عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 06-18-2012, 06:43 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

المطلب الثاني: البسملة



معنى البسملة, وحُكمُ البَدء بِها, وصيغتُها:



البسملة مصدر بسمل إذا قال: نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة. ويقال لها التسمية أيضاً. وهي مستحبة عند الابتداء بكلِّ أمر مباح, أو مأمور به( ). وحكم البدء بِها في القراءة له حالتان:



الأولى: في بداية كلِّ سورة عدا سورةَ (براءة) فالبدء بها حينئذ واجبٌ عند حفصٍ عن عاصم، وخالفه بعضُ القراء كما سيرد فيما بعد.



والثانية: في أجزاء السور, وهم على التخيير في ذلك.



أما صيغتها فهي واحدة عند جميع القراء, وهي كما وردت في سورة النمل( )، وكما هي مُثبتةٌ في بدايات السور: " نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة ".



حكم البسملة من حيث الجهرُ والإخفاءُ:



للبسملة أحكام من حيث الجهرُ بِها أو إخفاؤها، سواءٌ أكان ذلك في الصلاة أم خارجَها، أما في الصلاة فالعلماءُ في ذلك على مذهبين: منهم من أخفاها, ومنهم من جهر بِها. ولكلٍّ دليلُه الذي يستند إليه من السنة،( ). وأما خارج الصلاة - وهو ما يعنينا في هذا المبحث- فإن علماء القراءة قد اختلفوا في ذلك. وهذا بيان مذاهبهم:



قال أبو محمد الشاطبيُّ( ) رحمه الله )



وبَسْمَلَ بين السورتينِ بسُنـَّـــةٍ رِجالٌ نَمَوْهَا دِرْيَةً وتَحَمُّـــلَا



ووَصْلُكَ بين السورتينِ فَصَاحَــةٌ وَصِلْ وَاسْكُتَنْ كُلٌّ جَلَايَاهُ حَصَّلَا



أي أن مذاهب العلماء في البسملة كما يلي :



قالونُ( ) المرموزُ له بالباء من قوله (بِسنةٍ), والكسائيُّ( ) المرموزُ له بالراء من قوله (رجالٌ)، وعاصمٌ( ) المرموز له بالنون من قوله (نَموها)، وابنُ كثير( ) المرموز له بالدال من قوله (دِريةً)، يَجهرون بالبسملة، وأما حمزةُ المرموز له بالفاء من كلمة (فصاحة) فيَصِل بين السورتين دون بسملة، وابنُ عامر( ) المرموز له بالكاف من (كل)، وورش( )



المرموز له بالجيم من (جلاياه)، وأبو عمرو البصري المرموز له بالحاء من (حصلا) لهم فيها وجهان: الوصلُ دون بسملة, أو السكتُ الخفيف دونَ تنفسٍ ودون بسملة.




المبحث الثاني:
إخفاءُ النونِ الساكنة والتنوينِ عند حروفِ الإخفاء



الإخفاءُ في هذا المبحث يعني النُّطقَ بالحرف الْمُخفَى على حالٍ متوسطةٍ بين الإظهار والإدغام, أو بين التشديد والتخفيف.( ) وسنذكر هنا بعض أقوال العلماء في وصف الإخفاء, بغية استخلاص الوصف الدقيق للنطق به.



يقول عبد الوهاب القرطبي( ): " وأما الإخفاء فحكمٌ يجب عند اجتماع حرفين أخذا حالاً متوسطة بين المباعدة في ذينك والمقاربة, وسُبق أحدهما بالسكون, كقوله تعالى:[من كان في الضلالة] [سورة مريم/75], [فبشرهم بعذاب أليم] [سورة آل عمران/21], [ولمن صبر] [سورة الشورى/43], وما أشبه ذلك.وحقيقته السترة, لأن المخرج يستتر بالاتصال. فالتشديد إذاً هو إدخال حرف في حرف, والإظهار هو قطع حرف عن حرف, والإخفاء هو اتصال حرف بحرف, فبالتشديد يدخل الحرف ويغيب, وبالقطع يظهر ويبين, وبالاتصال يخفى ويستتر( ).



وقال الداني: ( ) " والْمُخفَى شيئان؛ حرف وحركة, فإخفاءُ الحرف نقصانُ صوته, وإخفاءُ الحركة نقصانُ تمطيطها"( )



وقال :" وأما إخفاء النون والتنوين فحقه أن يؤتى بهما لا مُظهريَن ولا مُدغمَين ، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير ، ويبطل عملُ اللسان بهما ، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما, وذلك إذا لقيا حروفَ اللسان غير الياء والراء واللام "( )



وقال السعيدي ( ):" واعلم أن النون الساكنة إذا لقيت حرفاً من حروف الفم نفرت صوتاً من الخياشيم, فلا يكون لها حظ في الفم, ألا ترى أنك إذا قلت: منك وعنك ومن ضربك, ومن صلح, ومن شرب, ومن قرأ, وما أشبهها, لا يتحرك اللسان بِها, وتسمى حينئذ النون الخفيفة( ).



وقال الدمياطي ( ): " ولْيُحترزْ أيضاً من إلصاق اللسان فوق الثنايا عند إخفاء النون, فهو خطأ أيضاً, وطريق الخلاص منه تجافي اللسان قليلاً عن ذلك"( )



وقال د. عبد الصبور شاهين: إخفاء النون الساكنة بمعنى نطقها أنفيّةً, مع وضع اللسان موضع الحرف التالي لها بشكل متزامن"( )



يُلاحظ من هذه الأقوال أن الإخفاء فيه نقصانُ صوت, وتوسطٌ بين الإدغام والإظهار, وأن خروجه يكون من الأنف- وذلك لوجود الغنة-, وأشار بعض العلماء أن على القارئ أن يُجافي اللسان قليلاً عن مخرج النون عند أداء الإخفاء, كما في النص المذكور عن الدمياطي, وستأتي مناقشة هذا الأمر.



وتتفق كلمة القراء على أن النون الساكنة تُخفى عند خمسة عشر حرفاً هي: التاء والثاء والجيم والدال والذال والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والفاء والقاف والكاف. وقد جمعها ابن القاصح البغدادي( ) بقوله:



تلا ثم جا دُرٌّ ذكا زاد سل شذا صفا ضاع طاب ظلَّ في قرب كامل( )



فالحرف الأول من كل كلمة في هذا البيت حرفُ إخفاءٍ, تُخفى عنده النونُ الساكنة, وكذلك التنوينُ.



والبيت السائر على ألسنة الدارسين هو قولُ صاحب التحفة ( ):



صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سما دم طيباً زد في تقى ضع ظالماً ( )



مَخرج النون



إن تحديد مَخرج حرف النون له أهمية كبيرة في معرفة كيفية النطق به حال إظهاره, ثم ملاحظة ما يطرأ عليه من تغيير حال إخفائه, فالمعروف أن الإظهار والإدغام والإخفاء.. ونحوها, صفاتٌ عارضةٌ, تعرض للحرف حال اتصاله بغيره من الحروف, وتزول عنه حال النطق به منفرداً.



تَخرج النون الساكنة المظهرة والنون المتحركة والتنوين من طرف اللسان بالتصاقه على لثة الثنايا العليا من الداخل( ). وفي أثناء وضع طرف اللسان على لثة الثنايا العليا حال النطق بالنون, يندفع الهواء من الخيشوم عبر فتحتي الأنف, مُشكّلاً صوتَ الغنة التي ترافق النون عند التصويت بِها, ولا يمكن بِحالٍ إخراجُ النون إلا بِمرافقة صوت الغنة( ). وهذا ما دعا بعض العلماء السابقين إلى القول بأن للنون مَخرجين أحدهما



من الفم, والآخر من الخياشيم ( ). علماً بأنّهم فرقوا بين النون المخفاة وغير المخفاة( ).



كيفية أداء الإخفاء:



حاول أحد الباحثين الأفاضل( ) رصدَ كيفية أداء القُراء للنون الْمُخفاةِ من خلال الاستماع إلى قراءة عدد من القُراء المعاصرين, ومناقشةِ بعض القراء, وتدوين ملحوظاته ثم خرج بنتيجةٍ مؤدّاها أن للقراء – قديما وحديثا - مذاهبَ في نطق النون الْمُخفاةِ, يمكن حصرها في ثلاثة هي:



المذهب الأول: نقل مُعتمَد اللسان عند النطق بالنون الْمُخفاة إلى مخرج الصوت الذي بعدها, مع بقاء جريان النَّفَس من التجويف الأنفيّ, ويأخذ اللسان عند نقل معتمده الشكلَ الذي يتخذه اللسان عند النطق بالصوت الواقع بعد النون, سواء أقَرُبَ ذلك الصوتُ من النون, كما في نَحو كنتم) أم بَعُدَ, كما في: (من كان), وسواء أكان الصوت شديداً (انفجارياً), كما في المثالين, أم كان رخواً,كما في: (من شاء), و(من ذا), ونحو ذلك.



المذهب الثاني: يماثل المذهب الأول إلا في نطق النون الْمُخفاة عند التاء والدال والطاء والضاد, فإنّ من يذهب هذا المذهب من القراء يُجافي طرفَ لسانه قليلاً, فلا يلصقه باللثة عند النطق بالنون الْمُخفاة قبل الأصوات المذكورة, وذلك في مثل: (كنتم) و( من دون) و (من طيبات) و( بمن ضل).



المذهب الثالث: هو أن يُجافي القارئ طرف لسانه قليلاً, فلا يلصقه باللثة عند النطق بالنون الْمُخفاة مع أصوات الإخفاء الخمسة عشر كلها, فيظل طرفُ اللسان شاخصاً نَحو اللثة, غيرَ منطبق عليها, سواء أكان الصوت الذي تُخفى عنده النون من طرف اللسان أو وسطه أو أقصاه, ثم ينقل القارئُ مُعتمَد اللسان بعد انقضاء النطق بالنون الْمُخفاة إلى مخرج الصوت الذي تُخفى عنده, فأنت تجد بعضَ القراء حين ينطق نحو: ( من قال) و(من جاء) و(من ذا) ينطق النون بان يضعَ طرف لسانه تجاه اللثة غير منطبق عليها, ويدَعُ النفَس يجري من الخيشوم, ثم ينتقل إلى مخرج الصوت الذي بعد النون.



إن المذهب الثالث مؤداه أن النون الْمُخفاةَ تُعد من الناحية الصوتية صوتاً واحداً يُنطق بطريقةٍ واحدةٍ, وفي المذهب الأول تتعدد صور النون الْمُخفاة, وتكون بعدد الأصوات التي تخفى عندها, أي أننا يمكن أن نلحظ خمسة عشر شكلاً من أشكال نُطق النون الْمُخفاة, تأخذُ أعضاءُ آلة النطق مع كل شكل وضعاً معيناً يَختلف عن وضعها مع الأشكال الأخرى, أو على الأقل يكون لها شكل واحد مع الأصوات التي تخرج من مَخرج واحد من أصوات الإخفاء التي تقع بعدها. أما المذهب الثاني فهو أقرب إلى المذهب الأول من هذه الناحية( ).



ثم رجح المذهب الأول في نطق النون الْمُخفاة, للأسباب التالية:



1. أن أكثر القراء المعاصرين - الذين استمع إلى قراءتِهم- يعتمدونه ويلتزمون به في نطقهم.



2. موافقته لأقوال العلماء في وصف إخفاء النون.



3. ملاءمته لقوانين علم الأصوات التي تنحو نحو السهولة في النطق, والاقتصاد في الْمَجهود في أكثر الأحيان ( ).



وعَوداً إلى المذاهب الثلاثة التي أوردها الباحث المذكور, وحَصَرَ أداءَ النون الْمُخفاة فيها, لنقول: إن المذهب الثالثَ- وإن كان عددٌ من العلماء والمجودين قد اعتبروه وأخذوا به ( )- يتطلبُ إبعادَ طرفِ اللسان عن لثة الثنايا العليا قليلاً, لكن هذا الإجراءَ دعا إليه حرصُ هؤلاء على النطق بالنون مُخفاةً متميزةً عن النون الْمُظهرة أو الْمُتحركة التي يتم في أدائها إلصاقُ طرف اللسان على اللثة, وتثبيتُه عليها إلى أن تؤدَّى النونُ بشكل متقن,



فاقتضى التمييز بين النون الْمُخفاة وغيرها أن يبحثوا عن طريقة تؤدَّى بِها النون الْمُخفاةُ على ما جاء في وصفها وتعريفها بأنّها تكون على حالة بين الإظهار والإدغام.. فلا هي مظهرةٌ بحيث يلتصق اللسان على اللثة عند النطق بِها, ولا هي مدغمةٌ بحيث يزول التصويت بِها, بل هي بين هذا وذاك. فكانت الطريقةُ الفضلى عند هؤلاء العلماء أن يباعدوا طرفَ اللسان قليلاً عن اللثة, لتخرج النون مُخفاة.
رد مع اقتباس