيه يوسف الزاهد ، وهو سيء الحفظ .
وله طريق آخر :
قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث ؛ رواه عبد الرحمن بن عبد الله العمري ، عن سهيل ابن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أَبي هريرة ، قال : قال رسول الله ﷺ : « مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ » .
قال أبي : هذا حديث منكر جداً بهذا الإسناد . «علل ابن أبي حاتم» (4/184) .
قلت : وهذا على نكارته فقد اعتبره البعض متابعاً لمرسل علي بن الحسين ، بل اعتبره البعض صحيحاً من هذا الطريق . وله طرق أخرى أعرضت عنها .
مثال آخر : رواية عمر الموقوفة :
ما رواه أبو قرَّة الأَسدي ، عن سعيد بن المُسَيِّب ، عن عمر بن الخطاب ، قال : «إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ ، حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ ». أخرجه الترمذي .
وهذا حديث ضعيف .