عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 05-19-2012, 07:32 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ب - الإتلاف :
22 - قال ابن تيميّة : إنّ المنكرات من الأعيان والصّفات يجوز إتلاف محلّها تبعاً لها ، فالأصنام صورها منكرة ، فيجوز إتلاف مادّتها ، وآلات اللّهو يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء ، وبذلك أخذ مالك ، وهو أشهر الرّوايتين عن أحمد .
ومن هذا القبيل أيضاً أوعية الخمر ، يجوز تكسيرها وتحريقها ، والمحلّ الّذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه ، واستدلّ لذلك بفعل عمر رضي الله عنه في تحريق محلّ يباع فيه الخمر ، وقضاء عليّ رضي الله عنه تحريق القرية الّتي كان يباع فيها الخمر ، ولأنّ مكان البيع كالأوعية . وقال : إنّ هذا هو المشهور في مذهب أحمد ، ومالك ، وغيرهما .
ومن هذا القبيل أيضاً : إراقة عمر اللّبن المخلوط بالماء للبيع . ومنه ما يراه بعض الفقهاء من جواز إتلاف المغشوشات في الصّناعات ، كالثّياب رديئة النّسج ، بتمزيقها وإحراقها ، وتحريق عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما لثوبه المعصفر بأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ابن تيميّة : إنّ هذا الإتلاف للمحلّ الّذي قامت به المعصية نظيره إتلاف المحلّ من الجسم الّذي وقعت به المعصية ، كقطع يد السّارق . وهذا الإتلاف ليس واجباً في كلّ حالة ، فإذا لم يكن في المحلّ مفسد فإنّ إبقاءه جائز ، إمّا له أو يتصدّق به . وبناء على ذلك أفتى فريق من العلماء : بأن يتصدّق بالطّعام المغشوش . وفي هذا إتلاف له .
وكره فريق الإتلاف ، وقالوا بالتّصدّق به ، ومنهم مالك في رواية ابن القاسم ، وهي المشهورة في المذهب . وقد استحسن مالك التّصدّق باللّبن المغشوش ، لأنّ في ذلك عقابا للجاني بإتلافه عليه ، ونفعاً للمساكين بالإعطاء لهم . وقال مالك في الزّعفران والمسك بمثل قوله في اللّبن إذا غشّهما الجاني . وقال ابن القاسم بذلك في القليل من تلك الأموال ، لأنّ التّصدّق بالمغشوش في الكثير من هذه الأموال الثّمينة تضيع به أموال عظيمة على أصحابها ، فيعزّرون في مثل تلك الأحوال بعقوبات أخرى .
وعند البعض : أنّ مذهب مالك التّسوية بين القليل والكثير . وروى أشهب عن مالك منع العقوبات الماليّة ، وأخذ بهذه الرّواية كلّ من مطرّف وابن الماجشون من فقهاء المذهب ، وعندهما : أنّ من غشّ أو نقص من الوزن يعاقب بالضّرب ، والحبس ، والإخراج من السّوق ، وأنّ ما غشّ من الخبز واللّبن ، أو غشّ من المسك والزّعفران لا يفرّق ولا ينهب.
ج - التّغيير :
23 - من التّعزير بالتّغيير نهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن كسر سكّة المسلمين الجائزة بين المسلمين ، كالدّراهم والدّنانير ، إلا إذا كان بها بأس ، فإذا كانت كذلك كسرت ، وفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم في التّمثال الّذي كان في بيته ، والسّتر الّذي به تماثيل ، إذ قطع رأس التّمثال فصار كالشّجرة ، وقطع السّتر إلى وسادتين منتبذتين يوطآن .
ومن ذلك : تفكيك آلات اللّهو ، وتغيير الصّور المصوّرة .
د - التّمليك :
24 - من التّعزير بالتّمليك : « قضاء الرّسول صلى الله عليه وسلم فيمن سرق من الثّمر المعلّق قبل أن يؤخذ إلى الجرين بجلدات نكال ، وغرم ما أخذ مرّتين » « وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوي إلى المراح بجلدات نكال ، وغرم ذلك مرّتين » وقضاء عمر رضي الله عنه بتضعيف الغرم على كاتم الضّالّة ، وقد قال بذلك طائفة من العلماء ، منهم : أحمد ، وغيره ، ومن ذلك إضعاف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابيّ أخذها مماليك جياع ، إذ أضعف الغرم على سيّدهم ، ودرأ القطع .
أنواع أخرى من التّعزير :
هناك أنواع أخرى من التّعزير غير ما سبق .
منها : الإعلام المجرّد ، والإحضار لمجلس القضاء ، والتّوبيخ والهجر .
أ - الإعلام المجرّد :
25 - الإعلام : صورته أن يقول القاضي للجاني : بلغني أنّك فعلت كذا وكذا ، أو يبعث القاضي أمينه للجاني ، ليقول له ذلك .
وقد قيّد البعض الإعلام ، بأن يكون مع النّظر بوجه عابس .
ب - الإحضار لمجلس القضاء :
26 - قال الكاسانيّ : إنّ هذا النّوع من التّعزير يكون بالإعلام ، والذّهاب إلى باب القاضي ، والخطاب بالمواجهة .
وقال البعض : إنّه يكون بالإعلام ، والجرّ لباب القاضي ، والخصومة فيما نسب إلى الجاني. والفرق بين هذه العقوبة والإعلام المجرّد : أنّ في هذه العقوبة يؤخذ الجاني إلى القاضي زيادة عن الإعلام ، وذلك ليخاطبه في المواجهة . وبناء على ما ذكره الكمال بن الهمام : تتميّز هذه عن الإعلام المجرّد بالخصومة فيما نسب إلى الجاني . وكثيراً ما يلجأ القاضي لهذين النّوعين أو لواحد منهما إذا كان الجاني قد ارتكب الجريمة على سبيل الزّلّة والنّدور ابتداء ، إذا كان ذلك زاجراً ، على شريطة كون الجريمة غير جسيمة .
ج - التّوبيخ :
مشروعيّة التّوبيخ :
27 - التّعزير بالتّوبيخ مشروع باتّفاق الفقهاء ، فقد « روى أبو ذرّ رضي الله عنه : أنّه سابّ رجلا فعيّره بأمّه ، فقال الرّسول صلى الله عليه وسلم يا أبا ذرّ ، أعيّرته بأمّه ، ، إنّك امرؤ فيك جاهليّة » . وقال الرّسول صلى الله عليه وسلم : « لَيُّ الواجد يُحِلُّ عرضه وعقوبته » . وقد فسّر النّيل من العرض بأن يقال له مثلا : يا ظالم ، يا معتد . وهذا نوع من التّعزير بالقول . وقد جاء في تبصرة الحكّام لابن فرحون : وأمّا التّعزير بالقول فدليله ما ثبت في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب فقال : اضربوه فقال أبو هريرة : فمِنَّا الضّارب بيده ، ومنّا الضّارب بنعله ، والضّارب بثوبه » . وفي رواية بإسناده : « ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه بكّتوه فأقبلوا عليه يقولون : ما اتّقيت اللّه ، ما خشيت اللّه ، ما استحييت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » . وهذا التّبكيت من التّعزير بالقول .
وقد عزّر عمر رضي الله عنه بالتّوبيخ . فقد روي عنه أنّه أنفذ جيشا فغنموا غنائم ، فلمّا رجعوا لبسوا الحرير والدّيباج ، فلمّا رآهم تغيّر وجهه ، وأعرض عنهم ، فقالوا : أعرضت عنّا ، فقال : انزعوا ثياب أهل النّار ، فنزعوا ما كانوا يلبسون من الحرير والدّيباج .
وذلك فيه تعزير لهم بالإعراض عنهم ، وفيه توبيخ لهم .
كيفيّة التّوبيخ :
28 - التّوبيخ قد يكون بإعراض القاضي عن الجاني ، أو بالنّظر له بوجه عبوس ، وقد يكون بإقامة الجاني من مجلس القضاء ، وقد يكون بالكلام العنيف ، ويكون بزواجر الكلام وغاية الاستخفاف ، على شريطة أن لا يكون فيه قذف ، ومنع البعض ما فيه السّبّ أيضاً .
د - الهجر :
29 - الهجر معناه : مقاطعة الجاني ، والامتناع عن الاتّصال به ، أو معاملته بأيّ نوع ، أو أيّة طريقة كانت . وهو مشروع بدليل قوله تعالى : { وَاللاتيْ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ } وقد « هجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه الثّلاثة الّذين تخلّفوا عنه في غزوة تبوك » . وعاقب عمر صبيغا بالهجر لمّا نفاه إلى البصرة ، وأمر ألا يجالسه أحد . وهذا منه عقوبة بالهجر .
الجرائم الّتي شرع فيها التّعزير :
30 - الجرائم الّتي شرع فيها التّعزير قد تكون من قبيل ما شرع في جنسه عقوبة مقدّرة من حدّ أو قصاص ، لكنّ هذه العقوبة لا تطبّق ، لعدم توافر شرائط تطبيقها ، ومنها ما فيه عقوبة مقدّرة ، ولكنّ هذه العقوبة لا تطبّق عليها لمانع ، كوجود شبهة تستوجب درء الحدّ ، أو عفو صاحب الحقّ عن طلبه .
وقد تكون الجرائم التّعزيريّة غير ما ذكر فيكون فيها التّعزير أصلاً .
ويدخل في هذا القسم ما لا يدخل في سابقه من جرائم . وفيما يلي تفصيل ذلك .
الجرائم الّتي يشرع فيها التّعزير بديلاً عن الحدود :
جرائم الاعتداء على النّفس ، وما دونها :
31 - يدخل في هذا الموضوع : الكلام في جرائم الاعتداء على النّفس ، وهي الّتي يترتّب عليها إزهاق الرّوح ، والكلام في جرائم الاعتداء على ما دون النّفس وهي الّتي تقع على البدن دون أن تؤدّي لإزهاق الرّوح :
جرائم القتل " الجناية على النّفس " :
القتل العمد :
32 - القتل العمد العدوان موجبه القصاص ، ويجب لذلك توافر شروط ، أهمّها : كون القاتل قد تعمّد تعمّدا محضا ليس فيه شبهة ، وكونه مختاراً ، ومباشراً للقتل ، وألا يكون المقتول جزء القاتل ، وأن يكون معصوم الدّم مطلقاً . وفضلاً عن ذلك يجب للقصاص : أن يطلب من وليّ الدّم . فإذا اختلّ شرط من هذه الشّروط امتنع القصاص ، وفيه التّعزير .
وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ( قتل - قصاص ) .
القتل شبه العمد :
33 - قال البهوتيّ ، نقلاً عن " المبدع " : قد يقال بوجوب التّعزير في القتل شبه العمد ، لأنّ الكفّارة حقّ للّه تعالى وليست لأجل الفعل ، بل بدل النّفس الفائتة ، فأمّا نفس الفعل المحرّم - الّذي هو الجناية - فلا كفّارة فيه .
34 - ومن الأصول الثّابتة عند الحنفيّة : أنّ ما لا قصاص فيه عندهم كالقتل بالمثقّل - وهو القتل بمثل الحجر الكبير أو الخشبة العظيمة - يجوز للإمام أن يعزّر فيه بما يصل للقتل ، إذا تكرّر ارتكابه ، ما دامت فيه مصلحة . وبناء على هذا الأصل قالوا بالتّعزير بالقتل لمن يتكرّر منه الخنق ، أو التّغريق ، أو الإلقاء من مكان مرتفع ، إذا لم يندفع فساده إلا بالقتل .
الاعتداء على ما دون النّفس :
35 - إذا كانت الجناية على ما دون النّفس عمدا فيشترط للقصاص فضلا عن شروطه في النّفس : المماثلة ، وإمكان استيفاء المثل .
ويرى مالك التّعزير أيضا في الجناية العمد على ما دون النّفس ، إذا سقط القصاص ، أو امتنع لسبب أو لآخر ، فيكون في الجريمة التّعزير مع الدّية ، أو الأرش ، أو بدونه ، تبعاً للأحوال . ومثال ذلك أن تكون الجناية على عظم خطر .
إذ العظام الخطرة لا قصاص فيها عنده ، مثل عظام الصّلب ، والفخذ ، والعنق ، ومثل المنقّلة ، والمأمومة ، ويقال ذلك أيضا في الجائفة ، لأنّه لا يستطاع فيها القصاص ، وفي كلّ ما ذهبت منفعته بالجناية مع بقائه قائما في الجسم ، وبقاء جماله ، فإذا ضربه على عينه فذهب بصرها ، وبقي جمالها فلا قود فيها . ومثل ذلك اليد إذا شلّت ولم تبن عن الجسم ، ففي هذه وما يماثلها يعزّر الجاني مع أخذ العقل منه ( أي الدّية ) .
وإذا لم يترك الاعتداء على الجسم أثرا : فأغلب الفقهاء على أنّ في ذلك التّعزير ، لا القصاص . ولدى بعض المالكيّة القصاص في ضربة السّوط ، ولو لم يحدث جرحا ولا شجّة ، مع أنّه لا قصاص عندهم في اللّطمة ، وضربة العصا ، إلا إذا خلّفت جرحاً أو شجّة . وروي عن مالك : أنّ ضربة السّوط في ذلك كاللّطمة فيه الأدب ، ونقل ذلك ابن عرفة عن أشهب . ويرى ابن القيّم وبعض الحنابلة : القصاص في اللّطمة والضّربة .
الزّنى الّذي لا حدّ فيه ، ومقدّماته :
36 - الزّنى إذا توافرت الشّرائط الشّرعيّة لثبوته فإنّ فيه حدّ الزّنى ، أمّا إذا لم يطبّق الحدّ المقدّر لوجود شبهة ، أو لعدم توافر شريطة من الشّرائط الشّرعيّة لثبوت الحدّ ، فإنّ الفعل يكون جريمة شرع الحكم فيها - أو في جنسها - لكنّه لم يطبّق .
وكلّ جريمة لا حدّ فيها ولا قصاص ففيها التّعزير .
وبناء على ذلك : إذا كانت هناك شبهة تدرأ الحدّ ، سواء كانت شبهة فعل ، أو شبهة ملك ، أو شبهة عقد ، فإنّ الحدّ لا يطبّق . لكنّ الجاني يعزّر ، لأنّه ارتكب جريمة ليست فيها عقوبة مقدّرة .
وتعرف الشّبهة بأنّها : ما يشبه الثّابت وليس بثابت . أو : هي وجود المبيح صورة ، مع عدم حكمه أو حقيقته ، وتفصيل ذلك في ( اشتباه ) . وإذا كانت المزنيّ بها ميّتة ففي هذا الفعل التّعزير ، لأنّه لا يعتبر زنى ، إذ حياة المزنيّ بها شريطة في الحدّ .
وإذا لم يكن الفعل من رجل فلا يقام الحدّ ، بل التّعزير ، ومن ذلك : المساحقة .
وإذا لم يكن الفعل في قبل امرأة فأبو حنيفة على عدم الحدّ ، لكنّ فيه التّعزير ، ومن ذلك أن يكون الفعل في الدّبر . وهو قول للشّافعيّة . والقول بالقتل على كلّ حال مرويّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما وهو قول آخر للشّافعيّة ، والمذهب عند الشّافعيّة : أنّه زنى ، وفيه الحدّ . وقال قوم : إنّ اللّواط زنى ، وفيه حدّ الزّنى . ومن هؤلاء : مالك ، وهو المشهور لدى الشّافعيّ ، وهو رأي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة . واختلفت الرّواية عن أحمد : فقد روي عنه أنّ فيه حدّ الزّنى : وإذا كان الفعل في زوجة الفاعل فلا حدّ فيه بالإجماع . والجمهور على أنّه يستوجب التّعزير . وممّا يستوجب التّعزير في هذا المجال كلّ ما دون الوقاع من أفعال ، كالوطء فيما دون الفرج ، ويستوي فيه المسلم ، والكافر ، والمحصن ، وغيره . ومنه أيضاً : إصابة كلّ محرّم من المرأة غير الجماع . وعناق الأجنبيّة، أم تقبيلها. وممّا فيه التّعزير كذلك : كشف العورة لآخر ، وخداع النّساء ، والقوادة ، وهي : الجمع بين الرّجال والنّساء للزّنى ، وبين الرّجال والرّجال للّواط .
القذف الّذي لا حدّ فيه والسّبّ :
37 - حدّ القذف لا يقام على القاذف إلّا بشرائطه ، فإذا انعدم واحد منها أو اختلّ فإنّ الجاني لا يحدّ . ويعزّر عند طلب المقذوف ، لأنّه ارتكب معصية لا حدّ فيها .
ومن شروط القذف الّذي فيه الحدّ : كون المقذوف محصناً . فإذا لم يكن كذلك فلا يحدّ القاذف ، ولكن يعزّر . ومن ذلك أن يقذف مجنوناً بالزّنى . أو صغيراً بالزّنى . أو مسلمة قد زنت . أو مسلما قد زنى ، أو من معها أولاد لا يعرف لهم أب ، وذلك لعدم العفّة في هذه الثّلاثة الأخيرة . ومنها كون المقذوف معلوماً ، فإن لم يكن كذلك فلا حدّ ، بل التّعزير ، لأنّ الفعل معصية لا حدّ فيها . وبناء على ذلك يعزّر - ولا يحدّ - من قذف بالزّنى جدّ آخر دون بيان الجدّ . أو أخاه كذلك ، وكان له أكثر من أخ .
ولا حدّ في القذف بغير الصّريح ، ومن ذلك : القذف بالكناية ، أو التّعريض ، فليس فيه عند الحنفيّة حدّ ، بل التّعزير ، وكذلك عند الشّافعيّة . ويرى مالك : الحدّ في القذف بالتّعريض أو الكناية . والّذين منعوا الحدّ قالوا بالتّعزير ، لأنّ الفعل يكون جريمة لا حدّ فيها .
ولا حدّ إذا رماه بألفاظ لا تفيد الزّنى صراحة . كقوله : يا فاجر ، بل يعزّر .
وكذلك الشّأن إذا رماه بما لا يعتبر زنى ، كمن رمى آخر بالتّخنّث . ويعزّر كذلك عند أبي حنيفة من يرمي آخر بأنّه يعمل عمل قوم لوط ، لأنّ هذا الفعل لا يوجب حدّ الزّنى عنده . أمّا مالك والشّافعيّ وأبو يوسف ومحمّد فإنّهم يقولون بالحدّ ، ومن ثمّ فلا تعزير في ذلك ، بل فيه حدّ القذف عند هؤلاء . ومردّ الخلاف : هو في أنّ اللّواط هل هو زنى أم لا ؟ .
فمن قالوا : بأنّه زنى ، جعلوا في القذف به حدّ القذف . ومن قالوا : بغير ذلك ، جعلوا في القذف به التّعزير . ومن قذف آخر قذفاً مقيّداً بشرط أو أجل يعزّر ولا يحدّ .
وإذا لم يكن القول قذفاً ، بل مجرّد سبّ أو شتم فإنّه يكون معصية لا حدّ فيها ، ففيها التّعزير . ومن ذلك قوله : يا نصرانيّ ، أو يا زنديق ، أو يا كافر ، في حين أنّه مسلم . وكذلك من قال لآخر : يا مخنّث ، أو يا منافق ، ما دام المجنيّ عليه غير متّصف بذلك . ويعزّر كذلك في مثل : يا آكل الرّبا ، أو يا شارب الخمر ، أو يا خائن ، أو يا سارق ، وكلّه بشرط كون المجنيّ عليه غير معروف بما نسب إليه . وكذلك من قال لآخر : يا بليد ، أو يا قذر ، أو يا سفيه ، أو يا ظالم ، أو يا أعور ، وهو صحيح ، أو يا مقعد ، وهو صحيح كذلك على سبيل الشّتم . وعلى وجه العموم يعزّر من شتم آخر ، مهما كان الشّتم ، لأنّه معصية . ويرجع في تحديد الفعل الموجب للتّعزير إلى العرف ، فإذا لم يكن الفعل المنسوب للمجنيّ عليه ممّا يلحق به في العرف العار والأذى والشّين ، فلا عقاب على الجاني ، إذ لا يكون ثمّة جريمة .
السّرقة الّتي لا حدّ فيها :
38 - السّرقة من جرائم الحدود ما دامت قد استوفت شروطها الشّرعيّة ، وأهمّها : الخفية . وكون موضوع السّرقة مالا ، مملوكا لغير السّارق ، محرّزاً ، نصاباً . فإذا تخلّف شرط من شروط الحدّ فلا يقام ، ولكن يعزّر الفاعل ، لأنّه ارتكب جريمة ليس فيها حدّ مقدّر . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( سرقة ) .
قطع الطّريق الّذي لا حدّ فيه :
39 - قطع الطّريق كغيره من جرائم الحدود ، يجب لكي يكون فيه الحدّ أن تتوافر شروط معيّنة ، وإلّا فلا يقام الحدّ ، ويعزّر الجاني ما دام قد ارتكب معصية لا حدّ فيها .
ومن الشّروط : أن يكون الجاني بالغاً ، ذكراً ، وأن يكون المجنيّ عليه مسلماً ، أو ذمّيّاً ، وأن تكون يده على المال صحيحة ، وأن لا يكون في القطّاع ذو رحم محرم لأحد المقطوع عليه ، وأن يكون المقطوع فيه مالاً متقوّماً معصوماً مملوكاً ، لا ملك فيه للقاطع ، ولا شبهة ملك ، محرّزاً ، نصاباً ، وأن يكون قطع الطّريق في غير المصر .
وتفصيل ذلك في ( حرابة ) .
الجرائم الّتي موجبها الأصليّ التّعزير :
بعض الجرائم الّتي تقع على آحاد النّاس :
شهادة الزّور :
40 - حرّم قول الزّور في القرآن الكريم بقوله تعالى { وَاجْتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ } .
وفي السّنّة بما ورد : « أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم عدّ قول الزّور وشهادة الزّور من أكبر الكبائر » وما دام أنّه ليس فيها عقوبة مقدّرة ، ففيها التّعزير .
الشّكوى بغير حقّ :
41 - ذكر صاحب ( تبصرة الحكّام ) أنّ من قام بشكوى بغير حقّ يؤدّب .
وقال البهوتيّ : إنّه إذا ظهر كذب المدّعي في دعواه بما يؤذي به المدّعى عليه ، فإنّه يعزّر لكذبه وإيذائه للمدّعى عليه .
قتل حيوان غير مؤذ أو الإضرار به :
42 - نهى الرّسول صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان في قوله : « إنّ امرأة دخلت النّار في هرّة حبستها ، فلا هي أطعمتها وسقتها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض » فهذا الفعل معصية ، فيعزّر الفاعل ما دام الفعل ليس فيه حدّ مقدّر .
ومن الأمثلة على الجرائم في هذا المجال : قطع ذنب حيوان ، فقد ذكر فقهاء الحنفيّة أنّ : ممّا يوجب التّعزير ما ذكر ابن رستم فيمن قطع ذنب برذون .
انتهاك حرمة ملك الغير :
43 - دخول بيوت الغير بدون إذن ممنوع شرعاً لقوله تعالى : { لا تَدْخُلُوا بُيُوتَاً غَيرَ بُيُوتِكُمْ حتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } وبناء على هذا الأصل قيل بتعزير من يوجد في منزل آخر بغير إذنه أو علمه ، ودون أن يتّضح سبب مشروع لهذا الدّخول .
جرائم مضرّة بالمصلحة العامّة :
44 - توجد جرائم مضرّة بالمصلحة العامّة ليست فيها عقوبات مقدّرة ، وفيها التّعزير . من هذه الجرائم : التّجسّس للعدوّ على المسلمين ، فهو منهيّ عنه لقوله تعالى { ولا تَجَسَّسُوا } ، وقوله { . . . لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَولِياءَ تُلْقُونَ إِليْهمْ بِالمَوَدَّةِ } .
ولمّا كانت هذه الجريمة ليست لها عقوبة مقدّرة ففيها التّعزير . وتفصيله في ( تجسّس ) .
الرّشوة :
45 - هي جريمة محرّمة بالقرآن لقوله تعالى : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } وهي في اليهود وكانوا يأكلون السّحت من الرّشوة .
وهي كذلك محرّمة بالسّنّة لحديث : « لعن اللّه الرّاشي والمرتشي والرّائش » .
ولمّا كانت هذه الجريمة ليست فيها عقوبة مقدّرة ففيها التّعزير .
تجاوز الموظّفين حدودهم ، وتقصيرهم :
هذه معصية ليست فيها عقوبة مقدّرة ، ولها صور منها :
أ - جور القاضي :
46 - إذا جار القاضي في الحكم عمدا يعزّر ، ويعزل ، ويضمن في ماله ، لأنّه فيما جار ليس بقاض ، ولكنّه إتلاف بغير حقّ ، فيكون فيه كغيره في إيجاب الضّمان عليه في ماله . إذا جار مخطئا لم يكن عليه غرم قضائه ، لأنّه ليس معصوماً عن الخطأ لقوله تعالى :
{ وَلَيْسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ به }
ب - ترك العمل أو الامتناع عمداً عن تأدية الواجب :
47 - كلّ عمل من شأنه تعطيل الوظائف العامّة أو عدم انتظامها هو جريمة تستوجب التّعزير ، والغرض من ذلك ضمان حسن سير العمل ، حتّى تقوم السّلطة بواجباتها على أكمل وجه . وعلى ذلك : فيعزّر كلّ من ترك عمله ، أو امتنع عن عمل من أعمال الوظيفة قاصدا عرقلة سير العمل ، أو الإخلال بانتظامه ، ويعزّر عموما كلّ من يتمرّد في وظيفته ، أو يستعمل القوّة ، أو العنف مع رؤسائه ، ويترك عمله .
ومن ذلك تعدّي أحد الموظّفين المدنيّين أو العسكريّين على غيره استغلالاً لوظيفته .
مقاومة رجال السّلطة والاعتداء عليهم :
48 - التّعدّي على الموظّفين العموميّين والمكلّفين بخدمة عامّة يستحقّ التّعزير .
ومن الأمثلة الّتي أوردها الفقهاء في هذا المجال : إهانة العلماء أو رجال الدّولة بما لا يليق ، سواء كان ذلك بالإشارة ، أو القول ، أو بغير ذلك . والتّعدّي على أحد الجنود باليد ، أو تمزيق ثيابه ، أو سبّه ، ففيه التّعزير ، والتّضمين عن التّلف . ومن ذلك : إهانة محكمة قضائيّة ، وكذلك جرائم الجلسة ، فالقاضي له فيها التّعزير ، وإن عفا فحسن .
هرب المحبوسين وإخفاء الجناة :
49 - من ذلك من يؤوي محاربا ، أو سارقا ، أو نحوهما ، ممّن عليه حقّ للّه تعالى أو لآدميّ ، ويمنع من أن يستوفى هذا الحقّ . فقد قيل : إنّه شريك في جرمه ويعزّر ، ويطلب إحضاره ، أو الإعلام عن مكانه ، فإن امتنع يحبس ، ويضرب مرّة بعد مرّة، حتّى يستجيب.
تقليد المسكوكات الزّيوف والمزوّرة :
50 - تقليد المسكوكات الّتي في التّداول والإعانة على صرف العملة الفاسدة ونشرها جريمة فيها التّعزير . ففي ( عدّة أرباب الفتوى ) في رجل يعمل السّكّة المصنوعة ريالا وذهبا وروبيّة ، وفي رجل ينشر هذه المسكوكات الزّائفة ويروّجها : أنّهما يعزّران .
التّزوير :
51 - في هذه الجريمة التّعزير ، فقد روي : أنّ معن بن زياد عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال فأخذ مالاً ، فضربه عمر رضي الله عنه مائة جلدة ، وحبسه ، ثمّ ضربه مائة أخرى ، ثمّ ثالثة ، ثمّ نفاه . ومن موجبات التّعزير : كتابة الخطوط والصّكوك بالتّزوير .
البيع بأكثر من السّعر الجبريّ :
52 - قد تدعو الحال لتسعير الحاجيّات ، فإن كان ذلك : فالبيع بأكثر من السّعر المحدّد فيه التّعزير . ومن ذلك : الامتناع عن البيع ، ففيه الأمر بالواجب والعقاب على ترك الواجب . ومن ذلك : احتكار الحاجات للتّحكّم في السّعر لحديث : « لا يحتكر إلا خاطئ » .
الغشّ في المكاييل والموازين :
53 - يقول اللّه تعالى : { أَوْفُوا الكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِن المُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ } . وفي الحديث : « من غشّنا فليس منّا » وبناء على ذلك : فالغشّ في الكيل والوزن معصية ، وليس فيها حدّ مقدّر ، ففيها التّعزير .
المشتبه فيهم :
54 - قد يكون التّعزير لا لارتكاب فعل معيّن ، ولكن لحالة الجاني الخطرة ، وقد قال بعض الفقهاء بتعزير من يتّهم بالسّرقة ، ولو لم يرتكب سرقة جديدة ، ومن يعرف أو يتّهم بارتكاب جرائم ضدّ النّفس ، كالقتل والضّرب والجرح .
سقوط التّعزير :
55 - تسقط العقوبة التّعزيريّة بأسباب ، منها : موت الجاني ، والعفو عنه ، وتوبته .
أ - سقوط التّعزير بالموت :
56 - إذا كانت العقوبة بدنيّة أو مقيّدة للحرّيّة فإنّ موت الجاني مسقط لها بداهة ، لأنّ العقوبة متعلّقة بشخصه ، ومن ذلك : الهجر ، والتّوبيخ ، والحبس ، والضّرب .
أمّا إذا لم تكن العقوبة متعلّقة بشخص الجاني بل كانت منصّبة على ماله ، كالغرامة والمصادرة ، فموت الجاني بعد الحكم لا يسقطها ، لأنّه يمكن التّنفيذ بها على المال ، وهي تصير بالحكم دينا في الذّمّة ، وتتعلّق تبعا لذلك بتركة الجاني المحكوم عليه .
ب - سقوط التّعزير بالعفو :
57 - العفو جائز في التّعزير إذا كان لحقّ اللّه تعالى ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة إلّا في حدّ من حدود اللّه » وقوله « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » وقوله في الأنصار : « اقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم » ، « وقوله لرجل - قال له : إنّي لقيت امرأة فأصبت منها دون أن أطأها - : أصلّيت معنا ؟ فردّ عليه بنعم ، فتلا قوله تعالى { إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ } » فالإمام له العفو .
وقيل : إنّه لا يجوز العفو إذا تعلّق التّعزير بحقّ اللّه تعالى كما في تارك الصّلاة .
وقال الإصطخريّ في رسالته : ومن طعن على أحد الصّحابة ، وجب على السّلطان تأديبه ، وليس له أن يعفو عنه . وقال البعض : إنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه كوطء جارية امرأته ، أو جارية مشتركة ، يجب امتثال الأمر فيه ، فهنا لا يجوز العفو عندهم ، بل يجب التّعزير ، لامتناع تطبيق الحدّ . وقال البعض : إنّ العفو يكون لمن كانت منه الفلتة والزّلّة ، وفي أهل الشّرف والعفاف ، وعلى ذلك : فشخص الجاني له اعتبار في العفو .
وإذا كان التّعزير لحقّ آدميّ فقد قيل كذلك : إنّ لوليّ الأمر تركه ، والعفو عنه ، حتّى ولو طلبه صاحب الحقّ فيه ، شأنه في ذلك شأن التّعزير الّذي هو حقّ اللّه تعالى .
وقيل : لا يجوز تركه عند طلبه ، مثل القصاص ، فليس لوليّ الأمر هنا تركه بعفو أو نحوه ، وعلى ذلك أغلب الفقهاء . وإذا عفا وليّ الأمر عن التّعزير فيما يمسّ المصلحة العامّة ، وكان قد تعلّق بالتّعزير حقّ آدميّ كالشّتم ، فلا يسقط حقّ الآدميّ ، فعلى وليّ الأمر الاستيفاء ، لأنّ الإمام ليس له - على الرّاجح - العفو عن حقّ الفرد .
وإذا عفا الآدميّ عن حقّه فإنّ عفوه يجوز ، ولكن لا يمسّ هذا حقّ السّلطة .
وقد فرّق الماورديّ في هذا المجال بين حالتين :
أ - إذا حصل عفو الآدميّ قبل التّرافع ، فلوليّ الأمر الخيار بين التّعزير أو العفو .
ب - وإذا حصل بعد التّرافع ، فقد اختلف في العقاب عن حقّ السّلطة على وجهين :
الأوّل : في قول أبي عبد اللّه الزّبيريّ يسقط بالعفو ، وليس لوليّ الأمر أن يعزّر فيه ، لأنّ حدّ القذف أغلظ ويسقط حكمه بالعفو ، فكان حكم التّعزير لحقّ السّلطة أولى بالسّقوط . والثّاني - وهو الأظهر - أنّ لوليّ الأمر أن يعزّر فيه مع العفو قبل التّرافع إليه ، كما يجوز له ذلك بعد التّرافع مخالفة للعفو عن حدّ القذف في الموضعين ، لأنّ التّقويم من الحقوق العامّة .
سقوط التّعزير بالتّوبة :
58 - اختلف الفقهاء في أثر التّوبة في التّعزير : فعند الحنفيّة والمالكيّة وبعض الشّافعيّة والحنابلة : أنّه لا تسقط العقوبة بالتّوبة ، لأنّها كفّارة عن المعصية . وعند هؤلاء في تعليل ذلك : عموم أدلّة العقوبة بلا تفرقة بين تائب وغيره عدا المحاربة . وفضلاً عن ذلك فجعل التّوبة ذات أثر في إسقاط العقوبة يجعل لكلّ ادّعاءها ، للإفلات من العقاب .
وعند فريق آخر ، منهم الشّافعيّة والحنابلة : أنّ التّوبة قبل القدرة تسقط العقوبة قياساً على حدّ المحاربة ، استنادا إلى ما ورد في الصّحيحين من حديث أنس رضي الله عنه « كنت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال : يا رسول اللّه ، إنّي أصبت حدّاً فأقمه عليّ ، ولم يسأله عنه . فحضرت الصّلاة فصلّى مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فلمّا قضى النّبيّ صلى الله عليه وسلم الصّلاة قام إليه الرّجل ، فأعاد قوله ، فقال : أليس قد صلّيت معنا ؟ قال نعم . قال : فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد غفر لك ذنبك » .
وفي هذا دليل على أنّ الجاني غفر له لمّا تاب . وفضلا عن ذلك فإنّه إذا جازت التّوبة في المحاربة مع شدّة ضررها وتعدّيه ، فأولى التّوبة فيما دونها . وهؤلاء يقصرون السّقوط بالتّوبة على ما فيه اعتداء على حقّ اللّه ، بخلاف ما يمسّ الأفراد .
وقال ابن تيميّة وابن القيّم : إنّ التّوبة تدفع العقوبة في التّعزير وغيره ، كما تدفعها في المحاربة ، بل إنّ ذلك أولى من المحاربة ، لشدّة ضررها ، وهذا يعتبر مسلكا وسطا بين من يقول : بعدم جواز إقامة العقوبة بعد التّوبة ألبتّة . وبين مسلك من يقول : إنّه لا أثر للتّوبة في إسقاط العقوبة ألبتّة . ويترتّب على هذا الرّأي : أنّ التّعزير الواجب حقّا للّه تعالى يسقط بالتّوبة ، إلّا إذا اختار الجاني العقوبة ليطهّر بها نفسه ، فالتّوبة تسقط التّعزير ، على شريطة ألّا يطلب الجاني إقامته ، وذلك بالنّسبة لحقوق المصلحة العامّة .
واحتجّ القائلون بذلك بأنّ اللّه عزّ وجلّ جعل توبة الكفّار سببا لغفران ما سلف واحتجّوا بقوله تعالى : { قُلْ لِلَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .
وأنّ السّنّة عليه كذلك ، ففي الحديث : « التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له » .
رد مع اقتباس