عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 05-19-2012, 07:32 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ج - اليمين :
4 - اليمين والقَسَم والإيلاء والحلف ألفاظ مترادفة ، أو أنّ الحلف أعمّ .
ومعنى اليمين في اللّغة : الجهة والجارحة والقوّة والشّدّة ، ويسمّى به الحلف مجازاً .
وأمّا في الشّرع فهي : عبارة عن عقد قويّ به عزم الحالف على الفعل أو التّرك .
وقال البهوتيّ : إنّها توكيد الحكم المحلوف عليه بذكر معظّم على وجه مخصوص .
وبين التّعليق واليمين تشابه ، لأنّ كلا منهما فيه حمل للنّفس على فعل الشّيء أو تركه ، وما سمّي الحلف باللّه تعالى يميناً إلا لإفادته القوّة على المحلوف عليه من الفعل أو التّرك . واليمين تنقسم بحسب صيغتها إلى يمين منجّزة بالصّيغة الأصليّة لليمين ، نحو : واللّه لأفعلن . ويمين بالتّعليق ، وهي : أن يرتّب المتكلّم جزاء مكروهاً له في حالة مخالفة الواقع ، أو تخلّف المقصود . وتفصيله في مصطلح ( أيمان ) .
صيغة التّعليق :
5 - يكون التّعليق بكلّ ما يدلّ على ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى ، سواء أكان ذلك الرّبط بأداة من أدوات الشّرط ، أم بغيرها ممّا يقوم مقامها ، كما لو دلّ سياق الكلام على الارتباط دلالة كلمة الشّرط عليه .
ومثال الرّبط بين جملتي التّعليق بأداة من أدوات الشّرط : قول الزّوج لزوجته : إن دخلت الدّار فأنت طالق ، فقد رتّب وقوع الطّلاق على دخولها الدّار ، فإن دخلت وقع الطّلاق ، وإلا فلا . ومثال الرّبط بين جملتي التّعليق بلا أداة شرط : هو قول القائل مثلا : الرّبح الّذي سيعود إليّ من تجارتي هذا العام وقف على الفقراء ، فقد رتّب حصول الوقف على حصول الرّبح بلا أداة شرط ، لأنّ مثل هذا الأسلوب يقوم مقام أداة الشّرط .
والمراد بالشّرط الّذي تستعمل فيه أداته للرّبط بين جملتي التّعليق : الشّرط اللّغويّ ، لأنّ ارتباط الجملتين النّاشئ عنه كارتباط المسبّب بالسّبب .
أدوات التّعليق :
6 - المراد بها : كلّ أداة تدلّ على ربط حصول مضمون بحصول مضمون جملة أخرى ، سواء أكانت من أدوات الشّرط الجازمة أم من غيرها .
وتلك الأدوات كما جاء في المغني عند الكلام على تعليق الطّلاق بالشّرط ، إن ، وإذا ، ومتى ، ومن ، وأي ، و كلّما . وزاد النّوويّ في الرّوضة ، متى ما ، ومهما .
وزاد صاحب مسلم الثّبوت ، لو ، وكيف . وزاد السّرخسيّ في أصوله والبزدويّ في أصوله وصاحب فتح الغفّار وصاحب كشّاف القناع " حيث " ، وذكر صاحب فتح الغفّار وصاحب كشّاف القناع أيضا أن " أين " من صيغ التّعليق .
وزاد صاحب كشّاف القناع أيضاً " أنّى " ولم يفرّق بينها وبين " إن " . وفيما يلي بعض ما قاله العلماء في كلّ أداة من هذه الأدوات من حيث اللّغة ومن حيث التّعليق .
أ - إن :
7 - إن الشّرطيّة هي المستعملة في الرّبط بين جملتي التّعليق ، فإنّها أصل في التّعليق وفي حروف الشّرط وأدواته ، لتمحّضها للتّعليق والشّرط ، فليس لها معنى آخر سوى الشّرط والتّعليق ، بخلاف غيرها من أدوات الشّرط كإذا ومتى ، فإنّ لها معاني أخرى تستعمل فيها إلى جانب الشّرط . وتستعمل إن وغيرها من الأدوات الجازمة المشابهة لها في أمر متردّد على خطر الوجود ، أي : بين أن يكون وأن لا يكون . ولا تستعمل فيما هو قطعيّ الوجود ، أو قطعيّ الانتفاء ، إلا على تنزيلهما منزلة المشكوك لنكتة .
8 - ويترتّب على كون ( إن ) للشّرط المحض : أنّه لو علّق طلاق امرأته بعدم تطليقه لها ، بأن قال : إن لم أطلّقك فأنت طالق ، لم تطلق حتّى يموت أحدهما قبل أن يطلّقها ، لأنّ إن للشّرط ، وأنّه جعل عدم إيقاع الطّلاق عليها شرطاً ، ولا يتيقّن وجود هذا الشّرط ما بقيا حيّين ، فهو كقوله : إن لم آت البصرة فأنت طالق . ثمّ إن مات الزّوج وقع الطّلاق عليها قبل موته بقليل ، وليس لذلك القليل حدّ معروف . ولكن قبيل موته يتحقّق عجزه عن إيقاع الطّلاق عليها ، فيتحقّق شرط الحنث . فإن كان لم يدخل بها فلا ميراث لها ، وإن كان قد دخل بها ، فلها الميراث بحكم الفرار . وإن ماتت المرأة تطلق أيضا في إحدى الرّوايتين بلا فصل - كما في أصول السّرخسيّ - لأنّ فعل التّطليق لا يتحقّق بدون المحلّ ، وبفوات المحلّ يتحقّق الشّرط . وذكر ابن قدامة أنّه لو علّق الطّلاق بالنّفي بإحدى كلمات الشّرط ، كانت ( إن ) على التّراخي ، وأمّا غيرها ( كمتى ومن وكلّما وأيّ ) فإنّه يكون على الفور . والتّفصيل محلّه مصطلح : ( طلاق ) .
ب - إذا :
9 - ( إذا ) ترد في اللّغة على وجهين :
أحدهما : أن تكون للمفاجأة ، فتختصّ بالجمل الاسميّة ، ولا تحتاج إلى جواب ، ولا تقع في الابتداء ، ومعناها الحال لا الاستقبال .
ثانيهما : أن تكون لغير مفاجأة ، فالغالب أن تكون ظرفا للمستقبل مضمّنة معنى الشّرط . وخلاصة القول في إذا : أنّها تستعمل عند الكوفيّين في معنى الوقت ، وفي معنى الشّرط ، وإذا استعملت في معنى الشّرط سقط عنها معنى الوقت ، وصارت حرفا كإن ، وهو قول أبي حنيفة وقد سبق . وعند البصريّين هي حقيقة في الوقت ، وتستعمل في الشّرط مع بقاء الوقت ، وهو قول أبي يوسف ومحمّد ، فعندهما أنّها مثل متى ، أي لا يسقط عنها معنى الظّرف ، وعنده أنّها كإن في التّمحّض للشّرطيّة ، فلا يبقى فيها معنى الظّرف .
10 - ويترتّب على الخلاف بين قول أبي حنيفة وصاحبيه : أنّه لو قال : إذا لم أطلّقك فأنت طالق ، أو إذا ما لم أطلّقك فأنت طالق ، فإن عنى بها الوقت تطلق في الحال ، وإن عنى بها الشّرط لم تطلق حتّى تموت ، وإن لم تكن له نيّة لم تطلق حتّى تموت . وهذا على قول أبي حنيفة بناء على أنّ ( إذا ) إن استعملت في معنى الشّرط سقط عنها معنى الوقت ، وهو رأي الكوفيّين . وأمّا على قول أبي يوسف ومحمّد فإنّها تطلق في الحال عند عدم النّيّة ، بناء على رأي البصريّين في أنّ إذا تستعمل للوقت غالبا ، وتقرن بما ليس فيه معنى الخطر ، فإنّه يقال : الرّطب إذا اشتدّ الحرّ ، والبرد إذا جاء الشّتاء . ولا يستقيم مكانها إن .
وجاء في المغني : أيضا وجهان في ( إذا ) فيما لو قال : إذا لم تدخلي الدّار فأنت طالق . أحدهما : هي على التّراخي ، وهو قول أبي حنيفة ، ونصره القاضي ، لأنّها تستعمل شرطاً بمعنى إن . قال الشّاعر : استغنِ ما أغناك ربُّك بالغنى وإذا تصبك خصاصةٌ فتجمّل
فجزم بها كما يجزم بإن ، ولأنّها تستعمل بمعنى متى وإن ، وإذا احتملت الأمرين فاليقين بقاء النّكاح فلا يزول بالاحتمال .
والوجه الآخر : أنّها على الفور ، وهو قول أبي يوسف ومحمّد ، وهو المنصوص عن الشّافعيّ لأنّها اسم لزمن مستقبل ، فتكون كمتى . وأمّا المجازاة بها فلا تخرجها من موضوعها . وأمّا إذا علّق التّصرّف بإيجاد فعل بإذا ، كقوله مثلاً : إذا دخلت الدّار فأنت طالق ، فإنّها تكون على التّراخي كغيرها من أدوات التّعليق .
وقد اطّرد في عرف أهل اليمن - كما جاء في نهاية المحتاج - استعمالهم إلى بمعنى إذا كقولهم : إلى دخلت الدّار فأنت طالق . ولهذا ألحقها غير واحد بإذا في الاستعمال .
ج - متى :
11 - وهي اسم باتّفاق موضوع للدّلالة على الزّمان ثمّ ضمّن معنى الشّرط .
والفرق بين إذا ومتى : أنّ إذا تستعمل في الأمور الواجب وجودها ، كطلوع الشّمس ومجيء الغد ، بخلاف متى ، فإنّها تستعمل في الأمور المبهمة ، أي فيما يكون وفيما لا يكون ، بمعنى أنّها لا تخصّ وقتا دون وقت ، فلذلك كانت مشاركة ل ( إنْ ) في الإبهام ، ولهذا أيضا كانت المجازاة بها لازمة في غير موضع الاستفهام كإن ، إلا أنّ الفرق بين متى وإن أنّ ( متى ) يجازى بها مع بقاء معنى الوقت فيها ، وأمّا متى الاستفهاميّة فإنّها لا يجازى بها ، لأنّ الاستفهام عبارة عن طلب الفهم عن وجود الفعل ، فلا يستقيم في مقامه إضمار حرف إن .
قال ابن قدامة : لو علّق التّصرّف بإيجاد فعل بمتى فإنّها تكون على التّراخي ، فمن قال لزوجته : متى تدخلي الدّار فأنت طالق ، فإنّ الطّلاق لا يقع إلّا عند وجود الصّفة أو الفعل وهو الدّخول ، أمّا إذا علّق التّصرّف بنفي صفة بمتى ، كما إذا قال : متى لم أطلّقك فأنت طالق ، أو متى لم تدخلي الدّار فأنت طالق ، فإنّه إن مضى زمن عقيب اليمين لم تدخل فيه أو لم يطلّقها فيه فقد وجدت الصّفة ، فإنّها اسم لوقت الفعل ، فتقدّر به ويقع الطّلاق .
12 - ومثل متى في الحكم ( متى ما ) فكلّ ما قيل في متى يقال أيضاً في ( متى ما ) ، فحكمها في الشّرط كحكم متى بل أولى ، لأنّ اقتران ( ما ) بها يجعلها للجزاء المحض دون غيره كالاستفهام .
د - من :
13 - وهي اسم باتّفاق وضع للدّلالة على من يعقل ، ثمّ ضمّن معنى الشّرط .
وهي من صيغ العموم بوضع اللّغة ، وهي تعمّ بنفسها من غير احتياج إلى قرينة ، وهي كما قال البيضاويّ عامّة في العالمين أي : أولي العلم ، لتشمل العقلاء والذّات الإلهيّة ، لأنّ
( من ) تطلق على اللّه سبحانه وتعالى ، كما في قوله تعالى { وَمَنْ لَسْتُمْ لَه بِرَازِقين } واللّه سبحانه وتعالى يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل ، وهو معنى حسن غفل عنه الشّارحون ، كما قال الإسنويّ . قال عبد العزيز البخاريّ في كشف الأسرار شرح أصول البزدويّ ما نصّه : ومن وما يدخلان في هذا الباب أي باب الشّرط ، لإبهامها ، فإنّ كلّ واحد منهما لا يتناول عينا . وتحقيقه : أنّ ( من وما ) لإبهامهما دخلا في باب العموم ، فلمّا كان العموم في الشّرط مقصودا للمتكلّم ، وتخصيص كلّ واحد من الأفراد بالذّكر متعسّر أو متعذّر و ( من وما ) يؤدّيان هذا المعنى مع الإيجاز وحصول المقصود ، نابا مناب إن ، فقيل : من يأت أكرمه ، وما تصنع أصنع . والمسائل فيهما كثيرة مثل قوله : من دخل هذا الحصن فله رأس ، ومن دخل منكم الدّار فهو حرّ . وأمّا إذا كان للشّرط فهو اسم بمعنى أي : تقول : ما تصنع أصنع . وفي التّنزيل . { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أو مِثْلِها } { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ للناسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا } .
14 - وأمّا ( ما ) المصدريّة ، فإنّها تستعمل في الفقه ، ويقيّد بها التّصرّف تقييد إضافة لا تعليق ، كما جاء في البحر الرّائق وفتح القدير ، لأنّها تنوب عن ظرف الزّمان ، كما في قوله تعالى : { وَأَوصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيَّاً } أي مدّة دوامي حيّا .
وعلى هذا لو قال : أنت طالق ما لم أطلّقك ، وسكت ، وقع الطّلاق اتّفاقا بسكوته ، لأنّه ترتّب عليه إضافة الطّلاق إلى وقت لم يطلّقها فيه .
هـ - مهما :
15 - مهما اسم وضع للدّلالة على ما لا يعقل ، ثمّ ضمّن معنى الشّرط . وقد ذكر النّوويّ في الرّوضة : أنّ مهما من صيغ التّعليق ، نحو أن يقول : مهما دخلت الدّار فأنت طالق .
و - أيّ :
16 - وهي بحسب ما تضاف إليه ، ففي : أيّهم يقم أقم معه من باب ( من ) أي أنّها تستعمل فيمن يعقل ، وفي : أيّ الدّوابّ تركب أركب من باب ( ما ) أي من باب ما لا يعقل ، وفي : أيّ يوم تصم أصم من باب ( متى ) أي أنّها تدلّ على زمان مبهم ، وفي أيّ مكان تجلس أجلس من باب ( أين ) أي أنّها تدلّ على مكان مبهم .
وقد جاء في المغني والرّوضة ما يفيد أنّ حكم ( أيّ ) في التّعليق كحكم " متى ومن وكلّما " بمعنى أنّه لو علّق التّصرّف بنفي فعل بأيّ ، كما لو علّق الطّلاق على نفي الدّخول بأيّ ، بأن قال : أيّ وقت لم تدخلي فيه الدّار فأنت طالق ، فإنّه إن مضى زمن يمكنها فيه الدّخول - ولم تدخل - فإنّه يقع الطّلاق بعده على الفور .
وأمّا لو علّق الطّلاق على إيجاد فعل بأيّ ، فلا تفيد الفور كغيرها من أدوات التّعليق .
وجاء في تبيين الحقائق أنّ ( أيّ ) لا تعمّ بعموم الصّفة فلو قال : أيّ امرأة أتزوّجها فهي طالق ، فإنّ ذلك يتحقّق في امرأة واحدة فقط .
بخلاف كلمتي ( كلّ وكلّما ) فإنّهما تفيدان عموم ما دخلتا عليه كما سيأتي .
ز - كلّ وكلّما :
17 - كلمة ( كلّ ) تستعمل بمعنى الاستغراق بحسب المقام ، كقوله تعالى : { وَاللَّهُ بِكُلّ شَيءٍ عَليمٌ } وقد تستعمل بمعنى الكثير كقوله تعالى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } أي كثيرا ، لأنّها دمّرتهم ودمّرت مساكنهم دون غيرهم ، ولفظ ( كلّ ) لا يستعمل إلّا مضافا لفظا أو تقديرا ، ولفظه واحد ، ومعناه جمع ، ويفيد التّكرار بدخول ( ما ) عليه نحو : كلّما جاءك زيد فأكرمه .
18 - وكلمة ( كلّ ) من صيغ التّعليق عند الحنفيّة والمالكيّة وكذا عند الشّافعيّة إن قصد بها التّعليق دون المكافأة . ولم يفرّق الحنفيّة في تعليق الطّلاق ب ( كلّ ) بين ما إذا عمّم ، بأن قال : كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق ، أو خصّص بأن قال : كلّ امرأة من بني فلان أو من بلد كذا . وأمّا المالكيّة فإنّهم يخالفون الحنفيّة في صورة التّعميم ، لأنّ فيه سدّاً لباب النّكاح ، ويتّفقون معه في صورة التّخصيص بأن يخصّ بلداً أو قبيلة أو جنساً أو زمناً يبلغه عمره ظاهرا . وذكر السّرخسيّ في أصوله أنّ كلمة ( كلّ ) توجب الإحاطة على وجه الإفراد ، ومعناه أنّ كلّ واحد من المسمّيات الّتي توصل بها كلمة كلّ يصير مذكورا على سبيل الانفراد ، كأنّه ليس معه غيره ، لأنّ هذه الكلمة صلة في الاستعمال ، حتّى لا تستعمل وحدها لخلوّها عن الفائدة ، وهي تحتمل الخصوص ، نحو كلمة ( من ) إلا أنّ معنى العموم فيها يخالف معنى العموم في كلمة ( من ) ولهذا استقام وصلها بكلمة من كقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيها فَانٍ } حتّى لو وصلت باسم نكرة فإنّها تقتضي العموم في ذلك الاسم أيضا . ولهذا لو قال : كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق تطلق كلّ امرأة يتزوّجها على العموم . ولو تزوّج امرأة مرّتين لم تطلق في المرّة الثّانية ، لأنّها توجب العموم فيما وصلت به من الاسم دون الفعل .
19 - والفرق بين كلمة " كلّ " وكلمة " من " فيما يرجع إلى الخصوص : هو أنّ كلمة كلّ وإن كانت الإحاطة فيها شاملة لكلّ فرد ، إلا أنّها تحتمل الخصوص ، ككلمة " من " كما لو قال : كلّ من دخل هذا الحصن أوّلا فله كذا ، فدخلوا على التّعاقب فالنّفل للأوّل خاصّة لاحتمال الخصوص في كلمة كلّ ، فإنّ الأوّل اسم لفرد سابق ، وهذا الوصف متحقّق فيه دون من دخل بعده . ومثل ذلك كلمة " من " في صورة التّعاقب .
20 - فإن دخلوا معا استحقّوا جميعا النّفل بكلمة " كلّ " دون كلمة " من " .
وأمّا كلمة " كلّما " فإنّها من صيغ التّعليق عند الفقهاء ، وهي تقتضي التّكرار والفور ، ويليها الفعل دون الاسم ، فتقتضي العموم فيه ، فلو قال : كلّما تزوّجت امرأة فهي طالق ، فتزوّج امرأة مراراً فإنّها تطلق في كلّ مرّة يتزوّجها ، لأنّها تقتضي العموم في الأفعال دون الأسماء ، بخلاف كلمة ( كلّ ) فإنّها تفيد العموم في الأسماء دون الأفعال .
ح - لو :
21 - تكون ( لو ) حرف شرط في المستقبل ، إلا أنّها لا تجزم ، ومثالها قوله تعالى :
{ وَلْيَخْشَ الَّذينَ لو تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافَاً خَافُوا عَليهمْ } أي : وليخش الّذين إن شارفوا وقاربوا أن يتركوا . وإنّما أوّلوا التّرك بمشارفة التّرك ، لأنّ الخطاب للأوصياء ، وإنّما يتوجّه إليهم قبل التّرك ، لأنّهم بعده أموات .
وأمّا من حيث تعليق التّصرّف " بلو " فقد أجاز الفقهاء - كأبي يوسف - تعليقه بها ، لشبهها " بإن " فإنّ لو تستعمل في معنى الشّرط ولا يليها دائما إلّا الفعل كإن ، ولورود استعمال كلّ منهما في معنى الأخرى ، إلا أنّ " لو " تفيد التّقييد في الماضي " وإن " تفيده في المستقبل . إلا أنّ الفقهاء لم ينظروا إلى هذه النّاحية ، وعاملوها كإن في التّعليق ، فمن قال لعبده : لو دخلت الدّار لتعتق ، فإنّه لا يعتق حتّى يدخل صونا للكلام عن الإهمال ، حتّى إنّ من الفقهاء من عاملها معاملة " إن " مطلقا وأجاز اقتران جوابها بالفاء ، ولم ينظر إلى عدم جواز ذلك عند النّحاة ، لأنّ العامّة تخطئ وتصيب في الإعراب ، فمن قال لرجل : زنيت بكسر التّاء ، أو قال لامرأة : زنيت بفتحها ، وجب حدّ القذف في الصّورتين .
22 - وتستعمل " لو " في الاستقبال لمؤاخاتها لإن ، كأن يقال : لو استقبلت أمرك بالتّوبة لكان خيرا لك ، أي إن استقبلت ، وقال تعالى : { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلو أَعْجَبَكُمْ } أي وإن أعجبكم ، كما أنّ " إن " استعلمت بمعنى " لو " كقوله تعالى : { إنْ كُنْتُ قُلْتُه فَقَدْ عَلِمْتَه } وعلى هذا فمن قال لزوجته : أنت طالق لو دخلت الدّار ، فإنّها لا تطلق عند أبي يوسف حتّى تدخل الدّار ، لأنّ لو بمنزلة إن ، فتفيد معنى التّرقّب . وليس في هذه المسألة نصّ عن أبي حنيفة ، ولم يرو فيها شيء عن محمّد ، فهي من النّوادر .
23 - أمّا " لولا " وهي الّتي تفيد امتناع الثّاني لوجود الأوّل ، فإنّها ليست من صيغ التّعليق عند الفقهاء ، لأنّها وإن كان فيها معنى الشّرط فإنّ الجزاء فيها لا يتوقّع حصوله ، لأنّها لا تستعمل إلّا في الماضي ، ولا علاقة لها بالزّمن المستقبل ، فهي عندهم بمعنى الاستثناء لأنّها تستعمل لنفي شيء بوجود غيره ، فمن قال لزوجته : أنت طالق لولا حسنك ، أو لولا صحبتك ، لا يقع الطّلاق حتّى وإن زال الحسن أو انتفت الصّحبة ، لجعله ذلك مانعا من وقوع الطّلاق .
ط - كيف :
24 - " كيف " تستعمل في اللّغة على وجهين : أحدهما : أن تكون شرطاً .
والثّاني : وهو الغالب فيها : أن تكون استفهاما ، إمّا حقيقيّا نحو " كيف زيد ؟ " أو غيره نحو { كيفَ تَكْفُرونَ بِاللَّهِ } الآية ، فإنّه أخرج مخرج التّعجّب ، وتقع خبرا قبل ما لا يستغنى ، نحو " كيف أنت ؟ " " وكيف كنت ؟ " ، وحالا قبل ما يستغنى ، نحو " كيف جاء زيد ؟ " أي على أيّ حالة جاء زيد .
وأمّا الفقهاء فإنّهم لم يخرجوا في استعمالهم لكيف عمّا ذكرته اللّغة بشأنها .
فذهب أبو حنيفة إلى أنّ تعليق الحكم بكيف لا يؤثّر في أصل التّصرّف ، وإنّما يؤثّر في صفته . وذهب أبو يوسف ومحمّد إلى أنّ تعليق الحكم بها يؤثّر في الأصل والوصف معاً . وعلى هذا فقد قال أبو حنيفة فيمن قال لامرأته : أنت طالق كيف شئت أنّها تطلق قبل المشيئة تطليقة ، ثمّ إن لم تكن مدخولا بها فقد بانت لا إلى عدّة ، ولا مشيئة لها ، وإن كانت مدخولا بها فالتّطليقة الواقعة رجعيّة ، والمشيئة إليها في المجلس بعد ذلك .
فإن شاءت البائنة - وقد نواها الزّوج - كانت بائنة ، أو إن شاءت ثلاثاً - وقد نواها الزّوج - تطلق ثلاثاً ، وإن شاءت واحدة بائنة - وقد نوى الزّوج ثلاثاً - فهي واحدة رجعيّة ، وإن شاءت ثلاثاً - وقد نوى الزّوج واحدة بائنة - فهي واحدة رجعيّة ، لأنّها شاءت غير ما نوى ، وأوقعت غير ما فوّض إليها ، فلا يعتبر ، لأنّه إنّما يتأخّر إلى مشيئتها ما علّقه الزّوج بمشيئتها دون ما لم يعلّقه ، وكلمة " كيف " لا ترجع إلى أصل الطّلاق ، فيكون هو منجّزا أصل الطّلاق ومفوّضا للصّفة إلى مشيئتها ، بقوله : كيف شئت . إلا أنّ في غير المدخول بها لا مشيئة لها في الصّفة بعد إيقاع الأصل ، فيلغو تفويضه الصّفة إلى مشيئتها بعد إيقاع الأصل ، وفي المدخول بها ، لها المشيئة في الصّفة بعد وقوع الأصل ، بأن تجعله بائنا أو ثلاثا على ما عرف ، فيصحّ تفويضه إليها .
وأمّا عند أبي يوسف ومحمّد : فلا يقع عليها شيء ما لم تشأ ، فإذا شاءت فالتّفريع كما قال أبو حنيفة ، لأنّه جعل الطّلاق مفوّضا إلى مشيئتها فلا يقع بدون تلك المشيئة ، كقوله : أنت طالق إن شئت ، أو كم شئت ، أو حيث شئت ، لا يقع شيء ما لم تشأ ، وهذا لأنّه لمّا فوّض وصف الطّلاق إليها يكون ذلك تفويضا لنفس الطّلاق إليها ضرورة أنّ الوصف لا ينفكّ عن الأصل . ولم نطّلع للمالكيّة على كلام في هذه المسألة .
وأمّا الشّافعيّة : فلهم رأيان في هذه المسألة .
فقد ذكر البغويّ أنّه لو قال : أنت طالق كيف شئت ، قال أبو زيد والقفّال : تطلق شاءت أم لم تشأ . وقال الشّيخ أبو عليّ : لا تطلق حتّى توجد مشيئة في المجلس بالإيقاع أو عدمه .
وأمّا الحنابلة : فإنّهم لم يفرّقوا في هذه المسألة بين " كيف " وبين غيرها من أدوات التّعليق ، فالطّلاق عندهم لا يقع حتّى تعرف مشيئتها بقولها ، فقد جاء في كشّاف القناع أنّه لو قال : أنت طالق إن شئت أو إذا شئت ، أو متى شئت ، أو كيف شئت . . إلخ لم تطلق حتّى تقول : قد شئت ، لأنّ ما في القلب لا يعلم حتّى يعبّر عنه اللّسان .
ي - حيث ، وأين :
25 - " حيث " اسم للمكان المبهم . قال الأخفش : وقد تكون للزّمان .
" وحيث " من صيغ التّعليق ، لشبهها " بإن " في الإبهام ، وتعليق التّصرّف بها لا يتعدّى مجلس التّخاطب تشبيها لها ب " إن " أيضاً ، فإنّ تعليق الطّلاق مثلا بمشيئة المرأة ب " إن " لا يتعدّى مجلس التّخاطب عند الحنفيّة .
فلو قال لامرأته : أنت طالق حيث شئت ، فإنّها لا تطلق قبل المشيئة ، وتتوقّف مشيئتها على المجلس ، لأنّ " حيث " من ظروف المكان ، ولا اتّصال للطّلاق بالمكان ، فيلغو ذكره ، ويبقى ذكر المشيئة في الطّلاق ، فيقتصر على المجلس .
وأورد البهوتيّ " حيث " في صيغ التّعليق ، وأنّها تعامل معاملة غيرها من أدوات التّعليق ، فتعلّق الحكم بها لا يكون قاصرا على المجلس عند الحنابلة ، بل يتعدّاه إلى غيره . فلو قال : أنت طالق حيث شئت ، فإنّها لا تطلق حتّى تعرف مشيئتها بقولها ، سواء أكان ذلك على الفور أم على التّراخي . ولم يذكرها المالكيّة ، ولا النّوويّ من الشّافعيّة في الرّوضة .
26 - ومثل " حيث " فيما تقدّم أين ، فإنّها أيضا اسم للمكان المبهم ، وذكرها صاحب فتح الغفّار وعدّها من أدوات التّعليق ، وذكرها أيضا صاحب كشّاف القناع ولم يفرّق بينها وبين " إن " في الحكم .
ك - أنّى :
27 - وهي اسم اتّفاقا وضع للدّلالة على الأمكنة ثمّ ضمّن معنى الشّرط ، وترد في اللّغة بمعنى أين ، وبمعنى كيف ، وبمعنى متى .
هذا وقد ذكر الحنابلة في كتبهم : أنّها من الألفاظ الّتي يعلّق بها الحكم ، فقد جاء في كشّاف القناع : أنّه لو قال : أنت طالق أنّى شئت ، فإنّها لا تطلق حتّى تعرف مشيئتها بقولها ، ولم يفرّق بينها وبين ( إن ) لأنّ كلّا منهما تدلّ على التّعليق .
ثالثاً : شروط التّعليق :
28 - يشترط لصحّة التّعليق أمور :
الأوّل : أن يكون المعلّق عليه أمراً معدوماً على خطر الوجود ، أي متردّداً بين أن يكون وأن لا يكون ، فالتّعليق على المحقّق تنجيز ، وعلى المستحيل لغو .
الثّاني : أن يكون المعلّق عليه أمراً يرجى الوقوف على وجوده ، فتعليق التّصرّف على أمر غير معلوم لا يصحّ ، فلو علّق الطّلاق مثلاً على مشيئة اللّه تعالى ، بأن قال لامرأته : أنت طالق إن شاء اللّه ، فإنّ الطّلاق لا يقع اتّفاقاً ، لأنّه علّقه على شيء لا يرجى الوقوف على وجوده .
الثّالث : أن لا يوجد فاصل بين الشّرط والجزاء ، أي بين المعلّق والمعلّق عليه ، فلو قال لزوجته : أنت طالق ، ثمّ قال بعد فترة من الزّمن : إن خرجت من الدّار دون إذن منّي لم يكن تعليقا للطّلاق ، ويكون الطّلاق منجّزا بالجملة الأولى .
الرّابع : أن يكون المعلّق عليه أمرا مستقبلا بخلاف الماضي ، فإنّه لا مدخل له في التّعليق ، فالإقرار مثلا لا يصحّ تعليقه بالشّرط ، لأنّه إخبار عن ماض ، والشّرط إنّما يتعلّق بالأمور المستقبلة .
الخامس : أن لا يقصد بالتّعليق المجازاة ، فلو سبّته بما يؤذيه فقال : إن كنت كما قلت فأنت طالق ، تنجّز سواء أكان الزّوج كما قالت أو لم يكن ، لأنّ الزّوج في الغالب لا يريد إلا إيذاءها بالطّلاق . فإن أراد التّعليق يدين فيما بينه وبين اللّه عزّ وجلّ .
السّادس : أن يوجد رابط كالفاء وإذا الفجائيّة حيث كان الجزاء مؤخّرا ، وإلا يتنجّز .
السّابع : أن يكون الّذي يصدر منه التّعليق مالكا للتّنجيز أي قادرا على التّنجيز - بمعنى كون الزّوجيّة قائمة حقيقة أو حكماً - وهذا الشّرط فيه خلاف ، فالحنفيّة والمالكيّة لا يشترطون ذلك في تعليق الطّلاق ، بل يكتفون فيه بمطلق الملك ، سواء أكان محقّقا أم معلّقاً حتّى إنّ المالكيّة لم يفرّقوا في هذا بين التّعليق الصّريح فيما لو قال لامرأة : إن تزوّجتك فأنت طالق ، وبين التّعليق الّذي لم يصرّح به ، كما لو قال لأجنبيّة : هي طالق ، ونوى عند تزوّجه بها ، فإنّ الطّلاق يقع في الصّورتين .
29 - ودليل أصحاب هذا القول : أنّ هذا التّصرّف يمين لوجود الشّرط والجزاء ، فلا يشترط لصحّته قيام الملك في الحال ، لأنّ الوقوع عند الشّرط ، والملك متيقّن به عند وجود الشّرط ، وقبل ذلك أثره المنع ، وهو قائم بالمتصرّف .
وأمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإنّهم يشترطون لصحّة التّعليق قيام الملك في حال التّعليق ، بمعنى أن يكون الّذي يصدر منه التّعليق قادرا على التّنجيز ، وإلا فلا يصحّ تعليقه . والقاعدة الفقهيّة عندهم هي : من ملك التّنجيز ملك التّعليق ، ومن لا يملك التّنجيز لا يملك التّعليق . وهناك استثناءات من القاعدة بشقّيها ذكرها السّيوطيّ .
ودليل أصحاب هذا القول ما رواه أحمد وأبو داود والتّرمذيّ بإسناد جيّد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم « لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ، ولا عتق له فيما لا يملك ، ولا طلاق له فيما لا يملك » . وحديث : « لا طلاق إلّا بعد نكاح » وقد روى هذا الحديث أيضا الدّارقطنيّ وغيره من حديث عائشة رضي الله عنه وزاد :
« وإن عيّنها » . ولانتفاء الولاية من القائل على محلّ الطّلاق ، وهو الزّوجة .
أثر التّعليق على التّصرّفات :
30 - هناك مسألة أصوليّة هامّة هي : أنّ التّعليق هل يمنع السّبب عن السّببيّة أو يمنع الحكم عن الثّبوت فقط ، لا السّبب عن الانعقاد ؟ والخلاف في هذه المسألة بين الحنفيّة والشّافعيّة . فالحنفيّة يرون أنّ التّعليق يمنع السّبب عن السّببيّة كما يمنع الحكم عن الثّبوت. والشّافعيّة يرون أنّ التّعليق لا يمنع السّبب عن السّببيّة ، وإنّما يمنع الحكم من الثّبوت فقط ، ولا يمنع السّبب عن الانعقاد . فكون التّعليق يمنع ثبوت الحكم محلّ اتّفاق بين الحنفيّة والشّافعيّة ، وكونه يمنع السّبب عن السّببيّة هو محلّ الخلاف .
فالحنفيّة يرون أنّه يمنع ، والشّافعيّة على العكس في ذلك . وممّا يتفرّع عليه تعليق الطّلاق والعتاق بالملك ، فإنّه يصحّ عند الحنفيّة ويقع عند وجود الملك ، لعدم سببيّته في الحال ، وإنّما يصير سببا عند وجود الشّرط وهو الملك ، فيصادف محلاً مملوكاً .
ولا يصحّ عند الشّافعيّة ، لأنّ التّعليق عندهم ينعقد سببا للحكم في الحال ، والمحلّ هنا غير مملوك ، فيلغو ، ولا يقع شيء عند وجود الشّرط .
31 - التّصرّفات من حيث قبولها التّعليق أو عدم قبولها له على ضربين :
أحدهما : تصرّفات تقبل التّعليق وهي . الإيلاء والتّدبير والحجّ والخلع والطّلاق والظّهار والعتق والكتابة والنّذر والولاية .
الثّاني : تصرّفات لا تقبل التّعليق وهي : الإجارة والإقرار والإيمان باللّه تعالى ، والبيع والرّجعة والنّكاح والوقف والوكالة . وضابط ذلك : أنّ ما كان تمليكاً محضاً لا مدخل للتّعليق فيه قطعاً كالبيع ، وما كان حلا - أي إسقاطاً - محضاً يدخله التّعليق قطعاً كالعتق .
وبين المرتبتين مراتب يجري فيها الخلاف كالفسخ والإبراء ، لأنّهما يشبهان التّمليك ، وكذلك الوقف ، وفيه شبه يسير بالعتق فجرى فيه وجه ضعيف . وتفصيل ذلك فيما يلي :
أوّلا : التّصرّفات الّتي تقبل التّعليق :
أ - الإيلاء :
32 - الإيلاء يقبل التّعليق على الشّرط عند الفقهاء ، كأن يقول : إن دخلت الدّار فواللّه لا أقربك ، فإنّه يصير موليا عند وجود الشّرط لأنّ الإيلاء يمين يحتمل التّعليق بالشّرط كسائر الأيمان . وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ الإيلاء من التّصرّفات الّتي تقبل التّعليق على الشّرط ولا تقبل الشّرط ، فلا يصحّ قوله : آليت منك بشرط كذا . والتّفصيل محلّه مصطلح ( إيلاء )
ب - الحجّ :
33 - ذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ الحجّ يصحّ تعليقه ، كأن يقول : إن أحرم فلان فقد أحرمت . ويقبل الشّرط كأن يقول : أحرمت على أنّي إذا مرضت فأنا حلال .
والتّفصيل محلّه مصطلح ( حجّ ) .
ج - الخلع :
34 - الخلع إن كان من جانب الزّوجة ، بأن كانت هي البادئة بسؤال الطّلاق ، فإنّه لا يقبل التّعليق عند الحنفيّة والشّافعيّة ، لأنّ الخلع من جانبها معاوضة . وإن كان من جانب الزّوج فإنّه يقبل التّعليق عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، لأنّ الخلع من جانبه طلاق ، ومثله الطّلاق على مال . وأمّا الحنابلة فلم يجوّزوا تعليق الخلع قياساً على البيع .
وذكر الزّركشيّ في المنثور : أنّ الخلع إن جعلناه طلاقا فإنّه يقبل التّعليق على الشّروط ولا يقبل الشّرط . والتّفصيل محلّه مصطلح ( خلع ) .
د - الطّلاق :
35 - مجمل ما قاله الفقهاء في الطّلاق هو أنّ الطّلاق يقبل التّعليق اتّفاقاً ، ويقع بحصول المعلّق عليه . وذكر الزّركشيّ في المنثور : أنّ الطّلاق من التّصرّفات الّتي تقبل التّعليق على الشّرط ولا تقبل الشّرط .
والفقهاء يذكرون مسائل كثيرة في تعليق الطّلاق ، كتعليقه على المشيئة أو الحمل أو الولادة أو على فعل غيره ، وتعليقه على الطّلاق نفسه ، وتعليقه على أمر مستقبل أو أمر يستحيل وقوعه ، وغيرها من المسائل الّتي يطول الكلام بذكرها فليرجع لتفصيلها إلى ( الطّلاق ) .
هـ - الظّهار :
36 - يصحّ تعليق الظّهار باتّفاق الفقهاء ، وذلك لأنّ الظّهار يقتضي التّحريم كالطّلاق ، ويقتضي الكفّارة كاليمين . وكلّ من الطّلاق واليمين يصحّ تعليقه . فمن قال لزوجته : أنت عليّ كظهر أمّي إن دخلت الدّار ، لا يصير مظاهراً منها قبل دخولها الدّار .
وذكر الزّركشيّ في المنثور : أنّ الظّهار كالطّلاق في كونه يقبل التّعليق على الشّرط ولا يقبل الشّرط . والتّفصيل محلّه مصطلح ( ظهار ) .
و - العتق :
37 - اتّفق الفقهاء على صحّة تعليق العتق بالشّرط والصّفة ، على تفصيل فيهما ينظر في مصطلح ( عتق ) .
ز - المكاتبة :
38 - يجوز تعليق المكاتبة بالشّرط ، وفي ذلك تفصيل سبق في مصطلح ( إسقاط ) وراجع مصطلح ( مكاتبة ) .
ح - النّذر :
39 - اتّفق الفقهاء على جواز تعليق النّذر بالشّرط ، ولا يجب الوفاء قبل حصول المعلّق عليه ، لعدم وجود سبب الوفاء ، فمتى وجد المعلّق عليه وجد النّذر ولزم الوفاء به .
على تفصيل في ذلك في مصطلح ( نذر ) .
ط - الولاية :
40 - ويمثّل لها بالإمارة والقضاء والوصاية ، أمّا الإمارة والقضاء فيجوز تعليقهما بالشّرط لأنّهما ولاية محضة . وتفصيل ذلك محلّه مصطلح ( إمارة ) ومصطلح ( قضاء ) .
وأمّا الوصاية فيجوز عند الحنفيّة في ظاهر المذهب ، وعند الشّافعيّة والحنابلة تعليقها بالشّرط لقربها من الإمارة ، فإذا قال : إذا متّ ففلان وصيّي ، فإنّ المذكور يصير وصيّا عند وجود الشّرط للخبر الصّحيح « فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر ، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد اللّه بن رواحة » .
وأمّا المالكيّة فإنّهم لم يصرّحوا بجواز تعليقها . والتّفصيل محلّه مصطلح ( وصاية ) .
ثانياً - التّصرّفات الّتي لا تقبل التّعليق :
أ - الإجارة :
41 - لا يجوز الإجارة على الشّرط بالاتّفاق بين الفقهاء وذلك لأنّ منفعة العين المؤجّرة تنقل ملكيّتها في مدّة الإجارة من المؤجّر إلى المستأجر . وانتقال الأملاك لا يكون إلّا مع الرّضا ، والرّضا إنّما يكون مع الجزم ، ولا جزم مع التّعليق .
ب - الإقرار :
42 - لا يجوز تعليق الإقرار على الشّرط بالاتّفاق ، لأنّ المقرّ يعتبر بذلك مقرّا في الحال ، ولأنّ التّعليق على الشّرط في معنى الرّجوع عن إقرار ، والإقرار في حقوق العباد لا يحتمل الرّجوع ، ولأنّ الإقرار إخبار عن حقّ سابق فلا يصحّ تعليقه ، لوجوبه قبل الشّرط . والتّفصيل في مصطلح ( إقرار ) .
ج - الإيمان باللّه تعالى :
43 - الإيمان باللّه تعالى لا يقبل التّعليق على الشّرط ، فإذا قال : إن كنت في هذه القضيّة كاذبا فأنا مسلم ، فإنّه إن كان كذلك لا يحصل له إسلام ، لأنّ الدّخول في الدّين يفيد الجزم بصحّته ، والمعلّق ليس بجازم . والتّفصيل في مصطلح ( إيمان ) .
د - البيع :
44 - لا يجوز في الجملة تعليق البيع على الشّرط بالاتّفاق ، وذلك لأنّ البيع فيه انتقال للملك من طرف إلى طرف ، وانتقال الأملاك إنّما يعتمد الرّضا ، والرّضا يعتمد الجزم ، ولا جزم مع التّعليق . والتّفصيل في مصطلح ( بيع )
هـ - الرّجعة :
45 - لا يجوز تعليق الرّجعة على شرط عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وأمّا المالكيّة فذكروا في إبطال الرّجعة إن علّقت - بأن قال لزوجته : إن جاء الغد فقد راجعتك - قولين :
أحدهما : وهو الأظهر ، أنّها لا تصحّ الآن ولا غداً ، لأنّه ضرب من النّكاح ، وهو لا يكون لأجل ، ولافتقارها لنيّة مقارنة .
والثّاني : أنّها تبطل الآن فقط ، وتصحّ رجعته في الغد ، لأنّ الرّجعة حقّ للزّوج فله تعليقها . والتّفصيل في مصطلح ( رجعة ) .
و - النّكاح :
46 - لا يجوز تعليق النّكاح على شرط عند الحنفيّة والمالكيّة ، والمذهب عند الشّافعيّة . وأمّا الحنابلة فلا يجوز عندهم تعليق ابتداء النّكاح على شرط مستقبل غير مشيئة اللّه ، لأنّه - كما جاء في كشّاف القناع - عقد معاوضة فلا يصحّ تعليقه على شرط مستقبل كالبيع . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) .
ز - الوقف :
47 - لا يجوز عند الحنفيّة تعليق الوقف على شرط ، مثل أن يقول : إن قدم ولدي فداري صدقة موقوفة على المساكين ، لاشتراطهم التّنجيز فيه .
وأمّا المالكيّة فجوّزوا تعليقه لعدم اشتراطهم التّنجيز فيه قياساً على العتق .
وأمّا الشّافعيّة : فلا يجوز عندهم ولا يصحّ تعليق الوقف فيما لا يضاهي التّحرير ، كقوله : إذا جاء زيد فقد وقفت كذا على كذا ، لأنّه عقد يقتضي نقل الملك في الموقوف للّه تعالى أو للموقوف عليه حالا كالبيع والهبة .
أمّا ما يضاهي التّحرير ، كجعلته مسجدا إذا جاء رمضان ، فالظّاهر صحّته كما ذكر ابن الرّفعة . ومحلّ ذلك ما لم يعلّقه بالموت ، فإن علّقه به كوقفت داري بعد موتي على الفقراء فإنّه يصحّ . قاله الشّيخان ، وكأنّه وصيّة لقول القفّال : لو عرضها للبيع كان رجوعاً .
وأمّا الحنابلة : فلم يجوّزوا تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة ، مثل أن يقول : إذا جاء رأس الشّهر فداري وقف أو فرسي حبيس ، ونحو ذلك ، ولأنّه نقل للملك فيما لم يبن على التّغليب والسّراية فلم يجز تعليقه على شرط كالهبة . وذكر ابن قدامة أنّه لا يعلم في هذا خلافاً . وسوّى المتأخّرون من الحنابلة بين تعليقه بالموت وتعليقه بشرط في الحياة . وأمّا تعليق انتهاء الوقف بوقت كقوله : داري وقف إلى سنة ، أو إلى أن يقدم الحاجّ ، فلا يصحّ في أحد الوجهين ، لأنّه ينافي مقتضى الوقف وهو التّأبيد .
وفي الوجه الآخر : يصحّ لأنّه منقطع الانتهاء .
ح - الوكالة :
48 - يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة تعليق الوكالة على شرط ، كأن يقول : إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع كذا ، لأنّ التّوكيل - كما يقول الكاسانيّ - إطلاق التّصرّف ، والإطلاقات ممّا يحتمل التّعليق بالشّرط ، ولأنّ شروط الموكّل عندهم معتبرة ، فليس للوكيل أن يخالفها ، فلو قيّد الوكالة بزمان أو مكان ونحو ذلك فليس للوكيل مخالفة ذلك .
وذكر الشّافعيّة في تعليق الوكالة بشرط من صفة أو وقت وجهين : أصحّهما : لا يصحّ قياسا على سائر العقود باستثناء الوصيّة لقبولها الجهالة ، وباستثناء الإمارة للحاجة . وثانيهما : تصحّ قياسا على الوصيّة .

تعليل *
التّعريف :
1 - التّعليل لغة : من علّ يعلّ واعتلّ أي : مرض فهو عليل .
والعلّة : المرض الشّاغل . والجمع علل . والعلّة في اللّغة أيضا : السّبب .
واصطلاحاً : تقرير ثبوت المؤثّر لإثبات الأثر وقيل : إظهار علّيّة الشّيء ، سواء أكانت تامّة أم ناقصة . والعلّة عرّفها الأصوليّون بقولهم : العلّة هي الوصف الظّاهر المنضبط الّذي يلزم من ترتيب الحكم عليه مصلحة للمكلّف من دفع مفسدة أو جلب منفعة .
وللعلّة أسماء منها : السّبب والباعث والحامل والمناط والدّليل والمقتضي وغيرها . وتستعمل العلّة أيضا بمعنى : السّبب ، لكونه مؤثّرا في إيجاب الحكم ، كالقتل العمد العدوان سبب في وجوب القصاص .
كما تستعمل العلّة أيضا بمعنى : الحكمة ، وهي الباعث على تشريع الحكم أو المصلحة الّتي من أجلها شرع الحكم . وتفصيل ذلك ينظر في الملحق الأصوليّ .
تعليل الأحكام :
2 - الأصل في أحكام العبادات عدم التّعليل ، لأنّها قائمة على حكمة عامّة ، وهي التّعبّد دون إدراك معنى مناسب لترتيب الحكم عليه .
وأمّا أحكام المعاملات والعادات والجنايات ونحوها ، فالأصل فيها : أن تكون معلّلة ، لأنّ مدارها على مراعاة مصالح العباد ، فرتّبت الأحكام فيها على معان مناسبة لتحقيق تلك المصالح . والأحكام التّعبّديّة لا يقاس عليها لعدم إمكان تعدية حكمها إلى غيرها .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( تعبّديّ ) .
فوائد تعليل الأحكام :
3 - لتعليل الأحكام فوائد منها : أنّ الشّريعة جعلت العلل معرّفة ومظهرة للأحكام كي يسهل على المكلّفين الوقوف عليها والتزامها . ومنها أن تصير الأحكام أقرب إلى القبول والاطمئنان . وتفصيل ذلك ينظر في الملحق الأصوليّ .
تعليل النّصوص :
4 - اختلف الأصوليّون في تعليل النّصوص على أربعة اتّجاهات :
أ - أنّ الأصل عدم التّعليل ، حتّى يقوم الدّليل عليه .
ب - أنّ الأصل التّعليل بكلّ وصف صالح لإضافة الحكم إليه ، حتّى يوجد مانع عن البعض . ج - أنّ الأصل التّعليل بوصف ، ولكن لا بدّ من دليل يميّز الصّالح من الأوصاف للتّعليل وغير الصّالح .
د - أنّ الأصل في النّصوص التّعبّد دون التّعليل .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( تعبّديّ ) وفي الملحق الأصوليّ .
مسالك العلّة :
5 - وهي الطّرق الّتي يسلكها المجتهد للوقوف على علل الأحكام .
المسلك الأوّل : النّصّ الصّريح .
وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السّنّة على التّعليل بوصف ، بلفظ موضوع له في اللّغة من غير احتياج إلى نظر واستدلال .
وهو قسمان :
الأوّل : ما صرّح فيه بكون الوصف علّة أو سببا للحكم .
الثّاني : ما جاء في الكتاب أو السّنّة معلّلا بحرف من حروف التّعليل .
المسلك الثّاني : الإجماع .
المسلك الثّالث : الإيماء والتّنبيه .
وهو أن يكون التّعليل لازما من مدلول اللّفظ ، لا أن يكون اللّفظ دالّا بوضعه على التّعليل . وهو على أقسام تنظر في الملحق الأصوليّ .
المسلك الرّابع : السّبر والتّقسيم .
وهو حصر الأوصاف في الأصل ، وإبطال ما لا يصلح منها للتّعليل ، فيتعيّن الباقي للتّعليل .
المسلك الخامس : المناسبة والشّبه والطّرد :
ينقسم الوصف المعلّل به إلى قسمين :
أ - ما تظهر مناسبته لترتيب الحكم عليه ويسمّى المناسب . وهو أن يترتّب الحكم على وصف ظاهر منضبط ، يلزم من ترتيب الحكم عليّة مصلحة للمكلّف من دفع مفسدة أو جلب منفعة . ويعبّر عنها بالإخالة وبالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد . ويسمّى استخراجها تخريج المناط .
ب - ما لا تظهر مناسبته لترتيب الحكم عليه وينقسم إلى نوعين :
الأوّل : أن لا يؤلّف من الشّارع اعتباره في بعض الأحكام ، ويسمّى الوصف الطّرديّ . الثّاني : أن يؤلّف من الشّارع اعتباره في بعض الأحكام ، ويسمّى الوصف الشّبهيّ .
المسلك السّادس : تنقيح المناط وتحقيق المناط والدّوران :
وهي راجعة في حقيقتها إلى المسالك المتقدّمة ومندرجة تحتها .
وتنقيح المناط : هو إلحاق الفرع بالأصل بنفي الفارق بينهما . أمّا تحقيق المناط : فهو أن يجتهد المجتهد في إثبات وجود العلّة في الصّورة الّتي هي محلّ النّزاع .
وأمّا الدّوران : فهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف ، ويرتفع بارتفاعه .
وفي بعض هذه المسالك خلاف وتفصيل ينظر في الملحق الأصوليّ .
الحديث المعلّل :
6 - هو الّذي اطّلع فيه على علّة تقدح في صحّته مع أنّ ظاهره السّلامة منها ، وهو من أنواع الحديث الضّعيف .

*********************************
رد مع اقتباس