تعزية *
التّعريف :
1 - التّعزية لغة : مصدر عزّى : إذا صبّر المصاب وواساه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ وقال الشّربينيّ : هي الأمر بالصّبر والحمل عليه بوعد الأجر ، والتّحذير من الوزر ، والدّعاء للميّت بالمغفرة ،وللمصاب بجبر المصيبة.
الحكم التّكليفيّ :
2 - لا خلاف بين الفقهاء في استحباب التّعزية لمن أصابته مصيبة .
والأصل في مشروعيّتها : خبر : « من عزّى مصاباً فله مثل أجره » .
وخبر « ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبة إلّا كساه اللّه من حلل الكرامة يوم القيامة » .
كيفيّة التّعزية ولمن تكون :
3 - يعزّى أهل المصيبة ، كبارهم وصغارهم ، ذكورهم وإناثهم ، إلا الصّبيّ الّذي لا يعقل ، والشّابّة من النّساء ، فلا يعزّيها إلا النّساء ومحارمها ، خوفاً من الفتنة .
ونقل ابن عابدين عن شرح المنية : تستحبّ التّعزية للرّجال والنّساء اللاتي لا يفتنّ .
وقال الدّردير : وندب تعزية لأهل الميّت إلا مخشيّة الفتنة .
مدّة التّعزية :
4 - جمهور الفقهاء : على أنّ مدّة التّعزية ثلاثة أيّام .
واستدلّوا لذلك بإذن الشّارع في الإحداد في الثّلاث فقط ، بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ، إلّا على زوج : أربعة أشهر وعشرا » وتكره بعدها ، لأنّ المقصود منها سكون قلب المصاب ، والغالب سكونه بعد الثّلاثة ، فلا يجدّد له الحزن بالتّعزية ، إلا إذا كان أحدهما ( المعزّى أو المعزّي ) غائباً ، فلم يحضر إلا بعد الثّلاثة ، فإنّه يعزّيه بعد الثّلاثة . وحكى إمام الحرمين وجها وهو قول بعض الحنابلة : أنّه لا أمد للتّعزية ، بل تبقى بعد ثلاثة أيّام ، لأنّ الغرض الدّعاء ، والحمل على الصّبر ، والنّهي عن الجزع ، وذلك يحصل على طول الزّمان .
وقت التّعزية :
5 - ذهب جمهور الفقهاء : إلى أنّ الأفضل في التّعزية أن تكون بعد الدّفن ، لأنّ أهل الميّت قبل الدّفن مشغولون بتجهيزه ، ولأنّ وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر ، فكان ذلك الوقت أولى بالتّعزية . وقال جمهور الشّافعيّة : إلا أن يظهر من أهل الميّت شدّة جزع قبل الدّفن ، فتعجّل التّعزية ، ليذهب جزعهم أو يخفّ . وحكي عن الثّوريّ : أنّه تكره التّعزية بعد الدّفن .
مكان التّعزية :
6 - كره الفقهاء الجلوس للتّعزية في المسجد .
وكره الشّافعيّة والحنابلة الجلوس للتّعزية ، بأن يجتمع أهل الميّت في مكان ليأتي إليهم النّاس للتّعزية ، لأنّه محدث وهو بدعة ، ولأنّه يجدّد الحزن . ووافقهم الحنفيّة على كراهة الجلوس للتّعزية على باب الدّار ، إذا اشتمل على ارتكاب محظور ، كفرش البسط والأطعمة من أهل الميّت . ونقل الطّحطاويّ عن شرح السّيّد أنّه لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيّام من غير ارتكاب محظور . وذهب المالكيّة : إلى أنّ الأفضل كون التّعزية في بيت المصاب . وقال بعض الحنابلة : إنّما المكروه البيتوتة عند أهل الميّت ، وأن يجلس إليهم من عزّى مرّة ، أو يستديم المعزّي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التّعزية .
صيغة التّعزية :
7 - قال ابن قدامة : لا نعلم في التّعزية شيئاً محدوداً ، إلا ما روي أنّ الإمام أحمد قال : يروى « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عزّى رجلاً فقال : رحمك اللّه وآجرك » .
وعزّى أحمد أبا طالب ( أحد أصحابه ) فوقف على باب المسجد فقال : أعظم اللّه أجركم وأحسن عزاءكم . وقال بعض أصحابنا إذا عزّى مسلما بمسلم قال : أعظم اللّه أجرك ، وأحسن عزاك ، ورحم اللّه ميّتك . واستحبّ بعض أهل العلم : أن يقول ما روى جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : « لمّا توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجاءت التّعزية ، سمعوا قائلاً يقول : إنّ في اللّه عزاء من كلّ مصيبة ، وخلفاً من كلّ هالك ، ودركاً من كلّ ما فات ، فباللّه فثقوا ، وإيّاه فارجوا ، فإنّ المصاب من حرم الثّواب » .
وهل يعزّى المسلم بالكافر أو العكس ؟
8 - ذهب الأئمّة : الشّافعيّ ، وأبو حنيفة في رواية عنه : إلى أنّه يعزّى المسلم بالكافر ، وبالعكس ، والكافر غير الحربيّ . وذهب الإمام مالك : إلى أنّه لا يعزّى المسلم بالكافر . وقال ابن قدامة من الحنابلة : إن عزّى مسلما بكافر قال : أعظم اللّه أجرك وأحسن عزاءك.
صنع الطّعام لأهل الميّت :
9 - يسنّ لجيران أهل الميّت أن يصنعوا طعاما لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم :
« اصنعوا لأهل جعفر طعاما ، فإنّه قد جاءهم ما يشغلهم » .
ويكره أن يصنع أهل الميّت طعاما للنّاس ، لأنّ فيه زيادة على مصيبتهم ، وشغلاً على شغلهم ، وتشبّها بأهل الجاهليّة ، لخبر جرير بن عبد اللّه البجليّ رضي الله عنه : كنّا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميّت ، وصنيعة الطّعام بعد دفنه من النّياحة .
تعشير *
التّعريف :
1 - التّعشير في اللّغة : مصدر عشّر ، يقال : عشّر القوم ، وعشّرهم : إذا أخذ عشر أموالهم . والعشّار : هو من يأخذ العشر . وقد عشّرت النّاقة : صارت عشراء - أي حاملا - إذا تمّ لها عشرة أشهر . ومعناه في الاصطلاح كمعناه اللّغويّ .
ويستعمل في الاصطلاح أيضاً بمعنى : جعل العواشر في المصحف ، والعاشرة : هي الحلقة في المصحف عند منتهى كلّ عشر آيات . والعاشرة أيضاً : الآية الّتي تتمّ بها العشر . والتّعشير - بمعنى أخذ العشر - يرجع لمعرفة أحكامه إلى مصطلح ( عشر ) .
تاريخ التّعشير في المصحف :
2 - قال ابن عطيّة : مرّ بي في بعض التّواريخ : أنّ المأمون العبّاسيّ أمر بذلك . وقيل : إنّ الحجّاج فعل ذلك ، وقال قتادة : بدءوا فنقّطوا ، ثمّ خمّسوا ، ثمّ عشّروا .
وقال يحيى بن أبي كثير : كان القرآن مجرّدا في المصاحف ، فأوّل ما أحدثوا فيه النّقط على الباء والتّاء والثّاء ، وقالوا : لا بأس به ، هو نور له ، ثمّ أحدثوا نقطا عند منتهى الآي ، ثمّ أحدثوا الفواتح والخواتم .
حكم التّعشير :
3 - ذكر أبو عمر والدّاني في كتاب البيان له ، عن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه : أنّه كره التّعشير في المصاحف ، وأنّه كان يحكّه .
وعن مجاهد : أنّه كان يكره التّعشير والطّيب في المصاحف .
وقال الحنفيّة : تجوز تحلية المصحف وتعشيره ونقطه : أي إظهار إعرابه ، وبه يحصل الرّفق جدّا ، خصوصا للعجم ، فيستحسن . وعلى هذا لا بأس بكتابة أسماء السّور ، وعدّ الآي ، وعلامات الوقف ونحوها ، فهي بدعة حسنة . وقالوا : إنّ ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه " جرّدوا القرآن كان في زمنهم ، وكم شيء يختلف باختلاف الزّمان والمكان. وعند المالكيّة : أنّه مكروه بالحمرة وغيرها من الألوان ، إلا الحبر .
قال أشهب : سمعنا مالكاً وسئل عن العشور الّتي في المصحف بالحمرة وغيرها من الألوان فكره ذلك ، وقال : تعشير المصحف بالحبر لا بأس به .
تعصيب *
انظر : عصبة .
تعقيب
انظر : موالاة ، تتابع .
تعلّم *
انظر : تعليم .
تعلّي *
التّعريف :
1 - التّعلّي في اللّغة له معان ، منها : أنّه من العلوّ ، وهو : الارتفاع وعُلوّ كلّ شيء وعَلوه وعِلوه : أرفعه . وعلا الشّيء علوّا فهو عليّ : ارتفع ، وفي حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما : فإذا هو يتعلّى عنّي : أي يترفّع عليّ . وتعالى : ترفّع . وتعلّى : أي علا في مهلة .
وهو في الاصطلاح لا يخرج عن هذا ، إذ يراد به عند الفقهاء : رفع بناء فوق بناء آخر .
أحكام حقّ التّعلّي :
2 - حقّ التّعلّي : إمّا أن يستعمله صاحبه لنفسه ، وإمّا يبيعه لغيره .
أمّا استعماله لنفسه : فقد نصّت المادّة ( 1198 ) من مجلّة الأحكام العدليّة على أنّ : كلّ أحد له التّعلّي على حائطه الملك ، وبناء ما يريد ، وليس لجاره منعه ما لم يكن ضرراً فاحشاً . وقال الأتاسيّ في شرح المادّة : ولا عبرة بزعمه أنّه يسدّ عنه الرّيح والشّمس ، كما أفتى به في الحامديّة ، لأنّه ليس من الضّرر الفاحش . وفي الأنقرويّة : له أن يبني على حائط نفسه أزيد ممّا كان ، وليس لجاره منعه وإن بلغ عنان السّماء .
وأمّا بيعه لغيره فقد ذهب الجمهور المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إلى جوازه على التّفصيل التّالي :
أجازه المالكيّة متى كان المبيع قدرا معيّنا ، كعشرة أذرع مثلا من محلّ هواء ، فوق محلّ متّصل بأرض أو بناء ، بأن كان لشخص أرض خالية من البناء أراد البناء بها ، أو كان له بناء أراد البناء عليه ، فيشتري شخص منه قدرا معيّنا من الفراغ الّذي يكون فوق البناء الّذي أراد إحداثه ، فيجوز متى وصف البناء الّذي أريد إحداثه أسفل وأعلى ، ليقلّ الضّرر ، لأنّ صاحب الأسفل رغبته في خفّة الأعلى ، وصاحب الأعلى رغبته في متانة الأسفل ، ولصاحب البناء الأعلى الانتفاع بما فوق بنائه بغير البناء ، إذ يملك جميع الهواء الّذي فوق بناء الأسفل ، وليس لصاحب الأسفل الانتفاع بما فوق بناء الأعلى ، لا بالبناء ولا بغيره .
وأجازه الشّافعيّة ، متى كان المبيع حقّ البناء أو العلو : بأن قال له : بعتك حقّ البناء أو العلو للبناء عليه بثمن معلوم ، بخلاف ما إذا باعه وشرط أن لا يبني عليه ، أو لم يتعرّض للبناء عليه . لكن للمشتري أن ينتفع بما عدا البناء من مكث وغيره ، كما صرّح به السّبكيّ ، تبعا للماورديّ .
وأجازه الحنابلة ، ولو قبل بناء البيت الّذي اشترى علوه ، إذا وصف العلو والسّفل ليكونا معلومين ، ليبني المشتري أو يضع عليه بنيانا أو خشبا موصوفين ، وإنّما صحّ ذلك لأنّ العلو ملك للبائع ، فكان له بيعه ، والاعتياض عنه ، كالقرار .
وأمّا الحنفيّة : فقد ذهبوا إلى أنّ بيع حقّ التّعلّي غير جائز ، لأنّه ليس بمال ، ولا هو حقّ متعلّق بالمال ، بل حقّ متعلّق بالهواء ( أي الفراغ ) وليس الهواء ما لا يباع ، إذ المال ما يمكن قبضه وإحرازه . وصورته : أن يكون السّفل لرجل ، وعلوه لآخر ، فسقطا أو سقط العلو وحده فباع صاحب العلو علوه ، فإنّه لا يجوز ، لأنّ المبيع حينئذ ليس إلّا حقّ التّعلّي . وعلى هذا : فلو باع العلو قبل سقوطه جاز ، فإن سقط قبل القبض بطل البيع ، لهلاك المبيع قبل القبض ، وهو بعد سقوطه بيع لحقّ التّعلّي ، وهو ليس بمال . فلو كان العلو لصاحب السّفل فقال : بعتك علو هذا السّفل بكذا صحّ ، ويكون سطح السّفل لصاحب السّفل ، وللمشتري حقّ القرار ، حتّى لو انهدم العلو كان له أن يبني عليه علوا آخر ، مثل الأوّل ، لأنّ السّفل اسم لمبنى مسقّف ، فكان سطح السّفل سقفا للسّفل .
أحكام العلو والسّفل في الانهدام والبناء :
3 - ذهب الحنفيّة : إلى أنّ السّفل إن انهدم بنفسه بلا صنع صاحبه لم يجبر على البناء ، لعدم التّعدّي ، فلو هدمه يجبر على بنائه ، لأنّه تعدّى على صاحب العلو ، وهو قرار العلو ، ولذي العلو أن يبني السّفل ثمّ يرجع بما أنفق إن بنى بإذنه أو إذن قاض ، وإلا فبقيمة البناء يوم بنى . ومتى بنى صاحب العلو السّفل : كان له أن يمنع صاحب السّفل من السّكنى ، حتّى يدفع إليه مثل ما أنفقه في بناء سفله لكونه مضطرّاً .
فلكلّ منهما حقّ في ملك الآخر : لذي العلو حقّ قراره ، ولذي السّفل حقّ دفع المطر والشّمس عن السّفل ، ولو هدم ذو السّفل سفله وذو العلو علوه ، ألزم ذو السّفل ببناء سفله ، إذ فوّت على صاحب العلو حقّا ألحق بالملك ، فهو كما لو فوّت عليه ملكاً .
فإذا بنى ذو السّفل سفله وطلب من ذي العلو بناء علوه فإنّه يجبر ، لأنّ لذي السّفل حقّا في العلو ، وأمّا لو انهدم العلو بلا صنعه فلا يجبر لعدم تعدّيه ، كما لو انهدم السّفل بلا تعدّ ، وسقف السّفل لذي السّفل .
4 - وقال المالكيّة : إنّ السّفل إن وهى وأشرف على السّقوط وخيف سقوط بناء عليه لآخر غير صاحب السّفل - فإنّه يقضى على صاحب السّفل أن يعمّر سفله فإن أبى قضي عليه ببيعه لمن يعمّره ، فإن سقط الأعلى على الأسفل فهدمه أجبر ربّ الأسفل على البناء ، أو البيع ممّن يبني ، ليبني ربّ العلو علوه عليه . وعلى ذي السّفل التّعليق للأعلى - أي حمله على خشب ونحوه - حتّى يبني السّفل ، وعليه السّقف السّاتر لسفله ، إذ لا يسمّى السّفل بيتا إلّا به ، ولذا فإنّه يقضى به لصاحب السّفل عند التّنازع .
وأمّا البلاط الّذي فوقه : فهو لصاحب الأعلى .
ويقضى على ذي العلو بعدم زيادة بناء العلو على السّفل ، لأنّها تضرّ السّفل ، إلا الشّيء الخفيف الّذي لا يضرّ السّفل حالا ومآلا ، ويرجع في ذلك لأهل المعرفة .
5 - ويرى الشّافعيّة : أنّه لو انهدم حيطان السّفل لم يكن لصاحبه أن يجبر صاحب العلو على البناء قولاً واحداً ، لأنّ حيطان السّفل لصاحب السّفل ، فلا يجبر صاحب العلو على بنائه . وهل لصاحب العلو إجبار صاحب السّفل على البناء ؟ فيه قولان ، فإن قيل : يجبر ، ألزمه الحاكم ، فإن لم يفعل – وله مال – باع الحاكم عليه ماله ، وأنفق عليه ، وإن لم يكن له مال اقترض عليه . فإذا بنى الحائط كان الحائط ملكا لصاحب السّفل ، لأنّه بني له ، وتكون النّفقة في ذمّته ، ويعيد صاحب العلو غرفته عليه ، وتكون نفقة الغرفة وحيطانها من ملك صاحب العلو دون صاحب السّفل ، لأنّها ملكه ، لا حقّ لصاحب السّفل فيه . وأمّا السّقف فهو بينهما ، وما ينفق عليه فهو من مالهما ، فإن تبرّع صاحب العلو ، وبنى من غير إذن الحاكم ، لم يرجع صاحب العلو على صاحب السّفل بشيء . ثمّ ينظر : فإن كان قد بناها بآلتها كانت الحيطان لصاحب السّفل ، لأنّ الآلة كلّها له ، وليس لصاحب العلو منعه من الانتفاع بها ، ولا يملك نقضها ، لأنّها لصاحب السّفل ، وله أن يعيد حقّه من الغرفة . وإن بناها بغير آلتها كانت الحيطان لصاحب العلو ، وليس لصاحب السّفل أن ينتفع بها من غير إذن صاحب العلو ، ولكن له أن يسكن في قرار السّفل ، لأنّ القرار له ، ولصاحب العلو أن ينقض ما بناه من الحيطان ، لأنّه لا حقّ لغيره فيها ، فإن بذل صاحب السّفل القيمة ليترك نقضها لم يلزمه قبولها ، لأنّه لا يلزمه بناؤها قولاً واحداً ، فلا يلزمه تبقيتها ببذل العوض .
6 - وعند الحنابلة : إن كان السّفل لرجل والعلو لآخر ، فانهدم السّقف الّذي بينهما ، فطلب أحدهما المباناة من الآخر ، فامتنع ، فهل يجبر الممتنع على ذلك ؟ على روايتين . كالحائط بين البيتين . وإن انهدمت حيطان السّفل فطالبه صاحب العلو بإعادتها ، فعلى روايتين : إحداهما : يجبر . فعلى هذه الرّواية يجبر على البناء وحده ، لأنّه ملكه خاصّة .
والثّانية : لا يجبر ، وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع من ذلك على الرّوايتين جميعا ، فإن بناه بآلته فهو على ما كان ، وإن بناه بآلة من عنده فقد روي عن أحمد : لا ينتفع به صاحب السّفل ، يعني حتّى يؤدّي القيمة ، فيحتمل أن لا يسكن ، لأنّ البيت إنّما يبنى للسّكن فلم يملكه كغيره ، ويحتمل أنّه أراد الانتفاع بالحيطان خاصّة من طرح الخشب وسمر الوتد وفتح الطّاق ، ويكون له السّكنى من غير تصرّف في ملك غيره ، لأنّ السّكنى إنّما هي إقامته في الفناء بين الحيطان من غير تصرّف فيها ، فأشبه الاستظلال بها من خارج .
فأمّا إن طالب صاحب السّفل بالبناء ، وأبى صاحب العلو ، ففيه روايتان :
إحداهما : لا يجبر على بنائه ، ولا مساعدته لأنّ الحائط ملك صاحب السّفل مختصّ به ، فلم يجبر غيره على بنائه ولا المساعدة فيه ، كما لو لم يكن عليه علو .
والثّانية : يجبر على مساعدته والبناء معه ، وهو قول أبي الدّرداء ، لأنّه حائط يشتركان في الانتفاع به ، أشبه الحائط بين الدّارين .
جعل علو الدّار مسجداً :
7 - أجاز الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة جعل علو الدّار مسجداً ، دون سفلها ، والعكس ، لأنّهما عينان يجوز وقفهما ، فجاز وقف أحدهما دون الآخر ، كالعبدين .
ومن جعل مسجداً تحته سرداب أو فوقه بيت ، وجعل باب المسجد إلى الطّريق ، وعزله عن ملكه ، فلا يكون مسجداً ، فله أن يبيعه ، وإن مات يورث عنه لأنّه لم يخلص للّه تعالى ، لبقاء حقّ العبد متعلّقا به ولو كان السّرداب لمصالح المسجد جاز ، كما في مسجد بيت المقدس . هذا مذهب أبي حنيفة ، خلافاً لصاحبيه . وروى الحسن عن أبي حنيفة : أنّه يجوز جعل السّفل مسجدا وعليه مسكن ، ولا يجوز العكس ، لأنّ المسجد ممّا يتأبّد ، وروي عن محمّد : عكس هذا ، لأنّ المسجد معظّم ، وإذا كان فوقه مسكن أو مستغلّ فيتعذّر تعظيمه . وعن أبي يوسف أنّه جوّزه في الوجهين حين قدم بغداد ، ورأى ضيق المنازل ، فكأنّه اعتبر الضّرورة . أمّا لو تمّت المسجديّة ثمّ أراد البناء منع .
نقب كوّة العلو أو السّفل :
8 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إلى أنّه ليس لصاحب علو تحته سفل لآخر أن ينقب كوّة في علوه ، وكذا العكس ، إلا برضا الآخر .
وذهب الصّاحبان : إلى أنّ لكلّ منهما فعل ما لا يضرّ بالآخر ، فإن أضرّ به منع منه ، كأن يشرف من الكوّة على جاره وعياله فيضرّ بهم ، والمختار أنّه إذا أشكل أنّه يضرّ أم لا ؟ لا يملك فتحها ، وإذا علم أنّه لا يضرّ يملك فتحها .
وذهب المالكيّة : إلى أنّه يقضى على من أحدث فتحها بسدّها إذا لم تكن عالية ، ويشرف منها على جاره . وأمّا القديمة فلا يقضى بسدّها ، ويقال للجار : استر على نفسك إن شئت ، فقد قال الدّسوقيّ من المالكيّة : إنّ الكوّة الّتي أحدث فتحها يقضى بسدّها ، وإن أريد سدّ خلفها فقط بعد الأمر بسدّها فإنّه يقضى بسدّ جميعها ، ويزال كلّ ما يدلّ عليها .
وهذا إذا كانت غير عالية لا يحتاج في كشف الجار منها إلى صعود على سلّم ونحوه ، وإلّا فلا يقضى بسدّها . وإذا سكت من حدث عليه فتح الكوّة ونحوها عشر سنين - ولم ينكر - جبر عليه ، ولا مقال له ، حيث لم يكن له عذر في ترك القيام ( الادّعاء ) وهذا قول ابن القاسم ، وبه القضاء .
تعلّي الذّمّيّ على المسلم في البناء :
9 - لا خلاف بين الفقهاء : في أنّ أهل الذّمّة ممنوعون من أن تعلو أبنيتهم على أبنية جيرانهم المسلمين ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أنّه قال « الإسلام يعلو ولا يعلى عليه » ولأنّ في ذلك رتبة على المسلمين ، وأهل الذّمّة ممنوعون من ذلك .
على أنّ بعض الحنفيّة قد ذهب : إلى أنّه إذا كان التّعلّي للحفظ من اللّصوص فإنّهم لا يمنعون منه ، لأنّ علّة المنع مقيّدة بالتّعلّي في البناء على المسلمين ، فإذا لم يكن ذلك - بل للتّحفّظ - فلا يمنعون .
10 - وأمّا مساواتهم في البناء ، فللفقهاء في ذلك قولان :
منعه بعض الحنفيّة ، وأجازه بعضهم . فقد أجازه المالكيّة ، والحنابلة ، وبعض الحنفيّة ، لأنّه ليس فيه استطالة على المسلمين . ومنعه بعض الحنفيّة ، واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم « الإسلام يعلو ولا يعلى عليه » ولأنّهم منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم ، كذلك في بنائهم . وأصحّ قولي الشّافعيّة : المنع ، تمييزا بينهم ، ولأنّ القصد أن يعلو الإسلام ، ولا يحصل ذلك مع المساواة .
11 - أمّا لو اشترى الذّمّيّ دارا عالية مجاورة لدار مسلم دونها في العلو ، فللذّمّيّ سكنى داره ، ولا يمنع من ذلك ، ولا يلزمه هدم ما علا دار المسلم ، لأنّه لم يعل عليه شيئاً ، إلا أنّه ليس له الإشراف منها على دار المسلم ، وعليه أن يمنع صبيانه من طلوع سطحها إلا بعد تحجيره . أي بناء ما يمنع من الرّؤية .
فإن انهدمت دار الذّمّيّ العالية ثمّ جدّد بناءها ، لم يجز له أن يعلّي بناءها على بناء المسلم . وإن انهدم ما علا منها لم تكن له إعادته .
هذا ما عليه الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وهو : المعتمد عند المالكيّة .
12 - وأمّا تعلية بنائه على من ليس مجاورا له من المسلمين - فإنّه لا يمنع منه ، لأنّ علوه إنّما يكون ضررا على المجاور لبنائه دون غيره عند الحنابلة ، وهو المعتمد عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، ما لم يشرف منه على المسلمين . وللشّافعيّة في ذلك قولان :
أحدهما : عدم المنع ، وهو أصحّهما ، لأنّه يؤمن مع البعد بين البناءين أن يعلو على المسلمين ، ولانتفاء الضّرر .
والثّاني : المنع ، لما فيه من التّجمّل والشّرف ، ولأنّهم بذلك يتطاولون على المسلمين .
تعليق *
التّعريف :
1 - التّعليق في اللّغة : مصدر علّق ، يقال : علّق الشّيء بالشّيء ، ومنه ، وعليه تعليقاً : ناطه به . والتّعليق في الاصطلاح : هو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى . ويسمّى يميناً مجازاً ، لأنّه في الحقيقة شرط وجزاء ، ولما فيه من معنى السّببيّة كاليمين . والتّعليق عند علماء الحديث : حذف راو أو أكثر من ابتداء السّند .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإضافة :
2 - الإضافة في اللّغة تأتي بمعنى : الضّمّ ، والإمالة ، والإسناد ، والتّخصيص .
وأمّا الإضافة في اصطلاح الفقهاء فإنّهم يستعملونها بمعنى : الإسناد والتّخصيص . فإذا قيل : الحكم مضاف إلى فلان ، أو صفته كذا ، كان ذلك إسنادا إليه . وإذا قيل : الحكم مضاف إلى زمان كذا ، كان تخصيصا له . والفرق بين الإضافة والتّعليق من وجهين :
أحدهما : أنّ التّعليق يمين ، وهي للبرّ إعدام موجب المعلّق ، ولا يفضي إلى الحكم .
أمّا الإضافة فلثبوت حكم السّبب في وقته ، لا لمنعه ، فيتحقّق السّبب بلا مانع ، إذ الزّمان من لوازم الوجود .
وثانيهما : أنّ الشّرط على خطر ، ولا خطر في الإضافة .
وفي هذين الفرقين منازعة تنظر في كتب الأصول .
ب - الشّرط :
3 - الشّرط - بسكون الرّاء - له عدد من المعاني ، ومن بين تلك المعاني : إلزام الشّيء والتزامه . قال في القاموس : الشّرط إلزام الشّيء والتزامه في البيع ونحوه ، كالشّريطة . وأمّا بفتح الرّاء فمعناه : العلامة ، ويجمع على أشراط . . كسبب وأسباب .
والشّرط في الاصطلاح نوعان :
الأوّل : الشّرط الشّرعيّ ، وهو ما يلزم من عدم العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته . وهو أنواع : شرط للوجوب ، وشرط للانعقاد ، وشرط للصّحّة ، وشرط للّزوم ، وشرط للنّفاذ . إلى غير ذلك من الشّروط الشّرعيّة المعتبرة .
والنّوع الآخر : الشّرط الجعليّ ، وهو : التزام أمر لم يوجد في أمر قد وجد بصفة مخصوصة - كما قال الحمويّ - وهو ما يشترطه المتعاقدان في تصرّفاتهما .
والفرق بين التّعليق والشّرط - كما قال الزّركشيّ - : أنّ التّعليق ما دخل على أصل الفعل بأداته كإن وإذا ، والشّرط ما جزم فيه بالأصل وشرط فيه أمر آخر .
وقال الحمويّ : الفرق أنّ التّعليق ترتيب أمر لم يوجد على أمر يوجد بإن أو إحدى أخواتها ، والشّرط التزام أمر لم يوجد في أمر وجد بصيغة مخصوصة .